من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار الزبير بن دحمان
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
قد مضت أخبار أبيه، ونسبه وولاؤه في متقدّم الكتاب، وكان الزّبير أحد المحسنين المتقنين الرّواة الضّرّاب، المتقدّمين في الصّنعة، وقدم على الرشيد من الحجاز، وكان المغنون في أيّامه حزبين: أحدهما في حزب إبراهيم الموصليّ وابنه إسحاق، والآخر في حزب ابن جامع وابن المهديّ، وكان إبراهيم بن المهديّ أوكد أسباب هذا التّحزّب والتّعصّب لما كان بينه وبين إسحاق وكان الزبير بن دحمان في حزب إسحاق، وأخوه عبيد اللّه في حزب إبراهيم بن المهديّ.
فأخبرني محمد بن مزيد، قال: حدّثني حمّاد بن إسحاق، عن أبيه، قال: لما قدم الزّبير بن دحمان على الرّشيد من الحجاز، قدم رجل ما شئت من رجل؛ عقلا ونبلا ودينا وأدبا وسكونا ووقارا، وكان أبوه قبله كذلك، وقدم معه أخوه عبيد اللّه، فما وصلا إلى الرشيد، وجلسا معنا، تخيّلت في الزّبير الفضل فقلت لأبي: يا أبت، أخلق بالزّبير أن يكون أفضل من أخيه، فقال: هذا لا يجيء بالظّنّ والتّخيّل، والجواد إنّما يمتحن في الميدان، فقلت له: فالجواد عينه فراره، فضحك، وقال: ننظر في فراستك، فلما غنّيا بان فضل الزّبير وتقدّمه، فاصطفاه أبي واصطفيته لأنفسنا، وقرّظناه ووصفناه، وصار في حيّزنا.
وغنّى الرّشيد غناء كثيرا من غناء المتقدّمين فأجاد وأحسن، وسأله الرّشيد أن يغنّيه شيئا من صنعته، فالتوى بعض الالتواء وقال: قد سمع أمير المؤمنين غناء الحذّاق من المتقدمين وغناء من بحضرته من خدمه، ومن وفد عليه من الحجازيّين، وما عسى أن يأتي من صنعتي؟ فأقسم عليه أن يغنّيه شيئا من صنعته، وجدّ به في ذلك، فكان أول صوت غنّاه منها:
صوت
ارحلا صاحبيّ حان الرّحيلوابكياني فليس تبكي الطّلول
قد تولّى النّهار وانقضت الشّمس يمينا وحان منها أفول
لحن هذا الصوت خفيف ثقيل.
قال: فسمعت واللّه صنعة حسنة متقنة لا مطعن عليها، فطرب الرّشيد واستعاده هذا الصّوت ثلاث مرّات، وأمر له بثلاثين ألف درهم، ولأخيه بعشرين ألف درهم. ثم لم يزل زبير معنا كواحد منا، وانحاز عبيد اللّه إلى جنبة إبراهيم بن المهديّ، فكان معه. قال حمّاد: فقلت لأبي: كيف كانت صنعة عبيد اللّه؟ قال: أنا أجمل لك القول، لو كان زبير مملوكا لاشتريته بعشرين ألف دينار، ولو كان عبيد اللّه مملوكا ما طابت نفسي على أن أشتريه بأكثر من عشرين دينارا، فقلت: قد أجبتني بما يكفيني.
حدّثني رضوان بن أحمد الصّيدلانيّ، قال: حدثنا يوسف بن إبراهيم، قال: حدثني أبو إسحاق إبراهيم بن المهديّ، ومحمد بن الحارث بن بسختّر: أنّ الرّشيد كتب في إشخاص الزّبير بن دحمان إلى مدينة السّلام، فوافاها واتّفق قدومه في وقت خروج الرّشيد إلى الرّيّ لمحاربة بندار هرمز أصبهبد طبرستان، فأقام الزّبير بمدينة السّلام إلى أن دخل الرّشيد، فلما قدم دخل عليه بالخيزرانة، وهو الموضع الذي يعرف بالشّمّاسيّة، فغنّاه في أول غنائه صوتا في شعر قاله هو أيضا في الرّشيد مدحه به، وذكر خروجه إلى طبرستان وهو:
صوت
ألا إنّ حزب اللّه ليس بمعجزوأنصاره في منعة المتحرّز
أبى اللّه أن يعصى لهارون أمرهوذلّت له طوعا يد المتعزّز
إذا الرّاية السّوداء راحت أو اغتدتإلى هارب منها فليس بمعجز
لطاعت لهارون العداة لدى الوغاوكبّر للإسلام بندار هرمز
لم أجد هذا الصّوت منسوبا في شيء من الكتب إلّا في كتاب بذل، وهو فيه غير مجنس.
وذكر إبراهيم بن المهدي أنّ الشّعر للزّبير بن دحمان، وهذا خطأ؛ الشّعر لأبي العتاهية وهو موجود في شعره من قصيدة طويلة مدح بها الرشيد.
قال أبو إسحاق: فاستحسن الرّشيد الشّعر والغناء، وأمر له بألف دينار فدفعت إليه، ومكث ساعة ثم غنّى صوتا ثانيا وهو:
صوت
وأحور كالغصن يشفي السّقامويحكي الغزال إذا مارنا
شربت المدام على وجههوعاطيته الكأس حتى انثنى
وقلت مديحا أرجّي بهمن الأجر حظّا ونيل الغنى
وأعني بذاك الإمام الذيبه اللّه أعطى العباد المنى
لحن هذا الصوت ثاني ثقيل مطلق.
قال: فما فرغ من الصّوت حتى أمر له بألف دينار آخر فقبضه، وخفّ على قلبه واستظرفه، فأغناه في مدّة يسيرة من الأيّام.
أخبرني عيسى بن الحسين الورّاق، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال: حدثني أبو توبة، عن القطرانيّ، عن محمد بن حبيب قال: كان الرّشيد بعد قتله البرامكة شديد الأسف عليهم، والتّندّم على ما فعله بهم، ففطن لذلك الزّبير بن دحمان، فكان يغنّيه في هذا المعنى ويحرّكه، فغنّاه يوما والشعر لامرأة من بني أسد:
من للخصوم إذا جد الخصام بهميوم النّزال ومن للضّمّر القود
وموقف قد كفيت النّاطقين بهفي مجمع من نواصي النّاس مشهود
فرّجته بلسان غير ملتبسعند الحفاظ وقول غير مردود
فقال له الرّشيد: أعد، فأعاد، فقال له: ويحك! كأن قائل هذا الشّعر يصف به يحيى بن خالد، وجعفر بن يحيى، وبكى حتى جرت دموعه، ووصل الزّبير صلة سنيّة.
أخبرني الحسين بن يحيى، عن حماد قال: كان أبي يقول: ما كان دحمان يساوي على الغناء أربعمائة درهم، وأشبه خلق اللّه به غناء ابنه عبيد اللّه، وكان يفضّل الزبير بن دحمان على أبيه وأخيه تفضيلا بعيدا. وفي الزبير يقول إسحاق وله فيه غناء وهو:
أسعد بدمعك يا أبا العوّامصبّا صريع هوى ونضو سقام
ذكر الأحبّة فاستجنّ وهاجهللشوق نوح حمامة وحمام
لم يبد ما في الصّدر إلّا أنّهحيّا العراق وأهله بسلام
ودعاه داع للهوى فأجابهشوقا إليه وقاده بزمام
الشّعر والغناء لإسحاق ثقيل أول بالوسطى عن عمرو، وهذا الشعر قاله إسحاق وهو بالرّقّة مع الرّشيد يتشوّق إلى العراق.
أخبرني عمّي قال: حدثني عليّ بن محمد بن نصر، قال: حدّثني جدّي حمدون بن إسماعيل، قال: قال لي إسحاق: كنّا مع الرشيد بالرّقّة، وخرج يوما إلى ظهرها يصيد، وكنت في موكبه أساير الزّبير بن دحمان فذكّرني بغداد وطيبها وأهلي وإخواني وحرمي فتشوّقت لذلك شوقا شديدا، وعرض لي همّ وفكر حتى أبكاني، فقال لي الزّبير: ما لك يا أبا محمد؟ فشكوت إليه ما عرض لي، وقلت:
أسعد بدمعك يا أبا العوّامصبّا صريع هوى ونضو سقام
وذكر باقي الأبيات، وعلمت أن الخبر سينمي إلى الرشيد، فصنعت في الأبيات لحنا، فلما جلس الرّشيد للشّرب ابتدأت فغنّيته إياه، فقال لي: تشوّقت واللّه يا إسحاق وشوّقت وبلغت ما أردت، وأمر لي بثلاثين ألف درهم، وللزّبير بعشرين ألفا، ورحل إلى بغداد بعد أيّام.
أخبرني يحيى بن عليّ بن يحيى المنجّم، قال: أخبرني أبي، قال: قال لي إسحاق، وأخبرني به الحسن بن عليّ، قال: حدّثنا عبد اللّه بن عمرو بن أبي سعد، قال: حدّثني محمد بن عبد اللّه بن مالك، عن إسحاق قال: جاءني الزّبير بن دحمان ذات يوم مسلّما، فاحتبسته فقال: قد أمرني الفضل بن الرّبيع بأن أصير إليه فقلت:
أقم يا أبا العوّام ويحك نشربونلهو مع اللّاهين يوما ونطرب
إذا ما رأيت اليوم قد جاء خيرهفخذه بشكر واترك الفضل يغضب
قال: فأقام عندي فشربنا باقي يومنا، ثم سار الزّبير إلى الفضل، فسأله عن سبب تأخره عنه، فحدّثه بالحديث، وأنشده الشعر، فغضب وحوّل وجهه عنّي، وأمر عونا حاجبه ألّا يدخلني اليوم ولا يستأذن لي عليه، ولا يوصّل لي رقعة إليه، قال: فقلت:
حرام عليّ الكأس ما دمت غضباناوما لم يعد عنّي رضاك كما كانا
فأحسن فإنّي قد أسأت ولم تزلتعوّدني عند الإساءة إحسانا
قال: وأنشدته إياهما، فضحك ورضي عنّي، وعاد إلى ما كان عليه.
وأخبرني الحسين بن يحيى، عن حمّاد، عن أبيه بهذا الخبر، فذكر نحو ما ذكره الآخران وزاد فيه: وقلت في عون حاجبه:
عون يا عون ليس مثلك عونأنت لي عدّة إذا كان كون
لك عندي واللّه إن رضي الفضل غلام يرضيك أو برذون
فأتى عون الفضل بالشّعرين جميعا، فلما قرأهما ضحك وقال له: ويلك إنما عرّض لك بقوله: «غلام يرضيك» بالسّوأة، فقال: قد وعدني ما سمعت، فإن شئت أن تحرمنيه فأنت أعلم، فأمره أن يرسل إليّ وأتاني رسوله، فصرت إليه ورضي عنّي.
أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثني عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثني محمد بن عبد اللّه بن مالك، قال: حدّثني إسحاق، قال: كان عندي الزّبير بن دحمان يوما، فغنّيت لحن أبي:
أشاقك من أرض العراق طلولتحمّل منها جيرة وحمول!
فقال لي الزّبير: أنت الأستاذ وابن الأستاذ السيد، وقد أخذت عن أبيك هذا الصوت وأنا أغنّيه أحسن، فقلت له: واللّه إني لا أحبّ أن يكون ذلك كذلك فغضب وقال: فأنا واللّه أحسن غناء منك. وتلاحينا طويلا، فقلت له: هلمّ نخرج إلى صحراء الرّقّة، فيكون أكلنا وشربنا هناك، ونرضى في الحكم بأول من يطلع علينا، قال: أفعل.
فأخرجنا طعامنا وشرابنا وجلسنا نشرب على الفرات، فأقبل حبشيّ يحفر الأرض بالبال، فقلت له: أترضى بهذا قال: نعم، فدعوناه فأطعمناه وسقيناه، وبدرني الزبير بالغناء، فغنّى الصوت، فطرب الحبشيّ وحرّك رأسه حتى طمع الزبير فيّ، ثم أخذت العود فغنيته فتأملني الحبشيّ ساعة ثم صاح، وأيّ شيطان هوه! ومدّ بها صوته، فما أذكر أنّي ضحكت مثل ضحكي يومئذ، وانخزل الزّبير.
نسبة هذا الصوت
صوت
شعر لأبي العتاهية يمدح به الفضل بن الربيع وفيه غناء
أشاقك من أرض العراق طلولتحمّل منها جيرة وحمول!
وكيف ألذّ العيش بعد معاشربهم كنت عند النّائبات أصول!
الشعر لأبي العتاهية، والغناء لإبراهيم ثقيل أوّل بالسبابة في مجرى البنصر، عن أحمد بن المكّيّ، وفيه للحسين بن محرز ثقيل أوّل بالوسطى.
وهذان البيتان من قصيدة مدح بها أبو العتاهية الفضل بن الرّبيع، قال: أنشدنيها عبد اللّه بن الرّبيع الربيعيّ، قال: أنشدنيها أبو سويد عبد القويّ بن محمد بن أبي العتاهية لجدّه يمدح الفضل بن الربيع، وإنما ذكرت ذلك ها هنا لأنّ من الناس من ينسبهما إلى غيره، فذكرت الأبيات الأول، وفيها يقول في مدح الفضل بن الرّبيع:
قبائل من أقصى وأدنى تجمّعتفهنّ على آل الرّبيع كلول
تمرّ ركاب السّفر تثني عليهمعليها من الخير الكثير حمول
إليك أبا العبّاس حنّت بأهلهامغان وحنّت ألسن وعقول
وأنت جبين الملك بل أنت سمعهوأنت لسان الملك حين تقول
وللملك ميزان يداك تقيمهيزول مع الإحسان حيث يزول
حدثني الصّوليّ، قال: حدثني المغيرة بن محمد المهلّبيّ، قال: حدّثنا الزّبير، قال: حدثني رجل من ثقيف، قال: غضب الرشيد على أمّ جعفر، ثم ترضّاها فأبت أن ترضى عنه، فأرق ليلته ثم قال: افرشوا لي على دجلة، ففعلوا، فقعد ينظر إلى الماء وقد رأى زيادة عجيبة، فسمع غناء في هذا الشعر:
صوت
جرى السيل فاستبكاني السّيل إذ جرىوفاضت له من مقلتيّ غروب
وما ذاك إلّا حين خبّرت أنّهيمرّ بواد أنت منه قريب
يكون أجاجا ماؤه فإذا انتهىإليكم تلقّى طيبكم فيطيب
فيا ساكني شرقيّ دجلة كلّكمإلى القلب من أجل الحبيب حبيب
الشعر للعبّاس بن الأحنف، والغناء للزّبير بن دحمان، خفيف رمل بالوسطى، عن الهشاميّ.
فسأل عن النّاحية التي فيها الغناء فقيل: دار ابن المسيّب، فبعث إليه أن ابعث بالمغنيّ، فإذا هو الزّبير بن دحمان، فسأله عن الشعر فقال: هو للعبّاس بن الأحنف، فأحضر واستنشده، فأنشده إياه، وجعل الزّبير يغنّيه وعبّاس ينشده، وهو يستعيدهما، حتى أصبح، وقام فدخل إلى أمّ جعفر، فسألت عن سبب دخوله فعرّفته، فوجّهت إلى العبّاس بألف دينار، وإلى الزّبير بألف دينار أخرى.
أخبرني عمّي، قال: حدّثني عليّ بن محمد، عن جدّه حمدون، قال: تشوّق الرّشيد بغداد وهو بالرّقّة، فانحدر إليها، وأقام بها مدّة، وخلّف هناك بعض جواريه، وكانت حظيّة له فيهن خلّفها لمغاضبة كانت بينه وبينها، فتشوّقها تشوّقا شديدا، وقال فيها:
صوت
سلام على النّازح المغتربتحيّة صبّ به مكتئب
غزال مراتعه بالبليخإلى دير زكّى فجسر الخشب
أيا من أعان على نفسهبتخليفه طائعا من أحبّ
سأستر والسّتر من شيمتيهوى من أحبّ لمن لا أحبّ
وجمع المغنين، فحضر إبراهيم الموصليّ، وابن جامع، وفليح، وزبير بن دحمان، والمعلّى بن طريف، وحسين بن محرز، وسليم بن سلام، ويحيى المكيّ، وابنه، وإسحاق، وأبو زكار الأعمى، وأعطاهم الشعر وقال: ليعمل كل واحد منكم فيه لحنا. قال: فلقد عملوا فيه عشرين لحنا، فما أعجب منها إلا بلحن الزّبير وحده، أعجب به إعجابا شديدا، وأجازه خاصّة دون الجماعة بجائزة سنيّة.
غنّى إبراهيم في هذه الأبيات ولحنه ما خوريّ بالوسطى، ولفليح فيها ثاني ثقيل بالوسطى، ولابن جامع رمل بالبنصر، ولابن المكيّ ثقيل أول بالوسطى، وللزبير بن دحمان خفيف ثقيل بالسبابة في تجرى البنصر، وللمعلّى خفيف رمل بالوسطى، ولإسحاق رمل بالوسطى، وللحسين بن محرز هزج بالوسطى.
صوت
يا ناعش الجدّ إذا الجدّ عثروجابر العظم إذا العظم انكسر
أنت ربيعي والرّبيع ينتظروخير أنواء الرّبيع ما بكر
الشعر للعمانيّ الراجز، والغناء لشارية خفيف رمل، من كتاب ابن المعتز وروايته.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع