من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار أمية بن الأسكر ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو أمية بن حرثان بن الأسكر بن عبد اللّه بن سرابيل الموت بن زهرة بن زبينة بن جندع بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار.
شاعر فارس مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام، وكان من سادات قومه وفرسانهم، وله أيام مأثورة مذكورة.
وكان له أخ يقال له: أبو لاعق الدم، وكان من فرسان قومه وشعرائهم، وابنه كلاب بن أمية أيضا أدرك النبي صلى اللّه عليه وسلّم فأسلم مع أبيه، ثم هاجر إلى النبي صلى اللّه عليه وسلّم فقال أبوه فيه شعرا، ذكر أبو عمرو الشيباني أنه هذا الشعر، وهو خطأ، إنما خاطبه بهذا الشعر لما غزا مع أهل العراق لقتال الفرس، وخبره في ذلك يذكر بعد هذا.
قال أبو عمرو في خبره: فأمره صلى اللّه عليه وسلّم بصلة أبيه وملازمته طاعته.
وكان عمر بن الخطاب استعمل كلابا على الأبلّة، فكان أبواه ينتابانه، يأتيه أحدهما في كل سنة، ثم أبطأ عليه وكبرا فضعفا عن لقائه، فقال أبياتا وأنشدها عمر، فرقّ له ورده إليهما، فلم يلبث معهما إلا مدة حتى نهشته أفعى؛ فمات وهذا أيضا وهم من أبي عمرو، وقد عاش كلاب حتى ولي لزياد الأبلّة، ثم استعفى، أعفاه. وسأذكر خبره في ذلك وغيره ها هنا إن شاء اللّه تعالى.
فأما خبره مع عمر فإنّ الحسن بن عليّ أخبرني به، قال: حدثني الحارث بن محمد قال: حدثني المدائنيّ عن أبي بكر الهذليّ عن الزّبيريّ عن عروة بن الزبير قال: هاجر كلاب بن أمية بن الأسكر إلى المدينة في خلافة عمر بن الخطاب، فأقام بها مدّة، ثم لقي ذات يوم طلحة بن عبيد اللّه والزبير بن العوّام، فسألهما: أيّ الأعمال أفضل في الإسلام؟ فقالا: الجهاد، فسأل عمر فأغزاه في جيش، وكان أبوه قد كبر وضعف، فلما طالت غيبة كلاب عنه قال:
لمن شيخان قد نشدا كلاباكتاب اللّه إن قبل الكتابا
أناديه فيعرض في إباءفلا وأبي كلاب ما أصابا
إذا سجعت حمامة بطن وادإلى بيضاتها دعرا كلابا
أتاه مهاجران تكنفّاهففارق شيخه خطئا وخابا
تركت أباك مرعشة يداهوأمّك ما تسيغ لها شرابا
تمسّح مهره شفقا عليهوتجنبه أباعرها الصعابا
- قال: تجنبه وتجنّبه واحد، من قول اللّه عز وجل: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ
. قال: -
فإنك قد تركت أباك شيخايطارق أينقا شزبا طرابا
فإنك والتماس الأجر بعديكباغي الماء يتّبع السرابا
فبلغت أبياته عمر، فلم يردد كلابا وطال مقامه فأهتر أمية وخلط جزعا عليه، ثم أتاه يوما وهو في مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم وحوله المهاجرون والأنصار، فوقف عليه ثم أنشأ يقول:
أعاذل قد عذلت بغير قدرولا تدرين عاذل ما ألاقي
فإمّا كنت عاذلتي فردّيكلابا إذ توجّه للعراق
ولم أقض اللّبانة من كلابغداة غد وأذّن بالفراق
فتى الفتيان في عسر ويسرشديد الرّكن في يوم التلاقي
فلا واللّه ما باليت وجديولا شفقي عليك ولا اشتياقي
وإبقائي عليك إذا شتوناوضمّك تحت نحري واعتناقي
فلو فلق الفؤاد شديد وجدلهمّ سواد قلبي بانفلاق
سأستعدى على الفاروق ربّاله دفع الحجيج إلى بساق
وأدعو اللّه مجتهدا عليهببطن الأخشبين إلى دفاق
إن الفاروق لم يردد كلاباإلى شيخين هامهما زواق
قال: فبكى عمر بكاء شديدا، وكتب بردّ كلاب إلى المدينة، فلما قدم دخل إليه، فقال: ما بلغ من برّك بأبيك؟ قال: كنت أوثره وأكفيه أمره، وكنت أعتمد إذا أردت أن أحلب له لبنا أغزر ناقة في إبله وأسمنها فأريحها وأتركها حتى تستقرّ، ثم أغسل أخلافها حتى تبرد ثم أحتلب له فأسقيه.
فبعث عمر إلى أميّة من جاء به إليه، فأدخله يتهادى وقد ضعف بصره وانحنى. فقال له: كيف أنت يا أبا كلاب؟ قال: كما تراني يا أمير المؤمنين. قال: فهل لك من حاجة؟ قال: نعم، أشتهي أن أرى كلابا فأشمّه شمة، وأضمّه ضمّة قبل أن أموت. فبكى عمر، ثم قال: ستبلغ من هذا ما تحبّ إن شاء اللّه تعالى. ثم أمر كلابا أن يحتلب لأبيه ناقة كما كان يفعل، ويبعث إليه. بلبنها، ففعل فناوله عمر الإناء، وقال: دونك هذا يا أبا كلاب.
فلما أخذه وأدناه إلى فمه قال: لعمر: واللّه يا أمير المؤمنين، إني لأشمّ رائحة يدي كلاب من هذا الإناء، فبكى عمر، وقال: هذا كلاب عندك حاضرا قد جئناك به، فوثب إلى ابنه وضمّه إليه وقبّله، وجعل عمر يبكي ومن حضره، وقال لكلاب: الزم أبويك فجاهد فيهما ما بقيا، ثم شأنك بنفسك بعدهما، وأمر له بعطائه، وصرفه مع أبيه، فلم يزل معه مقيما حتى مات أبوه.
ونسخت من كتاب أبي سعيد السكريّ أن أمية كانت له إبل هائمة - أي أصابها الهيام وهو داء يصيب الإبل من العطش - فأخرجته بنو بكر مخافة أن يصيب إبلهم، فقال لهم: يا بني بكر، إنما هي ثلاث ليال: ليلة بالبقعاء وليلة بالفرع، وليلة بلقف في سامر من بني بكر، فلم ينفعه ذلك وأخرجوه، فأتى مزينة فأجاروه، وأقام عندهم إلى أن صحّت أبله، وسكنت، فقال يمدح مزينة:
تكنّفها الهيام وأخرجوهافما تأوى إلى إبل صحاح
فكان إلى مزينة منتهاهاعلى ما كان فيها من جناح
وما يكن الجناح فإنّ فيهاخلائق ينتمين إلى صلاح
ويوما في بني ليث بن بكرتراعى تحت قعقعة الرماح
فإمّا أصبحن شيخا كبيراوراء الدار يثقلني سلاحي
فقد آتى الصريخ إذا دعانيعلى ذي منعة عتد وقاح
وشرّ أخي مؤامرة خذولعلى ما كان مؤتكل ولاح
أخبرني عمي قال: حدثنا محمد بن عبد اللّه الحزنبل عن عمرو بن أبي عمرو الشيبانيّ عن أبيه، وأخبرني به محمد بن خلف بن المرزبان قال: حدثنا أبو توبة عن أبي عمرو قال: عمّر أمية بن الأسكر عمرا طويلا حتى خرف، فكان ذات يوم جالسا في نادي قومه وهو يحدّث نفسه، إذ نظر إلى راعي ضأن لبعض قومه يتعجب منه، فقام لينهض فسقط على وجهه، فضحك الراعي منه، وأقبل ابناه إليه، فلما رآهما أنشأ يقول:
يا بني أمية إني عنكما غانوما الغنى غير أني مرعش فان
يا بني أمية إلّا تحفظا كبرىفإنما أنتما والثّكل سيّان
هل لكما في تراث تذهبان بهإن التراث لهيّان بن بيّان
- يقال: هيان بن بيان، وهي ترى للقريب والبعيد -.
أصبحت هزءا لراعي الضأن يسخر بيماذا يريبك منّي راعي الضأن
أعجب لغيري إني تابع سلفيأعمام مجد وأجدادي وإخواني
وانعق بضأنك في أرض تطيف بهابين الأساف وأنتجها بجلذان
- جلذان: موضع بالطائف -
ببلدة لا ينام الكالئان بهاولا يقرّبها أصحاب ألوان
وهذه الأبيات تمثّل بها أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب صلوات اللّه عليه في خطبة له على المنبر بالكوفة.
حدثنا بها أحمد بن عبيد اللّه بن عمار وأحمد بن عبد العزيز الجوهريّ، قالا: حدثنا عمر بن شبّة قال: حدثنا محمد بن أبي رجاء، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد، قال: قال عبد اللّه بن عديّ بن الخيار: شهدت الحكمين، ثم أتيت الكوفة وكانت لي إلى عليّ عليه السلام حاجة، فدخلت عليه، فلما رآني قال: مرحبا بك يابن أمّ قتّال، أزائرا جئتنا أم لحاجة؟ فقلت: كلّ جاء بي، جئت لحاجة، وأحببت أن أجدّد بك عهدا، وسألته عن حديث فحدثني على ألا أحدّث به واحدا، فبينا أنا يوما بالمسجد في الكوفة إذا عليّ صلوات اللّه عليه متنكّب قرنا له. فجعل يقول: الصلاة جامعة. وجلس على المنبر، فاجتمع الناس، وجاء الأشعث بن قيس فجلس إلى جانب المنبر. فلما اجتمع الناس، ورضي منهم قام فحمد اللّه وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إنكم تزعمون أن عندي من رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلّم - ما ليس عند الناس، ألا وإنه ليس عندي إلا ما في قرني هذا، ثم نكت كنانته، فأخرج منها صحيفة فيها: المسلمون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم.
من أحدث حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين». فقال له الأشعث بن قيس: هذه واللّه عليك لا لك، دعها تترحّل، فخفض عليّ - صلوات اللّه عليه - إليه بصره، وقال: ما يدريك ما عليّ مما لي! عليك لعنة اللّه ولعنة اللاعنين، حائك ابن حائك، منافق ابن منافق، كافر ابن كافر. واللّه لقد أسرك الإسلام مرة والكفر مرة، فما فداك من واحد منهما حسبك ولا مالك، ثم رفع إليّ بصره فقال: يا عبيد اللّه:
أصبحت قنّا لراعي الضأن يلعب بيما ذا يريبك منّي راعي الضان
فقلت: بأبي أنت وأمي، قد كنت واللّه أحبّ أن أسمع هذا منك. قال: هو واللّه ذلك، قال:
فما قيل من بعدها من مقالةولا علقت مني جديدا ولا درسا
أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدثنا الحارث، عن المدائنيّ قال: لما مات أمية بن الأسكر عاد ابنه كلاب إلى البصرة، فكان يغزو مع المسلمين، منها مغازيهم، وشهد فتوحات كثيرة، وبقي إلى أيام زياد، فوّلاه الأبلّة، فسمع كلاب يوما عثمان بن أبي العاص يحدّث أن داود نبيّ اللّه - عليه السلام - كان يجمع أهله في السّحر فيقول: ادعوا ربكم فإن في السّحر ساعة لا يدعو فيها عبد مؤمن إلا غفر له، إلا أن يكون عشّارا أو عريفا.
فلما سمع ذلك كلاب كتب إلى زياد، فاستعفاه من عمله فأعفاه.
قال المدائنيّ: ولم يزل كلاب بالبصرة حتى مات، والمربعة المعروفة بمربعة كلاب بالبصرة منسوبة إليه.
وقال أبو عمرو الشيبانيّ: كان بين بني غفار قومه ووبني ليث حرب، فظفرت بنو ليث بغفار، فحالف رحضة بن خزيمة بن خلاف بن حارثة بن غفار وقومه جميعا بني أسلم بن أفصى بن خزاعة، فقال أمية بن الأسكر في ذلك، وكان سيد بني جندع بن ليث وفارسهم:
لقد طبت نفسا عن مواليك يا رحضاآثرت أذناب الشوائل والحمضا
تعلّلنا بالنّصر في كل شتوةوكلّ ربيع أنت رافضنا رفضا
فلو لا تأسّينا وحدّ رماحنالقد جرّ قوم لحمنا تربا قضّا
- القضّ والقضيض: الحصا الصغار -
أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدثني أحمد بن زهير قال: حدثنا مصعب بن عبد اللّه عن أبيه قال: افتعل عمرو بن الزبير كتابا عن معاوية إلى مروان بن الحكم بأن يدفع إليه مالا، فدفعه إليه، فلما عرف معاوية خبره كتب إلى مروان بأن يحبس عمرا حتى يؤدّي المال، فحبسه مروان، وبلغ الخبر عبد اللّه بن الزبير، فجاء إلى مروان وسأله عن الخبر، فحدّثه به، فقال: ما لكم في ذمتي، فأطلق عمرا، وأدّى عبد اللّه المال عنه، وقال: واللّه إني لأؤديه عنه وإني لأعلم أنه غير شاكر، ثم تمثّل قول أمية بن الأسكر الليثيّ:
فلو لا تأسّينا وحدّ رماحنالقد جرّ قوم لحمنا تربا قضّا
وقال ابن الكلبيّ: حدثنا بعض بني الحارث بن كعب قال: اجتمع يزيد بن عبد المدان وعامر بن الطّفيل بموسم عكاظ، فقدم أمية بن الأسكر، ومعه بنت له من أجمل أهل زمانها، فخطبها يزيد وعامر، فقالت أمّ كلاب امرأة أمية: من هذان الرجلان؟ قال: هذا ابن الديّان، وهذا عامر بن الطفيل. قالت: أعرف ابن الديّان، ولا أعرف عامرا. قال: هل سمعت بملاعب الأسنة؟ قالت: نع واللّه. قال: فهذا ابن أخيه.
وأقبل يزيد فقال: يا أميّة أنا ابن الديان، صاحب الكثيب، ورئيس مذحج، ومكلّم العقاب، ومن كان يصوب أصابعه فتنطف دما، ويدلك راحتيه فتخرجان ذهبا. قال أمية: بخ بخ.
فقال عامر: جدّي الأحزم، وعمّي أبو الأصبع، وعمّي ملاعب الأسنة، وجدّي الرّحّال، وأبي فارس قرزل.
قال أمية: بخ بخ، مرعى ولا كالسّعدان، فأرسلها. مثلا.
فقال يزيد: يا عامر، هل تعلم شاعرا من قومي رحل بمدحه إلى رجل من قومك؟ قال: لا، قال: فهل تعلم أن شعراء قومك يرحلون بمدحهم إلى قومي؟ قال: نعم. قال: فهل لك نجم يمان أو برد يمان أو سيف يمان أو ركن يمان؟ فقال: لا، قال: فهل ملكناكم ولم تملكونا؟ قال: نعم، فنهض يزيد وقام، ثم قال:
أميّ يابن الأسكر بن مدلجلا تجعلن هوازنا كمذحج
إنك إن تلهج بأمر تلججما النّبع في مغرسه كالعوسج
ولا الصّريح المحض كالممزّج
وقال مرّة بن دودان العقيلي، وكان عدوّا لعامر بن الطفيل:
يا ليت شعري عنك يا يزيدما ذا الذي من عامر تريد؟
لكلّ قوم فخرهم عتيدأمطلقون نحن أم عبيد؟
لا بل عبيد زادنا الهبيد
فزوّج أمية يزيد فقال يزيد في ذلك:
يا للرجال لطارق الأحزانولعامر بن طفيل الوسنان
كانت إتاوة قومه لمحرّقزمنا وصارت بعد للنعمان
عدّ الفوارس من هوازن كلّهاكثفا عليّ وجئت بالديان
فإذا لي الفضل المبين بوالدضخم الدّسيعة أزأنيّ ويمان
يا عام إنك فارس متهوّرغضّ الشباب أخوندى وقيان
واعلم بأنك يابن فارس قرزلدون الذي تسمو له وتدانى
ليست فوارس عامر بمقرّةلك بالفضيلة في بني عيلان
فإذا لقيت بني الخميس ومالكاوبني الضّباب وحيّ آل قنان
فاسأل من المرء المنوّه باسمهوالدافع الأعداء عن نجران؟
يعطى المقادة في فوارس قومهكرما لعمرك والكريم يمان
فقال عامر بن الطفيل مجيبا له:
يا للرجال لطارق الأحزانولما يجيء به بنو الدّيان
فخروا عليّ بحبوة لمحرّقوإتاوة سلفت من النعمان
ما أنت وابن محرق وقبيلهوإتاوة اللخميّ في عيلان؟
فاقصد بذرعك قصد أمرك قصدهودع القبائل من بني قحطان
إذ كان سالفنا الإتاوة فيهمأولى ففخرك فخر كل يمان
وافخر برهط بني الحماس ومالكوابن الضّباب وزعبل وقيان
وأنا المنخل وابن فارس فرزلوأبو نزار زانني ونماني
وإذا تعاظمت الأمور موازناكنت المنوّه باسمه والثاني
فلما رجع القوم إلى بني عامر وثبوا على مرّة بن دودان، وقالوا: أنت شاعر بني عامر ولم تهج بني الديان، فقال:
تكلّفني هوازن فخر قوميقولون الأنام لنا عبيد
أبوهم مذحج وأبو أبيهمإذا ما عدّت الآباء - هود
وهل لي إن فخرت بغير فخرمقال والأنام له شهود؟
فإنّا لم نزل لهم قطيناتجىء إليهم منا الوفود
فإنّا نضرب الأحلام صفحاعن العلياء أو من ذا بكيد؟
فقولوا يا بني عيلان كنالكم قنّا وما عنكم محيد
وهذا الخبر مصنوع من مصنوعات ابن الكلبيّ، والتوليد فيه بيّن، وشعره شعر ركيك غثّ، لا يشبه أشعار القوم، وإنما ذكرته لئلا يخلو الكتاب من شيء قد روي.
وقال محمد بن حبيب فيما روى عنه أبو سعيد السكّريّ، ونسخته من كتابه، قال أبو عمرو الشيبانيّ: أصيب قوم من بني جندع بن ليث بن بكر بن هوازن رهط أمية بن الأسكر يقال لهم: بنو زبينة، أصابهم أصحاب النبي - صلى اللّه عليه وسلّم - يوم المريسيع في غزوته بني المصطلق، وكانوا جيرانه يومئذ - ومعهم ناس من بني لحيان من هذيل، ومع بني جندع رجل من خزاعة يقال له: طارق، فاتهمه بنو ليث بهم، وأنه دلّ عليهم. وكانت خزاعة مسلمها ومشركها يميلون إلى النبي - صلى اللّه عليه وسلّم - على قريش. فقال أمية بن الأسكر لطارق الخزاعيّ:
لعمرك إني والخزاعيّ طارقاكنعجة عاد حتفها تتحفّر
أثارت عليها شفرة بكراعهافظلّت بها من آخر الليل تجزر
شمتّ بقوم هم صديقك أهلكواأصابهم يوم من الدهر أعسر
كأنك لم تنبأ بيوم ذؤالةويوم الرّجيع إذ تنحّر حبتر
فهلّا أباكم في هذيل وعمّكمثأرتم وهم أعدى قلوبا وأوتر
ويوم الأراك يوم أردف سبيكمصميم سراة الدّيل عبد ويعمر
وسعد بن ليث إذ تسلّ نساؤكموكلب بن عوف نحّروكم وعقّروا
عجبت لشيخ من ربيعة مهترأمرّ له يوم من الدهر منكر
فأجابه طارق الخزاعيّ فقال:
لعمرك ما أدري وإني لقائلإلى أيّ من يظّنّني أتعذّر؟
أعنّف أن كانت زبينة أهلكتونال بني لحيان شرّ ونفّروا
وهذه الأبيات: الابتداء، والجواب تمثّل بابتدائها ابن عباس في رسالة إلى معاوية، وتمثل بجوابها معاوية في رسالة أجابه بها.
حدّثني بذلك أحمد بن عيسى بن أبي موسى العجليّ العطار بالكوفة، قال: حدثنا الحسين بن نصر بن مزاحم المنقريّ قال: حدثنا زيد بن المعذّل النّمريّ، قال: حدثنا يحيى بن شعيب الخراز، قال: حدثنا أبو مخنف، قال: لما بلغ معاوية مصاب أمير المؤمنين عليّ - عليه السلام - دسّ رجلا من بني القين إلى البصرة يتجسس الأخبار ويكتب بها إليه، فدلّ على القينيّ بالبصرة في بني سليم، فأخذ وقتل.
وكتب ابن عباس من البصرة إلى معاوية: أما بعد، فإنك ودسّك أخا بني القين إلى البصرة تلتمس من غفلات قريش مثل الذي ظفرت به من يمانيتك لكما قال الشاعر:
لعمرك إني والخزاعيّ طارقاكنعجة عاد حتفها تتحفّر
أثارت عليها شفرة بكراعهافظلّت بها من آخر الليل تجزر
شمتّ بقوم هم صديقك أهلكواأصابهم يوم من الذهر أمعر
فأجابة معاوية: أما بعد، فإن الحسن قد كتب إليّ بنحو مما كتبت به وأنّبني بما لم أجن ظنا وسوء رأي، وإنك لم تصب مثلنا، ولكن مثلنا ومثلكم كما قال طارق الخزاعيّ:
فو اللّه ما أدري وإني لصادقإلى أيّ من يظنّني أتعذر؟
أعنّف أن كانت زبينة أهلكتونال بني لحيان شرّ ونفّرّوا
صوت
أبنيّ إني قد كبرت ورابنيبصري وفيّ لمصلح مستمتع
فلئن كبرت نقد دنوت من البلىوحلت لكم منّي خلائق أربع
عروضه من الكامل، والشعر لعبدة بن الطبيب، والغناء لابن محرز، ولحنه من القدر الأوسط من الثقيل الأول بالبنصر في مجراها عن إسحاق، وفيه لمعبد خفيف ثقيل أول بالبنصر في مجراها عنه أيضا.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع