من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار دعبل بن عليّ ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو دعبل بن عليّ بن رزين بن سليمان بن تميم بن نهشل بن خداش بن خالد بن عبد بن دعبل بن أنس بن خزيمة بن سلامان بن أسلم بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر بن مزيقيا، ويكنى أبا علي.
شاعر متقدّم مطبوع هجاء خبيث اللسان، لم يسلم عليه أحد من الخلفاء ولا من وزرائهم ولا أولادهم ولا ذو نباهة، أحسن إليه أو لم يحسن، ولا أفلت منه كبير أحد.
وكان شديد التعصب على النّزارية للقحطانيّة، وقال قصيدة يردّ فيها على الكميت بن زيد، ويناقضه في قصيدته المذهبة الّتي هجا بها قبائل اليمن.
ألا حيّيت عنا يا مرينا
فرأى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في النوم، فنهاه عن ذكر الكميت بسوء.
وناقضه أبو سعد المخزوميّ في قصيدته وهجاه، وتطاول الشرّ بينهما، فخافت بنو مخزوم لسان دعبل وأن يعمّهم بالهجاء، فنفوا أبا سعد عن نسبهم، وأشهدوا بذلك على أنفسهم.
وكان دعبل من الشيعة المشهورين بالميل إلى علي صلوات اللّه عليه، وقصيدته.
مدارس آيات خلت من تلاوة
من أحسن الشعر وفاخر المدائح المقولة في أهل البيت، عليهم السّلام، وقصد بها أبا الحسن عليّ بن موسى الرّضا، عليه السّلام، بخراسان، فأعطاه عشرة آلاف درهم من الدراهم المضروبة باسمه، وخلع عليه خلعة من ثيابه، فأعطاه بها أهل قمّ ثلاثين ألف درهم، لم يبعها، فقطعوا عليه الطريق فأخذوها، فقال لهم: إنها إنما تراد للّه عزّ وجل، وهي محرّمة عليكم، فدفعوا إليه ثلاثين ألف درهم، فحلف ألّا يبيعها أو يعطوه بعضها ليكون في كفنه، فأعطوه فردكمّ، فكان في أكفانه.
وكتب قصيدته: «مدارس آيات» فيما يقال على ثوب، وأحرم فيه، وأمر بأن يكون في أكفانه. ولم يزل مرهوب اللسان وخائفا من هجائه للخلفاء، فهو دهره كلّه هارب متوار.
حدّثني إبراهيم بن أيوب قال: حدثنا عبد اللّه بن مسلم بن قتيبة قال: رأيت دعبل بن عليّ وسمعته يقول: أنا أحمل خشبتي على كتفي منذ خمسين سنة، لست أجد أحدا يصلبني عليها.
حدّثني عمي قال: حدثنا ميمون بن هرون قال: قال إبراهيم بن المهدي للمأمون قولا في دعبل يحرضه عليه، فضحك المأمون، وقال: إنما تحرضني عليه لقوله فيك:
يا معشر الأجناد لا تقنطواوارضوا بما كان ولا تسخطوا
فسوف تعطون حنينيّةيلتذها الأمرد والأشمط
والمعبديّات لقوّادكملا تدخل الكيس ولا تربط
وهكذا يرزق قوّادهخليفة مصحفه البربط
فقال له إبراهيم: فقد واللّه هجاك أنت يا أمير المؤمنين، فقال: دع هذا عنك فقد عفوت عنه في هجائه إياي لقوله هذا، وضحك. ثم دخل أبو عبّاد، فلما رآه المأمون من بعد قال لإبراهيم: دعبل يجسر على أبي عبّاد بالهجاء ويحجم عن أحد؟ فقال له: وكأنّ أبا عبّاد أبسط يدا منك يا أمير المؤمنين؟ قال لا، ولكنه حديد جاهل لا يؤمن، وأنا أحلم وأصفح. واللّه ما رأيت أبا عبّاد مقبلا إلّا أضحكني قول دعبل فيه:
أولى الأمور بضيعة وفسادأمر يدبّره أبو عبّاد
وكأنه من دير هزقل مفلتحرد يجرّ سلاسل الأقياد
أخبرني الحسن بن علي الخفّاف قال: حدّثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدّثني أبي قال: أخبرني دعبل بن عليّ قال: قال لي أبي عليّ بن رزين: ما قلت شيئا من الشعر قطّ إلّا هذه الأبيات:
خليليّ ماذا أرتجي من غد امرىءطوى الكشح عنّي اليوم وهو مكين
وإن امرأ قد ضنّ منه بمنطقيسدّ به فقر امرىء لضنين
وبيتين آخرين وهما:
أقول لمّا رأيت الموت يطلبنييا ليتني درهم في كيس ميّاح
فياله درها طالت صيانتهلا هالك ضيعة يوما ولا ضاح
أخبرني عليّ بن صالح بن الهيثم الكاتب قال: حدّثني أبو هفّان قال: قال لي دعبل قال لي أبو زيد الأنصاريّ: ممّ اشتق دعبل؟ قلت: لا أدري، قال: الدّعبل: الناقة الّتي معها ولدها.
أخبرني محمد بن عمران الصّيرفيّ قال: حدّثني العنزي قال: حدّثني محمد بن أيوب قال: دعبل اسمه محمد وكنيته أو جعفر، ودعبل: لقب لقّب به.
وحدّثني بعض شيوخنا عن أبي عمرو الشيبانيّ قال: الدّعبل: البعير المسنّ.
أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدّثني محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: سمعت حذيفة بن الطائيّ يقول: الدّعبل: الشيء القديم. قال ابن مهرويه: سمعت أبي يقول: ختم الشعر بدعبل، قال: وقال أبي: كان أبو محلّم يقول: ختم الشعر بعمارة بن عقيل.
أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدّثنا ابن مهرويه قال: سمعت أبي يقول: لم يزل دعبل عند الناس جليل القدر حتى ردّ على الكميت بن زيد:
ألا حيّيت عنا يا مرينا
فكان ذلك مما وضعه. قال: وقال: فيه أبو سعد المخزوميّ:
وأعجب ما سمعنا أو رأيناهجاء قاله حيّ لميت
وهذا دعبل كلف معنّىبتسطير الأهاجي في الكميت
وما يهجو الكميت وقد طواه الردى إلّا ابن زانية بزيت
أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال: حدّثني محمد بن زيد قال: حدّثني دعبل قال: كنت جالسا مع بعض أصحابنا ذات يوم، فلما قمت سأل رجل لم يعرفني - أصحابنا عنّي، فقالوا: هذا دعبل، فقال: قولوا في جليسكم خيرا، كأنه ظن اللقب شتما.
أخبرني عليّ بن سليمان قال: حدّثني محمد بن يزيد قال: حدّثني دعبل قال: صرع مجنون مرة فصحت في أذنه: دعبل، ثلاث مرات، فأفاق.
وأخبرني بهذين الخبرين الحسن بن علي عن ابن مهرويه عن محمد بن يزيد عن دعبل - وزاد فيه: قال دعبل: وصرع مرة مجنون بحضرتي فصحت به: دعبل، ثلاث مرات فأفاق من جنونه.
أخبرني محمد بن عمران الصّيرفيّ أبو أحمد قال: حدّثنا الحسن بن عليل العنزي قال: حدّثني عليّ بن عمرو بن شيبان قال: حدّثني أبو خالد الخزاعيّ الأسلميّ، قال العنزيّ: وقد كتبت عن أبي خالد أشياء كثيرة ولم أكتب عنه هذا الخبر، قال: كان سبب خروج دعبل بن عليّ من الكوفة أنه كان يتشطّر ويصحب الشّطار، فخرج هو ورجل من أشجع فيما بين العشاء والعتمة، فجلسا على طريق رجل من الصيارفة، وكان يروح كلّ ليلة بكيسه إلى منزله، فلما طلع مقبلا إليهما وثبا إليه فجرحاه، وأخذا ما في كمّه، فإذا هي ثلاث رمانات في خرقة، ولم يكن كيسه ليلتئذ معه، ومات الرجل مكانه، واستتر دعبل وصاحبه، وجدّ أولياء الرجل في طلبهما، وجدّ السلطان في ذلك، فطال على دعبل الاستتار، فاضطر إلى أن هرب من الكوفة. قال أبو خالد: فما دخلها حتى كتبت إليه أعلمه أنه لم يبق من أولياء الرجل أحد.
أخبرني محمد بن عمران قال: حدّثني أبو خالد الخزاعيّ الأسلميّ قال: قلت لدعبل: ويحك! قد هجوت الخلفاء والوزراء والقوّاد ووترت الناس جميعا، فأنت دهرك كلّه شريد طريد هارب خائف، فلو كففت عن هذا وصرفت هذا الشرّ عن نفسك! فقال: ويحك؟ إني تأملت ما تقول، فوجدت أكثر الناس لا ينتفع بهم إلّا على الرهبة، ولا يبالي بالشاعر وإن كان مجيدا إذا لم يخف شرّه، ولمن يتقيك على عرضه أكثر ممن يرغب إليك في تشريفه. وعيوب الناس أكثر من محاسنهم، وليس كلّ من شرّفته شرف، ولا كلّ من وصفته بالجود والمجد والشجاعة ولم يكن ذلك فيه انتفع بقولك، فإذا رآك قد أوجعت عرض غيره وفضحته - اتقاك على نفسه وخاف من مثل ما جرى على الآخر. ويحك، يا أبا خالد إن الهجاء المقذع آخذ بضبع الشاعر من المديح المضرع. فضحكت من قوله، وقلت: هذا واللّه مقال من لا يموت حتف أنفه.
أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدّثني الحمدويّ الشاعر قال: سمعت دعبل بن عليّ يقول: أنا ابن قولي:
لا تعجبي يا سلم من رجلضحك المشيب برأسه فبكى
وسمعت أبا تمام يقول: أنا ابن قولي:
نقّل فؤادك حيث شئت من الهوىما الحبّ إلّا للحبيب الأول
قال الحمدوي: وأنا ابن قولي في الطيلسان:
طال ترداده إلى الرّقو حتىلو بعثناه وحده لتهدّي
قال الحمدويّ: معنى قولنا: أنا ابن قولي، أي أني به عرفت.
أخبرني عليّ بن صالح قال: حدّثني أبو هفّان قال: قال مسلم بن الوليد:
مستعير يبكي على دمنةورأسه يضحك فيه المشيب
فسرقه دعبل، فقال:
لا تعجبي يا سلم من رجلضحك المشيب برأسه فبكى
فجاء به أجود من قول مسلم، فصار أحقّ به منه.
قال أبو هفّان: فأنشدت يوما بعض البصريين الحمقى قول دعبل.
ضحك المشيب برأسه فبكى
فجاءني بعد أيام، فقال: قد قلت أحسن من البيت الّذي قاله دعبل، فقلت له: وأيّ شيء قلت؟ فتمنّع ساعة، ثم قال: قلت:
قهقه في رأسك القتير
أخبرني بهذه الحكاية الحسن بن علي عن ابن مهرويه عن أبي هفّان، قال: ذكر نحوه، وزاد فيه ابن مهرويه وحدّثني الحمدوي قال: سمع رجل قول المأمون:
قبّلته من بعيدفاعتلّ من شفتيه
فقال:
رقّ حتى تورّمت شفتاهإذ توهمت أن أقبّل فاه
أخبرني عليّ بن الحسن قال: حدّثني ابن مهرويه قال: حدّثني أبو ناجية - وزعم أنه من ولد زهير بن أبي سلمى - قال: كنت مع دعبل في شهرزور، فدعاه رجل إلى منزله وعنده قينة محسنة فغنّت الجارية بشعر دعبل:
أين الشباب وأية سلكا؟لا، أين يطلب؟ ضلّ، بل هلكا
قال: فارتاح دعبل لهذا الشعر قال: قد قلت هذا الشعر منذ سبعين سنة.
نسبة هذا الصوت
صوت
أين الشباب وأية سلكا؟لا، أين يطلب؟ ضل، بل هلكا
لا تعجبي يا سلم من رجلضحك المشيب برأسه فبكى
يا ليت شعري كيف نومكمايا صاحبي إذا دمي سقكا
لا تأخذوا بظلامتي أحداقلبي وطرفي في دمي اشتركا
قال: والغناء لأحمد بن المكيّ، ثقيل أول بالوسطى مطلق.
أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدّثنا ابن مهرويه قال: حدّثني أبو المثنّى أحمد بن يعقوب بن أخت أبي بكر الأصمّ قال: كنا في مجلس الأصمعيّ، فأنشده رجل لدعبل قوله:
لا تعجبي يا سلم من رجلضحك المشيب برأسه فبكى
فاستحسناه، فقال الأصمعي: إنما سرقه من قول الحسين بن مطير الأسديّ:
أين أهل القباب بالدهناء؟أين جيراننا على الأحساء
فارقونا والأرض ملبسة نور الأقاحي تجاد بالأنواء
كلّ يوم بأقحوان جديدتضحك الأرض من بكاء السماء
أخبرني أحمد بن العباس العسكريّ قال: حدّثني الحسن بن عليل العنزيّ قال: حدّثني أحمد بن خالد قال: كنا يوما بدار صالح بن عليّ من عبد القيس ببغداد، ومعنا جماعة من أصحابنا، فسقط على كنينة في سطحه - ديك طار من دار دعبل، فلما رأيناه قلنا هذا صيدنا، فأخذناه. فقال صالح: ما نصنع به؟ قلنا: نذبحه، فذبحناه، وشويناه. وخرج دعبل فسأل عن الديك فعرف أنه سقط في دار صالح، فطلبه منا، فجحدناه، وشربنا يومنا. فلما كان من الغد خرج دعبل فصلّى الغداة، ثم جلس على المسجد، وكان ذلك المسجد مجمع الناس، يجتمع فيه جماعة من العلماء، وينتابهم الناس، فجلس دعبل على المسجد وقال:
أسر المؤذّن صالح وضيوفهأسر الكميّ هفا خلال الماقط
بعثوا عليه بنيهم وبناتهممن بين ناتفة وآخر سامط
يتنازعون كأنهم قد أوثقواخاقان أو هزموا كتائب ناعط
نهشوه فانتزعت له أسنانهموتهشمت أقفاؤهم بالحائط
قال: فكتبها الناس عنه ومضوا، فقال لي أبي وقد رجع إلى البيت: ويحكم، ضاقت عليكم المآكل، فلم تجدوا شيئا تأكلونه سوى ديك دعبل؟ ثم أنشدنا الشعر، وقال لي: لا تدع ديكا ولا دجاجة تقدر عليه إلّا اشتريته، وبعثت به إلى دعبل، وإلّا وقعنا في لسانه، ففعلت ذلك. قال وناعط قبيلة من همدان ومجالد بن سعيد ناعطيّ قال: وأصله جبل نزلوا به، فنسبوا إليه.
أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدّثني ابن مهرويه قال: حدّثني أحمد بن أبي كامل قال: كان دعبل ينشدني كثيرا هجاء قاله، فأقول له: فيمن هذا؟ فيقول ما استحقه أحد بعينه بعد، وليس له صاحب، فإذا وجد على رجل جعل ذلك الشعر فيه، وذكر اسمه في الشعر.
وقد أخبرني الحسن بن عليّ عن ابن مهرويه عن أحمد بن أبي كامل بهذا الخبر بعينه، وزاد فيه - فيما ذكر ابن أبي كامل - أنه كان عند صالح هذا في يوم أخذه ديك دعبل، قال: وهو صالح بن بشر بن صالح بن الجارود العبديّ.
أخبرني محمد بن عمران قال حدّثني العنزيّ قال حدّثني أحمد بن محمد بن أبي أيوب قال:
أبا نضير تحلحل عن مجالسنافإنّ فيك لمن جاراك منتقصا
أنت الحمار حرونا إن وقعت بهوإن قصدت إلى معروفه قمصا
إني هززتك لا آلوك مجتهدالو كنت سيفا ولكني هززت عصا
قال: فشكاه أبو نضير إلى أبي تمام الطائيّ، واستعان به عليه، فقال أبو تمام يجيب دعبلا عن قوله، ويهجوه ويتوعده:
أدعبل إن تطاولت اللياليعليك فإن شعري سمّ ساعه
وما وفد الشيب عليك إلّابأخلاق الدناءة والضّراعه
ووجهك إن رضيت به نديمافأنت نسيج وحدك في الرّقاعه
ولو بدّلته وجها بوجهلما صلّيت يوما في جماعه
ولكن قد رزقت به سلاحالو استعصيت ما أعطيت طاعه
مناسب طيّىء قسمت فدعهافليست مثل نسبتك المشاعه
وروّح منكبيك فقد أعيداحطاما من زحامك في خزاعه
قال العنزيّ: يقول إنك تزاحم خزاعة، تدّعي أنك منهم ولا يقبلونك.
أخبرني محمد بن عمران قال حدّثني العنزيّ قال: حدّثني محمد بن أحمد بن أيوب قال: تعرّض الخاركيّ النصري - وهو رجل من الأزد - لدعبل بن عليّ فهجاه، وسبّه، فقال فيه دعبل:
وشاعر عرّض لي نفسهلخارك آباؤه تنمي
يشتم عرضي عند ذكري وماأمسى ولا أصبح من همي
فقلت لا بل حبذا أمّهخيّرة طاهرة علمي
أكذب واللّه على أمهككذبه كان على أمي
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا ابن مهرويه قال حدّثني إبراهيم بن المدبّر قال: لقيت دعبل بن عليّ، فقلت له: أنت أجسر الناس عندي وأقدمهم حيث تقول:
إني من القوم الذين سيوفهمقتلت أخاك وشرّفتك بمقعد
رفعوا محلك بعد طول خمولهواستنقذوك من الحضيض الأوهد
فقال: يا أبا إسحاق، أنا أحمل خشبتي منذ أربعين سنة، فلا أجد من يصلبني عليها.
أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال: حدّثنا محمد بن يزيد قال: قال دعبل بن عليّ يرثي ابن عم له من خزاعة نعي إليه، قال محمد بن يزيد: ولقد أحسن فيها ما شاء:
كانت خزاعة ملء الأرض ما اتسعتفقصّ مرّ الليالي من حواشيها
هذا أبو القاسم الثاوي ببلقعةتسقي الرياح عليه من سواقيها
هبّت وقد علمت أن لا هيوب بهوقد تكون حسيرا إذ يباريها
أضحى قرّى للمنايا إذ نزلن بهوكان في سالف الأيام يقربها
حدّثني الحسن بن مهرويه عن أبيه، فذكر أن المنعيّ إلى دعبل أبو القاسم المطّلب بن عبد اللّه بن مالك، وأنه نعي إلى دعبل، وكان هو بالجبل، فرثاه بهذه الأبيات.
أخبرني الأخفش قال: حدّثنا محمد بن يزيد، قال: بلغ إسماعيل بن جعفر بن سليمان أن دعبلا هجاه، فتوعده بالمكروه وشتمه، وكان إسماعيل بن جعفر على الأهواز، فهرب من زيد بن موسى بن جعفر بن محمد لما ظهر وبيّض في أيام أبي السرايا، فقال دعبل بن علي يعيّر إسماعيل بذلك:
لقد خلّف الأهواز من خلف ظهرهيريد وراء الزاب من أرض كسكر
يهوّل إسماعيل بالبيض والقناوقد فرّ من زيد بن موسى بن جعفر
وعاينته في يوم خلّى حريمهفيا قبحها منه ويا حسن منظر
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا ابن مهرويه قال حدّثني ابن الأعرابيّ عن أبي خالد الأسلميّ قال: كان دعبل بن عليّ الخزاعيّ بالكوفة يتشطر وهو شابّ، وكانت له شعرة جعدة، وكان يدهنها ويرجّلها حتى تكاد تقطر دهنا، وكان يصلت على الناس بالليل، فقتل رجلا صيرفيا، وظن أن كيسه معه، فوجد في كمه رمّانا، فهرب من الكوفة، وكنت إذا رأيت دعبلا يمشي رأيت الشطارة في مشيته وتبختره.
أخبرني الحسن قال: حدّثنا ابن مهرويه قال: حدّثني الحسن بن أبي السّريّ قال: كان عمير الكاتب أقبح الناس وجها، فلقي دعبلا يوما بكرة وقد خرج لحاجة له، فلما رآه دعبل تطيّر من لقائه، فقال فيه:
خرجت مبكرا من سرّ من راأبادر حاجة فإذا عمير
فلم أثن العنان وقلت أمضيفوجهك يا عمير خزا وخير
أخبرني الحسن قال حدثنا ابن مهرويه قال: حدّثني الحسن بن أبي السّرميّ قال حدّثني دعبل قال: مدحت عبد الرحمن بن خاقان، وطلبت منه برذونا، فبعث إلى ببرذون غامز، فكتبت إليه:
حملت على قارح غامزفلا للركوب ولا للثمن
حملت على زمن ظالعفسوف تكافا بشكر زمن
فبعث إليّ ببرذون غيره فاره بسرجه ولجامه، وألفي درهم.
قال ابن مهرويه وحدّثني إسحاق بن إبراهيم العكبريّ عن دعبل أنه مدح يحيى بن خاقان، فبعث إليه بهذا البرذون.
أخبرني الحسن قال: حدثنا ابن مهرويه قال: قال الحسين بن دعبل: كان أبي يختلف إلى الفضل بن العباس بن جعفر بن محمد بن الأشعث، وهو خرّجه وفهمّه وأدّبه، فظهر له منه جفاء، وبلغه أنه يعيبه ويذكره، وينال منه، فقال يهجوه:
يا بؤس للفضل لو لم يأت ما عابهيستفرغ السم من صماء قرضابه
ما إن يزال وفيه العيب يجمعهجهلا لأعراض أهل المجد عيّابه
إن عابني لم يعب إلّا مؤدّبهونفسه عاب لما عاب أدّابه
فكان كالكلب ضرّاه مكلّبهلصيده فعدا فاصطاد كلّابه
أخبرني الحسن قال: حدثنا ابن مهرويه قال: حدّثني أبو جعفر العجليّ قال: كان أحمد بن دواد يطعن على دعبل بحضرة المأمون والمعتصم، ويسبه تقربا إليهما لهجاء دعبل إياهما، وتزوج أبي ابن دواد امرأتين من بني عجل في سنة واحدة، فلما بلغ ذلك دعبلا قال يهجوه:
غصبت عجلا على فرجين في سنةأفسدتهم ثم ما أصلحت من نسبك
ولو خطبت إلى طوق وأسرتهفزوجوك لما زادوك في حسبك
نك من هويت ونل ما شئت من نشبأنت ابن زرياب منسوبا إلى نشبك
إن كان قوم أراد اللّه خزيهمفزوجوك ارتغابا منك في ذهبك
فذاك يوجب أن النبع تجمعهإلى خلافك في العيدان أو غربك
ولو سكتّ ولم تخطب إلى عربلما نبشت الّذي تطويه من سببك
عدّ البيوت الّتي ترضى بخطبتهاتجد فزارة العكليّ من عربك
قال: فلقيه فزارة العكليّ، فقال له: يا أبا عليّ، ما حملك على ذكرى حتى فضحتني، وأنا صديقك؟ قال: يا أخي واللّه ما اعتمدتك بمكروه، ولكن كذا جاءني الشعر لبلاء صبه اللّه عزّ وجل عليك لم أعتمدك به.
أخبرني جعفر بن قدامة قال: حدّثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال: حدّثني أبو خالد الأسلميّ الكوفيّ قال: اجتمعت مع دعبل في منزل بعض أصحابنا، وكانت عنده جارية مغنّية صفراء مليحة حسنة الغناء، فوقع لها العبث بدعبل والعنت والأذى له، ونهيناها عنه، فما انتهت، فأقبل علينا فقال: اسمعوا ما قلت في هذه الفاجرة، فقلنا: هات، فقد نهيناها عنك، فلم تنته، فقال:
تخضب كفّا قطعت من زندهافتخضب الحّناء من مسودّها
كأنها والكحل في مرودهاتكحل عينيها ببعض جلدها
أشبه شيء أستها بخدّها
قال: فجلست الجارية تبكي، وصارت فضيحة، واشتهرت بالأبيات، فما انتفعت بنفسها بعد ذلك.
أخبرني جعفر بن قدامة قال: حدّثني هارون قال: حدّثني أبي وخالد قالا: كان دعبل قد جنى جناية بالكوفة وهو غلام، فأخذه العلاء بن منظور الأسديّ، وكان على شرطة الكوفة من قبل موسى بن عيسى، فحبسه، فكلمه في عمّه سليمان بن رزين، فقال: أضربه أنا خير من أن يأخذه غريب فيقطع يده، فلعله أن يتأدب بضربي إياه، ثم ضربه ثلاثمائة سوط، فخرج من الكوفة، فلم يدخلها بعد ذلك إلّا عزيزا.
أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدّثني أحمد ابن أبي كامل قال: كان دعبل يخرج فيغيب سنين، يدور الدنيا كلّها، ويرجع وقد أفاد وأثري. وكانت الشّراة والصعاليك يلقونه فلا يؤذونه، ويؤاكلونه ويشاربونه ويبرونه، وكان إذ لقيهم وضع طعامه وشرابه، ودعاهم إليه، ودعا بغلاميه ثقيف وشعف، وكانا مغنيين، فأقعدهما يغنيان، وسقاهم وشرب معهم، وأنشدهم، فكانوا قد عرفوه، وألفوه لكثرة أسفاره، وكانوا يواصلونه ويصلونه. وأنشدني دعبل بن علي لنفسه في بعذ أسفاره:
حللت محلا يقصر البرق دونهويعجز عنه الطيف أن يتجشما
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال: قال لي البحتريّ: دعبل بن عليّ أشعر عندي من مسلم بن الوليد، فقلت له: وكيف ذلك؟ قال: لأن كلام دعبل أدخل في كلام العرب من كلام مسلم، ومذهبه أشبه بمذاهبهم. وكان يتعصب له.
أخبرني الحسن قال: حدثنا ابن مهرويه قال: حدثنا الفضل بن الحسن بن موسى البصريّ قال: بات دعبل ليلة عند صديق له من أهل الشأم، وبات عندهم رجل من أهل بيت لهياني يقال له حويّ بن عمرو السّككيّ جميل الوجه، فدبّ إليه صاحب البيت، وكان شيخا كبيرا فانيا قد أتى عليه حين، فقال فيه دعبل:
لو لا حوى لبيت لهيانيما قام أير العزب الفاني
له دواة في سراويلهيليقها النازح والداني
قال: وشاع هذان البيتان، فهرب حويّ من ذلك البلد، وكان الشيخ إذا رأى دعبلا سبّه، وقال: فضحتني أخزاك اللّه.
أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدّثني ابن مهرويه قال: حدّثني محمد بن الأشعث قال: سمعت دعبلا يقول: ما كانت لأحد قطّ عندي منّة إلّا تمنيت موته.
أخبرني الحسن قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثنا محمد بن عمر الجرجانيّ قال: دخل دعبل بن عليّ الرّيّ في أيام الربيع، فجاءهم ثلج لم يروا مثله في الشتاء، فجاء شاعر من شعرائهم فقال شعرا، وكتبه في رقعة هو:
جاءنا دعبل بثلج من الشعر فجادت سماؤنا بالثلوج
نزل الرّيّ بعد ما سكن البرد وقد أينعت رياض المروج
فكسانا ببرده لا كساه اللّه ثوبا من كرسف محلوج
قال: فألقي الرقعة في دهليز دعبل، فلما قرأها ارتحل عن الرّيّ.
أخبرني محمد بن عمران قال: حدثنا العنزيّ قال: حدّثنا أبو خالد الأسلميّ قال: عرضت لدعبل حاجة إلى صالح بن عطية الأضجم، فقصّر عنها، ولم يبلغ ما أحبّه دعبل فيها، فقال يهجوه:
أحسن ما في صالح وجههفقس على الغائب بالشاهد
تأملت عيني له خلقةتدعو إلى تزنية الوالد
فتحمل عليه صالح بي وبجماعة من إخوانه حتى كف عنه، وعرض عليه قضاء الحاجة، فأباها.
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثني أبي قال: فخر قوم من خزاعة على دعبل بن عليّ يقال لهم: بنو مكلّم الذئب، وكان جدّهم جاء إلى النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - فحدّثه أن الذئب أخذ من غنمه شاة فتبعه، فلما غشيه بالسيف قال له: ما لي ولك تمنعني رزق اللّه؟ قال فقلت: يا عجبا لذئب يتكلم! فقال: أعجب منه أن محمدا نبي قد بعث بين أظهركم وأنتم لا تتبعونه، فبنوه يفخرون بتكليم الذئب جدّهم، فقال دعبل بن عليّ يهجوهم:
تهتم علينا بأنّ الذئب كلمكمفقد لعمري أبوكم كلّم الذيبا
فكيف لو كلّم الليث الهصور إذاأفنيتم الناس مأكولا ومشروبا
هذا السّنيدي لا أصل ولا طرفيكلّم الفيل تصعيدا وتصويبا
حدّثني الحسن بن عليّ قال حدّثني ابن مهرويه قال حدّثني أبي قال: كان دعبل قد مدح محمد بن عبد الملك الزيات، فأنشده ما قاله فيه، وفي يده طومار قد جعله على فمه كالمتكىء عليه وهو جالس، فلما فرغ أمر له بشيء لم يرضه، فقال: يهجوه:
يا من يقلّب طومارا ويلثمهماذا بقلبك من حبّ الطوامير
فيه مشابه من شيء تسرّ بهطولا بطول وتدويرا بتدوير
لو كنت تجمع أموالا كجمعكهاإذا جمعت بيوتا من دنانير
أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدثنا ابن مهرويه قال: حدّثني أبي قال: نزل دعبل بحمص على قوم من أهلها، فبرّوه ووصلوه سوى رجلين منهم يقال لأحدهما: أشعث وللآخر أبو الصّناع، فارتحل من وقته من حمص وقال فيهما يهجوهما:
إذا نزل الغريب بأرض حمصرأيت عليه عزّ الإمتناع
سموّ المكرمات بآل عيسىأحلّهم على شرف التّلاع
هناك الخزّ يلبسه المغاليوعيسى منهم سقط المتاع
فسدّد لاست أشعث أير بغلوآخر في حر أمّ أبي الصناع
فليس بصانع مجدا ولكنأضاع المجد فهو أبو الضياع
أخبرني الحسن قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه عن الحسين بن دعبل قال: قال أبي في الفضل بن مروان:
نصحت فأخلصت النصيحة للفضلوقلت فسيّرت المقالة في الفضل
ألا إنّ في الفضل بن سهل لعبرةإن اعتبر الفضل بن مروان بالفضل
وللفضل في الفضل بن يحيى مواعظإذا فكّر الفضل بن مروان في الفضل
فأبق جميلا من حديث تفز بهولا تدع الإحسان والأخذ بالفضل
فإنك قد أصبحت للملك قيّماوصرت مكان الفضل والفضل والفضل
ولم أر أبياتا من الشّعر قبلهاجميع قوافيها على الفضل والفضل
وليس لها عيب إذا هي أنشدتسوى أن نصحي الفضل كان من الفضل
فبعث إليه الفضل بن مروان بدنانير، وقال له: قد قبلت نصحك، فاكفني خيرك وشرّك.
حدّثني عمي قال: حدّثني ميمون بن هارون قال: حدّثني أبو الطيّب الحرّانيّ قال: أنشد رجل دعبل بن عليّ شعرا له، فجعل يعيبه وينبّهه على خطئه فيه بيتا بيتا، ويقول: أيّ شيء صنعت بنفسك! ولم تقول الشعر إذا لم تقدر إلّا على مثل هذا منه؟ إلى أن مرّ له بيت جيد، فقال دعبل: أحسنت، أحسنت ما شئت. فقال له يا أبا عليّ: أتقول لي هذا بعد ما مضى؟ فقال له: يا حبيبي لو أنّ رجلا ضرط سبعين ضرطة ما كان بمنكر أن يكون فيها دستنبوية واحدة.
أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدثنا ابن مهرويه قال حدّثني محمد بن حاتم المؤدّب قال: قيل للمأمون: إن دعبل بن عليّ قد هجاك، فقال: وأيّ عجب في ذاك؟ هو يهجو أبا عبّاد ولا يهجوني أنا! ومن أقدم على جنون أبي عباد أقدم على حلمي، ثم قال للجلساء: من كان منكم يحفظ شعره في أبي عبّاد فلينشدنيه، فأنشده بعضهم:
أولى الأمور بضيعة وفسادأمر يدبّره أبو عبّاد
خرق على جلسائه فكأنهمحضروا لملحمة ويوم جلاد
يسطو على كتابه بدواتهفمضمّخ بدم ونضح مداد
وكأنه من دير هزقل مفلتحرد يجر سلاسل الأقياد
فاشدد أمير المؤمنين وثاقهفأصحّ منه بقيّة الحداد
قال: وكان بقية هذا مجنونا في المارستان، فضحك المأمون. وكان إذا نظر إلى أبي عبّاد يضحك، ويقول لمن يقرب منه: واللّه ما كذب دعبل في قوله.
حدّثني جحظة عن ميمون بن هارون فذكر مثله أو قريبا منه.
أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار ومحمد بن أحمد الحكيم قالا: حدثنا أنس ابن عبد اللّه النبهانيّ قال: حدّثني عليّ بن المنذر قال: حدّثني عبد اللّه بن سعيد الأشقريّ قال: حدّثني دعبل بن عليّ قال: لما هربت من الخليفة بتّ ليلة بنيسابور وحدي، وعزمت على أن أعمل قصيدة في عبد اللّه بن طاهر في تلك الليلة، فإني لفي ذلك إذ سمعت والباب مردود عليّ: السّلام عليكم ورحمة اللّه، انج يرحمك اللّه، فاقشعرّ بدني من ذلك، ونالني أمر عظيم، فقال لي: لا ترع عافاك اللّه؛ فإني رجل من إخوانك من الجن من ساكني اليمن طرأ إلينا طارىء من أهل العراق فأنشدنا قصيدتك:
مدارس آيات خلت من تلاوةومنزل وحي مقفر العرصات
فأحببت أن أسمعها منك، قال فأنشدته إياها، فبكى حتى خرّ، ثم قال: رحمك اللّه! ألا أحدثك حديثا يزيد في نيّتك ويعينك على التمسك بمذهبك؟ قلت: بلى قال: مكثت حينا أسمع بذكر جعفر بن محمد عليه السّلام، فصرت إلى المدينة فسمعته يقول: حدّثني أبي عن أبيه عن جده أن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - قال: عليّ وشيعته هم الفائزون، ثم ودّعني لينصرف، فقلت له: يرحمك اللّه، إن رأيت أن تخبرني باسمك فافعل، قال: أنا ظبيان بن عامر.
أخبرني الحسين بن القاسم الكوكبيّ قال: حدّثني إسحاق بن محمد النخعيّ وأخبرني به الحليمي عن يعقوب بن إسرائيل عن إسحاق النخعيّ قال: كنت جالسا مع دعبل بالبصرة وعلى رأسه غلامه ثقيف، فمرّ به أعرابي يرفل في ثياب خزّ، فقال لغلامه: ادع لي هذا الأعرابيّ، فأومأ الغلام إليه، فجاء، فقال له دعبل: ممن الرجل؟ قال: من بني كلاب. قال: من أيّ ولد كلاب أنت؟ قال: من ولد أبي بكر، فقال دعبل: أتعرف القائل:
ونبئت كلبا من كلاب يسبنيومحض كلاب يقطع الصلوات
فإن أنا لم أعلم كلابا بأنهاكلاب وأني باسل النّقمات
فكان إذا من قيس عيلان والديوكانت إذا أمي من الحبطات
قال: وهذا الشعر لدعبل يقوله في عمرو بن عاصم الكلابيّ، فقال الأعرابي: ممن أنت؟ فكره أن يقول له من خزاعة فيهجوهم، فقال: أنا أنتمي إلى القوم الذين يقول فيهم الشاعر:
أناس عليّ الخير منهم وجعفروحمزة والسّجّاد ذو الثّفنات
إذا فخروا يوما أتوا بمحمدوجبريل والفرقان والسّورات
فوثب الأعرابي وهو يقول: مالي إلى محمد وجبريل والفرقان والسورات مرتقى.
أخبرني الكوكبي قال حدّثني ابن عبدوس قال: سأل دعبل نصر بن منصور بسّام حاجة، فلم يقضها لشغل عرض له دونها، فقال يهجو بني بسام:
حواجب كالحبال سودإلى عشانين كالمخالي
وأوجه جهمة غلاظعطل من الحسن والجمال
أخبرني الكوكبيّ قال حدّثني ميمون بن هارون قال: لما ولّى أحمد بن أبي خالد الوزارة في أيام المأمون قال دعبل بن علي يهجوه:
وكان أبو خالد مرّةإذا بات متّخما عاقدا
يضيق بأولاده بطنهفيخراهم واحدا واحدا
فقد ملأ الأرض من سلحهخنافس لا تشبه الوالدا
أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثنا أبو ناجية قال: كان المعتصم يبغض دعبلا لطول لسانه، وبلغ دعبلا أنه يريد اغتياله وقتله، فهرب إلى الجبل، وقال يهجوه:
بكى لشتات الدّين مكتئب صبّوفاض بفرط الدمع من عينه غرب
وقام إمام لم يكن ذا هدايةفليس له دين وليس له لبّ
وما كانت الآباء تأتي بمثلهبملّك يوما أو تدين له العرب
ولكن كما قال الذين تتابعوامن السلف الماضين إذ عظم الخطب:
ملوك بني العباس في الكتب سبعةولم تأتنا عن ثامن لهم كتب
كذلك أهل الكهف في الكهف سبعةخيار إذا عدّوا وثامنهم كلب
وإني لأعلي كلبهم عنك رفعةلأنك ذو ذنب وليس له ذنب
لقد ضاع ملك الناس إذ ساس ملكهموصيف وأشناس وقد عظم الكرب
وفضل بن مروان يثلّم ثلمةيظل لها الإسلام ليس له شعب
أخبرني عمي قال حدّثني ميمون بن هارون قال: لما مات المعتصم قال محمد بن عبد الملك الزيات يرثيه:
قد قلت إذ غيّبوه وانصرفوافي خير قبر لخير مدفون
لن يجبر اللّه أمة فقدتمثلك إلّا بمثل هارون
فقال دعبل يعارضه:
قد قلت إذ غيّبوه وانصرفوافي شرّ قبر لشر مدفون
اذهب إلى النار والعذاب فماخلتك إلّا من الشياطين
ما زلت حتى عقدت بيعة منأضرّ بالمسلمين والدين
قال عمي حدثنا ابن مهرويه قال حدّثني محمد بن عمر الجرجانيّ قال: أنشد دعبل بن عليّ يوما قول بعض الشعراء:
قد قلت إذ غيّبوه وانصرفوا
وذكر البيتين والجواب ولم يسمّ قائل المرثيّة ولا نسبة إلى محمد بن عبد الملك الزيات ولا غيره.
أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال حدّثنا محمد بن يزيد قال: سألت دعبلا عن هذه الأبيات:
ملوك بني العباس في الكتب سبعة
فأنكر أن تكون له، فقلت له: فمن قالها؟ قال: من حشا اللّه قبره نارا، إبراهيم بن المهديّ، أراد أن يغري بي المعتصم فيقتلني لهجائي إياه.
أخبرني عمي والحسن بن عليّ جميعا قالا: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدّثني أبي قال: كنت عند أحمد بن المدبّر ليلة من الليالي، فأنشدته لدعبل في أحمد بن أبي داود قوله:
إنّ هذا الّذي دواد أبوهوإياد قد أكثر الأنباء
ساحقت أمّه ولاط أبوهليت شعري عنه فمن أين جاء!
جاء من بين صخرتين صلودين عقامين ينبتان الهباء
لا سفاح ولا نكاح ولا مايوجب الأمهات والآباء
قال: فاستعادها أربع مرات، فظننت أنه يريد أن يحفظها، ثم قال لي: جئني بدعبل حتى أوصله إلى المتوكل، فقلت له: دعبل موسوم بهجاء الخلفاء والتشيع، وإنما غايته أن يخمل ذكره، فأمسك عني، ثم لقيت دعبلا فحدثته بالحديث، فقال: لو حضرت أنا أحمد بن المدبّر لما قدرت أن أقول أكثر مما قلت.
أخبرني الحسن قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثني محمد بن جرير قال: أنشدني عبيد اللّه بن يعقوب هذا البيت وحده لدعبل يهجو به المتوكل، وما سمعت له غيره فيه:
ولست بقائل قذعا ولكنلأمر ما تعبّدك العبيد
قال: يرميه في هذا البيت بالأبنة
أخبرني الحسن قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال: كنت مع دعبل بالصّيمرة وقد جاء نعي المعتصم وقيام الواثق، فقال لي دعبل: أمعك شيء تكتب فيه؟
فقلت: نعم، وأخرجت قرطاسا، فأملي عليّ بديها:
الحمد للّه لا صبر ولا جلدولا عزاء إذا أهل البلا رقدوا
خليفة مات لم يحزن له أحدوآخر قام لم يفرح به أحد
حدّثني عمي قال: حدّثنا أحمد بن عبيد اللّه بن ناصح قال: قلت لدعبل، وقد عرض عليّ قصيدة له يمدح بها الحسن بن وهب، أولها:
أعاذلتي ليس الهوى من هوائيا
فقلت له: ويحك، أتقول فيه هذا بعد قولك:
أين محلّ الحيّ يا حاديخبّر سقاك الرائح الغادي
وبعد قولك:
قالت سلامة أين المال قلت لهاالمال ويحك لاقي الحمد فاصطحبا
وبعد قولك:
فعلى أيماننا يجري النّدىوعلى أسيافنا تجري المهج
واللّه إني أراك لو أنشدته إياها لأمر لك بصفع قفاك، فقال: صدقت واللّه، ولقد نبّهتني وحذّرتني، ثم مزقها.
أخبرني عمّي قال: حدّثني العنزيّ قال حدّثني الحسين بن أبي السّريّ قال: غضب دعبل على أبي نصر بن جعفر بن محمد بن الأشعث - وكان دعبل مؤدبه قديما - لشيء بلغه عنه، فقال يهجو أباه:
ما جعفر بن محمد بن الأشعثعندي بخير أبوّة من عثعث
عبثا تمارس بي تمارس حيةسوارة إن هجتها لم تلبث
لم يعلم المغرور ماذا حاز منخزي لوالده إذا لم يعبث
قال: فلقيه عثعث، فقال له: عليك لعنة اللّه، أيّ شيء كان بيني وبينك حتى ضربت بي المثل في خسة الآباء، فضحك، وقال: لا شيء واللّه، اتفاق اسمك واسم ابن الأشعث في القافية. أو لا ترضى أن أجعل - أباك وهو أسود - خيرا من آباء الأشعث بن قيس!.
أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدّثني إبراهيم بن سهل القاري، وكان يلقب أرزة قال: حدّثني دعبل بن عليّ الخزاعيّ قال: كتبت إلى أبي تهشل بن حميد الطوسيّ قوله:
إنما العيش في منادمة الإخوان لا في الجلوس عند الكعاب
وبصرف كأنها ألسن البرق إذا استعرضت رقيق السحاب
إن تكونوا تركتم لذة العيش حذار العقاب يوم العقاب
فدعوني وما ألذّ وأهوىوادفعوا بي في صدر يوم الحساب
أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدّثنا ابن مهرويه قال: حدّثني موسى بن عيسى المروزيّ - وكان منزله بالكوفة في رحبة طيّ ء - قال: سمعت دعبل بن عليّ وأنا صبي يتحدث في مسجد المروزية قال: دخلت على عليّ بن موسى الرضا - عليهما السّلام - فقال لي: أنشدنى شيئا مما أحدثت، فأنشدته:
مدارس آيات خلت من تلاوةومنزل وحى مقفر العرصات
حتى انتهيت إلى قولي:
إذا وتروا مدّوا إلى واتريهمأكفّا عن الأوتار منقبضات
قال: فبكى حتى أغمى عليه، وأومأ إليّ خادم كان على رأسه: أن أسكت، فسكتّ ساعة، ثم قال لي: أعد، فأعدت حتى انتهيت إلى هذا البيت أيضا، فأصابه مثل الّذي أصابه في المرة الأولى، وأومأ الخادم إليّ: أن اسكت، فسكت، فمكث ساعة أخرى ثم قال لي: أعد، فأعدت حتى انتهيت إلى آخرها، فقال لي: أحسنت، ثلاث مرات، ثم أمر لي بعشرة آلاف درهم مما ضرب باسمه، ولم تكن دفعت إلى أحد بعد، وأمر لي من في منزله بحلي كثير أخرجه إليّ الخادم، فقدمت العراق، فبعت كل درهم منها بعشرة دراهم، اشتراها مني الشيعة، فحصل لي مائة ألف درهم، فكان أول مال اعتقدته.
قال ابن مهرويه وحدّثني حذيفة بن محمد: أن دعبلا قال له: إنه استوهب من الرّضا عليه السّلام ثوبا قد لبسه ليجعله في أكفانه فخلع جبّة كانت عليه، فأعطاه إياها وبلغ أهل قمّ خبرها فسألوه أن يبيعهم إياها بثلاثين ألف درهم، فلم يفعل، فخرجوا عليه في طريقه، فأخذوها منه غصبّا، وقالوا له: إن شئت أن تأخذ المال فافعل، وإلّا فأنت أعلم. فقال لهم: إني واللّه لا أعطيكم إياها طوعا، ولا تنفعكم غصبا، وأشكوكم إلى الرّضا عليه السّلام. فصالحوه على أن أعطوه الثلاثين الألف الدرهم وفردكمّ من بطانتها فرضي بذلك.
أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: بويع إبراهيم بن المهدي ببغداد، وقد قلّ المال عنده، وكان قد لجأ إليه أعراب من أعراب السواد وغيرهم من أوغاد الناس، فاحتبس عنهم العطاء، فجعل إبراهيم يسوّفهم ولا يرون له حقيقة إلى أن خرج إليهم رسوله يوما وقد اجتمعوا وضجّوا فصرّح لهم بأنه لا مال عنده، فقال قوم من غوغاء أهل بغداد: أخرجوا إلينا خليفتنا ليغنّى لأهل هذا الجانب ثلاثة أصوات، ولأهل هذا الجانب ثلاثة أصوات، فتكون عطاء لهم، فأنشدني دعبل بعد ذلك بأيام قوله:
يا معشر الأجناد لا تقنطواوارضوا بما كان ولا تسخطوا
فسوف تعطون حنينيةيلتذها الأمرد والأشمط
والمعبديّات لقوّادكملا تدخل الكيس ولا تربط
وهكذا يرزق قوّادهخليفة مصحفه البربط
وزادني فيها جعفر بن قدامة:
قد ختم الصك بأرزاقكموصحّح العزم فلا تسخطوا
بيعة إبراهيم مشئومةيقتل فيها الخلق أو يقحط
أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدثنا ابن مهرويه قال: حدّثني أبو عليّ يحيى بن محمد بن ثوابة الكاتب قال: حدّثني دعبل قال: كان لي صديق متخلّف يقيول شعرا فاسدا مرذولا وأنا أنهاه عنه إذا أنشدني، فأنشدني يوما:
إنّ ذا الحبّ شديدليس ينجيه الفرار
ونجا من كان لا يعشقمن ذلّ المخازي
فقلت له: هذا لا يجوز، البيت الأول على الراء، والبيت الثاني على الزاي. فقال: لا تنقطه، فقلت له: فالأول مرفوع، والثاني مخفوض. فقال: أنا أقول له لا تنقطه وهو يشكله.
أخبرني الحسن قال: حدثنا ابن مهرويه قال: حدثنا محمد بن زكريا بن ميمون الفرغانيّ قال: سمعت دعبل بن عليّ يقول في كلام جرى: ليسك، فأنكرته عليه. فقال: دخل زيد الخيل على النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - فقال له: يا زيد ما وصف لي رجل إلّا رأيته دون وصفه ليسك - يريد غيرك.
أخبرني الحسن قال: حدثنا ابن مهرويه قال: حدثنا عليّ بن عبد اللّه بن سعد قال: قال لي دعبل، وقد أنشدته قصيدة بكر بن خارجة في عيسى بن البراء النصرانيّ الحربيّ:
زنّاره في خصره معقودكأنه من كبدي مقدود
فقال: واللّه ما أعلمني حسدت أحدا على شعر كما حسدت بكرا على قوله: كأنه من كبدي مقدود.
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال: سمعت الجاحظ يقول: سمعت دعبل بن عليّ يقول: مكثت نحو ستين سنة ليس من يوم ذرّ شارقه إلّا وأنا أقول فيه شعرا.
أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدّثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدّثني أبي قال: سمعت دعبل بن عليّ يقول: دخلت على أبي الحارث جمّيز - وقد فلج - لأعوده، وكان صديقي، فقلت: ما هذا يا أبا الحرث؟ فقال: أخذت من شعري ودخلت الحمام، فغلط بي الفالج، وظن أني قد احتجمت. فقلت له: لو تركت خفة الرّوح والمجون في موضع لتركتهما في هذا الموضع وعلى هذه الحال.
أخبرني الحسين بن القاسم الكوكبيّ قال: حدثنا أحمد بن صدقة قال: حدّثني أبي قال: حدّثني عمرو بن مسعدة قال: حضرت أبا دلف عند المأمون، وقد قال له المأمون: أيّ شيء تروي لأخي خزاعة يا قاسم؟ فقال وأيّ أخي خزاعة يا أمير المؤمنين؟ قال: ومن تعرف فيهم شاعرا؟ فقال: أما من أنفسهم فأبوا الشّيص ودعبل وابن أبي الشّيص وأما من مواليهم فطاهر وابنه عبد اللّه. فقال: ومن عسى في هؤلاء أن يسأل عن شعره سوى دعبل! هات أيّ شيء عندك فيه. فقال وأيّ شيء أقول في رجل لم يسلم عليه أهل بيته حتى هجاهم، فقرن إحسانهم بالإساءة، وبذلهم بالمنع، وجودهم بالبخل، حتى جعل كل حسنة منهم بإزاء سيئة! قال: حين يقول ما ذا؟ قال حين يقول في المطّلب بن عبد اللّه بن مالك، وهو أصدق الناس له، وأقربهم منه، وقد وفد إليه إلى مصر فأعطاه العطايا الجزيلة، وولاه ولم يمنعه ذلك من أن قال فيه:
اضرب ندى طلحة الطّلحات متئدابلوم مطّلب فينا وكن حكما
تخرج خزاعة من لؤم ومن كرمفلا تحسّ لها لؤما ولا كرما
قال: فقال المأمون: قاتله اللّه! ما أغوصه وألطفه وأدهاه! وجعل يضحك، ثم دخل عبد اللّه بن طاهر، فقال له: أيّ شيء تحفظ يا عبد اللّه لدعبل؟ فقال: أحفظ أبياتا له في أهل بيت أمير المؤمنين، قال: هاتها ويحك، فأنشده عبد اللّه قول دعبل:
سقيا ورعيا لأيام الصباباتأيام أرفل في أثواب لذاتي
أيام غصني رطيب من ليانتهأصبو إلى غير جارات وكنّات
دع عنك ذكر زمان فات مطلبهواقذف برجلك عن متن الجهالات
واقصد بكل مديح أنت قائلهنحو الهداة بني بيت الكرامات
فقال المأمون: إنه قد وجد مقالا فقال، ونال ببعيد ذكرهم مالا يناله في وصف غيرهم، ثم قال المأمون: لقد أحسن في وصف سفر سافره، فطال ذلك السفر عليه، فقال فيه:
ألم يأن للسّفر الذين تحملواإلى وطن قبل الممات رجوع!
فقلت ولم أملك سوابق عبرةنطقن بما ضمت عليه ضلوع
تبيّن فكم دار تفرّق شملهاوشمل شتيت عاد وهو جميع
كذاك الليالي صرفهنّ كما ترىلكل أناس جدبة وربيع
ثم قال: ما سافرت قطّ إلا كانت هذه الأبيات نصب عيني في سفري، وهجّيري ومسلّيتي حتى أعود.
أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال: حدّثني المبرّد ومحمد بن الحسن بن الحرون قالا: قال دعبل: خرجت إلى الجبل هاربا من المعتصم، فكنت أسير في بعض طريقي والمكاري يسوق بي بغلا تحتي، وقد أتعبني تعبا شديدا، فتغنّى المكاري في قولي:
لا تعجبي يا سلم من رجلضحك المشيب برأسه فبكى
فقلت له، وأنا أريد أن أتقرّب إليه وأكفّ ما يستعمله من الحثّ للبغل لئلّا يتعبني: تعرف لمن هذا الشعر يا فتى؟ فقال: لمن ناك أمّه وغرم درهمين، فما أدري أيّ أموره أعجب: من هذا الجواب أم من قلة العرم على عظم الجناية!
حدّثني عمي قال: حدّثني أحمد بن الطيب السرخسيّ قال: حضرت مجلس محمد بن عليّ بن طاهر وحضرته مغنّية يقال لها: شنين مشهورة، فغنّت:
لا تعجبي يا سلم من رجلضحك المشيب برأسه فبكى
ثم غنّت بعده:
لقد عجبت سلمى وذاك عجيب
فقلت لها: ما أكثر تعجب سلمى هذه! فعلمت أني أعبث بها لأسمع جوابها، فقالت متمثلة غير متوقفة ولا متفكرة:
فهلك الفتى ألا يراح إلى ندىوألا يرى شيئا عجيبا فيعجبا
فعجبت واللّه من جوابها وحدّته وسرعته، وقلت لمن حضر: واللّه لو أجاب الجاحظ هذا الجواب لكان كثيرا منه مستظرفا.
نسبة هذا الصوت
صوت
لقد عجبت سلمى وذاك عجيبرأت بي شيبا عجّلته خطوب
وما شيّبتني كبرة غير أننيبدهر به رأس الفطيم يشيب
الغناء ليحيى المكيّ، ثقيل أول بالوسطى من كتاب أبيه أحمد.
حدّثني جعفر بن قدامة قال: حدّثني محمد المرتجل بن أحمد بن يحيى المكيّ قال: كان أبي صديقا لدعبل، كثير العشرة له، حافظا لغيبه، وكلّ شعر يغنّى فيه لدعبل فهو من صنعة أبي، وغناني من صنعة أبيه في شعر دعبل، والطريقة فيه خفيف ثقيل في مجرى البنصر:
صوت
سرى طيف ليلى حين آن هبوبوقضّيت شوقا حين كاد يذوب
فلم أر مطروقا يحلّ برحلهولا طارقا يقرى المنى ويثيب
وأنشدني عمي هذين البيتين عن أحمد بن يحيى بن أبي طاهر وابن مهرويه جميعا لدعبل.
حدّثني حبيب بن نصر المهلّبيّ قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال: سألت دعبلا من الّذي يقول:
ملوك بني العباس في الكتب سبعة
فقال: من أضرم اللّه قبره نارا، إبراهيم بن المهديّ. قال ابن أبي سعد: وحدّثني عبد العزيز بن سهل أنه سأله عنها فاعترف بها.
حدّثني عمي قال: أنشدني ابن أخي دعبل لعمه في طاهر بن الحسين، وكان قد نقم عليه أمرا أنكره منه:
وذي يمينين وعين واحدهنقصان عين ويمين زائده
نزر العطيات قليل الفائدهأعضّه اللّه ببظر الوالده
حدّثني جحظة قال: حدّثني ميمون بن هارون قال: كان دعبل قد مدح دينار بن عبد اللّه وأخاه يحيى، فلم يرض ما فعلاه، فقال يهجوهما:
ما زال عصياننا للّه يرذلناحتى دفعنا إلى يحيى ودينار
وغدين علجين لم تقطع ثمارهماقد طال ما سجدا للشمس والنار
قال: وفيهما وفي الحسن بن سهل يقول أيضا دعبل يهجوهم، والحسن بن رجاء وأبيه أيضا:
ألا فاشتروا مني ملوك المخزمأبع حسنا وابنى رجاء بدرهم
وأعط رجاء فوق ذاك زيادةوأسمح بدينار بغير تندّم
فإن ردّ من عيب عليّ جميعهمفليس يردّ العيب يحيى بن أكثم
أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدّثني أبو الطيب الحرانيّ قال: كان دعبل منحرفا عن الطاهرية مع ميلهم إليه وأياديهم عنده، فأنشدني لنفسه فيهم:
وأبقى طاهر فينا ثلاثاعجائب تستخفّ لها الحلوم
ثلاثة أعبد لأب وأمتميّز عن ثلاثتهم أروم
فبعض في قريش منتماهولا غير ومجهول قديم
وبعضهم يهشّ لآل كسرىويزعم أنه علج لئيم
فقد كثرت مناسبهم عليناوكلّهم على حال زنيم
أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدثنا ابن مهرويه قال: حدّثني أبي قال: كان صالح بن عطية الأضجم من أبناء الدعوة، وكان من أقبح الناس وجها، وكان ينزل واسطا، فقال فيه دعبل:
أحسن ما في صالح وجههفقس على الغائب بالشاهد
تأملت عيني له خلقةتدعو إلى تزنية الوالد
قال وقال فيه أيضا، وخاطب فيها المعتصم:
قل للإمام إمام آل محمدقول امرىء حدب عليك محام
أنكرت أن تفتّر عنك صنيعةفي صالح بن عطية الحجّام
ليس الصنائع عنده بصنائعلكنهن طوائل الإسلام
اضرب به جيش العدوّ فوجههجيش من الطاعون والبرسام
يعرض شعره على مسلم بن الوليد أو يكتمه حتى أذن له في إظهاره.
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال: أخبرني إبراهيم بن محمد الوراق قال: حدّثني الحسين بن أبي السّريّ قال: قال لي دعبل: ما زلت أقول شعر وأعرضه على مسلم، فيقول لي: أكتم هذا حتى قلت:
أين الشباب وأية سلكالا، أين يطلب ضلّ؟ بل هلكا
فلما أنشدته هذه القصيدة قال: اذهب الآن فأظهر شعرك كيف شئت لمن شئت.
قال إبراهيم: وحدّثني الفتح غلام أبي تمام الطّائيّ، وكان أبو سعيد الثّغريّ اشتراه له بثلاثمائة دينار لينشد شعره، وكان غلاما أديبا فصيحا، وكان إنشاد أبي تمام قبيحا، فكان ينشد شعره عنه، فقال: سألت مولاي أبا تمام عن نسب دعبل فقال: هو دعبل بن عليّ الّذي يقول: ضحك المشيب برأسه فبكى
قال الفتح: وحدّثني مولاي أبو تمام قال: ما زال دعبل مائلا إلى مسلم بن الوليد مقرّا بأستاذيته حتى ورد عليه جرجان فجفاه مسلم، وكان فيه بخل، فهجره دعبل وكتب إليه:
أبا مخلد كنا عقيدي مودةهوانا وقلبانا جميعا معا معا
أحوطك بالغيب الّذي أنت حائطيوأيجع إشفاقا لأن تتوجعا
فصيّرتني بعد انتكاسك متهمالنفسي، عليها أرهب الخلق أجمعا
غششت الهوى حتى تداعت أصولهبنا وابتذلت الوصل حتى تقطعا
وأنزلت من بين الجوانح والحشاذخيرة ود طالما تمنعا
فلا تعذلنّي ليس لي فيك مطمعتخرقت حتى لم أجد لك مرقعا
فهبك يميني استأكلت فقطعتهاوجشّمت قلبي صبره متشجعا
ويروى: وحملت قلبي فقدها. قال ثم تهاجرا، فما التقيا بعد ذلك.
أخبرني محمد بن خلف قال: حدّثني إبراهيم بن محمد قال: حدثنا الحسين بن عليّ قال: قلت لابن الكلبي: إنّ دعبلا قطعيّ، فلو أخبرت الناس أنه ليس من خزاعة، فقال لي: يا فاعل، مثل دعبل تنفيه خزاعة! واللّه لو كان من غيرها لرغبت فيه حتى تدّعيه. دعبل واللّه يا أخي خزاعة كلها.
أخبرني محمد بن المرزبان قال: حدّثني إبراهيم بن محمد الوراق عن الحسين بن أبي السريّ عن عبد اللّه بن أبي الشّيص قال: حدّثني دعبل قال: حججت أنا وأخي رزين وأخذنا كتبا إلى المطّلب بن عبد اللّه بن مالك وهو بمصر يتولاها، فصرنا من مكة إلى مصر، فصحبنا رجل يعرف بأحمد بن فلان السراج، نسي عبد اللّه بن أبي الشّيص اسم أبيه، فما زال يحدثنا ويؤانسنا طول طريقنا، ويتولى خدمتنا كما يتولاها الرفقاء والأتباع. ورأيناه حسن الأدب، وكان شاعرا، ولم نعلم، وكتمنا نفسه، وقد علم ما قصدنا له فعرضنا عليه أن يقول في المطّلب قصيدة، ننحله إياها. فقال: إن شئتم، وأرانا بذلك سرورا وتقبّلا له، فعملنا قصيدة، وقلنا له: تنشدها المطلب فإنك تنتفع بها. فقال: نعم. ووردنا مصربه، فدخلنا إلى المطّلب، وأوصلنا إليه كتبا كانت معنا، وأنشدناه. فسرّ بموضعنا، ووصفنا له أحمد السراج هذا، وذكرنا له أمره، فأذن له، فدخل عليه ونحن نظن أنه سينشد القصيدة الّتي نحلناه إياها، فلما مثل بين يديه عدل عنها وأنشده:
لم آت مطّلبا إلّا بمطّلبوهمة بلغت بي غاية الرّتب
أفردته برجاء أن تشاركهفيّ الوسائل أو ألقاه في الكتب
قال: وأشار إلى كتبي الّتي أوصلتها إليه وهي بين يديه، فكان ذلك أشدّ من كلّ شيء مر بي منه عليّ، ثم أنشده:
رحلت عنسى إلى البيت الحرام علىما كان من وصب فيها ومن نصب
ألقى بها وبوجهي كلّ هاجرةتكاد تقدح بين الجلد والعصب
حتى إذا ما قضت نسكي ثنيت لهاعطف الزّمام فأمّت سيد العرب
فيمّمتك وقد ذابت مفاصلهامن طول ما تعب لاقت ومن نقب
إني استجرت بإستارين مستلماركنين: مطّلبا والبيت ذا الحجب
فذاك للآجل المأمول ألمسهوأنت للعاجل المرجوّ والطلب
هذا ثنائي وهذي مصر سانحةوأنت أنت وقد ناديت من كثب
قال: فصاح مطّلب: لبيك لبيك: ثم قام إليه فأخذ بيده، وأجلسه معه، وقال: يا غلمان، البدر، فأحضرت، ثم قال: الخلع، فنشرت، ثم قال: الدواب، فقيدت، فأمر له من ذلك بما ملأ عينه وأعيننا وصدورنا وحسدناه عليه، وكان حسدنا له بما اتفق له من القبول وجودة الشعر، وغيظنا بكتمه إيانا نفسعه واحتياله علينا أكثر وأعظم، فخرج بما أمر له به، وخرجنا صفرا.
فمكثنا أياما، ثم ولّي دعبل بن عليّ أسوان، وكان دعبل قد هجا المطلب غيظا منه، فقال:
تعلّق مصر بك المخزياتوتبصق في وجهك الموصل
وعاديت قوما فما ضرّهموشرّفت قوما فلم ينبلوا
شعارك عند الحروب النجاءوصاحبك الأخور الأفشل
فأنت إذا منا التقوا آخروأنت إذا انهزموا أول
وقال فيه:
اضرب ندى طلحة الطلحات متّئدابلؤم مطّلب فينا وكن حكما
تخرج خزاعة من لؤم ومن كرمفلا تعدّ لها لؤما ولا كرما
قال: وكانت القصيدة الّتي مدح بها دعبل المطّلب قصيدته المشهورة الّتي يقول فيها:
أبعد مصر وبعد مطّلبترجو الغنى إن ذا من العجب
إن كاثرونا جئنا بأسرتهأو واحدونا جئنا بمطّلب
قال وبلغ المطلب هجاؤه إياه بعد أن ولاه، فعزله عن أسوان، فأنفذ إليه كتاب العزل مع مولى له، وقال: انتظره حتى يصعد المنبر يوم الجمعة، فإذا علاه فأوصل الكتاب إليه، وامنعه من الخطبة، وأنزله عن المنبر، واصعد مكانه. فلما أن علا المنبر وتنحنح ليخطب ناوله الكتاب، فقال له دعبل: دعني أخطب، فإذا نزلت قرأته. قال: لا، قد أمرني أن أمنعك الخطبة حتى تقرأه، فقرأه وأنزله عن المنبر معزولا.
قال: فحدّثني عبد اللّه بن أبي الشّيص قال: قال لي دعبل قال لي المطلب: ما تفكرت في قولك قط:
إن كاثرونا جئنا بأسرتهأو واحدونا جئنا بمطلب
إلّا كنت أحبّ الناس إليّ، ولا تفكرت واللّه في قولك لي:
وعاديت قوما فما ضرهموقدّمت قوما فلم ينبلوا
إلّا كنت أبغض الناس إليّ.
قال ابن المرزبان حدّثني من سأل الرّياشي عن قوله: إستارين، قال: يجوز على معنى إستار كذا، وإستار كذا. وأنشدنا الرياشي: سعى
عقالا فلم يترك لنا سبدافكيف لو قد سعى عمرو عقالين
لأصبح القوم أوفاضا فلم يجدوايوم الترحل والهيجا حمالين
أخبرني حبيب بن نصر المهلّبي قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال: حدّثني عبد العزيز بن سهل قال: لما قصد دعبل عبد المطلب بن عبد اللّه بن مالك إلى مصر ولم يرض ما كان منه إليه قال فيه:
أمطلّب أنت مستعذبحميّا الأفاعي ومستقبل
فإن أشف منك تكن سبّةوإن أعف عنك فما تعقل
ستأتيك إما وردت العراقصحائف يأثرها دعبل
منّمقة بين أثنائهامخاز تحطّ فلا ترحل
وضعت رجالا فما ضرّهموشرّفت قوما فلم ينبلوا
فأيّهم الزّين وسط الملاعطية أم صالح الأحول؟
أم الباذجانيّ أم عامرأمين الحمام الّتي تزجل
تنوّط مصر بك المخزياتوتبصق في وجهك الموصل
ويوم السّراة تحسّيتهايطيب لدى مثلها الحنظل
توليت ركضا وفتيانناصدور القنا فيهم تعمل
إذا الحرب كنت أميرا لهافحظهم منك أن يقتلوا
فمنك الرؤوس غداة اللقاءوممّن يحاربك المنصل
شعارك في الحرب يوم الوغىإذا انهزموا: عجّلوا عجّلوا
هزائمك الغرّ مشهورةيقرطس فيهن من ينضل
فأنت لأوّلهم آخروأنت لآخرهم أول
ومن هجائه المطلب:
أخبرني عمّي قال أنشدنا المبرّد لدعبل يهجو المطّلب بن عبد اللّه ويعيّره بغلامين: عليّ وعمرو، وكان يتهم بهما:
فأير عليّ له آلةوفقحة عمرو له ربه
فطورا تصادفه جعبةوطورا تصادفه حربه
ومن مدحه إياه:
وأنشدني ابن عمار عن أحمد بن سليمان بن أبي شيخ لدعبل يمدح المطّلب بن عبد اللّه بن مالك، وفيه غناء.
صوت
زمني بمطّلب سقيت زماناما كنت إلا روضة وجنانا
كلّ الندى إلّا نداك تكلّفلم أرض بعدك كائنا من كانا
أصلحتني بالبرّ بل أفسدتنيفتركتني أتسخّط الإحسانا
وقد أخبرني بخبره الأول الطويل مع المطلب الحسن بن عليّ عن أحمد بن محمد حدّان عن أحمد بن يحيى العدوي أن سبب سخطه على المطلب أن رجلا من العلويّين كان قد تحرك بطنجة، فكان يبث دعاته إلى مصر، وخافه المطلب، فوكّل بالأبواب من يمنع الغرباء دخولها.
فلما جاء دعبل منع فأغلظ للذي منعه، فقنّعه بالسوط وحبسه، فمضى رزين فأخبر المطلب، فأمر بإطلاقه، ودعا به فخلع عليه. فقال له: لا أرضى أو تقتل الموكّل بالباب فقال له: هذا لا يمكن لأنه قائد من قوّاد السلطان، فغضب ثم أنشده الرجل الأبيات المذكورة، فأجازه، وحكى أن اسمه محمد بن الحجاج، لا أحمد بن السراج.
وسائر الخبر مثله.
وكان سبب مناقضته أبا سعد المخزوميّ وما خرج إليه الأمر بينهما قول دعبل قصيدته الّتي هجا فيها قبائل نزار، فحمي لذلك أبو سعد، فهجاهم، فأجابه أبو سعد، ولجّ الهجاء بينهما.
وروي أنه نزل بقوم من بني مخزوم، فلم يضيّفوه، فهجاهم، فأجابه أبو سعد ولجّ الهجاء بينهما.
أخبرني عمي والحسن بن علي الخفّاف قالا: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدّثني محمد بن الأشعث قال: حدّثني دعبل أنه ورزينا العروضيّ نزلا بقوم من بني مخزوم، فلم يقروهما، ولا أحسنوا ضيافتهما فقال دعبل: فقلت فيهم:
عصابة من بني مخزوم بتّ بهمبحيث لا تطمع المسحاة في الطين
ثم قلت لرزين: أجز فقال:
في مضغ أعراضهم من خبزهم عوضبني النفاق وأبناء الملاعين
قال ابن الأشعث: فكان هذا أول الأسباب في مهاجاته لأبي سعد.
أخبرني محمد بن عمران الصّيرفيّ قال: حدّثني العنزيّ قال: حدّثني عليّ بن عمرو الشيبانيّ أن الّذي هاج الهجاء بين أبي سعد ودعبل قصيدته القحطانية الّتي هجا فيها نزارا، فأجابه عنها أبو سعد، ولجّ الهجاء بينهما.
أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدثنا محمد بن القاسم قال: حدّثني أحمد بن أبي كامل قال: كان سبب وقوع الهجاء بين دعبل وأبي سعد قول دعبل في قصيدة يفخر فيها بخزاعة، ويهجو نزارا، وهي الّتي يقول فيها:
أتانا طالبا وعرافأعقبناه بالوعر
وترناه فلم يرضفأعقبناه بالوتر
فغضب أبو سعد، وقال قصيدته الّتي يقول فيها لدعبل، وهي مشهورة:
وبالكرخ هوى أبقىعلى الدهر من الدهر
هوى والحمد للّهكفاني كلفة العذر
قال: ثم التحم الهجاء بينهما بعد ذلك.
أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدّثني أحمد بن هارون قال: دخلت على أبي سعد المخزوميّ يوما وهو يقول: وأي شيء ينفعني؟ أجوّد الشعر فلا يروى، ويرذل فيروى، ويفضحني برديئه، ولا أفضحه بجيّدي، فقلت: من تعني يا أبا سعد؟ فقال: من تراني أعني إلّا من عليه لعنة اللّه دعبلا! فقلت فيه:
ليس لبس الطيالسمن لباس الفوارس
لا ولا حومة الوغىكصدور المجالس
ضرب أوتار نفنفغير ضرب القوانس
وظهور الجياد غير ظهور الطنافس
ليس من ضارس الحروب كمن لم يضارس
بأبي غرس فتيةمن كرام المغارس
فتية من بني المغيرة شمّ المعاطس
يطعمون السديف فيكل شهباء دامس
في جفان كأنهامن جفان العرائس
ثم يمشون في السّنور مشي العنابس
ويخوضون باللواء دماء الأبالس
نحن خير الأنام عند قياس المقايس
يا أبا سعد قوصرهزانى الأخت والمره
لو تراه محنّباخلته عقد قنطره
أو ترى الأير في استهقلت ساق بمقطره
قال: فو اللّه لقد رواه صبيان الكتاب ومارة الطريق والسّفل، فما أجتاز بموضع إلّا سمعته من سفلة يهذرون به، فمنهم من يعرفني فيعيبني به، ومنهم من لا يعرفني، فأسمعه منه لسهولته على لسانه.
أخبرني محمد بن عمران الصيرفيّ ومحمد بن يحيى الصوليّ وعمي قالوا: حدثنا الحسن بن عليل العنزيّ قال: حدّثني عليّ بن أبي عمرو الشيبانيّ قال: جاءني إسماعيل بن إبراهيم بن ضمرة الخزاعيّ، فقال لي: إني سألت دعبلا أن أقرأ عليه قصيدته الّتي يناقض بها الكميت:
أفيقي من ملامك يا ظعيناكفاك اللوم مرّ الأربعينا
فقال لي إسماعيل: قال لي دعبل: يا أبا الحسن فيها أخبار وغريب، فليكن معك رجل يقرؤها عليّ وأنت معه، فيكون أهون عليّ منك، فقلت له: لقد اخترت صديقا لي يقال له: علي، فقال: أمن العرب هو؟ قلت: نعم.
قال: من أيّ العرب؟ قلت: من بني شيبان. قال: شيبان كندة؟ فقلت: بل شيبان ربيعة. فقال لي: ويحك! أتأتيني برجل أسمعه ما يكره في قومه؟ فقلت: له: إنه رجل يحتمل، ويحب أن يسمع ماله وعليه. فقال: في مثل هذا رغبة، فأتني به، فصرنا إليه، فلما لقيه قال: قد أخبرني عنك أبو الحسن بما سررت به؛ أن كنت رجلا من العرب تحب أن تسمع ما لك وعليك لكيلا تغبن، فقرأنا عليه الشعر حتى انتهينا في القصيدة إلى قوله:
من أي ثنيّة طلعت قريشوكانوا معشرا متنبّطينا
فقال دعبل: معاذ اللّه أن يكون هذا البيت لي، ثم قال: لعنه اللّه وانتقم منه - يعني أبا سعد المخزوميّ - دسّه واللّه في هذا الشعر وضرب بيده إلى سكين كانت معه فجرد البيت بحدها ثم قال لنا: أحدثكم عنه بحديث طريف:
جاءني يوما ببغداد أشدّ ما كان بيني وبينه من الهجاء، وبين يديّ صحيفة ودواة، وأنا أهجوه فيها، إذ دخل عليّ غلام لي فقال: أبو سعد المخزومي بالباب. فقلت له: كذبت. فقال، وهو عارف بأبي سعد: بلى واللّه يا مولاي، فأمرته برفع الدواة والجلد الّذي كان بين يدي، وأذنت له في الدخول، وجعلت أحمد اللّه في نفسي، فأقول: الحمد للّه الّذي أصلح بيني وبينه من هتك الأعراض وذكر القبيح، وكان الابتداء منه. فقمت إليه وسلمت عليه وهو ضاحك مسرور، فأبديت له مثل ذلك من السرور به، ثم قلت: أصبحت واللّه حاسدا لك. قال: على ماذا يا أبا علي؟ فقلت: بسبقك إياي إلى الفضل.
فقال لي: أنا اليوم في دعوى عندك، فقلت: قل ما أحببت. فقال: إن كان عندك ما نأكله، وإلا ففي منزلي شيء معدّ. فسألت الغلمان فقالوا عندنا: قدر أمسيّة. فقال: غاية واتفاق جيّد. فهل عندك شيء نشربه، وإلّا وجهت إلى منزلي ففيه شراب معد؟ فقلت له: عندنا ما نشرب، فطرح ثيابه وردّ دابته وقال: أحب ألا يكون معنا غيرنا، فتغدينا وشربنا، فلما أن أخذ الشراب منا قال: مر غلاميك يغنياني، فأمرت الغلامين فغنياه، فطرب وفرح، واستحسن الغناء حتى سرّني وأطربني معه، ثم قال: حاجتي إليك يا أبا علي أن تأمرهما بأن يغنياني في هجائك لي - وكان الغلامان لكثرة ما يسمعانه مني في هجائي قد حفظا منه أشياء ولحّناها - فقلت له: سبحان اللّه يا أبا سعد قد طفئت النائرة، وذهبت العداوة بيننا، وانقطع الشر. فما حاجتك إلى هذا؟ فقال لي: سألتك باللّه إلّا فعلت، فليس يشق ذلك عليّ. ولو كرهته لما سألته. فقلت في نفسي: أترى أبا سعد يتماجن عليّ؟ يا غلمان، غنّوه بما يريد، فقال غنوه:
يا أبا سعد قوصرهزاني الأخت والمره
فغنّوه، وهو يحرك رأسه وكتفيه، ويطرب ويصفق، فما زلنا يومنا مسرورين. فلما ثمل ودّعني وقام فانصرف، وأمرت غلماني فخرجوا معه إلى الباب، فإذا غلام منهم قد انصرف إليّ بقطعة قرطاس، وقال: دفعها إليّ أبو سعد المخزوميّ، وأمرني أن أدفعها إليك. قال: فقرأتها، فإذا فيها:
لدعبل منّة يمنّ بهافلست حتى الممات أنساها
أدخلنا بيته فأكرمناودسّ بامراته فنكناها
فقال: ويلي على ابن الفاعلة، هاتوا جلدا ودواة، قال فردّوهما عليّ، فعدت إلى هجائه، ولقيته بعد يومين أو ثلاثة، فما سلّم عليّ، ولا سلمت عليه.
أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدثنا ابن مهرويه قال: حدّثنا عليّ بن عبد اللّه بن سعد، أنه سمع دعبلا يحدث بخبره هذا مع أبي سعد، فذكر نحو ما ذكره العنّزيّ.
أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدّثنا محمد بن القاسم قال: حدّثني أحمد بن أبي كامل قال: رأيت دعبلا قد لقي أبا سعد في الرّصافة، وعليهما السّواد وسيفاهما على أكتافهما، فشدّ دعبل على أبي سعد فقّنعه، فركض أبو سعد بين يديه هاربا، وركض دعبل في أثره وهو يهرب منه حتى غاب.
قال: وكنت أرى أبا سعد يجلس مع بني مخزوم في دار المأمون، فتظلموا منه إلى المأمون، وذكروا أنهم لا يعرفون له فيهم نسبا، فأمرهم المأمون بنفيه، فانتفوا منه، وكتبوا بذلك كتابا. فقال دعبل فيه يذكر ذلك من قصيدة طويلة:
غير أن الصيدّ منهمقنّعوه بخزايه
كتبوا الصّك عليهفهو بين الناس آيه
فإذا أقبل يوماقيل قد جاء النّفايه
وقال فيه أيضا:
هم كتبوا الصّك الّذي قد علمتهعليك وشنّوا فوق هامتك القفدا
قال: وكان إذا قيل له بعد ذلك شيء في نسبه قال: أنا عبد ابن عبد. قال: ونظر دعبل فرأى على أبي سعد قباء مرويّا مصبوغا بسواد، فقال: هذا دعيّ على دعيّ.
أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدّثني أحمد بن مروان مولى الهادي قال: لقيني أبو سعد المخزوميّ على ظهر الطريق فقال لي: يا أحمد أنا أدرس شكايتك إلى أبيك، قال فقلت: ولم أبقاك اللّه؟ قال: فما فعل دفتر البزاريات؟ قلت: هو ذا أجيئك به، فلما صلّيت الظهر جئت بالدفتر أريده، فمررت بدعبل فدققت بابه، فسمعته يقول لجارية له: يا دراهم، انظري من بالباب. فقالت له: أحمد بن مروان.
فقال: افتحي له، فلما دخلت قلت له: أيش هو دراهم من الأسماء؟ قال: سميتم جواريكم دنانير، فسمينا جوارينا بدراهم. ثم قال: ما هذا معك؟ قلت: دفتر فيه شعر أبي سعد في البزاريات، فأخذه فنظر فيه وابنه عليّ بن دعبل بن عليّ معه، فلما بلغ من نظرة إلى شعره الّذي يقول فيه:
مالت إلى قلبك أحزانهفهو مجمّ اللهم خزّانه
قال له ابنه علي: فما كان عليه يا أبت لو قال في شعره:
عادت إلى قلبك أحزانه؟
فقال دعبل: صدقت واللّه يا بنيّ، أنت واللّه أشعر منه، قال: ثم إنه أمليّ عليّ دعبل إملاء:
ما كنت أحسب أنّ الدهر يمهلنيحتى أرى أحدا يهجوه لا أحد
إني لأعجب ممن في حقيبتهمن المنيّ بحور كيف لا يلد؟
فإن سمعت به بعت القنا عبثافقد أراد قنا ليست له عقد
ثم صرت إلى أبي سعد، فلما رآني من بعيد قال: يا أحمد، من أين أقبلت؟ قلت: من عند دعبل. قال: ما دعبلت عنده؟ فأنشدته شعر دعبل فيه، وأخبرته بما قال ابنه في شعره، فقال: صدق واللّه، في أي سن هو؟
قلت: قد بلغ. فدعا بدواة وقرطاس وقال: اكتب فكتبت:
لا والّذي خلق الصهباء من ذهبوالماء من فضة لا ساد من بخلا
يقول لي دعبل في بطنه حبلولو أصابت ثيابي دعبل حبلا
ودعبل رجل ما شئت من رجللو كان أسفله من خلفه رجلا
قال: ثم هجاني أبو سعد، فقال:
عدوّ راح في ثوبي صديقشريك في الصبوح وفي الغبوق
له وجهان ظاهره ابن عمّوباطنه ابن زانية عتيق
يسرّك معلنا ويسوء سرّاكذاك يكون أبناء الطريق
أخبرني عمي والحسن بن عليّ قالا: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدثنا أبو ناجية - شيخ من ولد زهير بن أبي سلمى - قال: حضرت بني مخزوم وهم ببغداد، وقد اجتمعوا على أبي سعد لمّا لجّ الهجاء بينه وبين دعبل، وقد خافوا لسان دعبل، وأن يقطعهم ويهجوهم هجاء يعمّهم جميعا، فكتبوا عليه كتابا، وأشهدوا أنه ليس منهم. فحدّثني غير واحد أنه أتى حينئذ بخاتمة النقاش، فنقش عليه: أبو سعد العبد ابن العبد بريء من بني مخزوم تهاونا بما فعلوه.
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال: حدّثني محمد بن يزيد قال: كان أبو سعد المخزوميّ قد كان يستعلي على دعبل في أول أمره، وكان يدخل إلى المأمون فينشده هجاء دعبل له وللخلفاء، ويحرّضه عليه وينشده جوابه، فلم يجد عند المأمون ما أراده فيه.
وكان يقول: الحقّ في يدك والباطل في يد غيرك، والقول لك ممكن، فقل ما يكذبه، فأما القتل فإني لست أستعمله فيمن عظم ذنبه، أفأستعمله في شاعر! فاعترض بينهما ابن أبي الشيص، فقال يهجو أبا سعد:
أنا بشّرت أبا سعد فأعطاني البشاره
بأب صيد له بالأمس في دار الإماره
فهو يوما من تميموهو يوما من فزاره
كلّ يوم لأبي سعد على الأنساب غاره
خزمت مخزوم فاهفادعاها بالإشارة
قال: وقال فيه ابن أبي الشيص أيضا:
أبا سعد بحق الخمس والمفروض من صومك
أقلت الحق في النسبةأم تحلم في نومك؟
ابن لي أيّها المعرور ممّن أنت في قومك؟
فولّى قائلا لو شئت قد أقصرت من لومك
ودعني أك من شئتإذا لم أك من قومك
وقال فيه دعبل:
إن أبا سعد فتى شاعريعرف بالكنية لا الوالد
ينشد في حيّ معدّ أباضلّ عن المنشود والناشد
فرحمة اللّه على مسلمأرشد مفقودا إلى فاقد
أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدّثنا ابن مهرويه قال: حدّثني أحمد بن عثمان الطبريّ قال: سمعت دعبل بن عليّ يقول: لما هاجيت أبا سعد أخذت معي جوزا ودعوت الصبيان فأعطيتهم منه، وقلت لهم: صيحوا به قائلين:
يا أبا سعد قوصرهزاني الأخت والمره
فصاحوا به، فغلبته.
أخبرني الحسن بن عليّ، قال حدّثني ابن مهرويه، قال: حدّثني أحمد بن مروان قال: حدّثني أبو سعد المخزوميّ واسمه عيسى بن خالد بن الوليد قال: أنشدت المأمون قصيدتي الدالية الّتي رددت فيها على دعبل قوله:
ويسومني المأمون خطة عاجزأو ما رأى بالأمس رأس محمد!
وأول قصيدتي:
أخذ المشيب من الشباب الأغيدوالنائبات من الأنام بمرصد
ثم قلت له: يا أمير المؤمنين، ائذن لي أن أجيئك برأسه. قال: لا، هذا رجل فخر علينا فافخر عليه كما فخر علينا، فأمّا قتله بلا حجة فلا.
أخبرني عمّي والحسن بن عليّ عن أحمد بن أبي طاهر قال: حدّثني أبو السّريّ عمرو الشيبانيّ قال: نظر دعبل يوما في المرآة، فجعل يضحك، وكانت في عنفقته سلعة، فقلت له: من أيّ شيء تضحك؟
قال: نظرت إلى وجهي في المرآة، ورأيت هذه السّلعة الّتي في عنفقتي، فذكرت قول الفاجر أبي سعد:
وسلعة سوء به سلعةظلمت أباه فلم ينتصر
أخبرني محمد بن عمران الصيرفيّ قال: حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ قال: قال عبد اللّه بن الحسن بن أحمد مولى عمر بن عبد العزيز قال: حدّثنا محمد بن عليّ الطالبيّ قال: لقيت دعبل بن عليّ، فحدّثني أن أبا عمرو الشيبانيّ سأله: ما هو دعبل؟ فقلت له: لا أدري، فقال: إنها الناقة المسنّة. قال محمد بن عليّ الطالبيّ: ثم تحدّثنا ساعة، فقلت: أما ترى لأبي سعد يا أبا عليّ وانهماكه في هجائك؟
فقال دعبل: لكني لم أقل فيه إلا أبياتا سخيفة يلعب بها الصبيان والإماء، وأنشدني قوله فيه:
يا أبا سعد قوصرهزاني الأخت والمره
لو تراه محنّباخلته عقد قنطره
أو ترى الأير في استهقلت ساق بمقطره
قال محمد، فقلت لدعبل: دع عنك ذا، فقد واللّه أوجعك الرجل، فإن أجبته بجواب مثله انتصفت، وإلا فإن هذا اللغو الّذي فخرت به يسقط وتفضح آخر الدهر، قال: ثم أنشدته قول أبي سعد فيه:
لم يبق لي لذّة من طيّة بددولا المنازل من خيف ولا سند
أبعد خمسين عادت جاهليتهيا ليت ما عاد منها اليوم لم يعد
وما تريد عيون العين من رجلكرّ الجديدان في أيامه الجدد
أبدى سرائره وجدا بغانيةولو أطاع مشيب الرأس لم يجد
واستمطرت عبرات العين منزلةلم يبق منها سوى الآريّ والوتد
وما بكاؤك دارا لا أنيس بهاإلّا الخواضب من خيطانها الرّبد
لدعبل وطر في كل فاحشةلو باد لؤم بني قحطان لم يبد
ولي قواف إذا أنزلتها بلداطارت بهن شياطيني إلى بلد
لم ينج من خيرها أو شرّها أحدفاحذر شآبيبها إن كنت من أحد
إنّ الطّرمّاح نالته صواعقهافي ظلمة القبر بين الهام والصّرد
وأنت أولى بها إذ كنت وارثهفابعد وجهدك أن تنجو على البعد
تهجو نزارا وترعى في أرومتهاوتنتمي في أناس حاكة البرد
إني إذا رجل دبّت عقاربهسقيته سم حيّاتي فلم يعد
زدني أزدك هوانا أنت موضعهومن يزيد إذا ما نحن لم نزد؟
لو كنت متئدا فيما تلفقهلكان حظك منه حظ متئد
أو كنت معتمدا منه على ثقةمن المكارم قلنا: طول معتمد
لقد تقلدت أمرا لست نائلهبلا وليّ ولا مولى ولا عضد
وقد رميت بياض الشمس تحسبهبياض بطنك من لؤم ومن نكد
لا توعدنّي بقوم أنت ناصرهمواقعد فإنك نومان من القعد
للّه معتصم باللّه، طاعتهقضية من قضايا الواحد الصمد
قال، فلما أنشدتها دعبلا، قال: أنا أشتمه وهو يشتمني، فما إدخال المعتصم بيننا؟ وشق ذلك عليه وخافه، ثم قال نقيض هذه القصيدة:
منازل الحيّ من غمدان فالنّضد
وهي طويلة مشهورة في شعره، هكذا قال العنزيّ في الخبر، ولم يأت بها.
حدّثنا محمد قال: حدّثنا العنزيّ قال: حدّثني عبد اللّه بن الحسين عن محمد بن عليّ الطالبيّ قال: عبر دعبل الجسر ببغداد، وأبو سعد واقف على دابته عند الجسر، وعليه ثوب صوف مشبّه بالخز مصبوغ، فضرب دعبل بيده على فخذه، وقال: دعيّ على دعيّ.
أخبرني محمد بن جعفر الصيدلانيّ صهر المبرّد قال: حدّثني محمد بن موسى الضبيّ راوية العتّابيّ، وكان نديما لعبد اللّه بن طاهر قال: بينما هو ذات ليلة يذاكرنا بالأدب وأهله وشعراء الجاهلية والإسلام إذ بلغ إلى ذكر المحدثين حتى انتهى إلى ذكر دعبل، فقال: ويحك يا ضبّيّ!، إني أريد أن أحدثك بشيء على أن تستره طول حياتي، فقلت له: أصلحك اللّه أنا عندك في موضع ظنة؟ قال: لا، ولكن أطيب لنفسي أن توثّق لي بالأيمان لأركن إليها، ويسكن قلبي عندها، فأحدّثك حينئذ.
قال: قلت: إن كنت عند الأمير في هذه الحال فلا حاجة به إلى إفشاء سرّه إليّ، واستعفيته مرارا فلم يعفني، فاستحييت من مراجعته، وقلت: فلير الأمير رأيه. فقال لي: يا ضبّيّ، قل: واللّه. قلت: واللّه، فأمّرها عليّ غموسا مؤكّدة بالبيعة والطلاق وكلّ ما يحلف به مسلم. ثم قال: أشعرت أنّ دعبلا مدخول النسب؟ وأمسك، فقلت: أعزّ اللّه الأمير، أفي هذا أخذت العهود والمواثيق ومغلّظ الأيمان؟ قال: إي واللّه، فقلت: ولم؟ قال: لأني رجل لي في نفسي حاجة، ودعبل رجل قد حمل نفسه على المهالك، وحمل جذعه على عنقه، فليس يجد من يصلبه عليه، وأخاف إن بلغه أن يقول فيّ ما يبقى عليّ عاره على الدهر، وقصاراي إن ظفرت به وأسلمته اليمن - وما أراها تفعل؛ لأنه اليوم لسانها وشاعرها والذابّ عنها والمحامي لها والمرامي دونها - فأضربه مائة سوط، وأثقله حديدا، وأصيّره في مطبق باب الشام.
وليس في ذلك عوض مما سار فيّ من الهجاء وفي عقبي من بعدي. فقلت: ما أراه يفعل ويقدم عليك. فقال لي: يا عاجز، أهون عليه مما لم يكن. أتراه أقدم على الرشيد والأمين والمأمون وعلى أبي ولا يقدم عليّ؟ فقلت: فإذا كان الأمر كذا فقد وفق الأمير فيما أخذه عليّ.
قال: وكان دعبل صديقا لي، فقلت: هذا شيء قد عرفته، فمن أين؟ قال الأمير: إنّه مدخول النسب وهو في البيت الرفيع من خزاعة، لا يتقدمهم غير بني أهبان مكلّم الذئب. فقال: أسمع أنه كان أيام ترعرع خاملا لا يؤبه له، وكان ينام هو ومسلم بن الوليد في إزار واحد، لا يملكان غيره. ومسلم أستاذه وهو غلام أمرد يخدمه، ودعبل حينئذ لا يقول شعرا يفكر فيه حتى قال:
لا تعجبي يا سلم من رجلضحك المشيب برأسه فبكى
وغنّى فيه بعض المغنين وشاع، فغنّي به بين يدي الرشيد، إما ابن جامع أو ابن المكي، فطرب الرشيد، وسأل عن قائل الشعر، فقيل له: دعبل بن عليّ، وهو غلام نشأ من خزاعة. فأمر بإحضار عشرة آلاف درهم وخلعة من ثيابه، فأحضر ذلك، فدفعه مع مركب من مراكبه إلى خادم من خاصته، وقال له: اذهب بهذا إلى خزاعة فاسأل عن دعبل بن عليّ، فإذا دللت عليه فأعطه هذا، وقل له: ليحضر إن شاء، وإن لم يجب ذلك فدعه. وأمر للمغني بجائزة، فسار الغلام إلى دعبل، وأعطاه الجائزة، وأشار عليه بالمسير إليه.
فلما دخل عليه وسلّم أمره بالجلوس فجلس، واستنشده الشعر فأنشده إياه، فاستحسنه وأمره بملازمته وأجرى عليه رزقا سنيّا، فكان أول من حرضه على قول الشعر.
فو اللّه ما بلغه أن الرشيد مات حتى كافأه على ما فعله: من العطاء السنيّ، والغنى بعد الفقر، والرفعة بعد الخمول بأقبح مكافأة. وقال فيه من قصيدة مدح بها أهل البيت عليهم السّلام، وهجا الرشيد:
وليس حيّ من الأحياء نعلمهمن ذي يمان ومن بكر ومن مضر
إلّا وهم شركاء في دمائهمكما تشارك أيسار على جزر
قتل وأسر وتحريق ومنهبةفعل الغزاة بأرض الروم والخزر
أرى أمية معذورين إن قتلواولا أرى لبني العباس من عذر
اربع بطوس على القبر الزكي إذاما كنت تربع من دين على وطر
قبران في طوس خير الناس كلّهموقبر شرّهم هذا من العبر
ما ينفع الرّجس من قرب الزكيّ ولاعلى الزكيّ بقرب الرجس من ضرر
هيهات كلّ امرىء رهن بما كسبتله يداه فخذ ما شئت أو فذر
- يعني قبر الرشيد وقبر الرضا عليه السّلام، فهذه واحدة.
وأما الثانية فإن المأمون لم يزل يطلبه وهو طائر على وجهه حتى دسّ إليه قوله:
علم وتحكيم وشيب مفارقطمّسن ريعان الشباب الرائق
وإمارة في دولة ميمونةكانت على اللذات أشغب عائق
أنّى يكون وليس ذاك بكائنيرث الخلافة فاسق عنن فاسق
إن كان إبراهيم مضطلعا بهافلتصلحن من بعده لمخارق
فلما قرأها المأمون ضحك، وقال: قد صفحت عن كلّ ما هجانا به إذ قرن إبراهيم بمخارق في الخلافة، وولاه عهده.
وكتب إلى أبي أن يكاتبه بالأمان، ويحمل إليه مالا. وإن شاء أن يقيم عنده أو يصير إلى حيث شاء فليفعل.
فكتب إليه أبي بذلك، وكان واثقا به، فصار إليه، فحمله وخلع عليه، وأجازه وأعطاه المال، وأشار عليه بقصد المأمون ففعل. فلما دخل وسلّم عليه تبسم في وجهه، ثم قال أنشدني:
مدارس آيات خلت من تلاوةومنزل وحي مقفر العرصات
فجزع، فقال له: لك الأمان فلا تخف، وقد رويتها ولكني أحبّ سماعها من فيك، فأنشده إياها إلى آخرها والمأمون يبكي حتى أخضل لحيته بدمعه، فو اللّه ما شعرنا به إلا وقد شاعت له أبيات يهجو بها المأمون بعد إحسانه إليه وأنسه به حتى كان أول داخل، وآخر خارج من عنده.
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال: حدّثني أبو بكر العامريّ، قال: استدعى بعض بني هاشم دعبل وهو يتولى للمعتصم ناحية من نواحي الشام، فقصده إليها، فلم يقع منه بحيث ظن وجفاه، فكتب إليه دعبل:
دلّيتني بغرور وعدك فيمتلاطم من حومة الغرق
حتى إذا شمت العدوّ وقدشهر انتقاصك شهرة البلق
أنشأت تحلف أنّ ودّك ليصاف وحبلك غير منحذق
وحسبتني فقعا بقرقرةفوطئتني وطئا على حنق
ونصبتني علما على غرضترميني الأعداء بالحدق
وظننت أرض اللّه ضيّقةعني وأرض اللّه لم تضق
من غير ما جرم سوى ثقةمنّي بوعدك حين قلت: ثق
ومودة تحنو عليك بهانفسي بلا منّ ولا ملق
فمتى سألتك حاجة أبدافاشدد بها قفلا على غلق
وقف الإخاء على شفى جرفهار فبعه بيعة الخلق
وأعدّ لي قفلا وجامعةفاشدد يديّ بها إلى عنقي
أعفيك مما لا تحبّ بهاواسدد عليّ مذاهب الأفق
ما أطول الدنيا وأعرضهاوأدلّني بمسالك الطرق
أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدّثنا ابن مهرويه قال: حدّثني أبي قال: قدم دعبل الدّينور، فجرى بينه وبين رجل من ولد الزّبير بن العوام كلام وعربدة على النبيذ، فاستعدى عليه عمرو بن حميد القاضي، وقال: شتم صفية بنت عبد المطلب، واجتمع عليه الغوغاء، فهرب دعبل، وبعث القاضي إلى دار دعبل فوكّل بها وختم بابه، فوجّه إليه برقعة فيها: ما رأيت قطّ أجهل منك إلّا من ولّاك، فأنه أجهل، يقضي في العربدة على النبيذ، ويحكم على خصم غائب، ويقبل عقلك أني رافضيّ شتم صفية بنت عبد المطلب. سخنت عينك، أفمن دين الرافضة شتم صفية! قال أبي: فسألني الزبيريّ القاضي عن هذا الحديث فحدثته، فقال: صدق واللّه دعبل في قوله، لو كنت مكانه لوصلته وبرزته.
أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدثنا ابن مهرويه قال: حدّثني إبراهيم بن سهل القارىء قال حدّثني دعبل قال: كتبت إلى أبي نهشل بن حميد، وقد كان نسك وترك شرب النبيذ، ولزم دار الحرم:
إنما العيش في منادمة الإخوان لا في الجلوس عند الكعاب
وبصرف كأنها ألسن البرق إذا استعرضت رقيق السحاب
إن تكونوا تركتم لذة العيش حذار العقاب يوم العقاب
فدعوني وما ألذّ وأهوىوادفعوا بي في نحر يوم الحساب
قال: فكان بعد ذلك يدعوني وسائر ندمائي، فنشرب بين يديه، ويستمع الغناء، ويقتصر على الأنس والحديث.
أخبرني الحسن قال: حدثنا ابن مهرويه قال: حدثنا إبراهيم بن المدبّر قال: كنت أنا وإبراهيم بن العباس رفيقين نتكسّب بالشعر قال: وأنشدني قصيدة دعبل في المطّلب بن عبد اللّه:
أمطّلب أنت مستعذبسمام الأفاعي ومستقبل
قال، وقال لي دعبل: نصفها لإبراهيم بن العباس، كنت أقول مصراعا فيجيزه، ويقول هو مصراعا فأجيزه.
قال ابن مهرويه: وحدّثني إبراهيم بن المدبر أن دعبلا قصد مالك بن طوق ومدحه، فلم يرض ثوابه، فخرج عنه وقال فيه:
إنّ ابن طوق وبني تغلبلو قتلوا أو جرحوا قصره
لم يأخذوا من دية درهمايوما ولا من أرشهم بعره
دماؤهم ليس لها طالبمطلولة مثل دم العذره
وجوههم بيض وأحسابهمسود وفي آذانهم صفرة
حدثنا محمد بن عمران الصيرفيّ قال: حدّثني العنزيّ قال: حدثنا عبد اللّه بن الحسن قال: حدّثني عمر بن عبد اللّه أبو حفص النحويّ مؤدب آل طاهر قال: دخل دعبل بن عليّ على عبد اللّه بن طاهر، فأنشده وهو ببغداد:
جئت بلا حرمة ولا سببإليك إلّا بحرمة الأدب
فاقض ذمامي فإنني رجلغير ملحّ عليك في الطلب
قال فانتعل عبد اللّه، ودخل إلى الحرم، ووجّه إليه بصرّة فيها ألف درهم، وكتب إليه:
أعجلتنا فأتاك عاجل برّناولو انتظرت كثيرة لم يقلل
فخذ القليل وكن كأنك لم تسلّونكون نحن كأننا لم نفعل
أخبرني أحمد بن عاصم الحلوانيّ قال: حدثنا أبو بكر المدائنيّ قال: حدثنا أبو طالب الجعفريّ ومحمد بن أمية الشاعر جميعا قالا: هجا دعبل بن عليّ مالك بن طوق قال:
سألت عنكم يا بني مالكفي نازح الأرضين والدّانيه
طرّا فلم تعرف لكن نسبةحتى إذا قلت بني الزانية
قالوا فدع دارا على يمنةوتلك ها دار هم ثانيه
لا حدّ أخشاه علىمن قال أمّك زانية
وقال أيضا فيه:
يا زاني ابن الزان ابن الزان ابن الزانية
أنت المردّد في الزناء على السنين الخالية
ومردّد فيه علىكرّ السنين الباقية
وبلغت الأبيات مالكا، فطلبه، فهرب فأتى البصرة وعليها إسحاق بن العباس بن عليّ بن عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب، وكان بلغه هجاء دعبل وابن أبي عيينة نزارا.
فأما ابن أبي عيينة فإنه هرب منه فلم يظهر بالبصرة طول أيامه.
وأما دعبل فإنه حين دخل البصرة بعث فقبض عليه، ودعا بالنّطع والسيف ليضرب عنقه، فجحد القصيدة وحلف بالطلاق على جحدها وبكلّ يمين تبرّىء من الدم أنه لم يقلها وأن عدوا له قالها، إما أبو سعد المخزومي أو غيره ونسبها إليه ليغري بدمه، وجعل يتضرع إليه ويقبّل الأرض ويبكي بين يديه، فرقّ له، فقال: أما إذا أعفيتك من القتل فلا بد من أن أشهرك، ثم دعا بالعصا فضربه حتى سلح، وأمر به فألقي على قفاه، وفتح فمه فردّ سلحه فيه والمقارع تأخذ رجليه، وهو يحلف ألا يكفّ عنه حتى يستوفيه ويبلعه أو يقتله. فما رفعت عنه حتى بلغ سلحه كله، ثم خلّاه، فهرب إلى الأهواز.
وبعث مالك بن طوق رجلا حصيفا مقداما، وأعطاه سمّا وأمره أن يغتاله كيف شاء، وأعطاه على ذلك عشرة آلاف درهم، لم يزل يطلبه حتى وجده في قرية من نواحي السّوس، فاغتاله في وقت من الأوقات بعد صلاة العتمة، فضرب ظهر قدمه بعكاز لها زجّ مسموم فمات من غد، ودفن بتلك القرية.
وقيل بل حمل إلى السوس، فدفن فيها.
وأمر إسحاق بن العباس شاعرا يقال له: الحسن بن زيد ويكنى أبا الذّلفاء، فنقض قصيدتي دعبل وابن أبي عيينة بقصيدة أولها:
أما تنفك متبولا حزيناتحبّ البيض تعصي العاذلينا
يهجو بها قبائل اليمن، ويذكر مثالبهم، وأمره بتفسير ما نظمه، وذكر الأيام والأحوال، ففعل ذلك وسماها الدامغة، وهي إلى اليوم موجودة.
صوت
أتهجر من تحب بغير جرمأسأت إذا وأنت له ظلوم
تؤرقني الهموم وأنت خلولعمرك ما تؤرقك الهموم
الشعر لجعيفران الموسوس، أنشدنيه عمي عن عبد اللّه عثمان الكاتب عن أبيه عن جده، وأنشد فيه جحظة عن خالد الكاتب له، وأنشدنيه ابن الوشّاء عن بعض شيوخه عن سلمة النحويّ له. ووجدته في بعض الكتب منسوبا إلى أم الضحاك المحاربية، والقول الأول أصح. والغناء لابن أبي قباحة، ثاني ثقيل بالوسطى في مجرى البنصر. وفي أبيات أخر من شعر جعيفران غناء، فإن لم يصح هذا له فالغناء له في أشعاره الأخر صحيح، منها:
ما يفعل المرء فهو أهلهكلّ امرىء يشبهه فعله
ولا ترى أعجز من عاجزسكّتنا عن ذمّه بذله
الشعر لجعيفران، والغناء لمتيمّ، وممّا وجدته من الشعر المنسوب إليه في جامعة وفيه له غناء:
قلبي بصاحبة الشّنوف معلّقوتفرّ صاحبة الشنوف وألحق
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع