من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
نسب العماني وخبره
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
اسمه محمد بن ذؤيب بن محجن بن قدامة بن بلهيّة الحنظليّ ثمّ الدّارميّ صليبة، وقيل له: العمانيّ، وهو بصريّ؛ لأنه كان شديد صفرة اللون، وليس هو ولا أبوه من أهل عمان، وكان شاعرا راجزا متوسطا، من شعراء الدولة العباسية، ليس من نظراء الشعراء الذين شاهدهم في عصره، مثل أشجع وسلم ومروان، ولكنه كان لطيفا داهيا مقبولا، فأفاد بشعره أموالا جليلة.
أخبرني ابن أبي الأزهر، قال: حدّثنا حمّاد بن إسحاق، عن أبيه، عن جبر بن رياط الأسديّ: أنّ عبد الملك بن صالح أدخل العمانيّ على الرّشيد فأنشده:
يا ناعش الجدّ إذا الجدّ عثروجابر العظم إذا العظم انكسر
أنت ربيعي والربيع ينتظروخير أنواء الربيع ما بكر
فقال له الرشيد: إذا يبكر عليك ربيعنا، يا فضل، أعطه خمسة آلاف دينار، وخمسين ثوبا.
قال إسحاق: قال جبر: لما دخل الرّشيد الرّقّة استقبله العمانيّ، فلما بصر به ناداه:
هارون يابن الأكرمين منصبالما ترحّلت فصرت كثبا
من أرض بغداد تؤمّ المغرباطابت لنا ريح الجنوب والصّبا
ونزل الغيث لنا حتى رباما كان من نشز وما تصوّبا
فمرحبا ومرحبا ومرحبا
فقال له الرّشيد: وبك مرحبا يا عمانيّ وأهلا، وأجزل صلته.
أخبرني محمد بن جعفر النّحويّ صهر المبرّد المعروف بابن الصّيدلانيّ، قال: حدّثنا محمد بن موسى، عن حمّاد، قال: قال العتبيّ: لما وجّه الفضل بن يحيى الوفد من خراسان إلى الرّشيد يحضّونه على البيعة لابنه محمّد قعد لهم الرّشيد، وتكلم القوم على مراتبهم، وأظهروا السرور بما دعاهم إليه من البيعة لابنه، وكان فيمن حضر محمد بن ذؤيب العمانيّ، فقام بين صفوف القوّاد، ثم أنشأ يقول:
لمّا أتانا خبر مشهّرأغرّ لا يخفى على من يبصر
جاء به الكوفيّ والمبصّروالراكب المنجد والمغوّر
يخبّر النّاس وما يستخبرقلت لأصحابي ووجهي ومسفر
وللرجال: حسبكم لا تكثروافاز بها محمد فأقصروا
قد كان هذا قبل هذا يذكرفي كتب العلم التي تسطّر
فقل لمن كان قديما يتجر:قد نشر العدل فبيعوا واشتروا
وشرّقوا وغرّبوا وبشّروافقد كفى اللّه الذي يستقدر
بمنّه أفعال ما قد يحذروالسيف عنّا مغمد ما يشهر
وقلّد الأمر الأغرّ الأزهرنوء السّماكين الذي يستمطر
بوجهه إن كان عام أغبرسرّت به أسرّة ومنبر
وابتهج النّاس به واستبشرواوهلّلوا لربّهم وكبّروا
شكرا ومن حقّهم أن يشكرواإذ ثبتت أوتاد ملك يعمر
من هاشم في حيث طاب العنصروطاح من كان عليها يزفر
إنّ بني العبّاس لم يقصّرواإذ نهضوا لملكهم فشمّروا
وعقدوا ونزعوا وأمّرواودبّروا فأحكموا ما دبّروا
وأوردوا بالحزم ثم أصدرواوالحزم رأي مثله لا ينكر
إذا الرّجال في الرّجال خيّروايا أيها الخليفة المطهّر
والمؤمن المبارك الموقّروالطّيّب الأغصان والمظفّر
ما النّاس إلا غنم تنشّرإن لم تداركهم براع يخطر
على قواصي طرقها ويسترويمنع الذّئب فلا ينفّر
فامنن علينا بيد لا تكفرمشهورة ما دام زيت يعصر
وانظر لنا وخلّ من لا ينظرواجسر كما كان أبوك يجسر
لا خير في مجمجم لا يظهرولا كتاب بيعة لا ينشر
وقد تربّصت فليس تعذرفليت شعري ما الذي تنتظر!
أأنت قائم به أم تسخرما لك في محمد لا تعذر!
وليت شعري والحديث يؤثرأترقد الليل ونحن نسهر!
خوفا على أمورنا ونضجرواللّه واللّه الذي يستغفر
لأن يموت معشر ومعشرخير لنا من فتنة تسعّر
يهلك فيها دينهم ويوزرواوقد وفى القوم الذين انتصروا
لصاحب الرّوم وذاك أصغرمنه وهذا البحر لا يكدّر
وذاكم العلج وهذا الجوهرينمي به محمد وجعفر
والخلفاء والنّبيّ الأكبرونبعة من هاشم وعنصر
واعلم وأنت المرء لا يبصّر(واللّه يبقيك وتجبر
منّا ذوي العسرة حتى يوسرواأنّ الرّجال إن ولوها آثروا
ذوي القرابات بها، واستأثروابها، وضلّ أمرهم واستكبروا
والملك لا رحم له فيأصرذا رحم والناس قد تغيّروا
فأحكم الأمر وأنت تقدرفمثل هذا الأمر لا يؤخّر
فلما فرغ من أرجوزته قال له الرشيد: أبشر يا عمانيّ بولاية محمد العهد، فقال: إي واللّه يا أمير المؤمنين، بشرى الأرض المجدبة بالغيث، والمرأة النّزور بالولد، والمريض المدنف بالبرء، قال: ولم ذاك؟ قال: لأنه نسيج وحده، وحامي مجده، وموري زنده. قال: فما لك في عبد اللّه، قال: مرعى ولا كالسّعدان، فتبسّم الرّشيد وقال: قاتله اللّه من أعرابيّ ما أعرفه بمواضع الرغبة، وأسرعه إلى أهل البذل والعائدة، وأبعده من أهل الحزم والعزم، والذين لا يستمنح ما لديهم بالثّناء، أما واللّه إني لأعرف في عبد اللّه حزم المنصور ونسك المهديّ، وعزّ نفس الهادي، ولو أشاء أن أنسبه إلى الرّابعة لنسبته إليها.
أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدّثنا عليّ بن الحسن الشّيبانيّ، وأخبرني به محمد بن جعفر، عن محمد بن موسى، عن حمّاد، عن أبي محمد المطبخيّ، عن عليّ بن الحسن الشّيبانيّ، قال: أخبرني أبو خالد الطائيّ، عن جبير بن ضبينة الطائيّ، قال: أخبرني الفضل، قال: حضرت الرّشيد يوما وجلس للشعراء، فدخل عليه الفضل بن الرّبيع وخلفه العمانيّ، فأدناه الرّشيد واستنشده، فأنشده أرجوزة له فيه، حتى انتهى إلى هذا الموضع:
قل للإمام المقتدى بأمّه:ما قاسم دون مدى ابن أمّه
وقد رضيناه فقم فسمّه
قال: فتبسّم الرّشيد ثم قال: ويحك! أما رضيت أن أولّيه العهد وأنا جالس حتى أقوم على رجلي! فقال له العمانيّ: ما أردت يا أمير المؤمنين قيامك على رجليك؛ إنما أردت قيام العزم، قال: فإنا قد ولّيناه العهد، وأمر بالقاسم أن يحضر. ومرّ العمانيّ في أرجوزته يهدر حتى أتى على آخرها، وأقبل القاسم فأومأ إليه الرشيد، فجلس مع أخويه فقال له: يا قاسم، عليك جائزة هذا الشّيخ، فقد سألنا أن نولّيك العهد وقد فعلنا، فقال: حكمك يا أمير المؤمنين، فقال: وما أنا وهذا! بل حكمك، وأمر له الرّشيد بجائزة، وأمر له القاسم بجائزة أخرى مفردة.
أخبرني محمد بن مزيد، قال: حدّثنا حمّاد بن إسحاق، عن أبيه قال: دخل محمد بن ذؤيب العمانيّ على أبي الحرّ التّميميّ بالبصرة، فأطعمه وسقاه وجلّله بكساء فقال فيه:
إن أبا الحرّ لعين الحرّيدفع عنّا سبرات القرّ
باللحم والشّحم وخبز البرّونطفة مكنونة في الجرّ
يشربها أشياخنا في السّرّحتى نرى حديثنا كالدّرّ
أخبرني محمد بن مزيد، قال: حدّثنا حمّاد، عن أبيه، قال: قصد العمانيّ عبد الملك بن صالح الهاشميّ متوسّلا به إلى الرشيد في الوصول إليه مع الشعراء، ومدح عبد الملك بقصيدته التي يقول فيها:
نمته العرانين من هاشمإلى النّسب الأوضح الأصرح
إلى نبعة فرعها في السماءومغرسها سرّة الأبطح
فأدخله عبد الملك إلى الرّشيد بالرّقة فأنشده:
هارون يابن الأكرمين حسبالما ترحّلت فكنت كثبا
من أرض بغداد تؤمّ المغرباطابت لنا ريح الجنوب والصّبا
ونزل الغيث لنا حتى رباما كان من نشز وما تصوّبا
فمرحبا ومرحبا ومرحبا
فأعطاه خمسة آلاف دينار وخمسين ثوبا.
أخبرني عمّي والحسين بن القاسم الكوكبيّ، قالا: حدثنا عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثنا إسحاق بن عبد اللّه الأزديّ، عن محمد بن عبد اللّه العامريّ القرشيّ، عن العمانيّ الشاعر: أنه تغدّى مع محمد بن سليمان بن عليّ، فكان أوّل ما قدّم إليهم فرنيّة في لبن عليها سكر، ثم تتابع الطّعام، فقال له: قل فيما أكلت شعرا تصفه، فقال:
جاءوا بفرنى لهم ملبونبات يسقّى خالص السّمون
مصومع أكوم ذي غضونقد حشيت بالسكّر المطحون
ولوّنوا ما شئت من تلوينمن بارد الطّعام والسّخين
ومن شراسيف ومن طردينومن هلام ومصوص جون
ومن إوزّ فائق سمينومن دجاج قيت بالعجين
فالشّحم في الظّهور والبطونوأتبعوا ذلك بالجوزين
وبالخبيص الرّطب واللّوزينوفكّهوا بعنب وتين
والرّطب الأزاذ والهيرونمحمد يا سيّد البنين
وبكر بنت المصطفى الأمينالصادق المبارك الميمون
وابن ولاة البيت والحجوناسمع لنعت غير ذي تغنين
يخرج من فنّ إلى فنونإن الحديث فيك ذو شجون
أخبرنا الحسن بن عليّ، قال: حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدّثني أحمد بن أبي كامل، قال: حدّثني أبو هاشم القينيّ، قال: كان محمد بن ذؤيب العمانيّ الراجز من أهل البصرة، ويكنى أبا عبد اللّه وإنّما قيل له العمانيّ؛ لأنّه أقبل يوما وقد خرج من علّة ووجهه أصفر، فقال له بعض أصحابنا: يا أبا عبد اللّه قد خرجت من هذه العلّة كأنك جمل عمانيّ، قال: وكانت جمال عمان تحمل الورس من اليمن إلى عمان فتصفرّ، قال: وهو من بني تميم، ثم من بني فقيم.
قال: فقدم على عيسى بن موسى، فلمّا وصل إليه أنشده مديحا له وفد إليه به، فاستحسنه ووصله واقتطعه إليه وخصّه، وجعله في جلسائه، فقال العمانيّ فيه:
ما كنت أدري ما رخاء العيشولا لبست الوشي بعد الخيش
حتى تمدّحت فتى قريشعيسى، وعيسى عند وقت الهيش
حين يخفّ غيره للطّيشزين المقيمين وعزّ الجيش
أخبرني حبيب بن نصر المهلبيّ، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثني أحمد بن عليّ بن أبي نعيم، قال: حدّثنا موسى بن صبيح المروزيّ، قال: خرج الرّشيد غازيا بلاد الرّوم، فنزل بهرقلة، ونصب الحرب عليها، فدخل عليه العمانيّ وهو يذكر بغداد وطيبها وما فيها أهلها من النّعمة، فأنشده العمانيّ قصيدة له في هذا المعنى، يذكر فيها طيب العيش ببغداد، وسعة النعم، وكثرة اللذّات، يقول فيها:
ثم أتوهم بالدّجاج الدّجّجبين قديد وشواء منضج
وبعبيط ليس بالملهوجفدقّ دقّ الكودنيّ الدّيرج
حتى ملا أعفاج بطن نفّجوقال للقينة: صبّي وامزجي
قال: فوهب له على القصيدة ثلاثين ألف درهم.
ثم دخل إليه ابن جامع وقد أمر الرّشيد أن يوضع الكبريت والنّفط الأبيض على الحجارة، وتلفّ بالمشاقة، وتوقد فيها النار، ثم توضع في كفّة المنجنيق ويرمى بها السّور، ففعلوا ذلك، وكانت النار تثبت في السّور وتصدّعه حتى طلبوا الأمان حينئذ، فغنّاه ابن جامع وقال:
هوت هرقلة لمّا أن رأت عجباحوائما ترتمي بالنّفط والنّار
كأنّ نيراننا في جنب قلعتهممصبّغات على أرسان قصّار
فأمر له بثلاثين ألف درهم أخرى.
أخبرني جعفر بن قدامة، قال: حدّثني أبو هفّان، قال: حدّثني أحمد بن سليمان، قال: قال يزيد بن عقال: كنا وقوفا والمهديّ قد أجرى الخيل فسبقها فرس له يقال له الغضبان، فطلب الشّعراء فلم يحضر أحد منهم إلا أبو دلامة، فقال له: قلّده يا زند، فلم يفهم ما أراد فقلّده عمامته، فقال له المهديّ: يا بن اللّخناء، أنا أكثر عمائم منك؛ إنما أردت أن تقلّده شعرا، ثم قال: يا لهفي على العمانيّ، فلم يتكلّم بها حتى أقبل العمانيّ، فقيل له: ها هو ذا قد أقبل الساعة يا أمير المؤمنين، فقال: قدّموه، فقدّموه فقال: قلّد فرسي هذا، فقال غير متوقف:
قد غضب الغضبان إذ جدّ الغضبوجاء يحمي حسبا فوق الحسب
من إرث عبّاس بن عبد المطّلبوجاءت الخيل به تشكو التّعب
له عليها ما لكم على العرب
فقال له المهديّ: أحسنت واللّه، وأمر له بعشرة آلاف درهم.
صوت
لقد علمت وما الإسراف من خلقيأن الذي هو رزقي سوف يأتيني
أسعى له فيعنّيني تطلّبهولو قعدت أتاني لا يعنّيني
الشعر لعروة بن أذينة، والغناء لمخارق ثقيل أول بالبنصر عن عمرو.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع