من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار ابن مفرغ ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو يزيد بن ربيعة بن مفرّغ، ولقّب جدّه مفرّغا لأنه راهن على سقاء لبن أن يشربه كلّه فشربه كله حتّى فرّغه، فلقب مفرّغا، ويكنى أبا عثمان، وهو من حمير فيما يزعم أهله، وذكر ابن الكلبيّ وأبو عبيدة أن مفرّغا كان شعّابا بتبالة، فادّعى أنّه من حمير. وقال عليّ بن محمد النّوفليّ: ليس أحد بالبصرة من حمير إلّا آل الحجّاج بن ناب الحميريّ وبيتا آخر ذكره، ودفع بيت ابن مفرّغ.
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان، قال: أخبرني أحمد بن الهيثم القرشيّ، قال: أخبرني العمريّ، عن لقيط بن بكر المحاربيّ، قال: هو يزيد بن ربيعة بن مفرّغ الحميريّ حليف قريش، ثم حليف آل خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أميّة بن عبد شمس. قال العمريّ: وكان ابن المكيّ يقول: كان مفرّغ عبدا للضّحاك بن عبد عوف الهلاليّ فأنعم عليه.
قال محمد بن خلف: أخبرني محمد بن عبد الرّحمن الأسديّ، عن محمّد بن رزين، قال: قال الأخفش: كان ربيعة بن مفرّغ شعّابا بالمدينة وكان ينسب إلى حمير، وإنما سمّي مفرّغا لتفريغه العسّ وكان شاعرا غزلا محسنا، والسيّد من ولده.
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان، قال: حدّثني أبو العيناء قال: سئل الأصمعيّ عن شعر تبّع وقصّته ومن وضعهما، فقال: ابن مفرّغ؛ وذلك أنّ يزيد بن معاوية لمّا سيّره إلى الشّام وتخلّصه من عبّاد بن زياد أنزله الجزيرة، وكان مقيما برأس عين، وزعم أنّه من حمير، ووضع سيرة تبّع وأشعاره، وكان النّمر بن قاسط يدّعي أنّه منهم.
وقال الهيثم بن عديّ: هو يزيد بن زياد بن ربيعة بن مفرّغ اليحصبيّ، من حمير، يحصب بن مالك بن زيد بن الغوث بن سعد بن عوف بن عديّ بن مالك بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن الهميسع بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.
أخبرني بخبره جماعة من مشايخنا، منهم أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ، عن عمر بن شبّة ومحمد بن خلف بن المرزبان، عن جماعة من أصحابه، وأحمد بن عبد العزيز الجوهريّ، عن عليّ بن محمد النّوفليّ، عن أبيه، فما اتّفقت رواياتهم من خبره جمعتها في ذكره، وما اختلفت أفردت كلّ منفرد منهم بروايته.
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد، قال: حدّثنا أبو حاتم، عن أبي عبيدة، عن مسلمة بن محارب، وأخبرني الجوهريّ، قال: حدّثنا عمر بن شبّة، وأخبرنا محمد بن العبّاس اليزيديّ، قال: قرأت على محمد بن الحسن بن دريد عن ابن الأعرابيّ، وأخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال: حدّثنا أحمد بن الهيثم قال: حدثنا العمريّ، عن لقيظ بن بكير، قالوا جميعا: لمّا ولي سعيد بن عثمان بن عفان خراسان، استصحب يزيد بن ربيعة بن مفرّغ، واجتهد به أن يصحبه، فأبى عليه وصحب عبّاد بن زياد، فقال له سعيد بن عثمان: أما إذ أبيت أن تصحبني وآثرت عبّادا فاحفظ ما أوصيك به، إن عبّادا رجل لئيم، فإيّاك والدّالّة عليه، وإن دعاك إليها من نفسه فإنها خدعة منه لك عن نفسك، وأقلل زيارته، فإنّه طرف ملول، ولا تفاخره وإن فاخرك، فإنّه لا يحتمل لك ما كنت أحتمله. ثمّ دعا سعيد بمال فدفعه إلى ابن مفرّغ، وقال: استعن به على سفرك، فإن صلح لك مكانك من عبّاد وإلا فمكانك عندي ممهّد فائتني، ثم سار سعيد إلى خراسان، وتخلّف ابن مفرّغ عنه، وخرج مع عبّاد.
قال ابن دريد في خبره، عن مسلمة بن محارب: فلما بلغ عبيد اللّه بن زياد صحبة ابن مفرّغ أخاه عبّادا شق عليه، فلما سار أخوه عبّاد شيّعه وشيّع الناس معه، وجعلوا يودّعونه ويودّع الخارجون مع عبّاد عبيد اللّه بن زياد، فلما أراد عبيد اللّه أن يودع أخاه دعا ابن مفرّغ، فقال له: إنك سألت عبّادا أن تصحبه وأجابك إلى ذلك، وقد شقّ عليّ، فقال له ابن مفرّغ: ولم أصلحك اللّه؟ قال: لأن الشاعر لا يقنعه من الناس ما يقنع بعضهم من بعض؛ لأنه يظن فيجعل الظنّ يقينا، ولا يعذر في موضع العذر، وإن عبّادا يقدم على أرض حرب فيشتغل بحروبه وخراجه عنك، فلا تعذره أنت، وتكسبنا شرّا وعارا، فقال له: لست كما ظنّ الأمير، وإنّ لمعروفه عندي لشكرا كثيرا، وإنّ عندي - إن أغفل أمري - عذرا ممهّدا، قال: لا، ولكن تضمن لي إن أبطأ عنك ما تحبّه إلّا تعجل عليه حتى تكتب إليّ، قال: نعم، قال: امض إذا على الطائر الميمون. قال: فقدم عبّاد خراسان، واشتغل بحربه وخراجه، فاستبطأه ابن مفرّغ ولم يكتب إلى عبيد اللّه بن زياد يشكوه كما ضمن له، ولكنه بسط لسانه فذمّه وهجاه.
وكان عبّاد عظيم اللّحية كأنها جوالق، فسار يزيد بن مفرّغ يوما مع عبّاد، فدخلت الريح فنفشتها، فضحك ابن مفرّغ، وقال لرجل من لخم كان إلى جنبه قوله:
ألا ليت اللّحى كانت حشيشافنعلفها خيول المسلمينا
فسعى به اللّخميّ إلى عبّاد، فغضب من ذلك غضبا شديدا، وقال: لا يجمل بي عقوبته في هذه الساعة مع الصحبة لي، وما أؤخّرها إلا لأشفي نفسي منه لأنه كان يقوم فيشتم أبي في عدّة مواطن، وبلغ الخبر ابن مفرّغ فقال: إني لأجد ريح الموت من عبّاد.
ثم دخل عليه فقال له: أيّها الأمير، إني كنت مع سعيد بن عثمان، وقد بلغك رأيه فيّ، ورأيت جميل أثره عليّ، وإنّي اخترتك عليه، فلم أحظ منك بطائل، وأريد أن تأذن لي في الرّجوع، فلا حاجة لي في صحبتك، فقال له: أمّا اختيارك إيّاي فإني اخترتك كما اخترتني، واستصحبتك حين سألتني، وقد أعجلتني عن بلوغ محبّتي فيك، وقد طلبت الإذن لترجع إلى قومك، فتفضحني فيهم، وأنت على الإذن قادر بعد أن أقضي حقّك، فأقام. وبلغ عبّادا أنه يسبّه ويذكره وينال من عرضه، وأجرى عبّاد الخيل فجاء سابقا، فقال ابن مفرّغ: سبق عبّاد وصلّت لحيته
وطلب عليه العلل، ودسّ إلى قوم كان لهم عليه دين، فأمرهم أن يقدموه إليه، ففعلوا، فحبسه وأضرّ به، فبعث إليه أن بعني الأراكة وبردا، وكانت الأراكة قينة لابن مفرّغ. وبرد غلامه، ربّاهما وكان شديد الضّنّ بهما، فبعث إليه ابن مفرّغ مع الرّسول: أيبيع المرء نفسه أو ولده؟ فأضرّ به عبّاد حتى أخذهما منه. هذه رواية مسلمة.
وأمّا لقيط وعمر بن شبّة فإنهما ذكرا أنه باعهما عليه، فاشتراهما رجل من أهل خراسان. قال لقيط: فلمّا دخلا منزله قال له برد، وكان داهية أريبا: أتدري ما اشتريت؟ قال: نعم، اشتريتك وهذه الجارية. قال: لا واللّه ما اشتريت إلّا العار والدّمار والفضيحة أبدا ما حييت، فجزع الرجل وقال له: كيف ذلك؟ ويلك! قال: نحن ليزيد بن ربيعة بن مفرّغ، واللّه ما أصاره إلى هذه الحال إلا لسانه وشرّه، أفتراه يهجو ابن زياد - وهو أمير خراسان، وأخوه أمير العراقين، وعمّه الخليفة - في أن استبطأه ويمسك عنك، وقد ابتعتني وابتعت هذه الجارية وهي نفسه التي بين جنبيه؟ واللّه ما أرى أحدا أدخل بيته أشأم على نفسه وأهله مما أدخلته منزلك، فقال: فاشهد أنّك وإيّاها له، فإن شئتما أن تمضيا إليه فامضيا، على أنّي أخاف على نفسي إن بلغ ذلك ابن زياد، وإن شئتما أن تكونا له عندي فافعلا، قال: فاكتب إليه بذلك. فكتب الرجل إلى ابن مفرّغ في الحبس بما فعله، فكتب إليه يشكر فعله، وسأله أن يكونا عنده حتى يفرّج اللّه عنه.
