من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار بكر بن النطاح ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
بكر بن النطّاح الحنفيّ. يكنى أبا وائل، هكذا أخبرنا وكيع عن عبد اللّه بن شبيب، وذكر غيره أنه عجليّ من بني سعد بن عجل، واحتجّ من ذكر أنه عجليّ بقوله:
فإن يك جدّ القوم فهر بن مالكفجدّي عجل قرم بكر بن وائل
وأنكر ذلك من زعم أنه حنفيّ وقال: بل قال:
فجدّي لجيم قرم بكر بن وائل
وعجل بن لجيم وحنيفة بن لجيم أخوان.
وكان بكر بن النطّاح صعلوكا يصيب الطّريق، ثم أقصر عن ذلك، فجعله أبو دلف من الجند، وجعل له رزقا سلطانيّا، وكان شجاعا بطلا فارسا شاعرا حسن الشّعر والتصرّف فيه، كثير الوصف لنفسه بالشجاعة والإقدام.
فأخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدّثني أبي، قال: قال بكر بن النّطّاح الحنفيّ قصيدته التي يقول فيها:
هنيئا لإخواني ببغداد عيدهموعيدي بحلوان قراع الكتائب
وأنشدها أبا دلف فقال له: إنك لتكثر الوصف لنفسك بالشّجاعة، وما رأيت لذلك عندك أثرا قطّ، ولا فيك، فقال له: أيّها الأمير وأيّ غناء يكون عند الرجل الحاسر الأعزل؟ فقال: أعطوه فرسا وسيفا وترسا ودرعا ورمحا، فأعطوه ذلك أجمع، فأخذه وركب الفرس وخرج على وجهه، فلقيه مال لأبي دلف يحمل من بعض ضياعه، فأخذه وخرج جماعة من غلمانه فمانعوه عنه، فجرحهم جميعا وقطعهم وانهزموا. وسار بالمال، فلم ينزل إلا على عشرين فرسخا، فلما اتصل خبره بأبي دلف قال: نحن جنينا على أنفسنا، وقد كنّا أغنياء عن إهاجة أبي وائل، ثم كتب إليه بالأمان، وسوّغه المال، وكتب إليه: صر إلينا فلا ذنب لك، لأنا نحن كنا سبب فعلك بتحريكنا إياك وتحريضنا؛ فرجع ولم يزل معه يمتدحه، حتى مات.
أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثني محمد بن موسى، قال: حدّثني الحسن بن إسماعيل، عن ابن الحفصيّ، قال: قال يزيد بن مزيد: وجّه إليّ الرشيد في وقت يرتاب فيه البريء، فلمّا مثلت بين يديه قال: يا يزيد، من الّذي يقول:
ومن يفتقر منّا يعش بحسامهومن يفتقر من سائر النّاس يسأل
فقلت له: والّذي شرّفك وأكرمك بالخلافة ما أعرفه، قال: فمن الّذي يقول:
وإن يك جدّ القوم فهر بن مالكفجدّي لجيم قرم بكر بن وائل
قلت: لا والّذي أكرمك وشرّفك يا أمير المؤمنين ما أعرفه، قال: والّذي كرّمني وشرّفني إنك لتعرفه، أتظن يا يزيد أني إذا أوطأتك بساطي وشرّفتك بصنيعتي أني أحتملك على هذا؟ أو تظن أني لا أراعي أمورك وأتقصّاها، وتحسب أنه يخفى عليّ شيء منها؟ واللّه إن عيوني لعليك في خلواتك ومشاهدك، هذا جلف من أجلاف ربيعة عدا طوره وألحق قريشا بربيعة فأتني به. فانصرفت وسألت عن قائل الشعر، فقيل لي: هو بكر بن النطاح، وكان أحد أصحابي، فدعوته وأعلمته ما كان من الرشيد، فأمرت له بألفي درهم، وأسقطت اسمه من الديوان، وأمرته ألا يظهر ما دام الرّشيد حيّا، فما ظهر حتى مات الرشيد، فلما مات ظهر، فألحقت اسمه وزدت في عطائه.
أخبرني محمد بن خلف وكيع، قال: حدّثني محمد بن حمزة العلويّ، قال: حدّثني أبو غسّان دماذ، قال: حضرت بكر بن النّطّاح الحنفيّ في منزل بعض الحنفيّين، وكانت للحنفيّ جارية يقال لها رامشنة، فقال فيها بكر بن النطاح:
حيّتك بالرّامشن رامشنةأحسن من رامشنة الآس
جارية لم يقتسم بضعهاولم تبت في بيت نخّاس
أفسدت إنسانا على أهلهيا مفسد النّاس على النّاس
وقال فيها:
أكذّب طرفي عنك والطّرف صادقوأسمع أذني منك ما ليس تسمع
ولم أسكن الأرض التي تسكنينهالكي لا يقولوا صابر ليس يجزع
فلا كبدي تبلى ولا لك رحمةولا عنك إقصار ولا فيك مطمع
لقيت أمورا فيك لم ألق مثلهاوأعظم منها منك ما أتوقّع
فلا تسأليني في هواك زيادةفأيسره يجزي وأدناه يقنع
أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، عن عليّ بن الصّباح - وأظنه مرسلا وأن بينه وبينه ابن أبي سعد أو غيره، لأنه لم يسمع من عليّ بن الصبّاح - قال: حدّثني أبو الحسين الراوية، قال لي المأمون: أنشدني أشجع بيت وأعفّه وأكرمه من شعر المحدثين، فأنشدته:
ومن يفتقر منّا يعش بحسامهومن يفتقر من سائر النّاس يسأل
وإنّا لنلهو بالسّيوف كما لهتعروس بعقد أو سخاب قرنفل
فقال: ويحك! من يقول هذا؟ فقلت: بكر بن النطّاح، فقال: أحسن واللّه، ولكنه قد كذب في قوله، فما باله يسأل أبا دلف ويمتدحه وينتجعه! هلّا أكل خبزه بسيفه كما قال!.
أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثنا ابن مهرويه، قال: حدّثني أبو الحسن الكسكريّ، قال: بلغني أن أبا دلف لحق أكرادا قطعوا الطّريق في عمله، وقد أردف منهم فارس رفيقا له خلفه، فطعنهما جميعا فأنفذهما، فتحدّث الناس بأنه نظم بطعنة واحدة فارسين على فرس، فلما قدم من وجهه دخل إليه بكر بن النّطّاح فأنشده:
صوت
قالوا: وينظم فارسين بطعنةيوم اللّقاء ولا يراه جليلا
لا تعجبوا فلو أنّ طول قناتهميل إذا نظم الفوارس ميلا
قال: فأمر له أبو دلف بعشرة آلاف درهم، فقال بكر فيه:
له راحة لو أنّ معشار جودهاعلى البرّ كان البرّ أندى من البحر
ولو أنّ خلق اللّه في جسم فارسوبارزه كان الخليّ من العمر
أبا دلف بوركت في كل بلدةكما بوركت في شهرها ليلة القدر
أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار، وعيسى بن الحسين، قالا: حدّثنا يعقوب بن إسرائيل، قال: حدّثني أبو زائدة، قال: كان بكر بن النّطّاح الحنفيّ يتعشّق غلاما نصرانيّا ويجنّ به، وفيه يقول:
يا من إذا درس الإنجيل كان لهقلب التّقيّ عن القرآن منصرفا
إنّي رأيتك في نومي تعانقنيكما تعانق لام الكاتب الألفا
أخبرني محمد بن القاسم الأنباريّ، قال: حدّثني الحسن بن عبد الرحمن الرّبعيّ، قال: كان بكر بن النّطّاح يأتي أبا دلف في كل سنة، فيقول له: إلى جنب أرضي أرض تباع وليس يحضرني ثمنها، فيأمر له بخمسة آلاف درهم ويعطيه ألفا لنفقته، فجاءه في بعض السنين فقال له مثل ذلك، فقال له أبو دلف: ما تفنى هذه الأرضون الّتي إليها جانب ضيعتك! فغضب وانصرف عنه، وقال:
يا نفس لا تجزعي من التّلففإن في اللّه أعظم الخلف
إن تقنعي باليسير تغتبطيويغنك اللّه عن أبي دلف
قال: وكان بكر بن النّطّاح يأتي قرّة بن محرز الحنفيّ بكرمان فيعطيه عشرة آلاف درهم، ويجري عليه في كل شهر يقيم عنده ألف درهم، فاجتاز به قرّة يوما وهو ملازم في السّوق وغرماؤه يطالبونه بدين، فقال له: ويحك! أما يكفيك ما أعطيك حتى تستدين وتلازم في السّوق! فغضب عليه وانصرف عنه وأنشأ يقول:
ألا يا قرّ لا تك سامريّافتترك من يزورك في جهاد
أتعجب أن رأيت عليّ ديناوقد أودى الطّريف مع التّلاد
ملأت يدي من الدّنيا مرارافما طمع العواذل في اقتصادي
ولا وجبت عليّ زكاة مالوهل تجب الزّكاة على جواد!
أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر، قال: حدّثنا حمّاد بن إسحاق، عن أبيه، قال: كنت يوما عند عليّ بن هشام، وعنده جماعة فيهم عمارة بن عقيل، فحدّثته أنّ بكر بن النطّاح دخل إلى أبي دلف وأنا عنده، فقال لي أبو دلف: يا أبا محمد أنشدني مديحا فاخرا تستطرفه، فبدر إليه بكر وقال: أنا أنشدك أيها الأمير بيتين قلتهما فيك في طريقي هذا إليك وأحكّمك، فقال: هات، فإن شهد لك أبو محمد رضينا، فأنشده:
إذا كان الشّتاء فأنت شمسوإن حضر المصيف فأنت ظلّ
وما تدري إذا أعطيت مالاأتكثر في سماحك أم تقل
فقلت له: أحسن واللّه ما شاء ووجبت مكافأته، فقال: أما إذ رضيت فأعطوه عشرة آلاف درهم، فحملت إليه، وانصرفت إلى منزلي، فإذا أنا بعشرين ألفا قد سبقت إليّ، وجّه بها أبو دلف، قال: فقال عمارة لعليّ بن هشام: فقد قلت أنا في قريب من هذه القصّة:
ولا عيب فيهم غير أنّ أكفّهملأموالهم مثل السّنين الحواطم
وأنهم لا يورثون بذيهم- وإن ورثوا خيرا - كنوز الدّراهم
أخبرني عمّي، قال: حدّثني عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثني أبو توبة، قال: كان معقل بن عيسى صديقا لبكر بن النطّاح، وكان بكر فاتكا صعلوكا، فكان لا يزال قد أحدث حادثة في عمل أبي دلف، أو جنى جناية، فيهمّ به فيقوم دونه معقل حتى يتخلّصه، فمات معقل فقال بكر بن النطاح يرثيه بقوله:
وحدّث عنه بعض من قال إنّهرأت عينه فيما ترى عين حالم
كأنّ الّذي يبكي على قبر معقلولم يره يبكي على قبر حاتم
ولا قبر كعب إذ يجود بنفسهولا قبر حلف الجود قيس بن عاصم
فأيقنت أنّ اللّه فضّل معقلاعلى كل مذكور بفضل المكارم
أخبرني عمّي، قال: حدّثنا الكرانيّ، قال: حدّثني العمريّ، قال: كان بكر بن النّطاح الحنفيّ أبو وائل بخيلا، فدخل عليه عبّاد بن الممزّق يوما، فقدّم إليه خبزا يابسا قليلا بلا أدم، ورفعه من بين يديه قبل أن يشبع، فقال عبّاد يهجوه:
من يشتري مني أبا وائلبكر بن نطّاح بفلسين؟
كأنما الآكل من خبزهيأكله من شحمة العين
قال: وكان عبّاد هذا هجّاء ملعونا، وهو القائل:
أنا الممزّق أعراض اللّئام كماكان الممزّق أعراض اللّئام أبي
أخبرني عمّي، قال: حدّثنا أبو هفّان، قال: كان بكر بن النّطّاح قصد مالك بن طوق فمدحه، فلم يرض ثوابه، فخرج من عنده وقال يهجوه:
فليت جدا مالك كلّهوما يرتجى منه من مطلب
أصبت بأضعاف أضعافهولم أنتجعه ولم أرغب
أسأت اختياري منك الثّوابلي الذّنب جهلا ولم تذنب
وكتبها في رقعة وبعث بها إليه، فلما قرأها وجّه جماعة من أصحابه في طلبه، وقال لهم: الويل لكم إن فاتكم بكر بن النّطّاح.
ولا بد أن تنكفئوا على أثره ولو صار إلى الجبل، فلحقوه فردّوه إليه، فلما دخل داره ونظر إليه قام فتلقاه وقال: يا أخي، عجلت علينا وما كنّا نقتصر بك على ما سلف وإنما بعثنا إليك بنفقة، وعوّلنا بك على ما يتلوها، واعتذر كلّ واحد منهما إلى صاحبه، ثم أعطاه حتى أرضاه، فقال بكر بن النّطّاح يمدحه:
أقول لمرتاد ندى غير مالككفى بذل هذا الخلق بعض عداته
فتى جاد بالأموال في كلّ جانبوأنهبها في عوده وبداته
فلو خذلت أمواله بذل كفّهلقاسم من يرجوه شطر حياته
ولو لم يجد في العمر قسمة مالهوجاز له الإعطاء من حسناته
لجاد بها من غير كفر بربّهوشاركهم في صومه وصلاته
فوصله صلة ثانية لهذه الأبيات، وانصرف عنه راضيا.
هكذا ذكر أبو هفّان في خبره وأحسبه غلطا، لأن أكثر مدائح بكر بن النّطّاح في مالك بن عليّ الخزاعيّ - وكان يتولّى طريق خراسان - وصار إليه بكر بن النّطاح بعد وفاة أبي دلف ومدحه، فأحسن تقبّله وجعله في جنده، وأسنى له الرّزق، فكان معه، إلى أن قتله الشّراة بحلوان، فرثاه بكر بعدّة قصائد هي من غرر شعره وعيونه.
فحدّثني عمّي، قال: حدّثني أحمد بن أبي طاهر، عن أبي وائلة السّدوسيّ، قال: عاثت الشّراة بالجبل عيثا شديدا، وقتلوا الرجال والنساء والصّبيان، فخرج إليهم مالك بن عليّ الخزاعيّ وقد وردوا حلوان، فقاتلهم قتالا شديدا فهزمهم عنها، وما زال يتبعهم حتى بلغ بهم قرية يقال لها: حدّان، فقاتلوه عندها قتالا شديدا، وثبت الفريقان إلى الليل حتى حجز بينهم، وأصابت مالكا ضربة على رأسه أثبتته، وعلم أنه ميّت، فأمر بردّه إلى حلوان، فما بلغها حتى مات، فدفن على باب حلوان، وبنيت لقبره قبّة على قارعة الطريق، وكان معه بكر بن النّطّاح يومئذ، فأبلى بلاء حسنا، وقال بكر يرثيه:
يا عين جودي بالدّموع السّجامعلى الأمير اليمنيّ الهمام
على فتى الدّنيا وصنديدهاوفارس الدّين وسيف الإمام
لا تدخري الدمع على هالكأيتم إذ أودى جميع الأنام
طاب ثرى حلوان إذ ضمّنتعظامه، سقيا لها من عظام
أغلقت الخيرات أبوابهاوامتنعت بعدك يا بن الكرام
وأصبحت خيلك بعد الوجاوالغزو تشكو منك طول الجمام
ارحل بنا نقرب إلى مالككيما نحيّي قبره بالسّلام
كان لأهل الأرض في كفّهغنى عن البحر وصوب الغمام
وكان في الصّبح كشمس الضّحىوكان في الليل كبدر الظّلام
وسائل يعجب من موتهوقد رآه وهو صعب المرام
قلت له عهدي به معلمايضربهم عند ارتفاع القتام
والحرب من طاولها لم يكديفلت من وقع صقيل حسام
لم ينظر الدّهر لنا إذ عداعلى ربيع النّاس في كل عام
لن يستقيلوا أبدا فقدهما هيّج الشّجو دعاء الحمام
قال: وقال أيضا يرثيه:
أيّ امرىء خضب الخوارج ثوبهبدم عشيّة راح من حلوان
يا حفرة ضمّت محاسن مالكما فيك من كرم ومن إحسان
لهفي على البطل المعرّض خدّهوجبينه لأسنة الفرسان
خرق الكتيبة معلما متكنّباوالمرهفات عليه كالنّيران
ذهبت بشاشة كلّ شيء بعدهفالأرض موحشة بلا عمران
هدم الشّراة غداة مصرع مالكشرف العلا ومكارم البنيان
قتلوا فتى العرب الّذي كانت بهتقوى على اللّزبات في الأزمان
حرموا معدّا ما لديه وأوقعواعصبيّة في قلب كلّ يماني
تركوه في رهج العجاج كأنهأسد يصول بساعد وبنان
هوت الجدود عن السّعود لفقدهوتمسّكت بالنّحس والدّبران
لا يبعدنّ أخو خزاعة إذ ثوىمستشهدا في طاعة الرّحمن
عزّ الغواة به وذلّت أمةمحبوّة بحقائق الإيمان
وبكاه مصحفه وصدر قناتهوالمسلمون ودولة السّلطان
وغدت تعقّر خيله وتقسّمتأدراعه وسوابغ الأبدان
أفتحمد الدّنيا وقد ذهبتبمن كان المجير لنا من الحدثان!
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ، قال: أنشدني أبو غسّان دماذ لبكر بن النّطّاح يتشوّق بغداد وهو بالجبل يومئذ:
نسيم المدام وبرد السّحرهما هيّجا الشّوق حتى ظهر
تقول: اجتنب دارنا بالنّهاروزرنا إذا غاب ضوء القمر
فإنّ لنا حرسا إن رأوكندمت وأعطوا عليك الظّفر
وكم صنع اللّه من مرّةعليهم وقد أمروا بالحذر
سقى اللّه بغداد من بلدةوساكن بغداد صوب المطر
ونبّئت أنّ جواري القصور صيّرن ذكري حديث السّمر
ألا ربّ سائلة بالعراق عنّي وأخرى تطيل الذّكر
تقول: عهدنا أبا وائلكظبي الفلاة المليح الحور
ليالي كنت أزور القيانكأنّ ثيابي بهار الشّجر
حدّثني جعفر بن قدامة، قال: حدّثني ميمون بن هارون، قال: كان بكر بن النّطّاح يهوى جارية من جواري القيان وتهواه، وكانت لبعض الهاشميّين، يقال لها درّة، وهو يذكرها في شعره كثيرا، وكان يجتمع معها في منزل رجل من الجند من أصحاب أبي دلف يقال له: الفرز، فسعى به إلى مولاها، وأعلمه أنه قد أفسدها وواطأها على أن تهرب معه إلى الجبل، فمنعه من لقائها وحجبه عنها، إلى أن خرج إلى الكرج مع أبي دلف، فقال بكر بن النّطّاح في ذلك:
أهل دار بين الرّصافة والجسر أطالوا غيظي بطول الصّدود
عذّبوني ببعدهم وابتلوا قلبي بحزنين: طارف وتليد
ما تهبّ الشّمال إلا تنفّست وقال الفؤاد للعين: جودي
قلّ عنهم صبري ولم يرحمونيفتحيّرت كالطّريد الشّريد
وكلتني الأيام فيك إلى نفسي فأعييت وانتهى مجهود
وقال فيها أيضا وفيه غناء من الرمل الطنبوريّ:
العين تبدي الحبّ والبغضاوتظهر الإبرام والنّقضا
درّة ما أنصفتني في الهوىولا رحمت الجسد المنضى
مرّت بنا في قرطق أخضريعشق منها بعضها بعضا
غضبي ولا واللّه يا أهلهالا أشرب البارد أو ترضى
كيف أطاعتكم بهجري وقدجعلت خدّيّ لها أرضا!
وقال فيها أيضا وفيه رمل طنبوري:
صدّرت فأمسى لقاؤها حلماواستبدل الطرف بالدّموع دما
وسلّطت حبّها على كبديفأبدلتني بصحّة سقما
وصرت فردا أبكي لفرقتهاوأقرع السّنّ بعدها ندما
شقّ عليها قول الوشاة لها:أصبحت في أمر ذا الفتى علما
لو لا شقائي وما بليت بهمن هجرها ما استثرت ما اكتتما
كم حاجة في الكتاب بحت بهاأبكيت منها القرطاس والقلما
وقال فيها أيضا، وفيه رمل لأبي الحسن أحمد بن جعفر جحظة:
بعدت عني فتغيّرت ليوليس عندي لك تغيير
فجدّدي ما رثّ من وصلناوكلّ ذنب لك مغفور
أطيّب النّفس بكتمان ماسارت به من غدرك العير
وعدك يا سيّدتي غرّنيمنك ومن يعشق مغرور
يحزنني علمي بنفسي إذاقال خليلي أنت مهجور
يا ليت من زيّن هذا لهاجارت لنا فيه المقادير
ساقي النّدامي سقّها صاحبيفإنني ويحك معذور
أأشرب الخمر على هجرهاإني إذا بالهجر مسرور!
وفيها يقول وقد خرج مع أبي دلف إلى أصبهان:
يا ظبية السّيب التي أحببتهاومنحتها لطفي ولين جناحي
عيناي باكيتان بعدك للّذيأودعت قلبي من ندوب جراح
سقيا لأحمد من أخ ولقاسمفقدا غدوّي لاهيا ورواحي
وتردّدي من بيت فرز آمنامن قرب كلّ مخالف وملاحي
أيام تغبطني الملوك ولا أرىأحدا له كتدلّلي ومراحي
تصف القيان إذا خلون مجانتيويصفن للشّرب الكرام سماحي
ومما يغنّى فيه من شعر بكر بن النّطّاح في هذه الجارية قوله:
صوت
هل يبتلى أحد بمثل بليّتيأم ليس لي في العالمين ضريب؟
قالت عنان وأبصرتني شاحبا:يا بكر مالك قد علاك شحوب؟
فأجبتها: يا أخت لم يلق الّذيلاقيت إلا المبتلى أيّوب
قد كنت أسمع بالهوى فأظنّهشيئا يلذّ لأهله ويطيب
حتى ابتليت بحلوه وبمرّهفالحلو منه للقلوب مذيب
والمرّ يعجز منطقي عن وصفهللمرّ وصف يا عنان عجيب
فأنا الشّقيّ بحلوه وبمرّهوأنا المعنّى الهائم المكروب
يا درّ حالفك الجمال فما لهفي وجه إنسان سواك نصيب
كلّ الوجوه تشابهت وبهرتهاحسنا فوجهك في الوجوه غريب
والشمس يغرب في الحجاب ضياؤهاعنّا ويشرق وجهك المحجوب
ومما يغنّى فيه من شعره فيها أيضا:
غضب الحبيب عليّ في حبّي لهنفسي الفداء لمذنب غضبان
ما لي بما ذكر الرّسول يدان بلإن تمّ رأيك ذا خلعت عناني
يا من يتوق إلى حبيب مذنبطاوعته فجزاك بالعصيان
هلّا انتحرت فكنت أول هالكإن لم يكن لك بالصّدود يدان
كنّا وكنتم كالبنان وكفّهافالكفّ مفردة بغير بنان
خلق السّرور لمعشر خلقوا لهوخلقت للعبرات والأحزان
صوت
ليت شعري أأوّل الهرج هذاأم زمان من فتنة غير هرج
إن يعش مصعب فنحن بخيرقد أتانا من عيشنا ما نرجّي
ملك يطعم الطّعام ويسقيلبن البخت في عساس الخلنج
جلب الخيل من تهامة حتّىبلغت خيله قصور زرنج
حيث لم تأت قبله خيل ذي الأكتاف يوجفن بين قفّ ومرج عروضه من الخفيف. الشعر لعبيد اللّه بن قيس الرّقيّات، والغناء ليونس الكاتب ماخوري بالبنصر، وفيه لمالك ثاني ثقيل بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع