تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

أخبار أبي الهندي ونسبه

ديوان أبو الهنديفيه ٣٢ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

اسمه غالب بن عبد القدّوس، بن شبث بن ربعيّ. وكان شاعرا مطبوعا، وقد أدرك الدولتين: دولة بني أمية، وأول دولة ولد العباس. وكان جزل الشعر، حسن الألفاظ، لطيف المعاني. وإنما أخمله وأمات ذكره بعده من بلاد العرب، ومقامه بسجستان وبخراسان، وشغفه بالشراب ومعاقرته إياه، وفسقه وما كان يتهم به من فساد الدين.

واستفرغ شعره بصفة الخمر، وهو أول من وصفها من شعراء الإسلام، فجعل وصفها وكده وقصده، ومن مشهور قوله فيها ومختاره:

سقيت أبا المطرّح إذ أتانيوذو الرّعثات منتصب يصيح
للشاعر أبو الهندي، اقرأ القصيدة
شرابا يهرب الذّبّان منهويلثغ حين يشربه الفصيح

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش، قال حدّثني فضل اليزيدي أنه سمع إسحاق الموصلي يوما يقول، وأنشد شعرا لأبي الهنديّ في صفة الخمر، فاستحسنه وقرّظه، فذكر عنده أبو نواس، فقال: ومن أين أخذ أبو نواس معانيه إلّا من هذه الطبقة؟ وأنا أوجدكم سلخه هذه المعاني كلّها في شعره، فجعل ينشد بيتا من شعر أبي الهنديّ، ثم يستخرج المعنى والموضع الّذي سرقه الحسن فيه حين أتى على الأبيات كلها واستخرجها من شعره.

أخبرني الحسن بن عليّ؛ قال: حدّثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدّثني عبد اللّه بن أبي سعد. قال: حدّثني شيخ من أهل البصرة، قال: كنا عند أبي عبيدة، فأنشد منشد شعرا في صفة الخمر - أنسيه الشيخ - فضحك ثم قال: هذا أخذه من قول أبي الهنديّ:

سيغني أبا الهندي عن وطب سالمأباريق لم يعلق بها وضر الزّبد
للشاعر أبو الهندي، اقرأ القصيدة
مفدّمة قزّ كأن رقابهارقاب بنات الماء تفزع للرعد
جلتها الجوالي حين طاب مزاجهاوطيّبتها بالمسك والعنبر والورد
للشاعر أبو الهندي، اقرأ القصيدة
تمجّ سلافا في الأباريق خالصاوفي كلّ كأس من مها حسن القدّ
تضمّنها زق أزبّ كأنهصريع من السودان ذو شعر جعد
للشاعر أبو الهندي، اقرأ القصيدة

نسخت من كتاب ابن النّطاح.

حدّثني بعض أصحابنا: أن أبا الهنديّ اشتهى الصّبوح في الحانة ذات يوم، فأتى خمارا بسجستان في محلّة يقال لها: كوه زيان - وتفسيره: جبل الخسران - يباع فيها الخمر والفاحشة، ويأوي إليها كل خارب وزان ومغنّية، فدخل إلى الخمار فقال له: اسقني، وأعطاه دينارا، فكال له، وجعل يشرب حتى سكر، وجاء قوم يسألون عنه فصادفوه على تلك الحال. فقالوا للخمّار: ألحقنا به؛ فسقاهم حتى سكروا، فانتبه فسأل عنهم، فعرّفه الخمّار خبرهم، فقال له: هذا الآن وقت السكر، الآن طاب، ألحقني بهم، فجعل يشرب حتى سكر، وانتبهوا فقالوا للخمار: ويحك! هذا نائم بعد! فقال: لا، ولقد انتبه، فلما عرف خبركم شرب حتى سكر، فقالوا: ألحقنا به فسقاهم حتى سكروا، وانتبه فسأل عن خبرهم، فعرفه فقال: واللّه لألحقنّ بهم، فشرب حتى سكر، ولم يزل ذلك دأبه ودأبهم ثلاثة أيام لم يلتقوا وهم في موضع واحد، ثم تركوا هم الشرب عمدا حتى أفاق، فلقوه.

وهذا الخبر بعينه يحكي لواليه بن الحباب مع أبي نواس، وقد ذكر في أخبار والبة، والصحيح أنه لأبي الهنديّ، وفي ذلك يقول:

ندامى بعد ثالثة تلاقوايضمّهم بكوه زيان راح
للشاعر أبو الهندي، اقرأ القصيدة
وقد باكرتها فتركت منهاقتيلا ما أصابتني جراح
للشاعر أبو الهندي، اقرأ القصيدة
وقالوا أيّها الخمار من ذا؟فقال أخ تخوّنه اصطباح
للشاعر أبو الهندي، اقرأ القصيدة
فقالوا هات راحك ألحقنابه وتعلّلوا ثم استراحوا
فما إن لبّثتهم أن رمتهمبحدّ سلاحها ولها سلاح
وحان تنبّهي فسألت عنهمفقال أتاحهم قدر متاح
رأوك مجدّلا فاستخبرونيفحرّكهم إلى الشرب ارتياح
للشاعر أبو الهندي، اقرأ القصيدة
فقلت بهم فألحقني فهبّوافقالوا هل تنبّه حين راحوا؟
فقال نعم فقالوا ألحقنّابه قد لاح للرائي صباح
للشاعر أبو الهندي، اقرأ القصيدة
فما إن زال ذاك الدأب منّاثلاثا يستغبّ ويستباح
للشاعر أبو الهندي، اقرأ القصيدة
نبيت معا وليس لنا لقاءببيت ما لنا فيه براح

أخبرني عمي الحسن بن أحمد، قال: حدّثني الحسن بن عليل العنزيّ، قال: قال صدقة بن إبراهيم البكريّ: كان أبو الهنديّ يشرب معنا بمرو، وكان إذا سكر يتقلب تقلّبا قبيحا في نومه، فكنا كثيرا ما نشدّ رجله لئلا يسقط من السطح، فسكر ليلة وشددنا رجله بحبل، وطولنا فيه ليقدر على القيام إلى البول وغير ذلك من حوائجه، فتقلّب وسقط من السطح، وأمسكه الحبل فبقي منكّسا وتخنّق بما في جوفه من الشراب، فأصبحنا فوجدناه ميتا.

اجعلوا إن متّ يوما كفنيورق الكرم وقبري معصره
للشاعر أبو الهندي، اقرأ القصيدة
إنّني أرجو من اللّه غدابعد شرب الراح حسن المغفره
للشاعر أبو الهندي، اقرأ القصيدة

قال: فكان الفتيان بعد ذلك يجيئون إلى قبره، ويشربون ويصبّون القدح إذا انتهى إليه على قبره.

قال حماد بن إسحاق عن أبيه في وفاة أبي الهنديّ: إنه خرج وهو سكران في ليلة باردة من حانة خمّار وهو ريان، فأصابه ثلج فقتله، فوجد من غد ميتا على الطريق.

وروى حماد بن إسحاق عن أبيه، قال: حج نصر بن سيار وأخرج معه أبا الهنديّ، فلما حضرت أيام الموسم قال له: يا أبا الهنديّ، إنّا بحيث ترى، وفد اللّه وزوّار بيته، فهب لي النبيذ في هذه الأيام واحتكم عليّ، فلو لا ما ترى، ما منعتك، فضمن له ذلك وغلّظ عليه الاحتكام، ووكّل به نصر بن سيار، فلما انقضى الأجل مضى في السحر قبل أن يلقي نصرا، فجلس في أكمة يشرف منها على فضاء واسع، فجلس عليها ووضع بين يديه إداوة، وأقبل يشرب ويبكي، ويقول:

أديرا عليّ الكأس إنّي فقدتهاكما فقد المفطوم درّ المراضع
للشاعر أبو الهندي، اقرأ القصيدة
حليف مدام فارق الراح روحهفظل عليها مستهلّ المدامع

قال: وعاتب قوم أبا الهنديّ على فسقه ومعاقرته الشراب، فقال:

إذا صلّيت خمسا كلّ يومفإنّ اللّه يغفر لي فسوقي
للشاعر أبو الهندي، اقرأ القصيدة
ولم أشرك بربّ الناس شيئافقد أمسكت بالدّين الوثيق
للشاعر أبو الهندي، اقرأ القصيدة
وجاهدت العدوّ ونلت مالايبلّغني إلى البيت العتيق
للشاعر أبو الهندي، اقرأ القصيدة
فهذا الدين ليس به خفاءدعوني من بنيّات الطريق
للشاعر أبو الهندي، اقرأ القصيدة

قال إسحاق: وشرب يوما أبو الهندي بكوه زيان عند خمارة هناك، وكان عندها نسوة عواهر، ففجر بهنّ ولم يعطهنّ شيئا، فجعلن يطالبنه بجعل فلم ينفعهن، فقال في ذلك:

آلي يمينا أبو الهنديّ كاذبةليعطينّ زواني لست ماشينا
للشاعر أبو الهندي، اقرأ القصيدة
وغرّهنّ فلّما أن قضى وطراقال ارتحلن فأخزى اللّه ذادينا
للشاعر أبو الهندي، اقرأ القصيدة

أخبرني عمي عن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر، عن أبي محلم، قال: خطب أبو الهنديّ غالب بن عبد القدوس بن شبث بن ربعيّ إلى رجل من بني تميم، فقال: لو كنت مثل أبيك لزوّجتك، فقال له غالب: لكنك لو كنت مثل أبيك ما خطبت إليك.

قال أبو محلم: ومرّ نصر بن سيّار بأبي الهنديّ، وهو سكران يتمايل، فوقف عليه فعذله وسبّه، وقال: ضيّعت شرفك، وفضحت أسلافك. فلما طال عتابه التفت إليه فقال: لو لا أني ضيّعت شرفي لم تكن أنت على خراسان، فانصرف نصر خجلا.

قال أبو محلم: وكان بسجستان رجل يقال له: برزين ناسكا، وكان أبوه صلب في خرابة فجلس إليه أبو الهنديّ - فطفق ويعرّض له بالشراب. فقال له أبو الهنديّ: أحدكم يرى القذاة في عين أخيه، ولا يرى الخشبة في أست أبيه! فأخجله.

قال أبو محلم: وكان أسرع الناس جوابا.

صوت

لقد قلت حين قرّبت العيس يا نوار
للشاعر رياض الحبيّب، اقرأ القصيدة
قفوا فاربعوا قليلافلم يربعوا وساروا
للشاعر رياض الحبيّب، اقرأ القصيدة
فنفسي لها حنينوقلبي له انكسار
وصدري به غليلودمعي له انحدار

الشعر لسعيد بن وهب، والغناء لسليم رمل بالوسطى عن الهشاميّ، ومن جامع سليم ونسخة عمرو الثانية.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»