قال: وقال عبّاد لحاجبه: ما أرى هذا - يعني ابن مفرّغ - يبالي بالمقام في الحبس، فبع فرسه وسلاحه وأثاثه، واقسم ثمنها بين غرمائه، ففعل ذلك وقسم الثّمن بينهم، وبقيت عليه بقيّة حبسه بها. فقال ابن مفرّغ يذكر غلامه بردا وجاريته الأراكة وبيعهما:
شريت بردا ولو ملّكت صفقتهلما تطلّبت في بيع له رشدا
لو لا الدّعيّ ولو لا ما تعرّض ليمن الحوادث ما فارقته أبدا
يا برد ما مسّنا برد أضرّ بنامن قبل هذا ولا بعنا له ولدا
أمّا الأراك فكانت من محارمناعيشا لذيذا وكانت جنّة رغدا
كانت لنا جنّة كنّا نعيش بهانغنى بها إن خشينا الأزل والنّكدا
يا ليتني قبل ما ناب الزّمان بهأهلي لقيت على عدوانه الأسدا
قد خاننا زمن لم نخش عثرتهمن يأمن اليوم أم من ذا يعيش غدا!
لامتني النّفس في برد فقلت لهالا تهلكي إثر برد هكذا كمدا
كم من نعيم أصبنا من لذاذتهقلنا له إذ تولّى ليته خلدا
قالوا: وعلم ابن مفرّغ أنه إن أقام على ذمّ عبّاد وهجائه وهو في محبسه زاد نفسه شرّا؛ فكان يقول للنّاس إذا سألوه عن حبسه ما سببه: رجل أدّبه أميره ليقوّم من أوده، أو يكفّ من غربه، وهذا لعمري خير من جرّ الأمير ذيله على مداهنة لصاحبه، فلما بلغ عبّادا قوله رقّ له وأخرجه من السّجن، فهرب حتى أتى البصرة، ثم خرج منها إلى الشّام وجعل ينتقل في مدنها هاربا ويهجو زيادا وولده.
وقال المدائنيّ في خبره: لمّا بلغ عبّاد بن زياد أنّ ابن المفرّغ قال: سبق عبّاد وصلّت لحيته
دعا ابنه والمجلس حافل فقال له: أنشدني هجاء أبيك الذي هجي به، فقال: أيّها الأمير، ما كلّف أحد قطّ ما كلّفتني، فأمر غلاما له أعجميّا وقال له: قم على رأسه، فإن أنشد ما أمرته به وإلا فصبّ السّوط على رأسه أبدا أو ينشده، فأنشده أبياتا هجي بها أبوه أولها:
قبح الإله ولا يقبّح غيرهوجه الحمار ربيعة بن مفرّغ
وجعل عبّاد يتضاحك به، فخرج ابن ابن مفرّغ من عنده وهو يقول: واللّه لا يذهب شتم شيخي باطلا، وقال يهجوه بقوله:
أصرمت حبلك من أمامهمن بعد أيّام برامه
فالرّيح تبكي شجوهاوالبرق يضحك في الغمامة
لهفي على الأمر الذيكانت عواقبه ندامه
تركي سعيدا ذا النّدىوالبيت ترفعه الدّعامه
فتحت سمرقند لهوبنى بعرصتها خيامه
وتبعت عبد بني علاج، تلك أشراط القيامه!
جاءت به حبشيّةسكّاء تحسبها نعامه
وشريت بردا ليتنيمن بعد برد كنت هامه
أو بومة تدعو صدىبين المشقّر واليمامه
فالهول يركبه الفتىحذر المخازي والسّآمه
والعبد يقرع بالعصاوالحرّ تكفيه الملامه
قال: ثم لجّ في هجاء بني زياد حتى تغنّى أهل البصرة في أشعاره، فطلبه عبيد اللّه طلبا شديدا حتى كاد يؤخذ، فلحق بالشام.
واختلفت الرّواة فيمن ردّه إلى ابن زياد، فقال بعضهم: معاوية، وقال بعضهم: يزيد، والصّحيح أنه يزيد؛ لأن عبّاد بن زياد إنما ولي سجستان في أيام يزيد. وقال بعضهم: بل الذي ولّاه معاوية، وهو الذي ولّى سعيد بن عثمان خراسان.
أخبرني محمّد بن العبّاس اليزيديّ، وعبيد اللّه بن محمد الرازيّ، قالا: حدثنا أحمد بن الحارث، عن المدائنيّ قال: دخل سعيد بن عثمان على معاوية بن أبي سفيان فقال: علام جعلت يزيد وليّ عهدك دوني؟ فو اللّه لأبي خير من أبيه، وأمّي خير من أمه، وأنا خير منه، وقد ولّيناك فما عزلناك، وبنا نلت ما نلت، فقال له معاوية: أمّا قولك: إنّ أباك خير من أبيه فقد صدقت لعمر اللّه؛ إن عثمان لخير منّي، وأما قولك: إن أمك خير من أمّه، فحسب المرأة أن تكون في بيت قومها وأن يرضاها بعلها وأن ينجب ولدها. وأما قولك: إنّك خير من يزيد، فو اللّه يا بنيّ ما يسرّني أنّ لي بيزيد ملء الغوطة مثلك. وأما قولك: إنكم ولّيتموني فما عزلتموني، فما ولّيتموني، وإنما ولّاني من هو خير منكم عمر، فأقررتموني، وما كنت بئس الوالي لكم، لقد قمت بثأركم، وقتلت قتلة أبيكم، وجعلت الأمر فيكم، وأغنيت فقيركم، ورفعت الوضيع منكم، فكلّمه يزيد في أمره فولّاه خراسان.
رجع الحديث إلى سياقة أخبار ابن مفرغ
قالوا: فلم يزل ينتقل في قرى الشام ونواحيها، ويهجو بني زياد، وأشعاره فيهم ترد البصرة وتنتشر وتبلغهم، فكتب عبيد اللّه بن زياد إلى معاوية، وقال الآخرون: إنه كتب إلى يزيد وهو الصحيح، يقول له: إن ابن مفرّغ هجا زيادا وبنى زياد بما هتكه في قبره، وفضح بنيه طول الدهر، وتعدّى ذلك إلى أبي سفيان، فقذفه بالزنا وسبّ ولده، فهرب من خراسان إلى البصرة، وطلبته حتى لفظته الأرض، فلجأ إلى الشام يتمضّغ لحومنا بها، ويهتك أعراضنا، وقد بعثت إليك بما هجانا به لتنتصف لنا منه. ثم بعث بجميع ما قاله ابن مفرّغ فيهم.
فأمر يزيد بطلبه، فجعل ينتقل من بلد إلى بلد، فإذا شاع خبره انتقل حتى لفظته الشام، فأتى البصرة ونزل على الأحنف بن قيس، فالتجأ به واستجار، فقال له الأحنف: إني لا أجير على ابن سميّة فأعزل، وإنما يجير الرجل على عشيرته، فأما على سلطانه فلا، فإن شئت أجرتك من بني سعد وشعرائهم، فلا يريبك أحد منهم، فقال له ابن مفرّغ: بأستاه بني سعد وما عساهم أن يقولوا فيّ؟ هذا ما لا حاجة لي فيه.
ثم أتى خالد بن عبد اللّه بن خالد بن أسيد فاستجار به، فأبى أن يجيره، فأتى عمر بن عبيد اللّه بن معمر فوعده، وأتى طلحة الطّلحات فوعده، وأتى المنذر بن الجارود العبديّ فأجاره؛ وكانت بحريّة بنت المنذر تحت عبيد اللّه.
وكان المنذر من أكرم النّاس عليه، فاغترّ بذلك وأدلّ بموضعه منه، وطلبه عبيد اللّه وقد بلغه وروده البصرة فقيل له: أجاره المنذر بن الجارود، فبعث عبيد اللّه إلى المنذر فأتاه، فلما دخل عليه بعث عبيد اللّه بالشرط، فكبسوا داره وأتوه بابن مفرّغ، فلم يشعر المنذر إلا بابن مفرّغ قد أقيم على رأسه، فقام المنذر إلى عبيد اللّه بالشرط، فكبسوا داره وأتوه بابن مفرّغ، فلم يشعر المنذر إلا بابن مفرّغ قد أقيم على رأسه، فقام المنذر إلى عبيد اللّه فكلّمه فيه فقال: أذكّرك اللّه - أيّها الأمير - أن تخفر جواري فإني قد أجرته، فقال عبيد اللّه: يا منذر ليمدحنّ أباك وليمدحنّك، ولقد هجاني وهجا أبي ثم تجيره عليّ، لا ها اللّه لا يكون ذلك أبدا، ولا أغفرها له، فغضب المنذر، فقال له: لعلك تدلّ بكريمتك عندي، إن شئت واللّه لأبيننّها بتطليق البتّة، فخرج المنذر من عنده، وأقبل عبيد اللّه على ابن مفرّغ فقال له: بئسما صحبت به عبّادا. قال: بئسما صحبني به عبّاد، اخترته على سعيد وأنفقت على صحبته كلّ ما أفدته وكلّ ما أملكه، وظننت أنه لا يخلو من عقل زياد وحلم معاوية وسماحة قريش، فعدل عن ظنّي كله. ثم عاملني بكل قبيح، وتناولني بكلّ مكروه، من حبس وغرم وشتم وضرب، فكنت كمن شام برقا خلّبا في سحاب جهام، فأراق ماءه طمعا فيه فمات عطشا، وما هربت من أخيك إلا لمّا خفت من أن يجري فيّ إلى ما يندم عليه، وقد صرت الآن في يدك، فشأنك فاصنع بي ما أحببت، فأمر بحبسه.
وكتب إلى يزيد بن معاوية يسأله أن يأذن له في قتله، فكتب إليه: إيّاك وقتله، ولكن عاقبهه بما ينكّله ويشدّ سلطانك، ولا تبلغ نفسه، فإنّ له عشيرة هي جندي وبطانتي، ولا ترضى بقتله منّي، ولا تقنع إلا بالقود منك، فاحذر ذلك، واعلم أنّه الجدّ منهم ومني، وأنك مرتهن بنفسه، ولك في دون تلفها مندوحة تشفي من الغيظ. فورد الكتاب على عبيد اللّه بن زياد، فأمر بابن مفرّغ فسقي نبيذا حلوا قد خلط معه الشّبرم فأسهل بطنه، وطيف به وهو في تلك الحال، وقرن بهرّة وخنزيرة، فجعل يسلح والصبيان يتبعونه ويقولون له بالفارسية: اين چيست؟ فيقول:
آبست نبيذ استعصارات زبيست
سميّة روسبيد است
وجعل كلما جرّ الخنزيرة ضجت، فجعل يقول:
ضجّت سميّة لما لزّها قرنيلا تجزعي إنّ شرّ الشّيمة الجزع
فجعل يطاف به في أسواق البصرة والصّبيان خلفه يصيحون به، وألح عليه ما يخرج منه حتى أضعفه فسقط، فعرف ابن زياد ذلك، فقيل: إنه لما به لا نأمن أن يموت، فأمر به أن يغسل، ففعلوا ذلك به، فلما اغتسل قال:
يغسل الماء ما فعلت وقوليراسخ منك في العظام البوالي
فردّه عبيد اللّه إلى الحبس، وأمر بأن يسلم محجما وقدّموا له علوجا، وأمر بأن يحجمهم، فكان يأخذ المشارط فيقطع بها رقابهم فيتوارون منه، فتركه وردّه إلى محبسه، وقامت الشّرط على رأسه تصبّ عليه السياط ويقولون له: احجمهم، فقال:
وما كنت حجّاما ولكني أحلّنيبمنزلة الحجّام نأيي عن الأهل
وقال عمر بن شبّة في خبره: جمع عبّاد بن زياد كلّ شيء هجاه به ابن مفرّغ، وكتب به إلى أخيه عبيد اللّه وهو يومئذ وافد على معاوية، فكان فيما كتب إليه قوله:
إذا أودى معاوية بن حربفبشّر شعب قعبك بانصداع
فأشهد أن أمّك لم تباشرأبا سفيان واضعة القناع
ولكن كان أمر فيه لبسعلى وجل شديد وامتناع
وقوله:
ألا أبلغ معاوية بن حربمغلغلة من الرّجل اليماني
أتغضب أن يقال أبوك عفّوترضى أن يقال أبوك زاني
فأشهد أنّ رحمك من زيادكرحم الفيل من ولد الأتان
وأشهد أنها ولدت زياداوصخر من سميّة غير داني
فدخل عبيد اللّه بن زياد على معاوية، فأنشده هذه الأشعار، واستأذنه في قتله فلم يأذن له وقال: أدّبه أدبا وجيعا منكّلا، ولا تتجاوز ذلك إلى القتل، وذكر باقي الحديث كما ذكره من تقدم.
قالوا جميعا: وقال ابن مفرّغ يذكر جوار المنذر بن الجارود إيّاه وأمانه:
تركت قريشا أن أجاور فيهموجاورت عبد القيس أهل المشقّر
أناس أجارونا فكان جوارهمأعاصير من قسو العراق المبذّر
فأصبح جاري من خزيمة قائماولا يمنع الجيران غير المشمّر
وقال أيضا في ذلك:
أصبحت لا من بني قيس فتنصرنيقيس العراق ولم تغضب لنا مضر
ولم تكلّم قريش في حليفهمإذ غاب ناصره بالشّام واحتضروا
واللّه يعلم ما تخفي النّفوس وماسرّى أميّة أو ما قال لي عمر
وقال لي خالد قولا قنعت بهلو كنت أعلم أنّى يطلع القمر
لو أنّني شهدتني حمير غضبتدوني فكان لهم فيما رأوا عبر
أو كنت جار بني هند تداركنيعوف بن نعمان أو عمران أو مطر
وقال أيضا يذكر ذلك وما فعل به ابن زياد:
دار سلمى بالخبث ذي الأطلالكيف نوم الأسير في الأغلال
أين منّي السّلام من بعد نأيفارجعي لي تحيّتي وسؤالي
أين منّي نجائبي وجياديوغزالي، سقى الإله غزالي
أين لا أين جنّتي وسلاحيومطايا سيّرتها لارتحالي
هدم الدّهر عرشنا فتداعىقبلينا إذ كلّ عيش بالي
إذ دعانا زواله فأجبناكلّ دنيا ونعمة لزوال
أم قضينا حاجاتنا فإلى الموت مصير الملوك والأقيال
لا وصومي لربّنا وزكاتيوصلاتي أدعو بها وابتهالي
ما أتيت الغداة أمرا دنيّاولدى اللّه كابر الأعمال
أيّها المالك المرهّب بالقتل بلغت النّكال كلّ النّكال
فاخش نارا تشوي الوجوه ويومايقذف الناس بالدّواهي الثّقال
قد تعدّيت في القصاص وأدركت ذحولا لمعشر أقتال
وكسرت السّنّ الصّحيحة منّيلا تذلّن فمنكر إذلالي
وقرنتم مع الخنازير هرّاويميني مغلولة وشمالي
وكلابا ينهشنني من ورائيعجب النّاس ما لهنّ ومالي!
وأطلتم مع العقوبة سجنافكم السّجن أو متى إرسالي!
يغسل الماء ما صنعت وقوليراسخ منك في العظام البوالي
لو قبلت الفداء أو رمت ماليقلت: خذه فداء نفسي مالي
لو بغيري من معشري لعب الدّهر لما ذمّ نصرتي واحتيالي
كم بكاني من صاحب وخليلحافظ الغيب حامد للخصال
ليت أنّي كنت الحليف للخموجذام أو طيّىء الأجمال
بدلا من عصابة من قريشأسلموني للخصم عند النّضال
البهاليل من بني عبد شمسفضلوا النّاس بالعلا والفعال
وبنو التّيم تيم مرّة لمّالمع الموت في ظلال العوالي
منعوا البيت بيت مكّة ذا الحجر إذ الطّير عكّف في الظّلال
والبهاليل خالد وسعيدشمس دجن ووضّح كالهلال
في الأرومات والذّرى من بني العيص قروم إذا تعدّ المعالي
كنت منهم، ما حرّموا فحراملم يراموا، وحلّهم من حلال
وذوو المجد من خزاعة كانواأهل ودّي في الخصب والإمحال
خذلوني وهم لذاك دعونيليس حامي الذّمار بالخذّال
لا تدعني فداك أهلي وماليإنّ حبليك من متين الحبال
حسرتا إذ أطعت أمر غواتيوعصيت النّصيح ضلّ ضلالي
وقال يهجو عبّاد بن زياد ويذكر سعيد بن عثمان:
أيها الشاتم جهلا سعيداوسعيد في الحوادث ناب
ما أبوكم مشبها لأبيهفاسألوا الناس بذاكم تجابوا
ساد عبّاد وملّك جيشاسبّحت من ذاك صمّ صلاب
إنّ عاما صرت فيه أميراتملك النّاس لعام عجاب
قال: واتصل هجاؤه زيادا وولده وهو في الحبس، فردّه عبيد اللّه إلى أخيه عبّاد بسجستان، ووكّل به رجالا ووجههم معه، وكان لما هرب من عبّاد يهجوه ويكتب كلّ ما هجاه به على حيطان الخانات، وأمر عبيد اللّه الموكّلين به أن يأخذوه بمحو ما كتبه على الحيطان بأظافيره، وأمرهم ألّا يتركوه يصلّي إلا إلى قبلة النصارى إلى المشرق، فكانوا إذا دخلوا بعض الخانات التي نزلها فرأوا فيها شيئا مما كتبه من الهجاء، أخذوه بأن يمحوه بأظافره، فكان يفعل ذلك ويحكّه حتى ذهبت أظافره، فكان يمحوه بعظام أصابعه ودمه، حتى سلّموه إلى عبّاد فحبسه وضيّق عليه. قال عمر بن شبّة في خبره: فقال ابن مفرّغ:
سرت تحت أقطاع من اللّيل زينبسلام عليكم هل لما فات مطلب!
ويروى:
ألا طرقتنا آخر اللّيل زينبأصاب عذابي اللون فاللّون شاحب
كما الرأس من هول المنيّة أشيبقرنت بخنزير وهرّ وكلبة
زمانا وشان الجلد ضرب مشذّبوجرّعتها صهباء من غير لذّة
تصعّد في الجثمان ثم تصوّبوأطعمت ما إن لا يحلّ لآكل
وصلّيت شرقا بيت مكّة مغربمن الطّفّ مجنوبا إلى أرض كابل
فملّوا وما ملّ الأسير المعذّبفلو أنّ لحمي إذ هوى لعبت به
كرام الملوك أو أسود وأذؤبلهوّن وجدي أو لزادت بصيرتي
ولكنما أودت بلحمي أكلبأعبّاد ما للّؤم عنك محوّل
ولا لك أمّ في قريش ولا أبسينصرني من ليس تنفع عنده
رقاك وقرم من أميّة مصعبوقل لعبيد اللّه: ما لك والد
بحقّ ولا يدري امرؤ كيف تنسب!
في أول هذا الشعر غناء نسبته.
صوت
ألا طرقتنا آخر اللّيل زينبسلام عليكم هل لما فات مطلب!
وقالت: تجنّبنا ولا تقربنّنافكيف وأنتم حاجتي أتجنّب!
الغناء لسياط ثاني ثقيل بالوسطى عن الهشاميّ.
وقالوا جميعا: فلما طال مقام ابن مفرّغ في السجن استأجر رسولا إلى دمشق، وقال له: إذا كان يوم الجمعة فقف على درج جامع دمشق، ثم اقرأ هذين البيتين بأرفع ما يمكنك من صوتك، وكتبهما في رقعة، وهما:
أبلغ لديك بني قحطان قاطبةعضّت بأير أبيها سادة اليمن
أضحى دعيّ زياد فقع قرقرة- يا للعجائب - يلهو بابن ذي يزن!
ففعل الرسول ما أمره به، فحميت اليمانية وغضبوا له، ودخلوا على معاوية فسألوه فيه فدفعهم عنه، فقاموا غضابا، وعرف معاوية ذلك في وجوههم، فردّهم ووهبه لهم، ووجّه رجلا من بني أسد يقال له خمخام
- ويقال: جهثام - بريدا إلى عبّاد، وكتب له عهدا، وأمره بأن يبدأ بالحبس فيخرج ابن مفرّغ منه ويطلقه، قبل أن يعلم عبّاد فيم قدم فيغتاله، ففعل ذلك به، فلما خرج من الحبس قرّبت إليه بغلة من بغال البريد فركبها، فلما استوى على ظهرها قال:
عدس ما لعبّاد عليك إمارةنجوت وهذا تحملين طليق
فإن الّذي نجّى من الكرب بعد ماتلاحم في درب عليك مضيق
أتاك بخمخام فأنجاك فالحقيبأهلك لا تحبس عليك طريق
لعمري لقد أنجاك من هوّة الرّدىإمام وحبل للأنام وثيق
سأشكر ما أوليت من حسن نعمةومثلي بشكر المنعمين حقيق
قال عمر بن شبّة في خبره، ووافقه لقيط بن بكير: فلما أدخل على معاوية بكى وقال: ركب مني ما لم يركب من مسلم قطّ، على غير حدث في الإسلام ولا خلع يد من طاعة ولا جرم، فقال: ألست القائل:
ألا أبلغ معاوية بن حربمغلغلة من الرّجل اليماني
أتغضب أن يقال أبوك عفّوترضى أن يقال أبوك زان!
فأشهد أنّ رحمك من زيادكرحم الفيل من ولد الأتان
وأشهد أنّها ولدت زياداوصخر من سميّة غير دان
فقال: لا والذي عظّم حقّك يا أمير المؤمنين ما قلته، ولقد بلغني أنّ عبد الرحمن بن الحكم قاله ونسبه إليّ.
قال: أفلم تقل:
شهدت بأنّ أمّك لم تباشرأبا سفيان واضعة القناع
ولكن كان أمر فيه لبسعلى وجل شديد وارتياع
أو لست القائل:
إنّ زيادا ونافعا وأبابكرة عندي من أعجب العجب
إنّ رجالا ثلاثة خلقوافي رحم أنثى ما كلهم لأب
ذا قرشيّ كما يقول، وذامولى، وهذا بزعمه عربي
في أشعار كثيرة قلتها في هجاء زياد وبنيه، اذهب فقد عفوت عن جرمك، ولو إيّانا تعامل لم يكن شيء مما كان، فاسكن أيّ أرض شئت. فاختار الموصل فنزلها، ثمّ ارتاح إلى البصرة فقدمها، فدخل على عبيد اللّه بن زياد، واعتذر إليه وسأله الصّفح والأمان، فأمّنه وأقام بها مدّة، ثمّ دخل عليه بعد أن أمّنه فقال: أصلح اللّه الأمير، إني قد ظننت أنّ نفسك لا تطيب لي بخير أبدا، ولي أعداء لا آمن سعيهم عليّ بالباطل، وقد رأيت أن أتباعد، فقال له: إلى أين شئت؟ فقال: كرمان، فكتب له إلى شريك بن الأعور وهو عليها بجائزة وقطيعة وكسوة، فشخص فأقام بها حتى هرب عبيد اللّه من البصرة، فعاد إليها. هذه رواية عمر بن شبّة.
وقال محمد بن خلف في روايته، عن أحمد بن الهيثم، عن المدائنيّ، وعن العمريّ، عن لقيط: أنّ ابن مفرّغ لمّا طال حبسه وبلاؤه، ركب طلحة الطّلحات إلى الحجاز، ولقي قريشا - وكان ابن مفرّغ حليفا لبني أميّة - فقال لهم طلحة: يا معشر قريش، إنّ أخاكم وحليفكم ابن مفرّغ قد ابتلي بهذه الأعبد من بني زياد، وهو عديدكم وحليفكم ورجل منكم، وو اللّه ما أحب أن يجري اللّه عافيته على يدي دونكم، ولا أفوز بالمكرمة في أمره وتخلوا منها، فانهضوا معي بجماعتكم إلى يزيد بن معاوية، فإنّ أهل اليمن قد تحرّكوا بالشّام، فركب خالد بن عبد اللّه بن خالد بن أسيد، وأمية بن عبد اللّه أخوه، وعمر بن عبيد اللّه بن معمر، ووجوه خزاعة وكنانة وخرجوا إلى يزيد، فبينا هم يسيرون ذات ليلة إذ سمعوا راكبا يتغنّى في سواد الليل بقول ابن مفرّغ ويقول:
إنّ تركي ندى سعيد بن عثمان بن عفّان ناصري وعديدي
واتّباعي أخا الضّراعة واللّؤم لنقص وفوت شأو بعيد
قلت واللّيل مطبق بعراه:ليتني متّ قبل ترك سعيد
ليتني متّ قبل تركي أخا النّجدة والحزم والفعال السّديد
عبشميّ أبوه عبد مناففاز منها بتاجها المعقود
ثمّ جود لو قيل: هل من مزيدقلت للسائلين: ما من مزيد
قل لقومي لدى الأباطح من آل لؤيّ بن غالب ذي الجود:
سامني بعدكم دعيّ زيادخطّة الغادر اللئيم الزّهيد
كان ما كان في الأراكة واجتبّ ببرد سنام عيسي وجيدي
أوغل العبد في العقوبة والشّتم وأودى بطارفي وتليدي
فارحلوا في حليفكم وأخيكمنحو غوث المستصرخين يزيد
فاطلبوا النّصف من دعيّ زيادوسلوني بما ادّعيت شهودي
قال: فدعا القوم بالراكب فقالوا له: ما هذا الذي سمعناه منك تغنّي به؟ فقال: هذا قول رجل واللّه إنّ أمره لعجب، رجل ضائع بين قريش واليمن، وهو رجل الناس، قالوا: ومن هو؟ قال: ابن مفرّغ، قالوا: واللّه ما رحلنا إلا فيه، وانتسبوا له، فضحك وقال: أفلا أسمعكم من قوله أيضا؟ قالوا: بلى، فأنشدهم قوله:
لعمري لو كان الأسير ابن معمروصاحبه أو شكله ابن أسيد
ولو أنّهم نالوا أميّة أرقلتبراكبها الوجناء نحو يزيد
فأبلغت عذرا في لؤيّ بن غالبوأتلفت فيهم طارفي وتليدي
فإن لم يغيّرها الإمام بحقّهاعدلت إلى شمّ شوامخ صيد
فناديت فيهم دعوة يمنيّةكما كان آبائي دعوا وجدودي
ودافعت حتّى أبلغ الجهد عنهمدفاع امرىء في الخير غير زهيد
فإن لم تكونوا عند ظنّي بنصركمفليس لها غير الأغرّ سعيد
بنفسي وأهلي ذاك حيّا وميّتانضار وعود المرء أكرم عود
فكم من مقام في قريش كفيتهويوم يشيب الكاعبات شديد
وخصم تحاماه لؤيّ بن غالبشببت له ناري فهاب وقودي
وخير كثير قد أفأت عليكموأنتم رقود أو شبيه رقود
قال: فاسترجع القوم لقوله وقالوا: واللّه لا نغسل رؤوسنا في العرب إن لم نغسلها بفكّه. فأغذّ القوم السّير حتى قدموا الشّأم.
وبعث ابن مفرّغ رجلا من بني الحارث بن كعب، فقام على سور حمص، فنادى بأعلى صوته الحصين ابن نمير - وكان والي حمص - بهذه الأبيات وكان عظيم الجبهة:
أبلغ لديك بني قحطان قاطبةعضّت بأير أبيها سادة اليمن
أمسى دعيّ زياد فقع قرقرةيا للعجائب يلهو بابن ذي يزن!
والحميريّ طريح وسط مزبلةهذا لعمركم غبن من الغبن
والأجبه ابن نمير فوق مفرشهيدنو إلى أحور العينين ذي غنن
قوموا فقولوا: أمير المؤمنين لناحقّ عليك ومنّ ليس كالمنن
فاكفف دعيّ زياد عن أكارمناماذا يريد على الأحقاد والإحن
فاجتمعت اليمانية إلى حصين، فعيّروه بما قاله ابن مفرّغ، فقال الحصين: ليس لي رأي دون يزيد بن أسد، ومخرمة بن شرحبيل، فأرسل إليهما، فاجتمعوا في منزل الحصين، فقال لهما الحصين: اسمعا ما أهدى إليّ شاعركم وقاله لكم في أخيكم - يعني نفسه - وأنشدهم، فقال يزيد بن أسد: قد جئتكم بأعظم من هذا، وهو قوله:
وما كنت حجّاما ولكن أحّلنيبمنزلة الحجّام نأيي عن الأصل
فقال الحصين: واللّه لقد أساء إلينا أمير المؤمنين في صاحبنا مرّتين، إحداهما أنه هرب إليه فلم يجره، وأخرى أنّه أمر بعذابه غير مراقب لنا فيه، وقال يزيد بن أسد: إنّي لأظن أنّ طاعتنا ستفسد ويمحوها ما فعل بابن مفرّغ، ولقد تطلّع من نفسي شيء، للموت أحبّ إليّ منه. وقال مخرمة بن شرحبيل: أيها الرّجلان، اعقلا فإنه لا معاوية لكما، واعرفا أنّ صاحبكما لا تقدح فيه الغلظة، فاقصدا التّضرّع، فركب القوم إلى دمشق وقدموا على يزيد بن معاوية، وقد سبقهم الرّجل، فنادى بذلك الشّعر يوم الجمعة على درج مسجد دمشق، فثارت اليمانية وتكلّموا، ومشى بعضهم إلى بعض، وقدم وفد القرشيّين في أمره مع طلحة الطّلحات، فسبقوا القرشيّين، ودخلوا على يزيد بن معاوية، فتكلم الحصين بن نمير، فذكر بلاءه وبلاء قومه وطاعتهم، وقال: يا أمير المؤمنين، إنّ الذي أتاه ابن زياد إلى صاحبنا، لا قرار عليه، وقد سامنا عبيد اللّه وعبّاد خطّة خسف، وقلّدانا قلادة عار، فأنصف كريمنا من صاحبه، فو اللّه لئن قدرنا لنعفونّ، ولئن ظلمنا لننتصرنّ. وقال يزيد بن أسد: يا أمير المؤمنين، إنّا لو رضينا بمثلة ابن زياد بصاحبنا وعظيم ما انتهك منه، لم يرض اللّه عزّ ذكره بذلك ولئن تقرّبنا إليك بما يسخط اللّه ليباعدنّنا اللّه منك، وإن يمانيّتك قد نفرت لصاحبها نفرة طار غرابها، وما أدري متى يقع، وكلّ نائرة تقدح في الملك وإن صغرت لم يؤمن أن تكبر، وإطفاؤها خير من إضرامها لا سيما إذا كانت في أنف لا يجدع، ويد لا تقطع، فأنصفنا من ابني زياد.
وقال مخرمة بن شرحبيل، وكان متألّها عظيم الطاعة في أهل اليمن: إنه لا يد تحجزك عن هواك، ولو مثّلت بأخينا وتولّيت ذلك منه بنفسك لم يقم فيه قائم ولم يعاتبك فيه معاتب، ولكنّ ابني زياد استخفّانا بما يثقل عليك من حقّنا، وتهاونا بما تكرمه منّا، وأنت بيننا وبين اللّه، ونحن بينك وبين الناس، فأنصفنا من صاحبيك، ولينفعنا بلاؤنا عندك.
فقال يزيد: إنّ صاحبكم أتى عظيما؛ نفى زيادا من أبي سفيان، ونفى عبّادا وعبيد اللّه من زياد، وقلّدهم طوق الحمامة، وما شجّعه على ذلك إلا نسبه فيكم، وحلفه في قريش، فأمّا إذ بلغ الأمر ما أرى، وأشفى بكم على ما أشفى، فهو لكم، وعليّ رضاكم.
قال: وانتهى القرشيّون إلى الحاجب فاستأذن لهم، وقال لليمانيّين: قد أتتكم برى الذهب من أهل العراق، فدخلوا وسلّموا والغضب يتبيّن في وجوههم، فظنّ يزيد الظنون، وقال لهم: ما لكم؟ انفتق فتق أو حدث حدث فيكم؟ قالوا: لا، فسكن.
فقال طلحة الطّلحات: يا أمير المؤمنين، أما كفى العرب ما لقيت من زياد، حتى استعملت عليها ولده يستكثرون لك أحقادها، ويبغّضونك إليها، إنّ عبيد اللّه وأخاه أتيا إلى ابن مفرّغ ما قد بلغك، فأنصفنا منهما إنصافا تعلم العرب أنّ لنا منك خلفا من أبيك، فو اللّه، لقد خبأ لك فعلهما خبئا عند أهل اليمن لا تحمده لك، ولا تحمده لنفسك.
وتكلّم خالد بن عبد اللّه بن خالد بن أسيد فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ زيادا ربّي في شرّ حجر، ونشأ في أخبث نش ء، فأثبتّم نصابه في قريش، وحملتموه على رقاب الناس، فوثب ابناه على أخينا وحليفنا وحليفك، ففعلا به الأفاعيل التي بلغتك، وقد غضبت له قريش الحجاز ويمن الشّأم ممّن لا أحبّ واللّه لك غضبه، فأنصفنا من ابني زياد.
وتكلم أخوه أميّة بنحو ممّا تكلم أخوه وقال: واللّه يا أمير المؤمنين لا أحطّ رحلي، ولا أخلع ثياب سفري، أو تنصفنا من ابني زياد، أو تعلم العرب أنك قد قطعت أرحامنا، ووصلت ابني زياد بقطعنا، وحكمت بغير الحقّ لهما علينا.
وقال ابن معمر: يا أمير المؤمنين، إنّ ابن مفرّغ طالما ناضل عن عرضك وعرض أبيك وأعراض قومك، ورمى عن جمرة أهلك، وقد أتى بنو زياد فيه ما لو كان معاوية حيّا لم يرض به، وهذا رجل له شرف في قومه، وقد نفروا له نفرة لها ما بعدها، فأعتبهم وأنصف الرجل ولا تؤثر مرضاة ابني زياد على مرضاة اللّه عزّ وجلّ.
فقال يزيد: مرحبا بكم وأهلا، واللّه لو أصابه خالد ابني بما ذكرتم لأنصفته منه، ولو رحلتم في جميع ما تحيط به العراق لوهبته لكم، وما عندي إلا إنصاف المظلوم، ولكنّ صاحبكم أسرف على القوم. وكتب يزيد ببناء داره، وردّ ماله وتخلية سبيله، وألّا إمرة لأحد من بني زياد عليه، وقال: لو لا أنّ في القود بعد ما جرى منه فسادا في الملك لأقدته من عبّاد.
وسرّح يزيد رجلا من حمير يقال له خمخام، وكتب معه إلى عبّاد بن زياد: نفسك نفسك وأن تسقط من ابن مفرّغ شعرة فأقيدك واللّه به، ولا سلطان لك ولا لأخيك ولا لأحد غيري عليه، فجاء خمخام حتى انتزعه جهارا من الحبس بمحضر الناس وأخرجه.
قالوا: فلما دخل على يزيد قال له: يا أمير المؤمنين، اختر منّي خصلة من ثلاث خصال، في كلّها لي فرج، إما أن تقيدني من ابن زياد، وإما أن تخلّي بيني وبينه، وإما أن تقدّمني فتضرب عنقي.
فقال له يزيد: قبّح اللّه ما اخترته وخيّرتنيه؛ أما القود من ابن زياد فما كنت لأقيدك من عامل كان عليك، ظلمته وشتمت عرضه وعرضي معه، وأما التّخلية بينك وبينه فلا، ولا كرامة، ما كنت لأخلّي بينك وبين أهلي تقطع أعراضهم، وأما ضرب عنقك، فما كنت لأضرب عنق مسلم من غير أن يستحقّ ذلك، ولكني أفعل ما هو خير لك مما اخترته لنفسك؛ أعطيك ديتك، فإنهم قد عرّضوك للقتل، واكفف عن ولد زياد، فلا يبلغني أنك ذكرتهم، وانزل أيّ البلاد شئت، وأمر له بعشرة آلاف درهم.
فخرج حتى أتى الموصل وأقام بها ما شاء اللّه، ثم خرج ذات يوم يتصيّد، فلقي دهقانا على حمار له، فقال: من أين أقبلت؟ قال: من العراق، قال: من أيّها؟ قال: من البصرة، ثم من الأهواز، قال: فما فعل المسرقان؟ قال: على حاله، قال: أفتعرف أناهيد بنت أعنق؟ قال: نعم، قال: ما فعلت؟ قال: على أحسن ما عهدت.
قال: فضرب برذونه وسار حتى أتى الأهواز، ولم يعلم أهله ولا غيرهم بمسيره.
ثم أتى عبيد اللّه بن زياد، فدخل عليه واعتذر إليه، وسأله الأمان فأمّنه، ثم سأله أن يكتب له إلى شريك بن الأعور، فكتب له ووصله.
وخرج فأقام بكرمان حتى غلب ابن الزّبير على العراق، وهرب ابن زياد وكان أهل البصرة قد أجمعوا على قتله، فخرج عن البصرة هاربا، فعاد ابن مفرّغ إلى البصرة، وعاود هجاء بني زياد، فقال يذكر هرب عبيد اللّه وتركه أمّه بقوله:
أعبيد هلّا كنت أوّل فارسيوم الهياج دعا بحتفك داع
أسلمت أمّك والرّماح تنوشهايا ليتني لك ليلة الإفزاع
إذ تستغيث وما لنفسك مانععبد تردّده بدار ضياع
هلّا عجوزك إذ تمدّ بثديهاوتصيح ألّا تنزعنّ قناعي
أنقذت من أيدي العلوج كأنهاربداء مجفلة ببطن القاع
فركبت رأسك ثم قلت: أرى العداكثروا وأخلف موعدي أشياعي
فانجي بنفسك وابتغي نفقا فمالي طاقة بك والسلام وداعي
ليس الكريم بمن يخلّف أمّهوفتاته في المنزل الجعجاع
حذر المنيّة والرّماح تنوشهلم يرم دون نسائه بكراع
متأبّطا سيفا عليه يلمقمثل الحمار أثرته بيفاع
لا خير في هذر يهزّ لسانهبكلامه والقلب غير شجاع
لابن الزّبير غداة يذمر منذراأولى بغاية كلّ يوم وقاع
وأحقّ بالصبر الجميل من امرىءكزّ أنامله قصير الباع
جعد اليدين عن السّماحة والنّدىوعن الضّريبة فاحش منّاع
كم يا عبيد اللّه عندك من دميسعى ليدركه بقتلك ساع
ومعاشر أنف أبحت حريمهمفرّقتهم من بعد طول جماع
اذكر حسينا وابن عروة هانئاوابني عقيل فارس المرباع
وقال أيضا يذكر هربه:
أقرّ بعيني أنّه عقّ أمّهدعته فولّاها استه وهو يهرب
وقال: عليك الصبر كوني سبيّةكما كنت أو موتي؛ فذلك أقرب
وقد هتفت هند: بماذا أمرتني؟أبن لي وحدّثني إلى أين أذهب؟
فقال: اقصدي للأزد في عرصاتهاوبكر فما إن عنهم متجنّب
أخاف تميما والمسالح دونهاونيران أعدائي عليّ تلهّب
وولّى وماء العين يغسل وجههاكأن لم يكن والدّهر بالناس قلّب
بما قدّمت كفّاك لا لك مهربإلى أيّ قوم والدّماء تصبّب
فكم من كريم قد جررت جريرةعليه فمقبور وعان يعذّب
ومن حرّة زهراء قامت بسحرةتبكّي قتيلا أو صدى يتأوّب
فصبرا عبيد بن العبيد فإنمايقاسي الأمور المستعدّ المجرّب
وذق كالذي قد ذاق منك معاشرلعبت بهم إذ أنت بالنّاس تلعب
فلو كنت حرّا أو حفظت وصيّةعطفت على هند وهند تسحّب
وقاتلت حتى لا تري لك مطمعابسيفك في القوم الذين تحزّبوا
وقلت لأمّ العبد أمّك: إننيوإن كثر الأعداء حام مذبّب
ولكن أبى قلب أطيرت بناتهوعرق لكم في آل ميسان يضرب
وقال في ذلك أيضا:
ألا أبلغ عبيد اللّه عنّيعبيد اللّؤم عبد بني علاج
عليّ لكم قلائد باقياتيثرن عليكم نقع العجاج
تدّعيت الخضارم من قريشفما في الدّين بعدك من حجاج
أبن لي هل بيثرب زند وردقرى آبائك النّبط العجاج!
وقال فيه أيضا:
عبيد اللّه عبد بني علاجكذاك نسبته وكذاك كانا
أعبد الحارث الكنديّ ألاجعلت لإست أمّك ديدبانا
فتستر عورة كانت قديماوتمنع أمّك النّبط البطانا
وقال يهجو عبيد اللّه وعبّادا، أنشدناه جماعة، منهم هاشم بن محمد الخزاعيّ، عن دماذ، عن أبي عبيدة، وهذا من قصيدة له طويلة أوّلها:
جرت أمّ الظّباء ببين ليلىوكلّ وصال حبل لانقطاع
يقول فيها:
وما لاقيت من أيّام بؤسولا أمر يضيق به ذراعي
ولم تك شيمتي عجزا ولؤماولم أك بالمضلّل في المساعي
سوى يوم الهجين ومن يصاحبلئام الناس يغض على القذاع
حلفت بربّ مكّة لو سلاحيبكفي إذ تنازعني متاعي
لباشر أمّ رأسك مشرفيّكذاك دواؤنا وجع الصّداع
أفي أحسابنا تزري عليناهبلت وأنت زائدة الكراع
تبغّيت الذّنوب عليّ جهلاجنونا ما جننت ابن اللّكاع
فما أسفي على تركي سعيداوإسحاق بن طلحة واتّباعي
ثنايا الوبر عبد بني علاجعبيدة فقع قرقرة بقاع
إذا ما راية رفعت لمجدوودّع أهلها خير الوداع
فأير في است أمّك من أميركذاك يقال للحمق اليراع
ولا بلّت سماؤك من أميرفبئس معرّس الرّكب الجياع
ألم تر إذ تحالف حلف حربعليك غدوت من سقط المتاع
وكدت تموت أن صاح ابن آوىومثلك مات من صوت السّباع
ويوم فتحت سيفك من بعيدأضعت وكلّ أمرك للضّياع
إذا أودى معاوية بن حربفبشّر شعب قعبك بانصداع
فأشهد أنّ أمّك لم تباشرأبا سفيان واضعة القناع
ولكن كان أمرا فيه لبسعلى عجل شديد وارتياع
قال: وكان عبّاد في بعض حروبه ذات ليلة نائما في عسكره، فصاحت بنات آوى، فثارت الكلاب إليها، ونفر بعض الدّوابّ ففزع عبّاد وظنها كبسة من العدوّ، فركب فرسه ودهش، فقال: افتحوا سيفي، فعيّره بذلك ابن مفرّغ.
ومما قاله ابن مفرّغ في هجاء بني زياد وغنّي فيه:
صوت
كم بالدّروب وأرض الهند من قدمومن جماجم قتلى ما هم قبروا
ومن سرابيل أبطال مضرّجةساروا إلى الموت ما خاموا ولا ذعروا
بقندهار ومن تحتم منيّتهبقندهار يرجّم دونه الخبر
غنّى في هذه الأبيات ابن جامع:
أجدّ أهلك، لا يأتيهم خبرمنّا ولا منهم عين ولا أثر
ولم تكلّم قريش في حليفهمإذ غاب أنصاره بالشّام واحتضروا
لو أنّني شهدتني حمير غضبتإذا فكان لها فيما جرى غير
رهط الأغرّ شراحيل بن ذي كلعورهط ذي فائش ما فوقهم بشر
قولا لطلحة ما أغنت صحيفتكموهل لجارك إذ أوردته صدر!
فمن لنا بشقيق أو بأسرتهومن لنا ببني ذهل إذا خطروا!
هم الذين سموا والخيل عابسةوالناس عند زياد كلهم حذر
لولاهم كان سلّام بمنزلتيأولى لهم ثمّ أولى بعد ما ظفروا
أخبرني محمد بن خلف، عن أبي بكر العامريّ، عن إسحاق بن محمد، عن القحذميّ قال: هجا سلام الرّافعيّ مقاتل بن مسمع فقال فيه:
أبى لك يا ذا المجد أنّ مقاتلازنى واستحلّ الفارسيّ المشعشعا
في أبيات هجاه بها فحبسه مقاتل بالعربة فركب شقيق بن ثور في جماعة من بني ذهل إلى الحبس فأخرجه؛ فضرب به ابن مفرّغ المثل في الشّعر الماضي.
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان، قال: حدّثني أبو عبد اللّه اليمانيّ، قال: حدّثنا الأصمعيّ، عن عبد الرحمن بن أبي الزّناد قال: قال لي عبيد اللّه بن زياد: ما هجيت بشيء أشدّ عليّ من قول ابن مفرّغ:
فكّر؛ ففي ذاك إن فكّرت معتبرهل نلت مكرمة إلا بتأمير!
عاشت سميّة ما تدري وقد عمرتأنّ ابنها من قريش في الجماهير
وروى اليزيديّ في روايته عن الأحول: قال أبو عبيدة: كان زياد يزعم أنّ أمّه سميّة بنت الأعور من بني عبد شمس بن زيد مناة بن تميم، فقال ابن مفرّغ يردّ ذلك عليه:
فأقسم ما زياد من قريشولا كانت سميّة من تميم
ولكن نسل عبد من بغيّعريق الأصل في النّسب اللّئيم
أخبرني هاشم بن محمد قال: حدّثنا أبو غسّان دماذ قال: أنشدني أبو عبيدة لابن مفرّغ يهجو ابن زياد ويرميه بالأبنة:
أبلغ قريشا قضّها وقضيضهاأهل السّماحة والحلوم الرّاجحه
أنّي ابتليت بحيّة ساورتهبيد لعمري لم تكن لي رابحه
صفق المبخّل صفقة ملعونةجرّت عليه من البلايا فادحه
شتّان من بطحاء مكّة دارهوبنو المضاف إلى السّباخ المالحه
جعدت أنامله ولام نجارهوبذاك تخبرنا الظّباء السانحه
فإذا أميّة صلصلت أحسابهافبنو زياد في الكلاب النّابحه
قالوا: يناك، فقلت: في جوف استهوبذاك خبّرني الصّدوق الفاضحه
لم يبق أير أسود أو أبيضإلّا له استك في الخلاء مصافحه
وأخبرني إبراهيم بن السريّ بن يحيى، قال: حدّثني أبي، عن شعيب، عن سيف، قال: لما قتل عبيد اللّه بن زياد يوم الزّاب، قتله أصحاب المختار بن أبي عبيد ويقال: إن إبراهيم بن الأشتر حمل على كتيبته فانهزموا، ولقي عبيد اللّه فضربه فقتله، وجاءه إلى أصحابه فقال: إنّي ضربت رجلا فقددته نصفين فشرّقت يداه وغرّبت رجلاه، وفاح منه المسك، وأظنّه ابن مرجانة، وأومأ لهم إلى موضعه، فجاءوا إليه وفتّشوا عليه، فوجدوه كما ذكر، وإذا هو ابن زياد، فقال ابن مفرّغ يهجوه:
إنّ الّذي عاش ختّارا بذمّتهوعاش عبدا قتيل اللّه بالزّاب
العبد للعبد لا أصل ولا طرفألوت به ذات أظفار وأنياب
إن المنايا إذا ما زرن طاغيةهتكن عنه ستورا بين أبواب
هلّا جموع نزار إذا لقيتهمكنت امرأ من نزار غير مرتاب
لا أنت زاحمت عن ملك فتمنعهولا مددت إلى قوم بأسباب
ما شقّ جيب ولا ناحتك نائحةولا بكتك جياد عند أسلاب
لا يترك اللّه أنفا تعطسون بهابني العبيد شهودا غير غيّاب
أقول بعدا وسحقا عند مصرعهلابن الخبيثة وابن الكودن الكابي
والقصيدة المذكورة بها غناء فيه منها، وقال:
حيّ ذا الزّور وانهه أن يعوداإنّ بالباب حارسين قعودا
من أساوير ما ينون قياماوخلاخيل تذهل المولودا
وطماطيم من مشايخ جونألبسوني مع الصّباح قيودا
أيّ بلوى معيشة قد بلونافنعمنا وما رجونا خلودا
ودهور لقيننا موجعاتوزمان يكسّر الجلمودا
فصبرنا على مواطن ضيقوخطوب تصيّر البيض سودا
ظلّ فيها النصيح يرسل سرّالا تهالنّ إن سمعت الوعيدا
أفإنس ما هكذا صبر إنسأم من الجنّ أم خلقت حديدا
لا ذعرت السّوام في فلق الصبح مغيرا ولا دعيت يزيدا
يوم أعطي مخافة الموت ضيماوالمنايا يرصدنني أن أحيدا
قال: وهي قصيدة طويلة
وتمثّل الحسين بن عليّ صلوات اللّه عليه بهذين البيتين لمّا خرج من المدينة إلى مكة عند بيعة يزيد:
لا ذعرت السّوام في فلق الصّبح مغيرا ولا دعيت يزيدا
يوم أعطي مخافة الموت ضيماوالمنايا يرصدنني أن أحيدا
حدّثني أحمد بن عيسى أبو موسى العجليّ العطّار بالكوفة قال: حدّثني الحسين بن نصر بن مزاحم المنقريّ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثنا عمر بن سعد، عن أبي مخنف، قال: حدثني عبد الملك بن نوفل بن مساحق، عن أبي سعيد المقبريّ قال: واللّه لرأيت حسينا عليه السلام وهو يمشي بين رجلين، يعتمد على هذا مرّة، وعلى هذا مرة، حتى دخل المسجد وهو يقول: لا ذعرت السّوام… البيتين.
قال: فقلت عند ذلك إنّه لا يلبث إلا قليلا حتى يخرج، فما لبث أن خرج فلحق بمكة، فلما خرج من المدينة قال: فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ: رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
. ولما توجّه نحو مكة قال: وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ
أخبرني جعفر بن قدامة، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثني عليّ بن الصبّاح، عن ابن الكلبيّ قال: لما قدم ابن مفرّغ إلى معاوية مع خمخام الذي وجّهه إليه، فانتزعه من عبّاد بن زياد، نزل على مروان بن الحكم وهو يومئذ عند معاوية، فأعطاه وكساه، وقام بأمره واسترفد له كلّ من قدر عليه من بني أبي العاص بن أمية، فقال ابن مفرّغ يمدحه من قصيدته:
وأقمتم سوق الثّناء ولم تكنسوق الثّناء تقام في الأسواق
فكأنما جعل الإله إليكمقبض النّفوس وقسمة الأرزاق
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ، قال: حدّثنا أبو غسّان دماذ، عن أبي عبيدة قال: كان ابن مفرّغ يهوى أناهيد بنت الأعنق، وكان الأعنق دهقانا من الأهواز، له ما بين الأهواز وسرّق ومناذر والسّوس، وكان لها أخوات يقال لهنّ أسماء والجمانة، وأخرى قد سقط عن دماذ، فكان يذكرهن جميعا في شعره، فمن ذلك قوله في صاحبته أناهيد من أبيات:
سيري أناهيد بالعيرين آمنةقد سلّم اللّه من قوم بهم طبع
لا بارك اللّه فيهم معشرا جبناولا سقى دارهم قطرا ولا ربعوا
السارقين إذا جاعوا نزيلهموالأخبثين بطونا كلما شبعوا
لا تأمننّ حزاميّا نزلت بهقوم لديهم تناهى اللّؤم والصّرع
جاور بني خلف تحمد جوراهمالأعظمين دفاعا كلما دفعوا
والمطعمين إذا ما شتوة أزمتفالناس شتّى إلى أبوابهم شرع
هم خير قومهم إن حدّثوا صدقواأو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا
المانعين من المخزاة جارهموالرّافعين من الأذنين ما صنعوا
انزل بطلحة يوما إنّ منزلهسهل المباءة بالعلياء مرتفع
وفي أسماء أختها يقول:
تعلّق من أسماء ما قد تعلّقاومثل الذي لاقى من الحبّ أرّقا
وحسبك من أسماء نأيّ وأنهاإذا ذكرت هاجت فؤادا معلّقا
سقى هزم الإرعاد منبجس العرىمنازلها بالمسرقان فسرّقا
وتستر لا زالت خصيبا جنابهاإلى مدفع السّلّان من بطن دورقا
إلى الكوثج الأعلى إلى رامهرمزإلى قريات الشّيح من فوق سفسقا
رامهرمز: بلد من أعمال الأهواز معروف.
بلاد بنات الفارسية إنّهاسقتنا على لوح شرابا معتّقا
أخبرني عمّي، قال: حدثنا الكرانيّ، قال: حدثنا العمريّ، عن الهيثم بن عديّ، وأخبرنا هاشم بن محمد قال: حدثنا دماذ أبو غسّان، عن أبي عبيدة، قالا: لما فصل ابن مفرّغ من عند معاوية، نزل بالموصل على أقواله من آل ذي العشراء من حمير، قال الهيثم في روايته: فزوّجوه امرأة منهم - ولم يذكر ذلك أبو عبيدة - فلما كان اليوم الذي يكون البناء في ليلته، خرج يتصيّد ومعه غلامه برد، فإذا هو بدهقان على حمار يبيع عطرا وأدهانا. فقال له ابن مفرّغ: من أين أقبلت؟ قال: من الأهواز، قال: ويحك! كيف خلّفت المسرقان وبرد مائه؟ قال: على حاله، قال: ما فعلت دهقانة يقال لها أناهيد بنت أعنق؟
قال: أصديقة ابن مفرّغ؟ قال: نعم، قال: ما تجفّ جفونها من البكاء عليه، فقال لغلامه: أي برد، أما تسمع؟ قال: بلى، قال: هو بالرّحمن كافر إن لم يكن هذا وجهي إليها، فقال له برد: أكرمك القوم وقاموا دونك، وزوّجوك كريمتهم، ثم تصنع هذا بهم، وتقدم على ابن زياد بعد خلاصك منه من غير أمره ولا عهد منه ولا عقد! أبق أيها الرجل على نفسك، وأقم بموضعك، وابن بأهلك، وانظر في أمرك، فإن جدّ عزمك كنت حينئذ وما تختاره. قال: دع ذا عنك، هو بالرحمن كافر إن عدل عن الأهواز ولا عرّج على شيء غيرها، ومضى لوجهه من غير أن يعلم أهله، وقال قصيدته:
سما برق الجمانة فاستطارالعلّ البرق ذاك يحور نارا
قعدت له العشاء فهاج شوقيوذكّرني المنازل والدّيارا
ديار للجمانة مقفراتبلين وهجن للقلب ادّكارا
فلم أملك دموع العين منّيولا النّفس التي جاشت مرارا
بسرّق فالقرى من صهرتاجفدير الراهب الطلل القفارا
فقلت لصاحبي: عرّج قليلانذاكر شوقنا الدّرس البوارا
بآية ما غدوا وهم جميعفكاد الصبّ ينتحر انتحارا
فقال: بكوا لفقدك منذ حينزمانا ثم إنّ الحيّ سارا
بدجلة فاستمرّ بهم سفينيشقّ صدورها اللّجج الغمارا
كأن لم أغن في العرصات منهاولم أذعر بقاعتها صوارا
ولم أسمع غناء من خليلوصوت مقرطق خلع العذارا
قال: فقدم البصرة فذكر لعبيد اللّه بن زياد مقدمه، فلم يعرض له، وأرسل إليه أن أقم آمنا، فأقام بالبصرة أشهرا يختلف من البصرة إلى الأهواز، فيزور أناهيد، ويقيم عندها.
ثم أتى عبيد اللّه بن زياد فقال له: إني امرؤ لي أعداء، ولست آمن بعضهم أن يقول شيئا على لساني يحفظ الأمير عليّ، وأحب أن يأذن لي أن أتنحّى عنه، فقال له: حلّ حيث شئت، فخرج حتى قدم على شريك بن الأعور الحارثيّ وهو يومئذ عامل عبيد اللّه بن زياد على فارس وكرمان، فأعطاه ثلاثين ألف درهم، فقدم بها الأهواز فأعطاها أناهيد.
أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار، قال: حدّثنا سليمان بن أبي شيخ، قال: حدثني محمد بن الحكم، عن عوانة: أنّ عبيد اللّه بن أبي بكرة كتب إلى يزيد بن مفرّغ: إني قد توجهت إلى سجستان فالحق بي، فلعلك إن قدمت عليّ ألّا تندم ولا يذمّ رأيك. فتجهّز ابن مفرّغ وخرج حتى قدم سجستان ممسيا، فدخل عليه فشغله بالحديث، وأمر له بمنزل وفرش وخدم، وجعل يطاوله حتى علم أنه قد استتمّ له ما أمر له به، ثم صرفه إلى المنزل الذي قد هيّىء له، ثم دعا به في اليوم الثاني فقال له: يا بن مفرّغ، إنّك قد تجشّمت إليّ شقّة بعيدة، واتّسع لك الأمل فرحلت إليّ لأقضي عنك دينك ولأغنيك عن الناس، وقلت: أبو حاتم بسجستان فمن لي بالغنى بعده! فقال: واللّه ما أخطأت أيّها الأمير ما كان في نفسي، فقال عبيد اللّه: أما واللّه لأفعلنّ ولأقلّنّ لبثك عندي، ولأحسننّ صلتك، وأمر له بمائة ألف درهم، ومائة وصيفة ومائة نجيبة، وأمر له بما ينفقه إلى أن يبلغ بلده سوى المائة الألف، وبمن يكفيه الخدمة من غلمانه وأعوانه، وقال له: إن من خفّة السّفر ألّا تهتمّ بخفّ ولا حافر، وكان مقامه عنده سبعة أيّام.
ثم ارتحل وشيّعه عبيد اللّه إلى قرية على أربعة فراسخ يقال لها: زالق، ثم قال له: يابن مفرّغ، إنه ينبغي للمودّع أن ينصرف، وللمتكلّم أن يسكت، وأنا من قد عرفت، فأبق على الأمل وحسن ظنّك بي ورجائك فيّ، وإذا بدا لك أن تعود فعد، والسلام.
قال: وسار ابن مفرّغ حتى أتى رامهرمز، فنزل بقرية أبجر، فنزلت إليه بنت الأبجر فقالت: يابن مفرّغ، لمن هذا المال؟ قال: لابنة أعنق دهقانة الأهواز، وإذا رسولها في القافلة بكتابها: إنك لو كنت على العهد الأول لتعجّلت إليّ ولم تساير ثقلك، ولكن قد علمت أن المال الذي أعطاكه عبيد اللّه قد شغلك عنّي، قال: فأعطى رسولها مالا على أن يقول فيه خيرا، وقد قال لابنة أبجر في جواب قولها له:
حباني عبيد اللّه يابنة أبجربهذا، وهذا للجمانة أجمع
يقرّ بعيني أن أراها وأهلهابأفضل حال ذاك مرأى ومسمع
وخبّرتها قالت: لقد حال بعدنافقد جعلت نفسي إليها تطلّع
وقلت لها لمّا أتاني رسولهاوأيّ رسول لا يضرّ وينفع
أحبّك ما دامت بنجد وشيجةوما رفعت يوما إلى اللّه إصبع
وإني مليء يا جمانة بالهوىوصدق الهوى إن كان ذلك يقنع
قال: فلما انتهت رسل عبيد اللّه بن أبي بكرة معه إلى الأهواز قالوا له: قد بلغنا حيث أمرنا، قال: أجل، ثم أمر ابنة أعنق أن تفتح الباب وقال لها: كلّ ما دخل دارك فهو لك.
وأقام بالأهواز، ودعا ندماء كانوا له من فتيان العرب فلم يبق ظريف ولا مغنّ إلا أتاه، واستماحه جماعة قصدوه من أهل البصرة والكوفة والشّام فأعطاهم، ولم يفارق أناهيد ومعه شيء من المال، وجعل القوم يسألونه عن عبيد اللّه بن أبي بكرة وكيف هو وأخلاقه وجوده فقال:
يسائلني أهل العراق عن النّدىفقلت: عبيد اللّه حلف المكارم
فتى حاتميّ في سجستان رحلهوحسبك جودا أن يكون كحاتم
سما لينال المكرمات فنالهابشدّة ضرغام وبذل الدّراهم
وحلم إذا ما سورة الحقد أطلقتحبا القوم عند الفادح المتفاقم
وإنّ له في كلّ حيّ صنيعةيحدّثها الرّكبان أهل المواسم
دعاني إليه جوده ووفاؤهومن دون مسراه عداة الأعاجم
فلم أبق إلا جمعة في جوارهويومين حلّا من أليّة آثم
إلى أن دعاني زانه اللّه بالعلافأنبت ريشي من صميم القوادم
وقال: إذا ما شئت يا بن مفرّغفعد عودة ليست كأضغاث حالم
فقلت له - لا يبعد اللّه داره -:أعود إذا ما جئتكم غير حاشم
وأحمدت وردي إذ وردت حياضهوكلّ كريم نهزة للأكارم
فأصبح لا يرجو العراق وأهلهسواه لنفع أو لدفع العظائم
وإنّ عبيد اللّه هنّا رفدهسراحا وأعطى رفده غير غانم
وقال الهيثم في خبره: كان عمرو بن مفرّغ، عمّ يزيد بن ربيعة بن مفرّغ، رجلا له جاه وقدر عند السّلطان، وكان ذا مال وثروة، وذا دين وفضل وصلاح، فكان يعنّف ابن أخيه في أمر أناهيد عشيقته، ويعذله ويعيّره بها، فلما أكثر عليه أتاه يوما فقال له: يا عمّ، جعلت فداك، إنّ لي بالأهواز حاجة، ولي على قوم بها نحو من ثلاثين ألف درهم قد خفت أن تتوى عليّ، فإن رأيت أن تتجشّم العناء معي إليها حتى تطالب لي بحقي، وتعينني بجاهك على غرمائي. وكان عمرو بن مفرّغ قد استخلفه ابن عبّاس عليها؛ إذ كان عامل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب صلوات اللّه عليه وعلى آله على البصرة، وكان عامل الأهواز - حين سأل ابن مفرّغ عمّه أن يخرج معه - ميمون بن عامر أخو بني قيس بن ثعلبة الذي يقال لدراهمه اليوم الميمونية. فلم يزل ابن مفرّغ بعمه حتى أجابه إلى الخروج فاستأجر سفينة وتوجّه إلى الأهواز، وكتب إلى أناهيد أن تهيّئي وتزيّني بأحسن زينتك، واخرجي إليّ مع جواريك فإني موافيك، ومنزلها يومئذ بين سرّق ورامهرمز.
فلما نزلوا منزلها خرجت إليهم. وجلست معهم في هيئتها وزيّها وحليّها وآلتها، فلما رآها عمّه قال له: قبّحك اللّه! أفهلّا إذ فعلت ما فعلت كنت علقت مثل هذه! فقال: يا عمّ، أو قد أعجبتك؟ فقال: ومن لا تعجبه هذه قال: ألجدّ هذا منك؟ قال: نعم واللّه، قال: فإنها واللّه هذه بعينها، فقال: يا خبيث إنما أشخصتني لهذا، يا غلام ارحل بنا. فانصرف عمّه إلى البصرة وأقام هو معها، ولم يزل يتردّد كذلك حتى مات في الطاعون في أيام مصعب بن الزبير.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ وحبيب بن نصر المهلّبيّ قالا: حدثنا عمر بن شبّة قال: حدثنا القحذميّ قال: لزم يزيد بن مفرّغ غرماؤه بدين، فقال لهم: انطلقوا نجلس على باب الأمير، عسى أن يخرج الأشراف من عنده فيروني فيقضوا عنّي، فانطلقوا به، فكان أوّل من خرج إما عمر بن عبيد اللّه بن معمر وأما طلحة الطّلحات، فلما رآه قال: أبا عثمان، ما أقعدك ها هنا؟ قال: غرمائي هؤلاء لزموني بدين لهم عليّ، قال: وكم هو؟ قال: سبعون ألفا، قال: عليّ منها عشرة آلاف درهم.
ثمّ خرج الآخر على الأثر، فسأله ما سأل صاحبه، فقال: هل خرج أحد قبلي؟ قالوا: نعم، فلان، قال: فما صنع؟ قالوا: ضمن عشرة آلاف درهم، قال: فعليّ مثلها.
قال: ثم جعل الناس يخرجون، فمنهم من يضمن الألف إلى أكثر من ذلك، حتى ضمنوا أربعين ألفا.
وكان يأمل عبيد اللّه بن أبي بكرة، فلم يخرج حتى غربت الشمس، فخرج مبادرا، فلم يره حتى كاد يبلغ بيته، فقيل له: إنك مررت بابن مفرّغ ملزوما، وقد مرّ به الأشراف فضمنوا عنه، فقال: واسوأتاه! إنّي أخاف أن يظنّ أنّي تغافلت عنه، فكرّ راجعا، فوجده قاعدا، فقال له: أبا عثمان ما يجلسك ها هنا؟ قال: غرمائي هؤلاء يلزمونني، قال: كم عليك؟ قال: سبعون ألفا، قال: وكم ضمن عنك؟ قال: أربعون ألفا، قال: فاستمتع بها وعليّ دينك أجمع، فقال فيه يخاطب نفسه:
لو شئت لم تعني ولم تنصبيعشت بأسباب أبي حاتم
عشت بأسباب الجواد الذيلا يختم الأموال بالخاتم
من كفّ بهلول له عدّةما إن لمن عاداه من عاصم
المطعم النّاس إذ حاردتنكباؤها في الزّمن العارم
والفاصل الخطة يوم اللّجاللأمر عند الكربة اللّازم
جاورته حينا فأحمدتهأثني وما الحامد كالّلائم
كم من عدوّ شامت كاشحأخزيته يوما ومن ظالم
أذقته الموت على غرّةبأبيض ذي رونق صارم
أخبرني عمّي، قال: حدّثني أبو أيّوب المدينيّ، قال: حدّثني حمّاد بن إسحاق، عن أبيه، قال: قدم بديح الكوفة، فغنّى بها دهرا، وأصاب مالا كثيرا، ثمّ خرج إلى البصرة، ثمّ أتى الأهواز، ثمّ عاد إلى البصرة، فصحب ابن مفرّغ في سفينة حتى إذا كان في نهر معقل تغنّى وهو لا يعرف ابن مفرّغ بقوله:
سما برق الجمانة فاستطارالعلّ البرق ذاك يعود نارا
قال: فطرب ابن مفرّغ وقال: يا ملّاح، كرّ بنا إلى الأهواز، فكرّ وهو يغنّيه، ثمّ كرّ راجعا إلى البصرة، وكرّوا معه، وهو يعيد هذا الصوت. قال: ووصل ابن مفرّغ بديحا وكساه.
صوت
رضيت الهوى إذ حلّ بي متخيّرانديما وما غيري له من ينادمه
أعاطيه كأس الصّبر بيني وبينهيقاسمنيها مرّة وأقاسمه
يقال: إنّ الشّعر لبشّار، والغناء للزّبير بن دحمان، هزج بالوسطى عن الهشاميّ وأحمد بن المكّيّ.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع