من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار أبي محمد ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
أبو محمد يحيى بن المبارك، أحد بني عديّ بن عبد شمس بن زيد مناة بن تميم.
سمعت أبا عبد اللّه محمد بن العباس بن محمد بن أبي محمد اليزيديّ يذكر ذلك، ويقول: نحن من رهط ذي الرمة.
وقيل: إنهم موالي بني عدي، وقيل لأبي محمد: اليزيديّ لأنه كان فيمن خرج مع إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن بالبصرة، ثم توارى زمانا حتى استتر أمره، ثم اتصل بعد ذلك بيزيد بن منصور خال المهدي، فوصله بالرشيد، فلم يزل معه. وأدّب المأمون خاصة من ولده، ولم يزل أبو محمد وأولاده منقطعين إليه وإلى ولده، ولهم فيهم مدائح كثيرة جياد.
وكان أبو محمد عالما باللغة والنحو، راوية للشعر، متصرفا في علوم العرب. أخذ عن أبي عمرو بن العلاء ويونس بن حبيب النحويّ وأكابر البصريين، وقرأ القرآن على أبي عمرو بن العلاء، وجوّد قراءته ورواها عن.، وهي المعوّل عليها في هذا الوقت. وكان بنوه جميعا في مثل منزلته من العلم والمعرفة باللغة، وحسن التصرف في علوم العرب. ولسائرهم علم جيد.
ونحن نذكر بعد انقضاء أخباره أخبار من كان له شعر وفيه غناء من ولده، إذ كنا قد شرطنا ذكر ما فيه صنعة دون غيره.
فمنهم محمد بن أبي محمد، وإبراهيم بن أبي محمد، وإسماعيل بن أبي محمد. كلّ هؤلاء ولده لصلبه، ولكلّهم شعر جيد.
ومن ولد ولده أحمد بن محمد بن أبي محمد، وهو أكبرهم، وكان شاعرا راوية عالما.
ومنهم عبيد اللّه والفضل ابنا محمد بن محمد، وقد رويا عن أكابر أهل اللغة، وحمل عنهما علم كثير. وآخر من كان بقي من علماء أهل هذا البيت أبو عبد اللّه محمد بن العباس بن محمد بن أبي محمد، وكان فاضلا عالما ثقة فيما يرويه، منقطع القرين في الصدق وشدة التوقيّ فيما ينقله.
وقد حملنا نحن عنه وكثير من طلبة العلم ورواته علما كثيرا، فسمعنا منه سماعا جمّا. فأما ما أذكر ها هنا من أخبارهم فإني أخذته عن أبي عبد اللّه عن عمّيه عبيد اللّه والفضل، وأضفت إليه أشياء أخر يسيرة أخذتها عن غيره، فذكرت ذلك في مواضعه، ورويته عن أهله.
أخبرني محمد بن العباس اليزيديّ قال: حدّثني عمي عبيد اللّه عن عمه إسماعيل بن أبي محمد قال: حدّثني أبي قال: كان الرشيد جالسا في مجلسه فأتي بأسير من الروم، فقال لدفافة العبسيّ: قم فاضرب عنقه، فضربه فنبا سيفه، فقال لابن فليح لندنيّ: قم فاضرب عنقه، فضربه فنبا سيفه أيضا، فقال: أصلح اللّه أمير المؤمنين! تقدمتني ضربة عبسية، فقال الرشيد للمأمون، وهو يومئذ غلام: قم - فداك أبوك - فاضرب عنقه، فقام فضرب العلج، فأبان رأسه، ثم دعا بآخر فأمره بضرب عنقه، فضربه فأبان رأسه، ونظر إليّ المأمون نظر مستنطق، فقلت:
أبقي دفافة عارا بعد ضربتهعند الإمام لعبس آخر الأبد
كذاك أسرته تنبو سيوفهمكسيف ورقاء لم يقطع ولم يكد
ما بال سيفك قد خانتك ضربتهوقد ضربت بسيف غير ذي أود
هلا كضربة عبد اللّه إذ وقعتففرّقت بين رأس العلج والجسد
قال إسماعيل بن أبي محمد في أخباره: كان حمّويه ابن أخت الحسن الحاجب وسعيد والجوهريّ واقفين، فذكرا أبا محمد - يعني أباه والكسائي - ففضّل حمّويه الكسائي على أبي محمد، وفضل سعيد الجوهري أبا محمد على الكسائي.
وطال الكلام بينهما إلى أن تراضيا برجل يحكم بينهما، فتراهنا على أنّ من غلب أخذ برذون صاحبه، فجعلا الحكم بينهما أبا صفوان الأحوزيّ، فلما دخل سألاه فقال لهما: لو ناصح الكسائيّ نفسه لصار إلى أبي محمد، وتعلم منه كلام العرب، فما رأيت أحدا أعلم منه به، فأخذ الجوهريّ دابة حمّويه. وبلغ أبا محمد اليزيديّ هذا الخبر فقال:
يا حمّويه اسمع ثنا صادقافيك وما الصادق كالكاذب
يا جالب الخزي على نفسهبعدا وسحقا لك من جالب
إنّ فخر الناس بآبائهمآتيتهم بالعجب العاجب
قلت وأدغمت أبا خاملاأنا ابن أخت الحسن الحاجب
قال إسماعيل: وحدّثني أبي قال: كنت ذات يوم جالسا أكتب كتابا، فنظر فيه سلم الخاسر طويلا، ثم قال:
أير يحيى أخط من كفّ يحيىإنّ يحيى بأيره لخطوط
فقال أبو محمد يحيى:
أمّ سلم بذاك أعلم شيءإنها تحت أيره لضروط
ولها تارة إذا ما علاهاأزمل من وداقها وأطيط
أمّ سلم تعلّم الشّعر سلماحبّذا شعر أمك المنقوط
ليت شعري ما بال سلم بن عمروكاسف البال حين يذكر لوط
لا يصلّي عليه فيمن يصلّيبل له عند ذكره تثبيط
فقال له سلم: ويحك ما لك خبثت؟ أي شيء دعاك إلى هذا كله؟ فقال أبو محمد: بدأت، فانتصرت، والبادي أظلم.
قال أبو عبد اللّه محمد بن العباس اليزيديّ حدّثني عبيد اللّه وعمي أبو القاسم عن أبي عليّ إسماعيل قال: قال لي أبي: قال سلم الخاسر يوما: يا أبا محمد، قل أبياتا على قول امرىء القيس:
ربّ رام من بني ثعل
ولا أبالي أن تهجوني فيها، فقلت:
ربّ مغموم بعافيةغمط النّعماء من أشره
مورد أمرا يسرّ بهفرأى المكروه في صدره
وامرىء طالت سلامتهفرماه الدهر من غيره
بسهام غير مشويةنقضت منه عرا مرره
وكذاك الدهر مختلفبالفتى حالين من عصره
يخلط العسرى بميسرةويسار المرء في عسره
عقّ سلم أمّة سفهاوأبا سلم على كبره
كلّ يوم خلفه رجلرامح يسعى على أثره
يولج الغرمول سبتّهكولوج الضّبّ في حجره
فانصرف سلم وهو يشتمه ويقول: ما يحلّ لأحد أن يكلمك.
قال: وقال لي يوما أبو حنش الشاعر: يا أبا محمد، قل أبياتا قافيتها على هاءين، فقلت له: على أن أهجوك فيها، فقال نعم، فقلت:
قلت ونفسي جمّ تأوّههاتصبو إلى إلفها وأندهها
سقيا لصنعاء لا أرى بلداأوطنه الموطنون يشبهها
حصنا ولا كبهجتهاأعذى بلاد عذّا وأنزهها
يعرف صنعاء من أقام بهاأرغد أرض عيشا وأرفهها
أبلغ حضيرا عنّي أبا حنشعائرة نجوه أوجّهها
تأتيه مثل السهام عامدةعليه مشهورة أدهدهها
كنيته طرح نون كنيتهإذا تهجيّتها ستفقهها
قال أبو عبد اللّه: وحدّثني عمي قال: حدّثني الطّلحيّ - وكان له علم وأدب - قال: اجتمعت مع أبي محمد عند يونس بن الربيع، وكان قد دعانا، فأقمنا عنده، فاتفق مجلسي إلى جنب مجلس أبي محمد، فقام يونس لحاجته، وكان جميلا وسيما، فالتفتّ إلى اليزيديّ فقال:
وفتى كالقناة في الطّرف منهإن تأملت طرفه استرخاء
فإذا الرامح المشيح تلاهوضع الرمح منه حيث يشاء
قال: وحدّثني عمي عن عمه إسماعيل عن أبي محمد قال: كان قتيبة الخراسانيّ عيسى بن عمر يأتيني، فيسألني عن مسائل كالمتعنّت، فإذا أجبته عنها انصرف منكسرا، وكان أفطس، فقلت له يوما:
أمخبري أنت يا قتيبة عنأنفك أم أنت كاتم خبره؟
بأي جرم وأيّ ذنب ترىسوّت بخدّيك أنفك البقره
فصيّرته كفيشة نبتتفي وجه قرد مفضوضة الكمره
قد كان في ذاك شاغل لك عنتفتيش باب العرفان والنكره
وقلت فيه أيضا:
إذا عافى مليك الناس عبدافلا عافاك ربّك يا قتيبة
طلبت النحو مذ أن كنت طفلاإلى أن جلّلتك قبحت شيبه
فما تزداد إلّا النقص فيهوأنت لدى الإياب بشرّ أو به
وكنت كغائب قد غاب حينافطال مقامه وأتى بخيبه
قال أبو محمد: كان عيسى بن عمر أعلم الناس بالغريب، فأتاني قتيبة الخراسانيّ هذا، فقال لي: أفدني شيئا من الغريب أعايي به عيسى بن عمر، فقلت له: أجود المساويك عند العرب الأراك، وأجود الأراك عندهم ما كان متمئرّا عجارما جيدا، وقد قال الشاعر:
إذا استكت يوما بالأراك فلا يكنسواكك إلّا المتمئرّ العجارما
يعني الأير. قال: فكتب قتيبة ما قلت له، وكتب البيت، ثم أتى عيسى بن عمر في مجلسه، قال: يا أبا عمر، ما أجود المساويك عند العرب؟ فقال: الأراك، يرحمك اللّه. فقال له قتيبة: أفلا أهدي إليك منه شيئا متمئرا عجارما؟ فقال: أهده إلى نفسك. وغضب، وضحك كل من كان في مجلسه، وبقي قتيبة متحيرا، فعلم عيسى أنه قد وقع عليه بلاء، فقال له: ويلك! من فضحك وسخر منك بهذه المسألة؟ ومن أهلكك ودمّر عليك؟ قال: أبو محمد اليزيديّ، فضحك عيسى حتى فحص برجله، وقال: هذه واللّه من مزحاته وبلاياه. أراه عنك منحرفا، فقد فضحك. فقال قتيبة: لا أعاود مسألته عن شيء.
حدّثني عمي قال: حدّثني عبيد اللّه بن محمد اليزيديّ قال: حدّثني أخي أبو جعفر قال: سمعت جدّي أبا محمد يقول: صرت يوما إلى الخليل بن أحمد، والمجلس غاص بأهله، فقال لي: ها هنا عندي، فقلت أضيّق عليك، فقال: إنّ الدنيا بحذافيرها تضيق عن متباغضين، وإنّ شبرا في شبر لا يضيق عن متحابّين. قال: وكان الخليل لأبي محمد صافي الودّ.
حدثنا اليزيديّ قال: حدّثني عمي عبيد اللّه قال: حدّثني أخي أحمد قال: سمعت جدي أبا محمد يقول: كنت ألقي الخليل بن أحمد، فيقول لي: أحبّ أن يجمع بيني وبين عبد اللّه بن المقفّع، وألقى ابن المقفّع فيقول: أحب أن يجمع بيني وبين الخليل بن أحمد. فجمعت بينهما، فمرّ لنا أحسن مجلس وأكثره علما، ثم افترقنا، فلقيت الخليل فقلت له: يا أبا عبد الرحمن، كيف رأيت صاحبك؟ قال: ما شئت من علم وأدب، إلّا أني رأيت كلامه أكثر من علمه، ثم لقيت ابن المقفّع فقلت: كيف رأيت صاحبك؟ فقال: ما شئت من علم وأدب، إلّا أنّ عقله أكثر من علمه.
حدثنا اليزيديّ قال حدّثني عمي عبيد اللّه قال: حدّثني أخي أحمد بن محمد قال: حدّثني أبي محمد بن أبي محمد قال: قال لي أبو محمد: كنا مع المهدي ببلد في شهر رمضان قبل أن يستخلف بأربعة أشهر، وكان الكسائيّ معنا، فذكر المهديّ العربية وعنده شيبة بن الوليد العبسيّ عمّ دفافة، فقال المهديّ: نبعث إلى اليزيديّ والكسائيّ، وأنا يومئذ مع يزيد بن المنصور خال المهديّ، والكسائي مع الحسن الحاجب، فجاءنا الرسول، فجئت أنا، فإذا الكسائيّ على الباب قد سبقني. فقال: يا أبا محمد، أعوذ باللّه من شرّك، فقلت: واللّه لا تؤتى من قبلي حتى أوتى من قبلك.
فلما دخلنا عليه أقبل عليّ، وقال: كيف نسبوا إلى البحرين فقالوا: بحرانيّ، ونسبوا إلى الحصنين فقالوا: حصنّي ولم يقولوا حصنانيّ. كما قالوا بحراني؟ فقلت: أصلح اللّه الأمير! لو أنهم نسبوا إلى البحرين فقالوا: بحريّ لم يعرف أإلى البحرين نسبوا أم إلى البحر؟ فلما جاءوا إلى الحصنين لم يكن موضع آخر يقال له: الحصن ينسب إليه غيرهما فقالوا: حصني.
قال أبو محمد، سمعت الكسائي يقول لعمر بن بزيع - وكان حاضرا - لو سألني الأمير لأخبرته فيها بعلّة هي أحسن من هذه. قال أبو محمد: قلت: أصلح اللّه الأمير، إن هذا يزعم أنك لو سألته لأجاب بأحسن مما أجبت به.
قال: فقد سألته: فقال الكسائيّ: لما نسبوا إلى الحصنين كانت فيه نونان، فقالوا: حصني اجتزاء بإحدى النونين عن الأخرى، ولم يكن في البحرين إلّا نون واحدة، فقالوا: بحراني. فقلت: أصلح اللّه الأمير! فكيف تنسب رجلا من بني جنّان فإنه يلزمه على قياسه أن يقول: جنّي إن في جنّان نونين، فإن قال ذلك فقد سوّى بينه وبين المنسوب إلى الجنّ.
قال: فقال لي المهدي وله: تناظرا في غير هذا حتى نسمع، فتناظرنا في مسائل حفظ فيها قولي وقوله إلى أن قلت له: كيف تقول: إن من خير القوم أو خيرهم نية زيد؟ قال: فأطال الفكر لا يجيب. فقلت: لأن تجيب فتخطىء فتتعلم أحسن من هذه الإطالة. فقال: إن من خير القوم أو خيرهم نية زيدا. قال: فقلت: أصلح اللّه الأمير، ما رضي أن يلحن حتى لحن وأحال. قال: وكيف؟ قلت: لرفعه قبل أن يأتي باسم إنّ، ونصبه بعد رفعه.
فقال شيبة بن الوليد: أراد بأو - بل، فرفع هذا معنى. فقال الكسائيّ: ما أردت غير ذلك فقلت: فقد أخطأ جميعا أيها الأمير. لو أراد بأو - بل رفع زيدا؛ لأنه لا يكون بل خيرهم زيدا، فقال المهديّ: يا كسائيّ، لقد دخلت عليّ مع مسلمة النحويّ وغيره، فما رأيت كما أصابك اليوم. قال: ثم قال: هذان عالمان، ولا يقضي بينهما إلّا أعرابيّ فصيح يلقى عليه المسائل الّتي اختلفا فيها فيجيب. قال: فبعث إلى فصيح من فصحاء الأعراب. قال أبو محمد، وأطرقت إلى أن يأتي الأعرابيّ، وكان المهديّ محبّا لأخواله، ومنصور بن يزيد بن منصور حاضر، فقلت: أصلح اللّه الأمير! كيف ينشد هذا البيت الّذي جاء في هذه الأبيات:
يأيها السائلي لأخبرهعمن بصنعاء من ذوي الحسب
حمير ساداتها تقر لهابالفضل طرّا جحاجح العرب
وإنّ من خيرهم وأكرمهمأو خيرهم نية أبو كرب
قال: فقال لي المهديّ: كيف تنشده أنت؟ فقلت: أو خيرهم نية أبو كرب على إعادة إنّ، كأنه قال: أو إنّ خيرهم نية أبو كرب. فقال الكسائيّ: هو واللّه قالها الساعة. قال، فتبسم المهديّ، وقال: إنك لتشهد له وما تدري. قال: ثم طلع الأعرابيّ الّذي بعث إليه فألقيت عليه المسائل، فأجاب فيها كلّها بقولي، فاستفزّني السرور حتى ضربت بقلنسيتي الأرض، وقلت: أنا أبو محمد. قال لي شيبة: أتتكنّي باسم الأمير؟ فقال المهديّ: واللّه ما أراد بذلك مكروها، ولكنه فعل ما فعل للظّفر، وقد - لعمري - ظفر. فقلت: إن اللّه - عزّ وجل - أنطقك أيها الأمير بما أنت أهله، وأنطق غيرك بما هو أهله.
قال: فلما خرجنا قال لي شيبة: أتخطّئني بين يدي الأمير؟ أما لتعلمنّ! قلت: قد سمعت ما قلت، وأرجو أن تجد غبّها، ثم لم أصبح حتى كتبت رقاعا عدة، فلم أدع ديوانا إلّا دسست إليه رقعة فيها أبيات قلتها فيه، فأصبح الناس يتناشدونها، وهي:
عش بجدّ ولا يضرّك نوكإنما عيش من ترى بالجدود
عش بجدّ وكن هبّنقه القيسيّ نوكا أو شيبة بن الوليد
شيب يا شيب يا جديّ بني القعقاع ما أنت بالحليم الرشيد
لا ولا فيك خلّة من خلالالخير أحرزتها لحزم وجود
غير ما أنك المجيد لتقطيع غناء وضرب دفّ وعود
فعلى ذا وذاك يحتمل الدهرمجيدا له وغير مجيد
قال: وقال أبو محمد اليزيديّ يهجو خلفا الأحمر أستاذ الكسائيّ، أنشدنيه عمي الفضل:
زعم الأحمر المقيت عليّوالّذي أمّه تقرّ بمقته
أنه علّم الكسائيّ نحوافلئن كان ذا كذاك فباسته
وبهذا الإسناد عن أبي محمد قال: أمر لي الرشيد بمال وحضر شخوصه إلى السّن، فأتيت عاصما الغسانيّ - وكان أثيرا عند يحي بن خالد - فقلت له: إن أمير المؤمنين قد أمر لي بمال، وقد حضر من شخوصه ما قد علمت، فأحبّ أن تذكّر أبا علي يحيى بن خالد أمره ليعجّله إليّ. فقال: نعم، ثم عدت بعد ذلك بيومين، فقال لي يتفخّم في لفظه: ما أصبت بحاجتك موضعا. قال: قلت فاجعلها منك - أكرمك اللّه - ببال.
فلما خرجت لحقني بعض من كان في المجلس، فقال لي: يا أبا محمد، إني لأربأ بك أن تأتي هذا الكلب أو تسأله حاجة، قلت: وكيف؟ قال: سمعته يقول - وقد ولّيت - لو أن بيدي دجلة والفرات ما سقيت هذا منهما شربة، فقيل له: ولم ذاك - أصلحك اللّه - فإن له قدرا وعلما؟ قال: لأنه من مضر، ما رأيت مضربا قطّ يحب اليمانيّة.
قال: فأحببت ألا أعجل، فعدت إليه من غد فقلت: هل كان منك - أكرمك اللّه - في الحاجة شي ء؟ فقال: واللّه لكأنك تطلبنا بدين فتحقّق عندي ما بلغني عنه، فقلت له: لا قضى اللّه هذه الحاجة على يدك، ولا قضى لي حاجة أبدا إن سألتكها، واللّه لا سلّمت عليك مبتدئا أبدا، ولا رددت عليك السّلام إن بدأتني به. ونفضت ثوبي وخرجت.
فإني لأسير وأفكر في الحيلة لحاجتي إذا براكب يركض حتى لحقني، فقال: بعثني إليك أبو علي يحيى بن خالد لتقف حتى يلحقك، فرجعت مع رسوله إليه فلقيته، وكان قريبا، فسلّمت عليه ثم سايرته، فقال لي: إن أمير المؤمنين أمرني أن آمرك بطلب مؤدّب لابنه صالح، فإني أحدّثك حديثا حدّثني به أبي خالد بن برمك: أنّ الحجاج بن يوسف أراد مؤدّبا لولده، فقيل له: ها هنا رجل نصرانيّ عالم، وها هنا مسلم ليس علمه كعلم النصرانيّ، قال: ادعوا لي المسلم.
فلما أتاه قال: ألا ترى يا هذا أنّا قد دللنا على نصرانيّ قد ذكروا أنه أعلم منك، غير أني كرهت أن أضمّ إلى ولدي من لا ينبّههم للصلاة عند وقتها، ولا يدلّهم على شرائع الإسلام ومعالمه؟ وأنت - إن كان لك عقل - قادر على أن تتعلم في اليوم ما يعلمه أولادي في جمعه، وفي الجمعة ما يعلّمهم في الشهر، وفي الشهر ما يعلمهم في سنة.
ثم قال لي يحيى: فينبغي يا أبا محمد أن نؤثر الدّين على ما سواه، فقلت له: قد أصبت من أرضاه، وذكرت له الحسن بن المسوّر، فضمه إليه ثم سألني: من أين أقبلت؟ فأخبرته بخبر عاصم وما كان منه، فقلت له: قد حضر هذا المسير، ولست أدري من أي وجه أتقاضاه؟ فضحك وقال: ولم لا تدري؟ الق صديقك جعفرا، يعني ابنه، حتى يكلم أمير المؤمنين أو يذكرني حاجتك، فقد تركته على المضي الساعة، فاثنيت إلى جعفر وقلت له في طريقي:
يا سائلي عما أخبّرهعن جعفر كرما وعن شيمه
إن ابن يحيى جعفرا رجلسيط السماح بلحمه ودمه
فعليه «لا» أبدا محرمةوكلامه وقف على نعمه
وترى مسابقه ليدركهبمكان حذو النعل من قدمه
فلما دخلت إليه أخبرته الخبر، وأنشدته الأبيات، وأعلمته ما أمرني به أبوه، فقال لي: قل بيتين تذكره فيهما إلى أن أجدّد طهرا واكتبهما حتى يكونا معي، فأذكر بهما حاجتك، فقلت: نعم يا سيدي، وأخذت الدواة وكتبت:
أحقّ من أنجز موعودهخليفة اللّه على خلقه
ومن له إرث نبيّ الهدىبالحق لا يدفع عن حقه
ينسب في الهدي إلى هديهبرّا وفي الصدق إلى صدقه
ومن له الطاعة مفروضةلائحة بالوحي في رقّه
والراتق الفتق العظيم الّذيلا يقدر الناس على رتقه
قال: فأخذ الشعر، ومضى إلى الرشيد في حاجتي وأقرأه إياه، فصكّ إليّ بالمال عليه، وقبضته بعد ذلك بيوم، وأنشأت أقول في الغسّانيّ:
ألا طرقت أسماء أم أنت حالم؟فأهلا بطيف زار والليل عاتم
إذا قيل أيّ الناس أعظم جفوةوألأم قيل الجرمقانيّ عاصم
دعيّ أجاءته إلى اللؤم دعوةومغرس سوء لؤمه متقادم
شهيدي على أن ليس حرّا صليبةصفيحة وجه ابن استها واللهازم
صفيحة دقّاق أبوه شبيههوجدّاه سمّاك لئيم وحاجم
أعاصم خلّ المكرمات لأهلهاوأغض على لؤم ووجهك سالم
فكيف تنال الدهر مجدا وسودداوفي كل يوم كوكب لك ناجم؟
وأصلك مدخول وفسقك ظاهروعجبك مهموز وعردك عارم
تصانع غسانا لتلحق فيهموربّ دعيّ ألحقته الدراهم
فإن راب ريب أو أصابتك شدةرجعت إلى شلتي وأنفك راغم
- قال: وكان اسم ابنه شلثي، فصيره صلتا -
إذا عاصما يوما أتيت لحاجةفلا تلقه إلّا وأيرك قائم
وعرّض له من قبل ذاك بأمردوضيء وسيم أثقلته المآكم
وإلّا فلا تسأله ما عشت حاجةولا تبكه إن أعولته المآتم
قال: فلما حدث ببني برمك ما حدث قبضت ضيعته في المقبوض من ضياع أسبابهم، فصار إليّ وكلّمني في «أمرها، وسألني كلام الجوهريّ في ذلك، فقمت له حتى ردت الضيعة عليه، فجاءني يشكرني، ويعتذر ممّا جرى من فعله المتقدم، فقلت له: تناس ما مضى، فلست ممن يكافىء على سوء أحدا.
قال أبو محمد: كان أبو عبيدة يجلس في مسجد البصرة إلى سارية، وكنت أنا وخلف الأحمر نجلس جميعا إلى أخرى، وكان أبو عبيدة من أعضه الناس للناس وأذكرهم لمثالبهم، فقال لأصحابه: أترون الأحمر واليزيديّ إنما يجتمعان على الوقيعة للناس وذكر مساويهم؟ وبلغني ذلك وأنه قد رمانا بمذهبه، فقلت لخلف: دعه، فأنا أكفيكه. فلما كان من الأذان جئت أنا وخلف إلى المسجد، فكتبت على الجصّ في الموضع الّذي كان يجلس فيه أبو عبيدة:
صلّى الإله على لوط وشيعتهأبا عبيدة قل باللّه آمينا
قال: وأصبح الناس، وجاء أبو عبيدة، فجلس وهو لا يعلم ما فوق رأسه مكتوبا وأقبل الناس ينظرون إلى البيت ويضحكون، ورفع أبو عبيدة رأسه ونظر إليه، فخجل، ولم يزل منكّسا رأسه حتى انصرف الناس وأنا وخلف ناحية ننظر إلى ما به، ثم قمنا حتى وقفنا عليه، فقلنا له: ما قال صاحب هذا البيت إلّا حقا، نعم فصلى اللّه على لوط، فأقبل عليّ وقال: قد علمت من أين أتيت، ولن أعاود التعرّض لتلك الجهة، ولم يعد لذكرنا بعد ذلك.
وقال أبو محمد: اعتللت علّة من حمى ربع طالت عليّ أشهرا، فجفاني يزيد بن منصور، ولم يمر بي في علتي، ولم يتفقدني كما ينبغي؛ فكتبت رقعة إليه ضمنتها هذه الأبيات:
قل للأمير الّذي يرجو نوافلهمن جاء طالبا للخير منتابا
إني صحبتك دهرا كلّ ذاك أرىمن دون خيرك حجّابا وأبوابا
وكم ضريك أجاءته شقاوتهإليك إذا أنشبت ضراؤها نابا
فما فتحت له بابا لميسرةولا سددت له من فاقة بابا
كغائب شاهد يخفى عليك كمامن غاب عنك فوافى حظّه غابا
فلما قرأها قال: جفونا أبا محمد؛ وأحوجناه إلى استبطائنا. واللّه المستعان، وبعث إليه بصلة.
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ أبو دلف قال: حدّثني محمد بن عبد الرحمن بن الفهم، وكان من أصحاب الأصمعيّ، قال: كان خلف الأحمر يعبث بأبي محمد اليزيديّ عبثا شديدا، وربما جدّ فيه وأخرجه مخرج المزح، فقال فيه ينسبه إلى اللّواط:
إني ومن وسج المطيّ لهحدب الذرى أذقانها رجف
يطرحن بالبيد السّحال إذاحثّ النجاء الركب وازدهفوا
والمحرمين لصوتهم زجلبفناء كعبته إذا هتفوا
وإذا قطعن مساف مهمهةقذف تعرّض دونها شرف
وافت بهم خوص محزّمةمثل القسيّ ضوامر شسف
منّي إليه غير ذي كذبما إن رأى قوم ولا عرفوا
في غابر الناس الذين بقواوالفرّط الماضين إذ سلفوا
أحدا كيحيى في الطعان إذا افترش القنا وتضعضع الحجف
في معرك يلقى الكميّ بهللوجه منبطحا وينحرف
وإذا أكبّ القرن ينبعهطعنا دوين صلاه ينخسف
للّه درّك أيّ ذي نزلفي الحرب إذ همّوا وإذ وقفوا
لا تخطىء الوجعاء ألّتهولا تصدّ إذا هم زحفوا
وله جياد لا يفرّطها الإحلال والمضمار والعلف
جرد يهان لها السّويق وألبان اللّقاح كأنها نزف
مرد وأطفال تخالهمدرّا تطابق فوقه الصّدف
فهم لديه يعكفون بهوالمرء منه اللّين واللطف
ومتى يشا يجنب له جذعنهد أسيل الخد مشترف
يمشي العرضنة تحت فارسهعبل الشوى في متنه قطف
ربذ إذا عرقت مغابنهذهب السكون وأقبل العنف
فأعدّ ذاك لسرجه ولهفي كل غادية لها عرف
في حقوه عرد تقدّمهصلعاء في خرطومها قلف
جرداء تشحذ بالبزاق إذادعيت نزال وهبّ مرتدف
أوفى على قيد الذراع شديد الجلز في يافوخه جوف
خاظ ممرّ متنه ضرملا خانه خور ولا قضف
عرد المجس بمتنه عجرفي جذره عن فخذه جنف
فلو أن فياضا تأملهنادى بجهد الويل يلتهف
وإذا تمسّحه لعادتهودنا الطعان فمدعس ثقف
وإذا رأى نفقا ربا ونزاحتى يكاد لعابه يكف
لا ناشئا يبقي ولا رجلافندا وهذا قلبه كلف
يا ليتني أدري أمنجيتيوجناء ناجية بها شدف
من أن تعلقني حبائلهأو أن يواري هامتي لجف
ولقد أقول حذار سطوتهإيها إليك توقّ يا خلف
ولو ان بيتك في ذرا علممن دون قلة رأسه شعف
زلق أعاليه وأسفلهوعر التنائف بيتها قذف
لخشيت عردك أن يبيّتنيأن لم يكن لي عنه منصرف
قال الأصمعيّ: فحدّثني شيخ من آل أبي سفيان بن العلاء أخي أبي عمرو بن العلاء قال: أنشدت قصيدة خلف الفائية هذه وأعرابي جالس يسمع، فلما سمع قوله:
فإذا أكب القرن أتبعهطعنا دوين صلاه ينخسف
قال الأعرابيّ: وأبيك لقد أحب أن يضعه في حاق مقيل ضرطته.
أخبرني هاشم بن محمد قال: حدّثني ابن الفهم قال: حدّثني الأصمعيّ قال: كنت مع خلف جالسا، فجرى كلام في شيء من اللغة، وتكلم فيه أبو محمد اليزيدي وجعل يشغب، فقال لي خلف: دعني من هذا يا أبا محمد، وأخبرني من الّذي يقول:
فإذا انتشأت فإننيرب الحريبة والرّميح
وإذا صحوت فإننيرب الدّويّة واللويح
يعرّض به أنه معلم، وأنه يلوط، فغضب اليزيدي، وقام فانصرف.
أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدّثني طلحة الخزاعيّ قال: حدّثني أبو سعيد عثمان بن يوسف الحنفيّ قال: غاضب أبو محمد اليزيديّ مواليه بني عدي رهط ذي الرمة من بني تميم لأمر استنهضهم فيه، فقعدوا عنه، فقال يهجوهم:
يأيها السائل عن قومنالمّا رأى بزّة أحبارهم
وحسن سمت منهم ظاهراإعلانهم ليس كإسرارهم
سائل بهم أحمر أو غيرهينبيك عن قومي وأخبارهم
قوم كرام ما عدا أنهمصولتهم منهم على جيرانهم
أسد على الجيران أعداؤهمآمنة تخطر في دارهم
لو جاءهم مقتبسا جارهمما قبسوه الدهر من نارهم
وقد وترناهم فلم نخش منينهض في سيره أو ثارهم
أحسن قوم لمواليهمإن أيسروا يوما لأيسارهم
شهادة الزور لهم عادةحقا بها قيمة أخبارهم
وما لهم مجد سوى مسجدبه تعدّوا فوق أطوارهم
لو هدم المسجد لم يعرفوايوما ولم يسمع بأخبارهم
أخبرني محمد بن العباس اليزيديّ قال: أخبرني عمي عبيد اللّه قال: حدّثني عمي إسماعيل وأخي أحمد قالا: لما بلغ المأمون وصار في حدّ الرجال أمرنا الرشيد أن نعمل له خطبة يقوم بها يوم الجمعة، فعملنا له خطبته المشهورة. وكان جهير الصوت حسن اللهجة، فلما خطب بها رقّت قلوب الناس، وأبكى من سمعه، فقال أبو محمد اليزيديّ:
لتهن أمير المؤمنين كرامةعليه بها شكر الإله وجوب
بأن وليّ العهد مأمون هاشمبدا فضله إذ قام وهو خطيب
ولما رماه الناس من كل جانببأبصارهم والعود منه صليب
رماهم بقول أنصتوا عجبا لهوفي دونه للسامعين عجيب
ولما وعت آذانهم ما أتى بهأنابت ورقّت عند ذاك قلوب
فأبكى عيون الناس أبلغ واعظأغرّ بطاحيّ النّجار نجيب
مهيب عليه للوقار سكينةجريء جنان لا أكعّ هيوب
ولا واجب فوق المنابر قلبهإذا ما اعترى قلب النجيب وجيب
إذا ما علا المأمون أعواد منبرفليس له في العالمين ضريب
تصدّع عنه الناس وهو حديثهمتحدّث عنه نازح وقريب
شبيه أمير المؤمنين حزامةإذا وردت يوما عليه خطوب
إذا طاب أصل في عروق مشاجهفأغصانه من طيبه ستطيب
فقل لأمير المؤمنين الّذي بهيقدّم عبد اللّه فهو أديب
كأن لم تغب عن بلدة كان والياعليها ولا التدبير منك يغيب
تتبع ما يرضيك في كل أمرهفسيرته شخص إليك حبيب
ورثتم بني العباس إرث محمدفليس لحيّ في التراث نصيب
وإني لأرجو يا بن عم محمدعطاياك والراجيك ليس يخيب
أثبني على المأمون وابني محمدانوالا فإياه بذاك تثيب
جناب أمير المؤمنين مباركلنا ولكل المؤمنين خصيب
لقد عمّهم جود الإمام فكلهمله في الّذي حازت يداه نصيب
صوت
فلما وصلت هذه الأبيات إلى الرشيد أمر لأبي محمد بخمسين ألف درهم، ولابنه محمد بن أبي محمد بمثله.
أخبرني عمي قال: حدثنا الفضل بن محمد اليزيديّ قال: حدّثني أخي أحمد عن أبيه قال: أستأذن أبو محمد الرشيد وهو بالرّقّة في الحجّ، فأذن له، فلما عاد أنشدنا لنفسه:
يا فرحتا إذ صرفنا أوجه الإبلإلى الأحبة بالإزعاج والعجل
نحثهن ولا يؤتين من دأبلكنّ للشوق حثا ليس للإبل
يا نائيا قربت منه وساوسهأمسى قرين الهوى والشوق والوجل
إن طال عهدك بالأحباب مغتربافإن عهدك بالتسهيد لم يطل
أما اشتفى الدهر من حرّان مختبلصبّ الفؤاد إلى حران مختبل
عش بالرجاء وأمّل قرب دارهملعل نفسك أن تبقى مع الأمل
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع