من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار خالد الكاتب
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو خالد بن يزيد، ويكنى أبا الهيثم، من أهل بغداد، وأصله من خراسان، وكان أحد كتاب الجيش.
ووسوس في آخر عمره، قيل إن السّوداء غلبت عليه، وقال قوم: كان يهوى جارية لبعض الوجوه ببغداد فلم يقدر عليها، وولّاه محمد بن عبد الملك الإعطاء في الثغور، فخرج فسمع في طريقه منشدا ينشد، ومغنّية تغنّي:
من كان ذا شجن بالشام يطلبهففي سوى الشام أمسى الأهل والشجن
فبكى حتى سقط على وجهه مغشيا عليه، ثم أفاق مختلطا. واتصل ذلك حتى وسوس وبطل.
وكان اتصل بعليّ بن هشام وإبراهيم بن المهدي وكان سبب اتصاله بعليّ بن هشام أنه صحبه في وقت خروجه إلى قمّ، في جملة كتّاب الإعطاء، فبلغه وهو في طريقه أن خالدا يقول الشعر، فأنس به وسرّ به، وأحضره فأنشده قوله:
يا تارك الجسم بلا قلبإن كنت أهواك فما ذنبي؟
يا مفردا بالحسن أفردتنيمنك بطول الهجر والعتب
إن تك عيني أبصرت فتنةفهل على قلبي من عتب
حسيبك اللّه لما بي كماأنك في فعلك بي حسبي
للمسدود في هذه الأبيات رمل طنبوري مطلق من رواية الهشامي، قال: فجعله علي بن هشام في ندمائه إلى أن قتل.
ثم صحب الفضل بن مروان، فذكره للمعتصم وهو بالماحوزة قبل أن يبني سرّ من رأى، فقال خالد:
عزم السرور على المقام بسرّ من را للإمام
بلد المسرّة والفتوح المستنيرات العظام
وتراه أشبه منزلفي الأرض بالبلد الحرام
فاللّه يعمره بمنأضحى به عزّ الأنام
فاستحسنها الفضل بن مروان وأوصلها إلى المعتصم قبل أن يقال في بناء سرّ من رأى شيء، فكانت أول ما أنشد في هذا المعنى من الشعر، فتبرّك بها وأمر لخالد بخمسة آلاف درهم.
وذكر ذلك كلّه إسماعيل بن يحيى الكاتب، وذكر اليوسفيّ صاحب الرسائل أن خالدا قال أيضا في ذلك:
بيّن صفو الزمان عن كدرهفي ضحكات الربيع عن زهره
يا سرّ من رابوركت من بلدبورك في نبته وفي شجره
غرس جدود الإمام ينبتهبابك والمازيار من ثمره
فالفتح والنصر ينزلان بهوالخصب في تربه وفي شجره
فغنى مخارق في هذه الأبيات، فسأله المعتصم: لمن هذا الشعر؟ فقال: لخالد يا أمير المؤمنين، قال: الّذي يقول:
كيف ترجى لذاذة الإغتماضلمريض من العيون المراض!
فقال محمد بن عبد الملك: نعم يا أمير المؤمنين، هو له، ولكن بضاعته لا تزيد على أربعة أبيات، فأمر له المعتصم بأربعة آلاف درهم، وبلغ خالدا الخبر، فقال لأحمد بن عبد الوهاب صاحب محمد بن عبد الملك - وقيل لأبي جعفر - أعزه اللّه: إذا بلغت المراد في أربعة أبيات فالزيادة فضل.
قال اليوسفيّ: ولمّا قال خالد في صفة سرّ من رأى قصيدته الّتي يقول فيها:
اسقني في جرائر وزقاقلتلاقي السرور يوم التلاق
من سلاف كأنّ في الكأس منهعبرات من مقلتي مشتاق
في رياض بسرّ من را إلى الكرخ ودعني من سائر الآفاق
بادّ كارات كل فتح عظيملإمام الهدى أبي إسحاق
وهي قصيدة، لقيه دعبل فقال: يا أبا الهيثم، كنت صاحب مقطعات فداخلت الشعراء في القصائد الطوال وأنت لا تدوم على ذلك، وبوشك أن تتعب بما ما تقول وتغلب عليه. فقال له خالد: لو عرفت النّصح منك لغيري لأطعتك في نفسي.
قال اليوسفيّ: وحدّثني أبو الحسن الشهرزانيّ: أن خالدا وقع بينه وبين الحلبي الشاعر الّذي يقول فيه البحتريّ:
سل الحلبيّ عن حلب
خلاف في معنى شعر، فقال له الحلبيّ: لا تعد طورك فأخرسك! فقال له خالد: لست هناك، ولا فيك موضع للهجاء، ولكن ستعلم أني أجعلك ضحكة سرّ من رأى. وكان الحلبيّ من أوسخ الناس، فجعل يهجو جبّته وثيابه وطيلسانه، فمن ذلك قوله:
وشاعر ذي منطق رائقفي جبّة كالعارض البارق
قطعاء شلّاء رقاعيّةدهريّة مرقوعة العاتق
قدّمها العري على نفسهلفضلها في القدر السابق
وقوله:
وشاعر مقدم له قومليس عليهم في نصره لوم
قد ساعدوه في الجوع كلّهمفقرى فكلّ غداؤه الصوم
يأتيك في جبّة مرقعةأطول أعمار مثلها يوم
وطيلسان كالآل يلبسهعلى قميص كأنه غيم
من حلب في صميم سفلتهاغناه فقر وعزّه ضيم
قال: وقال فيه:
تاه على ربّه فأفقرهحتى رآه الغنى فأنكره
فصار من طول حرفة علمايقذفه الرزق حيث أبصره
يا حلبيّا قضى الإله لهبالتّيه والفقر حين صوّره
لو خلطوه بالمسك وسّخهأو طرحوه في البحر كدّره
حدّثني جحظة، قال: حدّثني خالد الكاتب، قال: دخلت على إبراهيم بن المهديّ فاستنشدني، فقلت: أيها الأمير، أنا غلام أقول في شجون نفسي، لا أكاد أمدح ولا أهجو، فقال: ذلك أشدّ لدواعي البلاء، فأنشدته:
صوت
عاتبت نفسي في هواك فلم أجدها تقبل
وأطعت داعيا إليكولم أطع من يعذل
لا والّذي جعل الوجوه لحسن وجهك تمثل
لا قلت إن الصبر عنك من التصابي أجمل
لجحظة في هذه الأبيات رمل مطلق بالوسطى.
قال: فبكى إبراهيم وصاح: واي عليك بإبراهيم، ثم أنشدته أبياتي الّتي أقول فيها:
وبكى العاذل من رحمتيفبكائي لبكا العاذل
وقال إبراهيم: يا رشيق، كم معك من العين؟ قال: ستمائة وخمسون دينارا. قال: اقسمها بيني وبين الفتى، واجعل الكسر له صحيحا، فأعطاني ثلاثمائة وخمسين دينارا، فاشتريت بها منزلي بساباط الحسن والحسين، فواراني إلى يومي هذا.
حدّثني جحظة، قال: حدّثني خالد الكاتب قال: قال لي عليّ بن الجهم: هب لي بيتك الّذي تقول فيه:
ليت ما أصبح من رقّة خدّيك بقلبك
فقلت: يا جاهل، هل رأيت أحدا يهب ولده.
وقال أحمد بن إسماعيل الكاتب: لقيت خالدا الكاتب ذات يوم فسألته عن صديق له، وكان قد باعده ولم أعلم، فأنشأ يقول:
ظعن الغريب لغيبة الأبدحتى المخافة نأتي البلد
حيران يؤنسه ويكلؤهيوم توعّده بشرّ غد
سنح الغراب له بأنكر ماتغدو النحوس به على أحد
وابتاع أشأمه بأيمنهالجدّ العثور له يدا بيد
حتى ينيخ بأرض مهلكةفي حيث لم يولد ولم يلد
جزعت حليلته عليه فماتخلو من الزفرات والكمد
نزل الزمان بها فأهلكهامنه وأهدى اليتم للولد
ظفرت به الأيام فانحسرتعنه بناقرة ولم تكد
فتركن منه بعد طيّتهمثل الّذي أبقين من لبد
قال، فقلت له: يا أبا الهيثم مذ كم دخلت في قول الهجاء؟ قال: مذ سالمت فحوربت، وصافيت فتوقفت.
وقال الرياشي: كان خالد مغرما بالغلمان المرد، ينفق عليهم كلّ ما يفيد، فهوي غلاما يقال له: عبد اللّه، وكان وتمام الطائي يهواه، فقال فيه خالد:
قضيب بان جناه وردتحمله وجنة وخدّ
لم أثن طرفي إليه إلّامات عراء وعاش وجد
ملّك طوع النفوس حتّىعلّمه الزهو حين يبدو
واجتمع الصدّ فيه حتّىليس لخلق سواه صدّ
فبلغ أبا تمام ذلك فقال فيه أبياتا منها:
شعرك هذا كلّه مفرطفي برده يا خالد البارد
فعلمها الصبيان، فلم يزالوا يصيحون به: يا خالد يا بارد حتى وسوس، قال: ومن الناس من يزعم أن هذا السبب كان بينه وبين رجل غير أبي تمام، وليس الأمر كذلك.
وكان خالد قد هجا أبا تمام في هذه القصّة فقال فيه:
يا معشر المرد إني ناصح لكموالمرء في القول بين الصدق والكذب
لا ينكحنّ حبيبا منكم أحدفإنّ وجعاءه أعدى من الجرب
لا تأمنوا أن تحولوا بعد ثالثةفتركبوا عمدا ليست من الخشب
حدّثني محمد بن يحيى الصولي، قال: حدّثني الحسن بن إسحاق قال: حدّثني خالد الكاتب، قال: لما بويع إبراهيم بن المهدي بالخلافة طلبني - وقد كان يعرفني - وكنت متّصلا ببعض أسبابه، فأدخلت إليه فقال: أنشدني يا خالد شيئا من شعرك، فقلت: يا أمير المؤمنين، ليس شعري من الشعر الّذي قال فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إنّ من الشّعر لحكما»، وإنما أمزح وأهزل، فقال: لا تقل هذا، فإنّ جدّ الأدب وهزله جدّ، هات أنشدني، فأنشدته:
عش فحبّيك سريعا قاتليوالضّنى إن لم تصلني واصلي
ظفر الشوق بقلب دنففيك والسّقم بجسم ناحل
فهما بين اكتئاب وضنىتركاني كالقضيب الذابل
قال: فاستملح ذلك ووصلني.
حدّثني حمزة بن أبي سلالة الشاعر الكوفيّ، قال دخلت بغداد في بعض السنين فبينا أنا مارّ بجنينة إذا أنا برجل عليه مبطنة نظيفة، وعلى رأسه قلنسيه سوداء، وهو راكب قصبة، والصبيان خلفه يصيحون به: يا خالد يا بارد، فإذا آذوه حمل عليهم بالقصبة، فلم أزل أطردهم عنه حتى تفرقوا، وأدخلته بستانا هناك، فجلس واستراح، واشتريت له رطبا فأكل، واستنشدته فأنشدني:
قد حاز قلبي فصار يملكهفكيف أسلو وكيف أتركه!
رطيب جسم كالماء تحسبهيخطر في القلب منه مسلكه
يكاد يجري من القميص من النعمة لو لا القميص يمسكه
فاستزدته، فقال: لا، ولا حرف.
وذكر عليّ بن الحسين بن أبي طلحة عن أبي الفضل الكاتب - أنه دعا خالدا ذات يوم فأقام عنده. وخلع عليه، فما استقر به المجلس حتى خرج، قال: فأتبعته رسولا ليعرف خبره، فإذا هو قد جاء إلى غلام كان يحبه، فسأل عنه فوجده في دار القمار، فمضى إليه حتى خلع عليه تلك الثياب وقبّله وعانقه وعاد إلينا، فلما جاء خالد أعطيت الغلام الّذي وجّهنا به دنانير ودعاه فجاء به إلينا، وأخفيناه وسألنا خالدا عن خبره فكتمه وجمجم، فغمزنا الرسول فأخرجه علينا، فلما رآه خالد بكى ودهش، فقلنا له: لا ترع، فإن من القصة كيت وكيت، وإنما أردنا أن نعرف خبرك لا أن نسوءك، فطابت نفسه وأجلسه إلى جنبه، وقال: قد بليت بحبّه وبالخوف عليه مما قد بلي به من القمار، ثم أنشد لنفسه فيه:
محبّ شفّه ألمهوخامر جسمه سقمه
وباح بما يجمجمهمن الأسرار مكتتمه
أما ترثي لمكتئبيحبّك لحمه ودمه
يغار على قميصكحين تلبسه ويتّهمه
وذكر عليّ بن الحسين أيضا أن محمد بن السريّ حدّثه أنه أطال الغيبة عن بغداد وقد وسوس خالد، فمرّ به في الرّصافة والصبيان يصيحون به: يا غلام الشريطيّ يا خالد البارد، ويرجع إليهم فيضربهم ويزيد ويرميهم، قال: فقلت له: كيف أنت يا أبا الهيثم؟ قال: كما ترى! فقلت له: فمن تعاشر اليوم؟ قال: من أحذره، فعجبت من جوابه مع اختلاله، فقلت له: ما قلت بعدي من الشعر؟ قال: ما حفظه الناس وأنسيته، وعلى ذلك قولي:
كبد شفها غليل التصابيبين عتب وسخطة وعذاب
كلّ يوم تدمي بجرح من الشوق ونوع مجدّد من عذاب
يا سقيم الجفون أسقمت جسميفاشفني كيف شئت، لا بك ما بي
إن أكن مذنبا فكن حسن العفوأو اجعل سوى الصّدود عقابي
ثم قال: يا أبا جعفر، جننت بعدك، فقلت: ما جعلك اللّه مجنونا؛ وهذا كلامك لي ونظمك.
حدّثني محمد بن الطلاس أبو الطيب، قال: حضرت جنازة بعض جيراني، فلقيت خالدا في المقبرة فقبضت عليه، وقلت: أنشدني، فذهب ليهرب مني، فغمزت على يده غمزة أوجعته، فقال: خلّ عني أنشدك، فأرخيت يدي عن يده، فأنشدني:
لم تر عين نظرتأحسن من منظره
النور والنّعمة والنّعمة في مخبره
لا تصل الألسن بالوصف إلى أكثره
كيف بمن تنتسب الشمس إلى جوهره!
حدّثني عمّي - رحمه اللّه - قال: مرّ بنا خالد الكاتب ها هنا والصبيان خلفه يصيحون به، فجلس إليّ فقال: فرّق هؤلاء عني، فقلت، وألحّت عليه جارية تصيح: يا خالد يا بارد، فقال لها: مرّي يا منتنة الكسّ، ويا من كسها دس. فقلت له: يا أبا الهيثم، أيّ شيء معنى «دس» ها هنا؟ قال: تشتهي الأير الصغير والكبير والوسط، ولا تكره منها شيئا وأقبل الصبيان يصيحون بتلك الجارية بمثل ما قال لها خالد، وهي ترميهم وتهرب منهم حتى غابوا معها عنا، فأقبل عليّ خالد متمثلا فقال:
وما أنا في أمري ولا في خصومتيبمهتضم حقّي ولا قارع سنّي
فاحتبسته عندي يومي ذلك. فلما شرب وطابت نفسه، أنشده لأبي تمام:
أحبابه لم تفعلون بقلبهما ليس يفعله به أعداؤه؟
مطر من العبرات خدّي أرضهحتى الصباح ومقلتاي سماؤه
نفسي فداء محمد ووقاؤهوكذبت، ما في العالمين فداؤه
أزعمت أنّ البدر يحكي وجههوالغصن حين يميد فيه ماؤه؟
أسكت فأين بهاؤه وكمالهوجماله وحياؤه وضياؤه؟
لا تقر أسماء الملاحة باطلافيمن سواه فإنها أسماؤه
ثم قال: وقد عارضه أبو الهيثم - يعني خالدا نفسه - فقال:
فديت محمدا من كل سوءيحاذر في رواح أو غدوّ
أيا قمر السماء سفلت حتىكأنك قد ضجرت من العلوّ
رأيتك من حبيبك ذا بعادوممّن لا يحبك ذا دنوّ
وحسبك حسرة لك من حبيبرأيت زمامه بيدي عدوّ
هكذا أخبرني عمي عن خالد، وهذه الأبيات أيضا تروي لأبي تمام.
وقال ابن أبي طلحة: حدّثني الهلاليّ، قال: مررت بخالد وحوله جماعة ينشدهم فقلت له: يا أبا الهيثم، سلوت عن صديقك، قال: لا واللّه. قلت: فإنه عليل وما عدته، فسكت ساعة ثم رفع رأسه إليّ، وقال:
زعموا أنني صحوت وكلّاأشهد اللّه أنني لن أملّا
كيف صبري يا من إذا ازدادتيهاأبدا زدته خضوعا وذلا؟
ثم قال: احفظه وأبلغه عني:
بجسمي لا بجسمك يا عليلويكفيني من الألم القليل
تعدّاك السّقام إليّ إنيعلى ما بي لعاديه حمول
إذا ما كنت يا أملي صحيحافحالفني وسالمك النحول
ألست شقيق ما ضمّت ضلوعيعلى أني لعلّتك العليل
قال: وحدّثني العباس بن يحيى أنهم كانوا عند عليّ بن المعتصم، فغني في شعر لخالد، فأمر بإحضاره وطلب فلم يوجد، فوجّه إلى غلام كان يتعشقه فأحضر، وسأله عنه فدلّ عليه، وقال: كنّا نشرب إلى السحر، وقد مضى إلى حمام فلان، وهو يخرج ويجلس عند فلان الفقاعي، ودكانه مألف للغلمان المرد والمغنين، فبعث إليه فأحضر، فلما جلس أخرج عليّ بن المعتصم الغلام؛ وقال: هذا دلّنا عليك؛ وهو يزعم أنك تعشقه، فقال له الغلام: نعم أيها الأمير، لو لم يكن من فضيحته إياي إلّا أنه إذا لم يوجد أحضرت وسئلت عنه، فأقبل عليه خالد وقال:
يا تارك الجسم بلا قلبإن كنت أهواك فما ذنبي؟
يا مفردا بالحسن أفردتنيمنك بطول الشوق والحبّ
إن تك عيني أبصرت فتنةفهل على قلبي من عتب؟
حسيبك اللّه لما بي كماأنك في فعلك بي حسبي
لجحظة فيه رمل، فاستحسن عليّ الشعر، وأمر له بخمسين دينارا.
قال: حدّثني ابن أبي المدوّر أنه شهد خالدا عند عبد الرحيم بن الأزهر الكاتب، وأنه دخل عليهم غلام من أولاد الكتاب، فلما رأى خالدا أعرض عنه، فقلت له: لم أعرضت عن أبي الهيثم؟ فقال: واللّه لو علمت أنّه ها هنا ما دخلت إليكم، ما يبالي إذا شرب هذين القدحين ما قال ولا من هتك، فقال لي خالد: ألا تعينني على ظالمي؟
فقلت: بلى واللّه أعينك، فأقبل على الفتى وقال:
صوت
هبني أسأت فكان ذنبي مثل ذنب أبي لهب
فأنا أتوب وكم أسأت وكم أسأت ولم تتب
فما زلنا مع ذلك الفتى نداريه ونستعطفه له حتى أقبل عليه وكلّمه وحادثه، فطابت نفسه، وسرّ بقية يومه.
في هذين البيتين لأبي العبيس خفيف رمل بالسبابة في مجرى الوسطى، ولرذاذ خفيف رمل مطلق.
وحدّثني عبد اللّه بن صالح الطوسيّ أن عليّ بن المعتصم دعا خالدا يوما وهو يشرب، وقد أخرجت إليه وصيفة من وصفاء حظيّته تفّاحة معضوضة مغلّفة بعثت بها إليه ستّها، فقال:
تفاحة خرجت بالدّر من فيهاأشهى إليّ من الدنيا وما فيها
بيضاء في حمرة علّت بغاليةكأنما قطفت من خدّ مهديها
جاءت بها قينة من عند غانيةروحي من السوء والمكروه تفديها
لو كنت ميتا ونادتني بنغمتهاإذا لأسرعت من لحدي ألبّيها
فاستحسن عليّ بن المعتصم الأبيات، وغنّي فيها، وأمر بتخت ثياب وخمسين دينارا.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع