من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
نسب أشجع وأخباره
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
أخبرني محمد بن عمران الصّيرفيّ والحسن بن عليّ قالا: حدثنا الحسن بن عليل العنزيّ، قال: حدثني عليّ بن الفضل السّلميّ، قال: كان أشجع بن عمرو السلميّ يكنى أبا الوليد من ولد الشّريد بن مطرود السلميّ، تزوج أبوه امرأة من أهل اليمامة، فشخص معها إلى بلدها فولدت له هناك أشجع، ونشأ باليمامة، ثم مات أبوه.
فقدمت به أمّه البصرة تطلب ميراث أبيه، وكان له هناك مال فماتت بها، وربّي أشجع ونشأ بالبصرة، فكان من لا يعرفه يدفع نسبه، ثم كبر وقال الشّعر وأجاد وعدّ في الفحول، وكان الشّعر يومئذ في ربيعة واليمن، ولم يكن لقيس شاعر معدود، فلما نجم أشجع وقال الشّعر، افتخرت به قيس وأثبتت نسبه، وكان له أخوان: أحمد وحريث ابنا عمرو، وكان أحمد شاعرا ولم يكن يقارب أشجع، ولم يكن لحريث شعر، ثم خرج أشجع إلى الرّقّة والرّشيد بها، فنزل على بني سليم فتقبّلوه وأكرموه، ومدح البرامكة، وانقطع إلى جعفر خاصّة وأصفاه مدحه، فأعجب به ووصله إلى الرشيد، ومدحه فأعجب به أيضا، فأثرى وحسنت حاله في أيّامه وتقدّم عنده.
أخبرني محمد بن عمران، قال: حدّثني العنزيّ، قال: حدّثني صخر بن أسد السّلميّ، قال: حدّثني أبي أسد بن جديلة، قال: حدّثني أشجع السّلميّ قال: شخصت من البصرة إلى الرّقّة، فوجدت الرّشيد غازيا، ونالتني خلّة، فخرجت حتى لقيته منصرفا من الغزو، وكنت قد اتّصلت ببعض أهل داره، فصاح صائح ببابه: من كان ها هنا من الشعراء فليحضر يوم الخميس، فحضرنا سبعة وأنا ثامنهم، وأمرنا بالبكور في يوم الجمعة، فبكّرنا وأدخلنا، وقدّم واحد منا ينشد على الأسنان، وكنت أحدث القوم سنّا، وأرثّهم حالا، فما بلغ إليّ حتى كادت الصلاة أن تجب، فقدّمت والرّشيد على كرسيّ، وأصحاب الأعمدة بين يديه سماطان.
فقال لي: أنشدني، فخفت أن أبتدىء من أوّل قصيدتي بالتّشبيب فتجب الصلاة ويفوتني ما أردت، فتركت التّشبيب وأنشدته من موضع المديح في قصيدتي التي أوّلها:
تذكّر عهد البيض وهو لها تربوأيّام يصبي الغانيات ولا يصبو
فابتدأت قولي في المديح:
إلى ملك يستغرق المال جودهمكارمه نثر ومعروفه سكب
وما زال هارون الرّضا بن محمّدله من مياه النّصر مشربها العذب
متى تبلغ العيس المراسيل بابهبنا فهناك الرّحب والمنزل الرّحب
لقد جمعت فيك الظّنون ولم يكنبغيرك ظنّ يستريح له القلب
جمعت ذوي الأهواء حتى كأنّهمعلى منهج بعد افتراقهم ركب
بثثت على الأعداء أبناء دربةفلم يقهم منهم حصون ولا درب
وما زلت ترميهم بهم متفرّداأنيساك حزم الرّأي والصّارم العضب
جهدت فلم أبلغ علاك بمدحةوليس على من كان مجتهدا عتب
فضحك الرّشيد وقال لي: خفت أن يفوت وقت الصلاة فينقطع المديح عليك، فبدأت به وتركت التّشبيب، وأمرني بأن أنشده التّشبيب فأنشدته إيّاه، فأمر لكلّ واحد من الشّعراء بعشرة آلاف درهم وأمر لي بضعفها.
أخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ، قال: حدّثنا عمر بن شبّة، قال: حدّثني أحمد بن سيّار الجرجانيّ وكان راوية شاعرا مدّاحا ليزيد بن مزيد، قال: دخلت أنا وأشجع والتّيميّ، وابن رزين الخراسانيّ على الرشيد في قصر له بالرقّة، وكان قد ضرب أعناق قوم في تلك الساعة، فجعلنا نتخلّل الدّماء حتى وصلنا إليه، فأنشده أبو محمد التّيميّ قصيدة له يذكر فيها نقفور ووقعته ببلاد الرّوم، فنثر عليه مثل الدّرّ من جودة شعره، وأنشده أشجع قوله:
قصر عليه تحيّة وسلامألقت عليه جمالها الأيّام
قصرت سقوف المزن دون سقوفهفيه لأعلام الهدى أعلام
تثني على أيّامك الأيّاموالشاهدان الحلّ والإحرام
نتك من ظل النبي وصيّةبة وشجت بها الأرحام
برقت سماؤك في العدو وأمطرتهاما لها ظلّ السيوف غمام
وإذا سيوفك صافحت هام العدىطارت لهن عن الرؤوس الهام
وعلى عدوّك يابن عمّ محمّدرصدان ضوء الصّبح والإظلام
فإذا تنبّه رعته وإذا غفاسلّت عليه سيوفك الأحلام
وأنشدته أنا قولي:
زمن بأعلى الرّقمتين قصير
حتى انتهيت إلى قولي:
لا تبعد الأيّام إذ ورق الصّباخضل وإذ غضّ الشباب نضير
فاستحسن هذا البيت، ومضيت في القصيدة حتى أتممتها، فوجّه إليّ الفضل بن الربيع: أنفذ إليّ قصيدتك، فإني أريد أن أنشدها الجواري من استحسانه إيّاها.
قال: وركب الرشيد يوما قبّة وسعيد بن سالم معه في القبّة، فقال: أين محمد البيذق؟ وكان رجلا حسن الصّوت ينشد الشعر فيطرب بحسن صوته أشدّ من إطراب الغناء، فحضر، فقال: أنشدني قصيدة الجرجانيّ، فأنشده، فقال: الشّعر في ربيعة سائر اليوم، فقال له سعيد بن سالم: يا أمير المؤمنين، استنشده قصيدة أشجع بن عمرو، فأبى، فلم يزل به حتى أجاب إلى استماعها، فلما أنشده هذين البيتين:
وعلى عدوّك يابن عمّ محمّد
والذي بعده، قال له سعيد بن سالم: واللّه يا أمير المؤمنين، لو خرس بعد هذين لكان أشعر الناس.
أخبرني الحسن بن عليّ الخفّاف، قال: حدّثني محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدّثني أبي، قال: بلغني أنّ أشجع لمّا أنشد الرّشيد هذين البيتين:
وعلى عدوّك يابن عمّ محمّد
والذي بعده، طرب الرشيد، وكان متّكئا فاستوى جالسا، وقال: أحسن واللّه، هكذا تمدح الملوك.
أخبرني أحمد بن إسحاق العسكريّ، والحسن بن عليّ، قالا: حدثنا أحمد بن سعيد بن سالم الباهليّ، عن أبيه، قال: كنت عند الرّشيد، فدخل إليه أشجع، ومنصور النّمريّ، فأنشده أشجع قوله:
وعلى عدوّك يابن عمّ محمّدرصدان ضوء الصّبح والإظلام
فإذا تنبّه رعنه وإذا غفاسلّت عليه سيوفك الأحلام
فاستحسن ذلك الرّشيد، وأومأت إلى أشجع أن يقطع الشعر، وعلمت أنّه لا يأتي بمثلهما، فلم يفعل، ولمّا أنشده ما بعدهما فتر الرّشيد وضرب بمحضرة كانت بيده الأرض، واستنشد منصورا النّمريّ، فأنشده قوله:
ما تنقضي حسرة منّي ولا جزعإذا ذكرت شبابا ليس يرتجع
فمرّ واللّه في قصيدة قلّ ما تقول العرب مثلها، فجعل الرشيد يضرب بمخصرته الأرض ويقول: الشّعر في ربيعة سائر اليوم، فلما خرجنا قلت لأشجع: غمزتك أن تقطع فلم تفعل، ويلك! ولم تأت بشيء، فهلّا متّ بعد البيتين أو خرست، فكنت تكون أشعر الناس.
أخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ، قال: حدّثنا هارون بن محمد بن عبد الملك الزّيّات قال: حدّثني موسى بن عيسى، قال: اشترى جعفر بن يحيى المرغاب من آل الرشيد بعشرين ألف ألف درهم، وردّه على أصحابه، فقال أشجع السّلميّ يمدحه بذلك ويقول:
ردّ السّباخ ندى يديه وأهلهامنها بمنزلة السّماك الأعزل
قد أيقنوا بذهابها وهلاكهموالدّهر يوعدهم بيوم أعضل
فافتكّها لهم وهم من دهرهمبين الجران وبين حدّ الكلكل
ما كان يرجى غيره لفكاكهايرجى الكريم لكل خطب معضل
أخبرني الحسن بن عليّ الخفّاف قال: حدثني أحمد بن محمد حرّان، عن قدامة بن نوح، قال: جلس جعفر بن يحيى بالصالحيّة يشرب على مستشرف له، فجاءه أعرابيّ من بني هلال، فاشتكى واستماح بكلام فصيح ولفظ مثله يعطف المسؤول، فقال له جعفر بن يحيى: أتقول الشعر يا هلاليّ؟ فقال: قد كنت أقوله وأنا حدث أتملّح به، ثم تركته لمّا صرت شيخا، قال: فأنشدنا لشاعركم حميد بن ثور، فأنشده قوله:
لمن الدّيار بجانب الحمسكمحطّ ذي الحاجات بالنّفس
حتى أتى على آخرها، فاندفع أشجع، فأنشده مديحا له فيه قاله لوقته على وزنها وقافيتها، فقال:
ذهبت مكارم جعفر وفعالهفي النّاس مثل مذاهب الشمس
ملك تسوس له المعالي نفسهوالعقل خير سياسة النّفس
فإذا تراءته الملوك تراجعواجهر الكلام بمنطق همس
ساد البرامك جعفر وهم الألىبعد الخلائف سادة الإنس
ما ضرّ من قصد ابن يحيى راغبابالسّعد حلّ به أم النّحس
فقال له جعفر: صف موضعنا هذا، فقال:
قصور الصالحيّة كالعذارىلبسن ثيابهنّ ليوم عرس
مطلّات على بطن كستهأيادي الماء وشيا نسج غرس
إذا ما الطّلّ أثّر في ثراءتنفّس نوره من غير نفس
فتغبقه السّماء بصبغ ورسوتصبحه بأكؤس عين شمس
فقال جعفر للأعرابي: كيف ترى صاحبنا يا هلاليّ؟ فقال: أرى خاطره طوع لسانه، وبيان الناس تحت بيانه، وقد جعلت له ما تصلني به، قال: بل نقرّك يا أعرابيّ ونرضيه، وأمر للأعرابيّ بمائة دينار ولأشجع بمائتين.
أخبرني عمّي قال؛ حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثني أبو عامة، قال: حدّثني أشجع السّلميّ، قال: كنت ذات يوم في مجلس بعض إخواني أتحدّث وأنشد، إذ دخل عليهم أنس بن أبي شيخ النّصريّ صاحب جعفر بن يحيى، فقام له جميع القوم غيري، ولم أعرفه فأقوم له، فنظر إليّ وقال: من هذا الرّجل؟ قالوا: أشجع السّلميّ الشّاعر، قال: أنشدني بعض قولك، فأنشدته. فقال: إنّك لشاعر، فما يمنعك من جعفر بن يحيى؟ فقلت:
ومن لي بجعفر بن يحيى؟ فقال: أنا، فقل أبياتا ولا تطل فإنه يملّ الإطالة، فقلت: لست بصاحب إطالة، فقلت أبياتا على نحو ما رسم لي، وصرت إلى أنس فقال: تقدّمني إلى الباب، فتقدّمت، فلم يلبث أن جاء فدخل، وخرج أبو رمح الهمذانيّ حاجب جعفر بن يحيى، فقال أشجع: فقمت، فقال: ادخل، فدخلت، فاستنشدني فأنشدته أقول:
وترى الملوك إذا رأيتهمكلّ بعيد الصّوت والجرس
فإذا بدا لهم ابن يحيى جعفررجعوا الكلام بمنطق همس
ذهبت مكارم جعفر وفعالهفي النّاس مثل مذاهب الشّمس
قال: فأمر له بعشرة آلاف درهم، قال: وكان أشجع يحبّ الثّياب، وكان يكتري الخلعة كل يوم بدرهمين، فيلبسها أياما، ثم يكتري غيرها، فيفعل بها مثل ذلك، قال: فابتعت أثوابا كثيرة بباب الكرخ، فكسوت عيالي وعيال إخوتي حتى أنفقتها.
ثم لقيت المبارك مؤدّب الفضل بن يحيى بعد أيام، فقال لي: أنشدني ما قلته في جعفر، فأنشدته، فقال: ما يمنعك من الفضل؟ فقلت: ومن لي بالفضل؟ فقال: أنا لك به، فأدخلني عليه، فأنشدته:
وما قدّم الفضل بن يحيى مكانهعلى غيره بل قدّمته المكارم
لقد أرهب الأعداء حتى كأنماعلى كل ثغر بالمنيّة قائم
فقال لي: كم أعطاك جعفر؟ فقلت: عشرة آلاف درهم، فقال: أعطوه عشرين ألفا.
أخبرني علي بن صالح، قال: حدّثني أحمد بن أبي فنن، قال: حدثني داود بن مهلهل، قال: لما خرج جعفر بن يحيى ليصلح أمر الشام، نزل في مضربه، وأمر بإطعام الناس، فقام أشجع فأنشده قوله:
فئتان باغية وطاغيةجلّت أمورهما عن الخطب
قد جاءكم بالخيل شازبةينقلن نحوكم رحى الحرب
لم يبق إلا أن تدور بكمقد قام هاديها على القطب
قال: فأمر له بصلة ليست بالسّنيّة، وقال له: دائم القليل خير من منقطع الكثير، فقال له: ونزره أكثر من جزيل غيره، فأمر له بمثلها، قال: وكان يجري عليه في كلّ جمعة مائة دينار مدة مقامه ببابه.
أخبرني محمد بن جعفر النحويّ صهر المبرّد، قال: حدثني الفضل بن محمد اليزيديّ، قال: حدثنا إسحاق الموصليّ، قال: دخلت إلى الرّشيد يوما، وهو يخاطب جعفر بن يحيى بشيء لم أسمع ابتداءه، وقد علا صوته، فلما رآني مقبلا قال لجعفر بن يحيى: أترضى بإسحاق؟ قال جعفر: واللّه ما في علمه مطعن إن أنصف، فقال لي: أيّ شيء تروي للشعراء المحدثين في الخمر؟ أنشدني من أفضل ما عندك وأشدّه تقدّما، فعلمت أنهما كانا يتماريان في تقديم أبي نواس، فعدلت عنه إلى غيره؛ لئلا أخالف أحدهما، فقلت: لقد أحسن أشجع في قوله:
وقد طعنت الليل في أعجازهبالكأس بين غطارف كالأنجم
يتمايلون على النعيم كأنّهمقضب من الهنديّ لم تتثلّم
وسعى بها الظّبي العزير يزيدهاطيبا ويغشمها إذا لم تغشم
والليل منتقب بفضل ردائهقد كاد يحسر عن أغرّ أرثم
فإذا أدارتها الأكفّ رأيتهاتثني الفصيح إلى لسان الأعجم
وعلى بنان مديرها عقيانةمن سكبها وعلى فضول المعصم
تغلي إذا ما الشّعريان تلظّياصيفا وتسكن في طلوع المرزم
ولقد فضضناها بخاتم ربّهابكرا وليس البكر مثل الأيّم
ولها سكون في الإناء وخلفهاشغب يطوّح بالكميّ المعلم
تعطى على الظّلم الفتى بقيادهاقسرا وتظلمه إذا لم يظلم
فقال لي الرّشيد: قد عرفت تعصّبك على أبي نواس، وإنك عدلت عنه متعمدا، ولقد أحسن أشجع، ولكنه لا يقول أبدا مثل قول أبي نواس:
يا شقيق النّفس من حكمنمت عن ليلي ولم أنم
فقلت له: ما علمت ما كنت فيه يا أمير المؤمنين، وإنما أنشدت ما حضرني، فقال: حسبك قد سمعت الجواب.
قال الفضل: وكان في إسحاق تعصّب على أبي نواس لشيء جرى بينهما.
أخبرني محمد بن مزيد، قال: حدثنا حمّاد بن إسحاق، عن أبيه، قال: اصطبح الواثق في يوم مطير، واتصل شربه وشربنا معه حتى سقطنا لجنوبنا صرعى، وهو معنا على حالنا، فما حرّك أحد منا عن مضجعه، وخدم الخاصة يطوفون علينا ويتفقدوننا، وبذلك أمرهم، وقال: لا تحرّكوا أحدا عن موضعه، فكان هو أول من أفاق منا، فقام وأمر بإنباهنا فأنبهنا فقمنا فتوضأنا وأصلحنا من شأننا، وجئت إليه وهو جالس وفي يده كأس، وهو يروم شربها، والخمار يمنعه، فقال لي: يا إسحاق، أنشدني في هذا المعنى شيئا، فأنشدته قول أشجع السّلميّ:
ولقد طعنت الليل في أعجازهبالكأس بين غطارف كالأنجم
يتمايلون عن النّعيم كأنّهمقضب من الهنديّ لم تتثلّم
وسعى بها الظّبي الغرير يزيدهاطيبا ويغشمها إذا لم تغشم
والليل منتقب بفضل ردائهقد كاد يحسر عن أغرّ أرثم
وإذا أدارتها الأكفّ رأيتهاتثني الفصيح إلى لسان الأعجم
وعلى بنان مديرها عقيانةمن لونها وعلى فضول المعصم
تغلي إذا ما الشّعريان تلظّياصيفا وتسكن في طلوع المرزم
ولقد فضضناها بخاتم ربّهابكرا وليس البكر مثل الأيّم
ولها سكون في الإناء وخلفهاشغب يطوّح بالكميّ المعلم
تعطي على الظّلم الفتى بقيادهاقسرا وتظلمه إذا لم يظلم
فطرب وقال: أحسن واللّه أشجع، وأحسنت يا أبا محمد، أعد بحياتي، فأعدتها وشرب كأسه، وأمر لي بألف دينار.
أخبرني جعفر بن قدامة، قال: حدثنا أبو هفّان، قال: ذكر أبو دعامة أنّ أشجع دخل على الفضل بن الرّبيع، وقد توفّي ابنه العباس والناس يعزّونه، فعزّاه فأحسن، ثم استأذنه في إنشاد مرثية قالها فيه، فأذن له فأنشده:
لا تبكينّ بعين غير جائدةوكلّ ذي حزن يبكي كما يجد
أيّ امرىء كان عباس لنائبةإذا تقنّع دون الوالد الولد
لم يدنه طمع من دار مخزيةولم يعزّ له من نعمة بلد
قد كنت ذا جلد في كلّ نائبةفبان منّي عليك الصبر والجلد
لمّا تسامت بك الآمال وابتهجتبك المروءة واعتدّت بك العدد
ولم يكن لفتى في نفسه أملإلا إليك به من أرضه يفد
وحين جئت أمام السّابقين ولميبلل عذارك ميدان ولا أمد
وافاك يوم على نكراء مشتمللم ينج من مثله عاد ولا لبد
فما تكشّف إلا عن مولولةحرّى ومكتئب أحشاؤه تقد
قال: فبكى الفضل وبكى الناس معه، وما انصرفوا يومئذ يتذاكرون غير أبيات أشجع.
أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء، قال: حدثنا الحسن بن محمد بن طالب الدّيناري، قال: حدّثني عليّ بن الجهم، قال: دخل أشجع على الرّشيد وقد مات ابن له، والناس يعزّونه فأنشده قوله:
نقص من الدّين ومن أهلهنقص المنايا من بني هاشم
قدّمته - فاصبر على فقده -إلى أبيه وأبي القاسم
فقال الرّشيد: ما عزّاني اليوم أحد أحسن من تعزية أشجع، وأمر له بصلة.
أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثنا العنزيّ، قال: حدثني عبد الرّحمن بن النّعمان السّلميّ قال: كنّا بباب جعفر بن يحيى وهو عليل، فقال لنا الحاجب: إنه إذن عليه، فكتب إليه أشجع:
لمّا اشتكى جعفر بن يحيىفارقني النّوم والقرار
ومرّ عيشي عليّ حتّىكأنّما طعمه المرار
خوفا على جعفر بن يحيىلا حقّق الخوف والحذار
إن يعفه اللّه لا نحاذرما أحدث الليل والنهار
قال: فأوصل الحاجب رقعته، ثم خرج فأمره بالوصول وحده، وانصرف سائر النّاس.
أخبرني الحسن قال: حدثنا العنزيّ، قال: حدّثني محمد بن الحسين، عن عمرو بن عليّ: أنّ أشجع السّلميّ كتب إلى الرشيد وقد أبطأ عنه شيء أمر له به:
أبلغ أمير المؤمنين رسالةلها عنق بين الرّواة فسيح
بأنّ لسان الشعر ينطقه النّدىويخرسه الإبطاء وهو فصيح
فضحك الرشيد وقال له: لن يخرس لسان شعرك، وأمر بتعجيل صلته.
أخبرني الحسن، ومحمد بن يحيى الصّوليّ، قالا: حدثنا العنزيّ، قال: حدثني أحمد بن محمد بن منصور بن زياد، وكان يقال لأبيه فتى العسكر، قال: أقبل أشجع إلى باب أبي، فرأى ازدحام الناس عليه، فقال:
على باب ابن منصورعلامات من البذل
جماعات وحسب الباب نبلا كثرة الأهل
فبلغ أبي بيتاه هذان، فقال: هما واللّه أحبّ مدائحه إليّ.
أخبرني عمّي، والحسن بن عليّ، قال: حدّثنا الفضل بن محمد اليزيديّ، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الموصليّ، قال: لما ولّى الرشيد جعفر بن يحيى خراسان جلس للناس فدخلوا عليه يهنّئونه ثم دخل الشعراء فأنشدوه؛ فقام أشجع آخرهم، فاستأذن في الإنشاد فأذن له، فأنشده قوله:
أتصبر للبين أم تجزعفإنّ الدّيار غدا بلقع
غدا يتفرّق أهل الهوىويكثر باك ومسترجع
حتى انتهى إلى قوله:
ودوّيّة بين أقطارهامقاطيع أرضين لا تقطع
تجاوزتها فوق عيرانةمن الريح في سيرها أسرع
إلى جعفر نزعت رغبةوأيّ فتى نحوه تنزع
فما دونه لامرىء مطمعولا لامرىء غيره مقنع
ولا يرفع الناس من حطّهولا يضعون الذي يرفع
يريد الملوك مدى جعفرولا يصنعون كما يصنع
وليس بأوسعهم في الغنىولكنّ معروفه أوسع
تلوذ الملوك بآرائهإذا نالها الحدث الأفظع
بديهته مثل تدبيرهمتى رمته فهو مستجمع
وكم قائل إذ رأى ثروتيوما في فضول الغنى أصنع:
غدا في ظلال ندى جعفريجرّ ثياب الغنى أشجع
فقل لخراسان تحيا فقدأتاها ابن يحيى الفتى الأروع
فأقبل عليه جعفر بن يحيى ضاحكا، واستحسن شعره، وجعل يخاطبه مخاطبة الأخ أخاه، ثم أمر له بألف دينار.
قال: ثم بدا للرّشيد في ذلك التّدبير، فعزل جعفرا عن خراسان بعد أن أعطاه العهد والكتب، وعقد له العقد وأمر ونهى، فوجم لذلك جعفر، فدخل عليه أشجع فأنشده يقول:
أمست خراسان تعزّى بماأخطأها من جعفر المرتجى
كان الرّشيد المعتلى أمرهولّى عليها المشرق الأبلجا
ثم أراه رأيه أنّهأمسى إليه منهم أحوجا
فكم به الرّحمن من كربةفي مدّة تقصر قد فرّجا
فضحك جعفر ثم قال: لقد هوّنت عليّ العزل، وقمت لأمير المؤمنين بالعذر، فسلني ما شئت، فقال: قد كفاني جودك ذلّة السؤال، فأمر له بألف دينار آخر.
أخبرني عمّي، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد، عن أبي دعامة، عن أشجع، قال: دخلت على محمد الأمين حين أجلس مجلس الأدب للتّعليم، وهو ابن أربع سنين، وكان يجلس فيه ساعة ثم يقوم فأنشدته:
ملك أبوه وأمّه من نبعةمنها سراج الأمّة الوهّاج
شربت بمكة في ربا بطحائهاماء النّبوّة ليس فيه مزاج
يعني النّبعة. قال: فأمرت له زبيدة بمائة ألف درهم، قال: ولم يملك الخلافة أحد أبوه وأمّه من بني هاشم إلا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب صلوات اللّه عليه، ومحمد بن زبيدة.
أخبرني الحسن بن عليّ، ومحمد بن يحيى الصوليّ، قالا: حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ، قال: حدثنا المهزميّ، قال: لما ولي إبراهيم بن عثمان بن نهيك الشرطة، دخل عليه أشجع، فأنشده قوله فيه:
لمن المنازل مثل ظهر الأرقمقدمت وعهد أنيسها لم يقدم
فتكت بها سنتان تعتورانهابالمعصفات وكلّ أسحم مرزم
دمن إذا استثبتّ عينك عهدهاكرّت إليك بنظرة المتوهّم
ولقد طعنت الليل في أعجازهبالكأس بين غطارف كالأنجم
يتمايلون على النّعيم كأنّهمقضب من الهنديّ لم تتثلّم
واللّيل مشتمل بفضل ردائهقد كاد يحسر عن أغرّ أرثم
لبني نهيك طاعة لو أنهازحمت بهضب متالع لم تكلم
قوم إذا غمزوا قناة عدوّهمحطموا جوانبها ببأس محطم
في سيف إبراهيم خوف واقعلذوي النّفاق وفيه أمن المسلم
ويبيت يكلأ - والعيون هواجع -مال المضيع ومهجة المستسلم
ليل يواصله بضوء نهارهيقظان ليس يذوق نوم النّوّم
شدّ الخطام بأنف كلّ مخالفحتى استقام له الذي لم يخطم
لا يصلح السّلطان إلا شدّةتغشى البريء بفضل ذنب المجرم
منعت مهابتك النفوس حديثهابالشيء تكرهه وإن لم تعلم
ونهجت في سبل السّياسة مسلكاففهمت مذهبها الذي لم يفهم
فوصله وحمله وخلع عليه.
أخبرني محمد بن يحيى الصّوليّ، قال: حدثنا الغلابيّ قال: حدثنا مهديّ بن سابق، قال: أعطى جعفر بن يحيى مروان بن أبي حفصة - وقد مدحه - ثلاثين ألف درهم، وأعطى أبا البصير عشرين ألفا، وأعطى أشجع - وقد أنشده معهما - ثلاثة آلاف درهم، وكان ذلك في أول اتصاله به، فكتب إليه أشجع يقول:
أعطيت مروان الثّلاثين التي دلّت رعاثه
وأبا البصير وإنماأعطيتني منهم ثلاثة
ما خانني حوك القريض ولا اتّهمت سوى الحداثه
فأمر له بعشرين ألف درهم أخرى.
حدثني عليّ بن صالح بن الهيثم الأنباريّ، قال: حدثني أبو هفان، قال: حدثني سعيد بن هريم وأبو دعامة، قالا: كان انقطاع أشجع إلى العباس بن محمد بن عليّ بن عبد اللّه بن العباس، فقال الرّشيد للعباس يوما: يا عمّ، إن الشّعراء قد أكثروا في مدح محمد بسببي وبسبب أمّ جعفر، ولم يقل أحد منهم في المأمون شيئا، وأنا أحبّ أن أقع على شاعر فطن ذكيّ يقول فيه، فذكر العبّاس ذلك لأشجع، وأمره أن يقول فيه، فقال:
بيعة المأمون آخذةبعنان الحقّ في أفقه
أحكمت مرّاتها عقداتمنع المختال في نفقه
لن يفكّ المرء ربقتهاأو يفكّ الدّين من عنقه
وله من وجه والدهصورة تمّت ومن خلقه
قال: فأتى بها العبّاس الرّشيد، وأنشده إيّاها فاستحسنها وسأله: لمن هي؟ فقال: هي لي، فقال: قد سررتني مرّتين: بإصابتك ما في نفسي، وبأنها لك، وما كان لك فهو لي، وأمر له بثلاثين ألف دينار، فدفع إلى أشجع منها خمسة آلاف درهم، وأخذ باقيها لنفسه.
أخبرني عمّي، قال: حدثنا عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدثنا محمد بن عبد اللّه بن مالك الخزاعيّ، قال: وعد يحيى بن خالد أشجع السّلميّ وعدا، فأخّره عنه، فقال له قوله:
رأيتك لا تستلذّ المطالوتوفي إذا غدر الخائن
فماذا تؤخّر من حاجتيوأنت لتعجيلها ضامن!
ألم تر أنّ احتباس النّواللمعروف صاحبه شائن!
فلم يتعجّل ما أراد، فكتب إليه:
رويدك إنّ عزّ الفقر أدنىإليّ من الثّراء مع الهوان
وماذا تبلغ الأيّام منّيبريب صروفها ومعي لساني
فبلغ قوله جعفرا فقال له: ويلك يا أشجع! هذا تهدّد فلا تعد لمثله، ثم كلّم أباه فقضى حاجته، فقال:
كفاني صروف الدّهر يحيى بن خالدفأصبحت لا أرتاع للحدثان
كفاني - كفاه اللّه كلّ ملمّة -طلاب فلان مرّة وفلان
فأصبحت في رغد من العيش واسعأقلّب فيه ناظري ولساني
أخبرني محمد بن عمران الصّيرفيّ، قال: حدّثنا العنزيّ عن ابن النّطّاح، قال: ولّى جعفر بن يحيى أشجع عملا، فرفع إليه أهله رفائع كثيرة، وتظلّموا منه وشكوه، فصرفه جعفر عنهم، فلما رجع إليه من عمله مثل بين يديه، ثم أنشأ يقول:
أمفسدة سعاد عليّ دينيولائمتي على طول الحنين
وما تدري سعاد إذا تخلّتمن الأشجان كيف أخو الشّجون
تنام ولا أنام لطول حزنيوأين أخو السّرور من الحزين!
لقد راعتك عند قطين سعدىرواحل غاديات بالقطين
كأنّ دموع عيني يوم بانواعيانا سحّ مطّرد معين
لقد هزّت سنان القول منّيرجال رفيعة لم يعرفوني
هم جازوا حجابك يابن يحيىفقالوا بالذي يهوون دوني
أطافوا بي لديك وغبت عنهمولو أدنيتني لتجنّبوني
وقد شهدت عيونهم فمالتعليّ وغيّبت عنهم عيوني
ولمّا أن كتبت بما أرادواتدرّع كلّ ذي غمز دفين
كففت عن المقاتل بادياتوقد هيّأت صخرة منجنون
ولو أرسلتها دمغت رجالاوصالت في الأخشّة والشّؤون
وكنت إذا هززت حسام قولقطعت بحجّتي علق الوتين
لعلّ الدهر يطلق من لسانيلهم يوما ويبسط من يميني
فأقضي دينهم بوفاء قولوأثقلهم لصدقي بالديون
وقد علموا جميعا أنّ قوليقريب حين أدعوه يجيني
وكنت إذا هجوت رئيس قوموسمت على الذّؤابة والجبين
بخطّ مثل حرق النّار باقيلوح على الحواجب والعيون
أمائلة بودّك يابن يحيىرجالات ذوو ضغن كمين
يشيمون السّيوف إذا رأونيفإن ولّيت سلّت من جفون
ولو كشفت سرائرنا جميعاعلمت من البريء من الظّنين
علام - وأنت تعلم نصح جنبيوأخذي منك بالسّبب المتين
وعسفي كلّ مهمهة خلاءإليك بكل يعملة أمون
وإحيائي الدّجى لك بالقوافيأقيم صدورهنّ على المتون -
تقرّب منك أعدائي وأنأىويجلس مجلسي من لا يليني!
ولو عاتبت نفسك في مكانيإذا لنزلت عندك باليمين
ولكنّ الشّكوك نأين عنّيبودّك، والمصير إلى اليقين
فإن أنصفتني أحرقت منهمبنضج الكيّ أثباج البطون
أخبرني محمد بن يحيى الصّوليّ والحسن بن عليّ، قالا: حدثنا العنزيّ، قال: حدثنا عليّ بن الفضل السّلميّ، قال: أوّل ما نجم به أشجع أنّه اتّصل بجعفر بن المنصور وهو حدث، وصله به أحمد بن يزيد السّلميّ وابنه عوف، فقال أشجع في جعفر بن المنصور قوله:
اذكروا حرمة العواتك منّايا بني هاشم بن عبد مناف
قد ولدناكم ثلاث ولادات خلطن الأشراف بالأشراف
مهّدت هاشما نجوم قصيّوبنو فالح حجور عفاف
إنّ أرماح بهثة بن سليملعجاف الأطراف غير عجاف
ولأسيافهم فرى غير لذّراجع في مراجع الأكتاف
معشر يطعمون من ذروة الشّول ويسقون خمرة الأقحاف
يضربون الجبّار في أخدعيهويسقّونه نقيع الذّعاف
فشاع شعره وبلغ البصرة، ولم يزل أمره يتراقى إلى أن وصلته زبيدة بعد وفاة أبيها بزوجها هارون الرشيد، فأسنى جوائزه، وألحقه بالطّبقة العليا من الشّعراء.
أخبرني عمّي، قال: حدّثني أحمد بن المرزبان، قال: حدّثني شيبة بن أحمد بن هشام، قال: حدّثني أحمد بن العباس الرّبيعيّ: أن الذي أوصل أشجع السّلميّ إلى الرّشيد جدّه الفضل بن الربيع، وأنه أوصله له وقال له: هو أشعر شعراء اهل هذا الزّمان، وقد اقتطعته عنك البرامكة، فأمره بإحضاره وإيصاله مع الشعراء ففعل، فلمّا وصل إليه أنشده قوله:
قصر عليه تحيّة وسلامنثرت عليه جمالها الأيّام
فيه اجتلى الدّنيا الخليفة والتقتللملك فيه سلامة وسلام
قصر سقوف المزن دون سقوفهفيه لأعلام الهدى أعلام
نشرت عليه الأرض كسوتها التينسج الرّبيع وزخرف الإرهام
أنتك من ظلّ النّبيّ وصيّةوقرابة وشجت بها الأرحام
برقت سماؤك في العدوّ وأمطرتهاما لها ظلّ السّيوف غمام
وإذا سيوفك صافحت هام العداطارت لهنّ عن الرؤوس الهام
أثنى على أيّامك الأيّاموالشّاهدان: الحلّ والإحرام
وعلى عدوّك يابن عمّ محمّدرصدان: ضوء الصّبح والإظلام
فإذا تنبّه رعته، وإذا غفاسلّت عليه سيوفك الأحلام
قال: فاستحسنها الرّشيد، وأمر له بعشرين ألف درهم، فمدح الفضل بن الرّبيع، وشكر له إيصاله إيّاه إلى الرشيد، فقال فيه قصيدته الّتي أوّلها:
غلب الرّقاد على جفون المسهدوغرقت في سهر وليل سرمد
قد جدّ بي سهر فلم أرقد لهوالنّوم يلعب في جفون الرّقّد
ولطالما سهرت لحبّي أعينأهدى السّهاد لها ولمّا أسهد
أيّام أرعى في رياض بطالةورد الصّبا منها الذي لم يورد
لهو يساعده الشّباب ولم أجدبعد الشّبيبة في الهوى من مسعد
وخفيفة الأحشاء غير خفيفةمجدولة جدل العنان الأجرد
غضبت على أعطافها أردافهافالحرب بين إزارها والمجسد
خالفت فيه عاذلا لي ناصحافرشدت حين عصيت قول المرشد
أأقيم محتملا لضيم حوادثمع همّة موصولة بالفرقد
وأرى مخايل ليس يخلف نوؤهاللفضل إن رعدت وإن لم ترعد
للفضل أموال أطاف بها النّدىحتى جهدن وجوده لم يجهد
يابن الرّبيع حسرت شكري بالتيأوليتني في عود أمرك والبدي
أوصلتني ورفدتني وكلاهماشرف فقأت به عيون الحسّد
ووصفتني عند الخليفة غائباوأذنت لي فشهدت أفخر مشهد
وكفيتني منن الرّجال بنائلأغنى يدي عن أن تمدّ إلى يد
أخبرني محمد بن عمران الصيرفيّ، قال: حدّثنا العنزيّ، قال: حدثني صخر بن أحمد السلميّ، عن أبيه، قال: كنت أنا وأشجع بالرّقّة جلوسا، فمرّ بنا غلام أمرد روميّ جميل الوجه، فكلّمه أشجع وسأله هل يبيعه مالكه؟
فقال: نعم، فقال أشجع يمدح جعفر بن يحيى، وسأله ابتياعه له فقال:
ومضطرب الوشاح لمقلتيهعلائق ما لوصلتها انقطاع
تعرّض لي بنظرة ذي دلاليريع بمقلتيه ولا يراع
لحاظ ليس تحجب عن قلوبوأمر في الذي يهوى مطاع
ووسعي ضيّق عنه وماليوضيق الأمر يتبعه اتّساع
وتعويلي على مال ابن يحيىإليه حنّ شوقي والنّزاع
وثقت بجعفر في كلّ خطبفلا هلك يخاف ولا ضياع
فأمر له بخمسة آلاف درهم، وقال: اشتره بها فإن لم تكفك فازدد.
أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدثنا أحمد بن الحارث، قال: كانت لأشجع جارية يقال لها: ريم، وكان يجد بها وجدا شديدا، فكانت تحلف له إن بقيت بعده لم تعرّض لغيره، وكان يذكرها في شعره، فمن ذلك قوله في قصيدته التي يرثي بها الرشيد:
وليس لأحزان النّساء تطاولولكنّ أحزان الرّجال تطول
فلا تبخلي بالدّمع عنّي؛ فإنّ منيضنّ بدمع عن هوى لبخيل
فلا كنت ممن يتبع الرّيح طرفهدبورا إذا هبّت له وقبول
إذا دار فيء أتبع الفيء طرفهيميل مع الأيّام حيث تميل
قال: وقال فيهما أيضا:
إذا غمّضت فوقي جفون حفيرةمن الأرض فابكيني بما كنت أصنع
تعزّك عنّي عند ذلك سلوةوأن ليس فيمن وارت الأرض مطمع
إذا لم تري شخصي وتغنك ثروتيولم تسمعي منّي ولا منك أسمع
فحينئذ تسلين عنّي وإن يكنبكاء فأقصى ما تبكّين أربع
قليل وربّ البيت يا ريم ما أرىفتاة بمن ولّى به الموت تقنع
بمن تدفعين الحادثات إذا رمىعليك بها عام من الجدب يطلع
فحينئذ تدرين من قد رزيتهإذا جعلت أركان بيتك تنزع
قال: فشكته ريم إلى أخيه أحمد بن عمرو، فأجابه عنها بشعر نسبه إليها، ومدح فيه الفضل أيضا فاختير شعره على شعر أخيه وهو:
ذكرت فراقا والفراق يصدّعوأيّ حياة بعد موتك تنفع!
إذا الزّمن الغرّار فرّق بيننافما لي في طيب من العيش مطمع
ولا كان يوم يابن عمرو وليلةيبدّد فيها شملنا ويصدّع
ولا كان يوم فيه تثوي رهينةفتروى بجسمي الحادثات وتشبع
وألطم وجها كنت فيك أصونهوأخشع مما لم أكن منه أخشع
ولو أنني غيّبت في اللّحد لم تبلولم تزل الراؤون لي تتوجّع
وهل رجل أبصرته متوجّعاعلى امرأة أو عينه الدّهر تدمع!
ولكن إذا ولّت يقول لها: اذهبيفمثلك أخرى سوف أهوى وأتبع
ولو أبصرت عيناك ما بي لأبصرتصبابة قلب غيمها ليس يقشع
إلى الفضل فارحل بالمديح فإنهمنيع الحمى معروفه ليس يمنع
وزره تزر حلما وعلما وسودداوبأسا به أنف الحوادث يجدع
وأبدع إذا ما قلت في الفضل مدحةكما الفضل في بذل المواهب يبدع
إذا ما حياض المجد قلّت مياههافحوض أبي العبّاس بالجود مترع
وإن سنة ضنّت بخصب على الورىففي جوده مرعى خصيب ومشرع
وما بعدت أرض بها الفضل نازلولا خاب من في نائل الفضل يطمع
فنعم المنادى الفضل عند ملمّةلدفع خطوب مثلها ليس يدفع
إليك أبا العبّاس سارت نجائبلها همم تسمو إليك وتنزع
بذكرك نحدوها إذا ما تأخّرتفتمضي على هول المضيّ وتسرع
وما للسان المدح دونك مشرعولا للمطايا دون بابك مفزع
إليك أبا العبّاس أحمل مدحةمطيّتها - حتى توافيك - أشجع
فزعت إلى جدواك فيها وإنماإلى مفزع الأملاك يلجا ويفزع
قال: فأنشدها أشجع الفضل، وحدّثه بالقصّة، فوصل أخاه وجاريته ووصله.
وقال أحمد بن الحارث: فقيل لأحمد بن عمرو أخي أشجع: ما لك لا تمدح الملوك كما يمدحهم أخوك؟
فقال: إن أخي بلاء عليّ وإن كان فخرا، لأنّي لا أمدح أحدا ممّن يرضيه دون شعري ويثيب عليه بالكثير من الثّواب إلا قال: أين هذا من قول أشجع؟ فقد امتنعت من مدح أحد لذلك.
قال أحمد بن الحارث: وقال أحمد بن عمرو يهجو أخاه أشجع، وقد كان أحمد مدح محمد بن جميل بشعر قاله فيه، فسأل أخاه أشجع إيصاله، ودفع القصيدة إليه فتوانى عن ذلك، فقال يهجوه - أخبرني بذلك أحمد بن محمد بن جميل -:
وسائلة لي: ما أشجع؟فقلت: يضر ولا ينفع
قريب من الشّرّ واع لهأصمّ عن الخير ما يسمع
بطيء عن الأمر أحظى بهإلى كل ما ساءني مسرع
شرود الوداد على قربهيفرّق منه الذي أجمع
أسبّ بأنّي شقيق لهفأنفي به أبدا أجدع
أخبرني جعفر بن قدامة، قال: حدّثنا حمّاد بن إسحاق، عن أبيه، قال: دخلت على الفضل بن يحيى وقد بلغ الرشيد إطلاقه يحيى بن عبد اللّه بن حسن، وقد كان أمره بقتله فلم يظهر له أنه بلغه إطلاقه، فسأله عن خبره: هل قتلته؟ فقال: لا، فقال له: فأين هو؟ قال: أطلقته، قال: ولم؟
قال: لأنه سألني بحقّ اللّه وبحقّ رسوله وقرابته منه ومنك، وحلف لي أنّه لا يحدث حدثا، وأنه يجيبني متى طلبته.
فأطرق ساعة، ثم قال: امض بنفسك في طلبه حتى تجيئني به واخرج الساعة، فخرج. قال: فدخلت عليه مهنّئا بالسّلامة فقلت له: ما رأيت أثبت من جنانك ولا أصحّ من رأيك فيما جرى،. وأنت واللّه كما قال أشجع:
بديهته وفكرته سواءإذا ما نابه الخطب الكبير
وأحزم ما يكون الدّهر رأياإذا عيّ المشاور والمشير
وصدر فيه للهمّ اتّساعإذا ضاقت بما تحوي الصّدور
فقال الفضل: انظروا كم أخذ أشجع على هذه القصيدة، فاحملوا إلى أبي محمد مثله. قال: فوجده قد أخذ ثلاثين ألف درهم، فحملت إليّ.
أخبرني الحسين بن القاسم الكوكبيّ إجازة، قال: حدثني محمد بن عجلان، قال: حدّثنا ابن خلّاد، عن حسين الجعفيّ، قال: كان أشجع إذا قدم بغداد ينزل على صديق له من أهلها، فقدمها مرّة فوجده قد مات، والنوح والبكاء في داره، فجزع لذلك وبكى، وأنشأ يقول:
ويحها هل درت على من تنوحأسقيم فؤادها أم صحيح!
قمر أطبقوا عليه ببغداد ضريحا، ماذا أجنّ الضّريح!
رحم اللّه صاحبي ونديميرحمة تغتدي وأخرى تروح
وهذه القصيدة التي فيها الأبيات المذكورة والغناء فيها، من قصيدة يمدح بها أشجع الرّشيد ويهنّئه بفتح هرقلة، وقد مدحه بذلك وهنّأه جماعة من الشّعراء وغنّي في جميعها، فذكرت خبر فتح هرقلة لذكر ذلك.
أخبرني بخبره عليّ بن سليمان الأخفش، قال: حدّثنا محمد بن يزيد، قال: كان من خبر غزاة الرّشيد هرقلة أن الرّوم كانت قد ملّكت امرأة، لأنه لم يكن بقي في أهل زمانها من أهل بيتها - بيت المملكة - غيرها، وكانت تكتب إلى المهديّ والهادي والرّشيد أوّل خلافته بالتّعظيم والتّبجيل، وتدرّ عليه الهدايا، حتى بلغ ابن لها فحاز الملك دونها، وعاث وأفسد، وفاسد الرّشيد، فخافت على ملك الرّوم أن يذهب، وعلى بلادهم أن تعطب؛ لعلمها بالرّشيد وخوفها من سطوته، فاحتالت لابنها فسملت عينيه، فبطل منه الملك وعاد إليها، فاستنكر ذلك أهل المملكة وأبغضوها من أجله، فخرج عليها نقفور وكان كاتبها، فأعانوه وعضّدوه، وقام بأمر الملك وضبط أمر الرّوم، فلمّا قوي على أمره وتمكّن من ملكه كتب إلى الرّشيد:
«من نقفور ملك الرّوم إلى الرّشيد ملك العرب، أما بعد؛ فإنّ هذه المرأة كانت وضعتك وأباك وأخاك موضع الملوك، ووضعت نفسها موضع السّوقة، وإني واضعك بغير ذلك الموضع، وعامل على تطرّق بلادك والهجوم على أمصارك، أو تؤدّي إليّ ما كانت المرأة تؤدّي إليك، والسّلام».
فلمّا ورد كتابه على الرّشيد كتب إليه: «بسم اللّه الرحمن الرحيم - من عبد اللّه هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الرّوم، أما بعد، فقد فهمت كتابك، وجوابك عندي ما تراه عيانا لا ما تسمعه». ثم شخص من شهره ذلك يؤمّ بلاد الرّوم في جمع لم يسمع بمثله، وقوّاد لا يجارون نجدة ورأيا، فلما بلغ ذلك نقفور ضاقت عليه الأرض بما رحبت، وشاور في أمره.
وجدّ الرّشيد يتوغّل في بلاد الروم فيقتل ويغنم ويسبي، ويخرّب الحصون ويعفّي الآثار حتى صار إلى طرق متضايقة دون قسطنطينيّة، فلما بلغها وجدها وقد أمر نقفور بالشّجر فقطع ورمي به في تلك الطّرق، وألقيت فيه النّار، فكان أوّل من لبس ثياب النفّاطين محمد بن يزيد بن مزيد، فخاضها، ثم اتّبعه الناس، فبعث إليه نقفور بالهدايا وخضع له أشدّ الخضوع، وأدّى إليه الجزية عن رأسه فضلا عن أصحابه فقال في ذلك أبو العتاهية:
إمام الهدى أصبحت بالدّين معنيّاوأصبحت تسقي كلّ مستمطر ريّا
لك اسمان شقّا من رشاد ومن هدىفأنت الذي تدعى رشيدا ومهديّا
إذا ما سخطت الشيء كان مسخّطاوإن ترض شيئا كان في النّاس مرضيّا
بسطت لنا شرقا وغربا يد العلافأوسعت شرقيّا وأوسعت غربيّا
ووشّيت وجه الأرض بالجود والنّدىفأصبح وجه الأرض بالجود موشيّا
وأنت - أمير المؤمنين - فتى التقىنشرت من الإ «حسان ما كان مطويّا
قضى اللّه أن يبقى لهارون ملكههوكان قضاء اللّه في الخلق مقضيّا
تجلّلت الدّنيا لهارون ذي الرّضاوأصبح نقفور لهارون ذمّيّا
فرجع الرشيد - لمّا أعطاه نقفور ما أعطاه - إلى الرّقّة، فلما سقط الثّلج وأمن نقفور أن يغزى اغترّ بالمهلة، ونقض ما بينه وبين الرشيد، ورجع إلى حالته الأولى، فلم يجتزىء يحيى بن خالد - فضلا عن غيره - على إخبار الرّشيد بغدر نقفور، فبذل هو وبنوه الأموال للشّعراء على أن يقولوا أشعارا في إعلام الرّشيد بذلك، فكلّهم كعّ وأشفق إلا شاعرا من أهل جدّة كان يكنى أبا محمد، وكان مجيدا قويّ النّفس قويّ الشّعر، وكان ذو اليمينين اختصّه في أيّام المأمون ورفع قدره جدّا، فإنّه أخذ من يحيى وبنيه مائة ألف درهم، ودخل على الرّشيد فأنشده:
نقض الذي أعطاكه نقفورفعليه دائرة البوار تدور
أبشر أمير المؤمنين فإنّهفتح أتاك به الإله كبير
فلقد تباشرت الرّعيّة أن أتىبالنّقض عنه وافد وبشير
ورجت بيمنك أن تعجّل غزوةتشفي النّفوس نكالها مذكور
أعطاك جزيته وطأطأ خدّهحذر الصّوارم والرّدى محذور
فأجرته من وقعها وكأنّهابأكفّنا شعل الضّرام تطير
وصرفت في طول العساكر قافلاعنه وجارك آمن مسرور
نقفور إنّك حين تغدر أن نأىعنك الإمام لجاهل مغرور
أظننت حين غدرت أنك مفلتهبلتك أمّك ما ظننت غرور
ألقاك حينك في زواخر بحرهفطمت عليك من الإمام بحور
إنّ الإمام على اقتسارك قادرقربت ديارك أو نأت بك دور
ليس الإمام وإن غفلنا غافلاعما يسوس بحزمه ويدير
ملك تجرّد للجهاد بنفسهفعدوّه أبدا به مقهور
يا من يريد رضا الإله بسعيهواللّه لا يخفى عليه ضمير
لا نصح ينفع من يغشّ إمامهوالنّصح من نصحائه مشكور
نصح الإمام على الأنام فريضةولأهله كفّارة وطهور
قال: فلما أنشده، قال الرّشيد: أو قد فعل! وعلم أن الوزراء احتالوا في إعلامه ذلك فغزاه في بقيّة من الثلج، فاقتتح هرقلة في ذلك الوقت، فقال أبو العتاهية في فتحه إياها:
ألا نادت هرقلة بالخرابمن الملك الموفّق للصّواب
غدا هارون يرعد بالمناياويبرق بالمذكّرة القضاب
ورايات يحلّ النّصر فيهاتمرّ كأنّها قطع السّحاب
أمير المؤمنين ظفرت فاسلموأبشر بالغنيمة والإياب
قال محمد: وجعل الرشيد قبل وصوله إلى هرقلة يفتح المدن والحصون ويخرّبها، حتى أناخ على هرقلة وهي أوثق حصن وأعزّه جانبا وأمنعه ركنا، فتحصّن أهلها، وكان بابها يطل على واد، ولها خندق يطيف بها، فحدّثني شيخ من مشايخ المطّوّعة وملازمي الثّغور يقال له عليّ بن عبد اللّه، قال: حدّثني جماعة أنّ الرّشيد لما حصر أهل هرقلة وغمهم وألحّ بالمجانيق والسهام والعرّادات فتح الباب فاستشرف المسلمون لذلك فإذا برجل من أهلها كأكمل الرّجال قد خرج في أكمل السلاح، فنادى: قد طالت مواقعتكم إيانا فليبرز إليّ منكم رجلان، ثم لم يزل يزيد حتى بلغ عشرين رجلا، فلم يجبه أحد، فدخل وأغلق باب الحصن وكان الرّشيد نائما فلم يعلم بخبره، إلا بعد انصرافه، فغضب ولام خدمه وغلمانه على تركهم إنباهه، وتأسف لفوته، فقيل له: إنّ امتناع الناس منه سيغويه ويطغيه، وأحر به أن يخرج في غد فيطلب مثل ما طلب، فطالت على الرّشيد ليلته وأصبح كالمنتظر له، ثم إذا هو بالباب قد فتح وخرج طالبا للمبارزة، وذلك في يوم شديد الحرّ، وجعل يدعو بأنه يثبت لعشرين منهم، فقال الرّشيد: من له؟ فابتدره جلّة القوّاد كهرثمة، ويزيد بن مزيد، وعبد اللّه بن مالك، وخزيمة بن حازم، وأخيه عبد اللّه، وداود بن يزيد، وأخيه، فعزم على إخراج بعضهم، فضجّت المطّوّعة حتى سمع ضجيجهم، فأذن لعشرين منهم، فاستأذنوه في المشورة فأذن لهم، فقال قائلهم: يا أمير المؤمنين، قوّادك مشهورون بالبأس والنّجدة وعلوّ الصوت ومداوسة الحروب، ومتى خرج واحد منهم فقتل هذا العلج لم يكبر ذلك، وإن قتله العلج كانت وضيعة على العسكر عجيبة وثلمة لا تسدّ، ونحن عامّة لم يرتفع لأحد منا صوت إلا كما يصلح للعامّة، فإن رأى أمير المؤمنين أن يخلّينا نختار رجلا فنخرجه إليه، فإن ظفر علم أهل الحصن أنّ أمير المؤمنين قد ظفر بأعزّهم على يد رجل من العامّة، ومن أفناء الناس ليس ممن يوهن قتله ولا يؤثّر، وإن قتل الرّجل فإنما استشهد رجل ولم يؤثّر ذهابه في العسكر ولم يثلمه، وخرج إليه رجل بعده مثله حتى يقضي اللّه ما شاء، قال الرّشيد: قد استصوبت رأيكم هذا. فاختاروا رجلا منهم يعرف بابن الجزريّ، وكان معروفا في الثّغر بالبأس والنجدة، فقال الرشيد: أتخرج؟ قال: نعم، وأستعين اللّه، فقال: أعطوه فرسا ورمحا وسيفا وترسا، فقال: يا أمير المؤمنين! أنا بفرسي أوثق، ورمحي بيدي أشدّ، ولكني قد قبلت السيف والتّرس، فلبس سلاحه واستدناه الرّشيد فودّعه، واستتبعه الدّعاء، وخرج معه عشرون رجلا من المطّوّعة، فلما انقضّ في الوادي قال لهم العلج وهو يعدّهم واحدا واحدا: إنما كان الشّرط عشرين وقد زدتم رجلا، ولكن لا بأس، فنادوه: ليس يخرج إليك منا إلا رجل واحد، فلما فصل منهم ابن الجزريّ تأمّله الرّوميّ وقد أشرف أكثر الرّوم من الحصن يتأمّلون صاحبهم والقرن حتى ظنّوا أنه لم يبق في الحصن أحد إلا أشرف، فقال الرّوميّ: أتصدقني، عما أستخبرك؟ قال: نعم، فقال: أنت باللّه ابن الجزري؟ قال: اللهم نعم، فكفّر له، ثم أخذ في شأنهما فاطّعنا حتى طال الأمر بينهما، وكاد الفرسان أن يقوما وليس يخدش واحد منهما صاحبه، ثم تحاجزا بشيء، فزجّ كلّ واحد منهما برمحه، وأصلت سيفه، فتجالدا مليّا، واشتدّ الحرّ عليهما، وتبلّد الفرسان، وجعل ابن الجزريّ يضرب الرّوميّ الضربة التي يرى أنه قد بلغ فيها فيتقيها الروميّ، وكان ترسه حديدا؛ فيسمع لذلك صوت منكر، ويضربه الرّوميّ ضرب معذّر؛ لأن ترس ابن الجزريّ كان درقة، فكان العلج يخاف أن يعضّ بالسّيف فيعطب، فلما يئس من وصول كل واحد منهما إلى صاحبه انهزم ابن الجزريّ؛ فدخلت المسلمين كآبة لم لم يكتئبوا مثلها قطّ، وعطعط المشركون اختيالا وتطاولا، وإنما كانت هزيمته حيلة منه؛ فأتبعه العلج، وتمكّن منه ابن الجزريّ فرماه بوهق فوقع في عنقه وما أخطأه، وركض فاستلّه عن فرسه، ثم عطف عليه فما وصل إلى الأرض حيّا حتى فارقه رأسه، فكبّر المسلمون أعلى تكبير، وانخذل المشركون وبادروا الباب يغلقونه، واتصل الخبر بالرّشيد فصاحب القوّاد: اجعلوا النار في المجانيق وارموها فليس عند القوم دفع، ففعلوا وجعلوا الكتّان والنّفط على الحجارة وأضرموا فيها النار ورموا بها السور، فكانت النار تلصق به وتأخذ الحجارة، وقد تصدّع فتهافتت، فلما أحاطت بها النيران فتحوا الباب مستأمنين ومستقبلين، فقال الشاعر المكّيّ الذي كان ينزل جدّة:
صوت
هوت هرقلة لمّا أن رأت عجباحوائما ترتمي بالنّفط والنّار
كأنّ نيراننا في جنب قلعتهممصبّغات على أرسان قصّار
في هذين البيتين لابن جامع لحن من الثقيل الأوّل بالبنصر.
قال محمد بن يزيد: وهذا كلام ضعيف لين، ولكنّ قدره عظيم في ذلك الموضع والوقت، وغنّى فيه المغنّون بعد ذلك. وأعظم الرّشيد الجائزة للجدّيّ الشاعر، وصبّت الأموال على ابن الجزريّ وقوّد، فلم يقبل التّقويد إلا بغير رزق ولا عوض، وسأل أن يعفى وينزل بمكانه من الثّغر، فلم يزل به طول عمره.
أخبرني محمد بن خلف وكيع، قال: حدثنا عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثنا أحمد بن عليّ بن أبي نعيم المروزيّ قال: خرج الرّشيد غازيا بلاد الرّوم فنزل بهرقلة، فدخل عليه ابن جامع فغنّاه:
هوت هرقلة لمّا أن رأت عجباحوائما ترتمي بالنّفط والنّار
فنظر الرشيد إلى ماشية قد جيء بها، فظنّ أن الطاغية قد أتاه، فخرج يركض على فرس له وفي يده الرّمح، وتبعه الناس، فلما تبيّن له أنها ماشية رجعوا، فغنّاه ابن جامع:
صوت
رأى في السّما رهجا فيمّم نحوهيجرّ ردينيّا وللرّهج يستقري
تناولت أطراف البلاد بقدرةكأنّك فيها تقتفي أثر الخضر
الغناء لابن جامع ثاني ثقيل عن بذل وابن المكّيّ.
أخبرني هاشم بن محمد أبو دلف الخزاعيّ، قال: حدثني الفضل بن محمد اليزيديّ، عن إسحاق الموصليّ، قال: لما انصرف الرشيد من غزاة هرقلة قدم الرّقّة في آخر شهر رمضان، فلما عيّد جلس للشعراء، فدخلوا عليه وفيهم أشجع، فبدرهم وأنشأ يقول:
لا زلت تنشر أعيادا وتطويهاتمضي بها لك أيام وتثنيها
مستقبلا زينة الدّنيا وبهجتهاأيامنا لك لا تفنى وتفنيها
ولا تقضّت بك الدّنيا ولا برحتيطوي لك الدّهر أياما وتطويها
وليهنك الفتح والأيّام مقبلةإليك بالنصر معقودا نواصيها
أمست هرقلة تهوي من جوانبهاوناصر اللّه والإسلام يرميها
ملّكتها وقتلت النّاكثين بهابنصر من يملك الدّنيا وما فيها
ما روعي الدّين والدّنيا على قدمبمثل هارون راعيه وراعيها
قال: فأمر له بألف دينار، وقال: لا ينشدني أحد بعده، فقال أشجع: واللّه لآمره بألّا ينشده أحد بعدي أحبّ إليّ من صلته.
حدثني أحمد بن وصيف، ومحمد بن يحيى الصّوليّ، قالا: حدثنا محمد بن موسى بن حماد، قال: حدّثني عبد اللّه بن عمرو الوراق، قال: حدّثني أحمد بن محمد بن منصور بن زياد، عن أبيه، قال: دخل أشجع على الرّشيد ثاني يوم الفطر فأنشده:
صوت
استقبل العيد بعمر جديدمدّت لك الأيّام حبل الخلود
مصعّدا في درجات العلانجمك مقرون بسعد السّعود
واطو رداء الشّمس ما أطلعتنورا جديدا كلّ يوم جديد
تمضي لك الأيام ذا غبطةإذا أتى عيد طوى عمر عيد
فوصله بعشرة آلاف درهم، وأمر أن يغنّى في هذه الأبيات.
أخبرني محمد بن جعفر النّحويّ، قال: حدثنا محمد بن موسى بن حمّاد، قال: حدثني أبو عبد اللّه النّخعيّ، قال: دخل أشجع على الرشيد فأنشده قوله:
أبت طبرستان غير الذيصدعت به بين أعضائها
ضممت مناكبها ضمّةرمتك بما بين أحشائها
سموت إليها بمثل السّماءتدلّى الصّواعق في مائها
فلمّا نظرت إلى جرحهاوضعت الدّواء على دائها
فرشت الجهاد ظهور الجيادبأبنائه وبأبنائها
بنفسك ترميهم والخيولكرمي العقاب بأفلائها
نظرت برأيك لمّا هممت دون الرّجال وآرائها
قال: فأمر له بألف دينار.
أخبرني محمد بن جعفر، قال: حدّثنا محمد بن موسى، قال: حدثني أبو عمرو الباهليّ البصريّ قال: دخل أشجع بن عمرو السّلميّ على هارون الرّشيد حين قدم من الحجّ، وقد مطر الناس يوم قدومه، فأنشده يقول:
إنّ يمن الإمام لمّا أتاناجلب الغيث من متون الغمام
فابتسام النّبات في أثر الغيث بنوّاره كسرج الظّلام
ملك من مخافة اللّه مغضوهو مغضى له من الإعظام
ألف الحجّ والجهاد فما ينفكّ من سفرتين في كلّ عام
سفر للجهاد نحو عدوّوالمطايا لسفرة الإحرام
طلب اللّه فهو يسعى إليهبالمطايا وبالجياد السّوامي
فيداه يد بمكّة تدعوه وأخرى في دعوة الإسلام
أخبرني محمد بن جعفر، قال: حدثني محمد بن موسى بن حمّاد، قال: أخبرني أبو عبد اللّه النّخعيّ، قال: أمر الرّشيد بحفر نهر لبعض أهل السّواد، وقد كان خرب وبطل ما عليه، فقال أشجع السّلميّ يمدحه:
أجرى الإمام الرّشيد نهراعاش بعمرانه الموات
جاد عليه بريق فيهوسرّ مكنونه الفرات
ألقمه درّة لقوحايرضع أخلافها النّبات
أخبرني جحظة، قال: حدّثني ميمون بن هارون، قال: رأى الرّشيد فيما يرى النّائم كأنّ امرأة وقفت عليه وأخذت كفّ تراب ثم قالت له: هذه تربتك عن قليل، فأصبح فزعا، وقصّ رؤياه، فقال له أصحابه: وما هذا؟ قد يرى النّاس أكثر ممّا رأيت وأغلظ ثم لا يضرّ. فركب وقال: واللّه إنّي لأرى الأمر قد قرب، فبينا هو يسير إذ نظر إلى امرأة واقفة من وراء شبّاك حديد تنظر إليه، فقال: هذه واللّه المرأة التي رأيتها، ولو رأيتها بين ألف امرأة ما خفيت عليّ، ثم أمرها أن تأخذ كفّ تراب فتدفعه إليه، فضربت بيدها إلى الأرض التي كانت عليها فأعطته منها كفّ تراب، فبكى ثم قال: هذه واللّه التّربة التي أريتها، وهذه المرأة بعينها. ثم مات بعد مدّة، فدفن في ذلك الموضع بعينه، اشتري له ودفن فيه، وأتى نعيه بغداد، فقال أشجع يرثيه: غربت بالمشرق الشّمس فقل للعين تدمع
ما رأينا قطّ شمساغربت من حيق تطلع
أخبرني عمّي، قال: حدّثنا محمد بن موسى، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدثني محمد بن عبد اللّه بن مالك، قال: كان حرب بن عمرو الثّقفيّ نخّاسا، وكانت له جارية مغنّيه، وكان الشعراء والكتّاب وأهل الأدب ببغداد يختلفون إليها يسمعونها، وينفقون في منزله النّفقات الواسعة، ويبرّونه ويهدون إليه، فقال أشجع:
جارية تهتزّ أرادفهامشبعة الخلخال والقلب
أشكو الذي لاقيت من حبّهاوبغض مولاها إلى الرّبّ
من بغض مولاها ومن حبّهاسقمت بين البغض والحبّ
فاختلجا في الصدر حتى استوىأمرهما فاقتسما قلبي
تعجّل اللّه شفائي بهاوعجّل السّقم إلى حرب
قال مؤلف هذا الكتاب: فأخذ هذا المعنى بعض المحدثين من أهل عصرنا، فقال في مغنّية تعرف بالشّاة:
بحبّ الشّاة ذبت ضنىوطال لزوجها مقتي
فلو أنّي ملكتهمالأسعد في الهوى بختي
فأدخل في استها أيريولحية زوجها في استي
أخبرني أبو الحسن الأسديّ، قال: حدثنا سليمان بن أبي شيخ، قال: حدثني صالح بن سليمان، قال: اعتلّ يحيى بن خالد ثم عوفي، فدخل النّاس يهنئّونه بالسّلامة، ودخل أشجع فأنشده:
لقد قرعت شكاة أبي عليّقلوب معاشر كانوا صحاحا
فإن يدفع لنا الرّحمن عنهصروف الدّهر والأجل المتاحا
فقد أمسى صلاح أبي عليّلأهل الدّين والدّنيا صلاحا
إذا ما الموت أخطأه فلسنانبالي الموت حيث غدا وراحا
قال: فما أذن يومئذ لأحد سواه في الإنشاء لاختصاص البرامكة إيّاه.
أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدّثنا محمد بن عمران الضّبّيّ، قال: سمعت محمد بن أبي مالك الغنويّ، يقول: دخل أشجع السّلميّ على عليّ بن شبرمة يعوده، فأنشأ يقول:
إذا مرض القاضي مرضنا بأسرناوإن صحّ لم يسمع لنا بمريض
فأصبحت - لمّا اعتلّ يوما - كطائرسما بجناح للنهوض مهيض
قال: فشكره ابن شبرمة وحمله على بغلة كانت له.
أخبرني الحسن، قال: حدّثنا ابن مهرويه، قال: حدّثني محمد بن عمران، قال: سمعت محمد بن أبي مالك يقول: جاء أشجع ليدخل على أبان بن الوليد البجليّ، فمنعه حاجبه، وانتهره غلمانه، فقال فيه:
ألا أيّها المشلي عليّ كلابهولي - غير أن لم أشلهنّ - كلاب
رويدك لا تعجل عليّ فقد جرىبخزيك ظبي أعضب وغراب
علام تسدّ الباب والسّرّ قد فشاوقد كنت محجوبا ومالك باب
فلو كنت ممّن يشرب الخمر سادراإذا لم يكن دوني عليك حجاب
ولكنّه يمضي لي الحول كاملاومالي إلّا الأبيضين شراب
من الماء أو من شخب دهماء ثرّةلها حالب لا يشتكي وحلاب
أخبرني أحمد بن جعفر جحظة، قال: حدّثني ميمون بن هارون، قال: حدّثنا عليّ بن الجهم، قال: حدثني ابن أشجع السّلميّ، قال: لما مرّ أبي وعمّاي أحمد ويزيد - وقد شربوا حتى انتشوا - بقبر الوليد بن عقبة وإلى جانبه قبر أبي زبيد الطّائيّ - وكان نصرانيّا - والقبران مختلفان كلّ واحد منهما متوجّه إلى قبلة ملّته، وكان أبو زبيد أوصى لمّا احتضر أن يدفن إلى جنب الوليد بالبليخ قال: فوقفوا على القبرين، وجعلوا يتحدّثون بأخبارهما ويتذاكرون أحاديثهما، فأنشأ أبي يقول:
مررت على عظام أبي زبيدوقد لاحت ببلقعة صلود
وكان له الوليد نديم صدقفنادم قبره قبر الوليد
أنيسا ألفة ذهبت فأمستعظامهما تآنس بالصّعيد
وما أدري بمن تبدا المنايابأحمد أو بأشجع أو يزيد
قال: فماتوا واللّه كما رتّبهم في الشّعر، أولهم أحمد، ثم أشجع، ثم يزيد.
صوت
حيّ ذا الزّور وانهه أن يعوداإنّ بالباب حارسين قعودا
من أساوير ما ينون قياماوخلاخيل تذهل المولودا
لا ذعرت السّوام في فلق الصّبح مغيرا ولا دعيت يزيدا
يوم أعطي مخافة الموت ضيماوالمنايا يرصدنني أن أحيدا
الشّعر ليزيد بن ربيعة بن مفرّغ الحميريّ، والغناء لسياط خفيف رمل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق، وذكر أحمد بن المكيّ أنه لأبيه يحيى، وذكر الهشاميّ أنّه لفليح. قال: ومن هذا الصوت سرق لحن:
تلك عرسي تلومني في التّصابي
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع