تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

أخبار جعيفران ونسبه

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

هو جعيفران بن عليّ بن أصفر بن السريّ بن عبد الرحمن الأبناويّ، من ساكني سرّ من رأى، ومولده ومنشؤه ببغداد. وكان أبوه من أبناء الجند الخراسانية، وكان يتشيّع، ويكثر لقاء أبي الحسن عليّ بن موسى بن جعفر.

أخبرني بذلك أبو الحسن عليّ بن العباس بن أبي طلحة الكاتب عن أبيه وأهله.

وكان جعيفران أديبا شاعرا مطبوعا، وغلبت عليه المرّة السوداء، فاختلط وبطل في أكثر أوقاته ومعظم أحواله، ثم كان إذا أفاق ثاب إليه عقله وطبعه، فقال الشعر الجيد. وكان أهله يزعمون أنه من العجم ولد أذين.

فأخبرني الحسن بن عليّ الخفّاف قال: حدّثني محمد بن مهريه قال: حدّثني عليّ بن سليمان النّوفليّ قال: حدّثني صالح بن عطية قال: كان لجعيفران الموسوس قبل أن يختلط عقله أب يقال له: عليّ بن أصفر، وكان دهقان الكرخ ببغداد، وكان يتشيّع، فظهر على ابنه جعيفران أنه خالفه إلى جارية له سرّية، فطرده عن داره.

وحجّ فشكا ذلك إلى موسى بن جعفر، فقال له موسى: إن كنت صادقا عليه فليس يموت حتى يفقد عقله، وإن كنت قد تحققت ذلك عليه فلا تساكنه في منزلك، ولا تطعمه شيئا من مالك في حياتك، وأخرجه عن ميراثك بعد وفاتك.

فقدم فطرده، وأخرجه من منزله، وسأل الفقهاء عن حيلة يشهد بها في ماله حتى يخرجه عن ميراثه، فدلّوه على السبيل إلى ذلك، فأشهد به، وأوصى إلى رجل. فلما مات الرجل حاز ميراثه ومنع منه جعيفران، فاستعدى عليه أبا يوسف القاضي، فأحضر الوصيّ، وسأل جعيفران البينة على نسبه وتركة أبيه، فأقام على ذلك بينة عدة، وأحضر الوصيّ بيّنة عدولا على الوصية يشهدون على أبيه ما كان احتال به عليه.

فلم ير أبو يوسف ذلك شيئا، وعزم على أن يورّثه، فدفعه الوصيّ عن ذلك مرات بعلل. ثم عزم أبو يوسف على أن يسجّل لجعيفران بالمال، فقال له الوصيّ: أيها القاضي، أنا أدفع هذا بحجة واحدة بقيت عندي، فأبى أبو يوسف أن يقبل منه، وجعل جعيفران يحرّج عليه، ويقول له: قد ثبت عندك أمري، فبأي شيء تدافعني؟ وجعل الوصيّ يسأله أن يسمع منه منفردا، فيأبي، ويقول: لا أسمع منك إلّا بحضرة خصمك. فقال له أجّلني إلى غد، فأجّله إلى منزله وكتب رقعة خبّره فيها بحقيقة ما أفتى به موسى بن جعفر، ودفعها إلى صديق لأبي يوسف، فدفعها إليه، فلما قرأها دعا الوصيّ واستحلفه أنه قد صدق في ذلك. فحلف باليمين الغموس. فقال له: اغد عليّ غدا مع صاحبك، فحضر وحضر جعيفران معه، فحكم عليه أبو يوسف للوصي. فلما أمضى الحكم عليه وسوس جعيفران واختلط منذ يومئذ.

وأخبرني بجمل أخباره المذكورة في هذا الكتاب عليّ بن العباس بن أبي طلحة الكاتب، عن شيوخ له أخذها عنهم وإجازات وجدتها في الكتب، ولم أر أخباره عند أحد أكثر مما وجدتها عنده إلّا ما أذكره عن غيره فأنسبه إليه.

قال عليّ بن العباس: وذكر عبد اللّه بن عثمان الكاتب أن أباه عثمان بن محمد حدّثه قال: كنت يوما برصافة مدينة السّلام جالسا إذ جاءني جعيفران وهو مغضب، فوقف عليّ وقال:

استوجب العالم مني القتلا

فقلت: ولم يا أبا الفضل؟ فنظر إليّ نظرة منكرة خفت منها، وقال:

لمّا شعرت فرأوني فحلا

ثم سكت هنيهة، وقال:

قالوا علىّ كذبا وبطلاإني مجنون فقدت العقلا
للشاعر جُعَيفُران المُوسوَس، اقرأ القصيدة
قالوا المحال كذبا وجهلاأقبح بهذا الفعل منهم فعلا
للشاعر جُعَيفُران المُوسوَس، اقرأ القصيدة

ثم ذهب لينصرف، فخفت أن يؤذيه الصبيان، فقلت: اصبر فديتك حتى أقوم معك؛ فإنك مغضب، وأكره أن تخرج على هذه الحال. فرجع إليّ، وقال: سبحان اللّه، أتراني أنسبهم إلى الكذب والجهل، وأستقبح فعلهم، وتتخوّف مني مكافأتهم! ثم إنه ولّى وهو يقول:

لست براض من جهول جهلاولا مجازيه بفعل فعلا
للشاعر جُعَيفُران المُوسوَس، اقرأ القصيدة
لكن أرى الصفح لنفسي فضلامن يرد الخير يجده سهلا
للشاعر جُعَيفُران المُوسوَس، اقرأ القصيدة

ثم مضى.

وقال عليّ بن العباس، وقال عثمان بن محمد: قال أبي: كنت أشرف مرة من سطح لي على جعيفران وهو في دار وحده وقد اعتلّ، وتحركت عليه السوداء، فهو يدور في الدار طول ليلته، ويقول:

طاف به طيف من الوسواسنفّر عنه لذّة النّعاس
للشاعر جُعَيفُران المُوسوَس، اقرأ القصيدة
فما يرى يأنس بالأناسولا يلذّ عشرة الجلّاس
للشاعر جُعَيفُران المُوسوَس، اقرأ القصيدة
فهو غريب بين هذا الناس

حتى أصبح وهو يرددها، ثم سقط كأنه بقلة ذابلة.

قال علي: وحدّثني عليّ بن رستم النحوي، قال: حدّثني سلمة بن محارب قال: مررت ببغداد، فرأيت قوما مجتمعين على رجل، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: جعيفران المجنون، فقلت: قل بيتا بنصف درهم. قال: هاته، فأعطيته، فقال:

لجّ ذا الهمّ واعتلجكلّ همّ إلى فرج

ثم قال: زد إن شئت حتى أزيدك.

قال عليّ: وحدّثني عبد اللّه بن عثمان، عن أبيه قال: غاب عنا جعيفران أياما ثم جاءنا والصبيان يشدون خلفه وهو عريان وهم يصيحون به: يا جعيفران يا خرا في الدار. فلما بلغ إليّ وقف، وتفرّقوا عنه فقال: يا أبا عبد اللّه:

رأيت الناس يدعوننيبمجنون على حالي
وما بي اليوم من جنّولا وسواس بلبال
للشاعر جُعَيفُران المُوسوَس، اقرأ القصيدة
ولكن قولهم هذالإفلاسي وإقلالي
للشاعر جُعَيفُران المُوسوَس، اقرأ القصيدة
ولو كنت أخا وفررخيّا ناعم البال
للشاعر جُعَيفُران المُوسوَس، اقرأ القصيدة
رأوني حسن العقلأحلّ المنزل العالي
للشاعر جُعَيفُران المُوسوَس، اقرأ القصيدة
وما ذاك على خبرولكن هيبة المال
للشاعر جُعَيفُران المُوسوَس، اقرأ القصيدة

قال: فأدخلته منزلي، فأكل، وسقيته أقداحا، ثم قلت له: تقدر على أن تغيّر تلك القافية؟ فقال: نعم، ثم قال بديهة غير مفكر ولا متوقف:

رأيت الناس يرموني أحيانا بوسواس
للشاعر جُعَيفُران المُوسوَس، اقرأ القصيدة
ومن يضبط يا صاحمقال الناس في الناس؟
للشاعر جُعَيفُران المُوسوَس، اقرأ القصيدة
فدع ما قاله الناسونازع صفوة الكاس
للشاعر جُعَيفُران المُوسوَس، اقرأ القصيدة
فتى حرّا صحيح الودّ ذا برّ وإيناس
للشاعر جُعَيفُران المُوسوَس، اقرأ القصيدة
فإن الخلق مغروربأمثالي وأجناسي
ولو كنت أخا مالأتوني بين جلّاسي
للشاعر جُعَيفُران المُوسوَس، اقرأ القصيدة
يحبوني ويحبونيعلى العينين والراس
للشاعر جُعَيفُران المُوسوَس، اقرأ القصيدة
ويدعوني عزيزا غير أنّ الذل إفلاسي
للشاعر جُعَيفُران المُوسوَس، اقرأ القصيدة

ثم قام يبول، فقال بعض من حضر: أيّ شيء معنى عشرتنا هذا المجنون العريان؟ واللّه ما نأمنه وهو صاح، فكيف إذا سكر؟ وفطن جعيفران للمعنى، فخرج إلينا وهو يقول:

وندامي أكلونيإذ تغيّبت قليلا
للشاعر جُعَيفُران المُوسوَس، اقرأ القصيدة
زعموا أني مجنون أرى العرى جميلا
للشاعر جُعَيفُران المُوسوَس، اقرأ القصيدة
كيف لا أعرى وما أبصر في الناس مثيلا؟
إن يكن قد ساءكم قربي فخلّوا لي سبيلا
وأتمّوا يومكم سرّكم اللّه طويلا

قال: فرققنا له، واعتذرنا إليه، وقلنا له: واللّه ما نلتذّ إلّا بقربك، وأتيناه بثوب، فلبسه، وأتممنا يومنا ذلك معه.

أخبرني جحظة قال: حدّثني ميمون بن هارون قال: تقدّم جعيفران إلى أبي يوسف الأعور القاضي بسرّ من رأى في حكومة في شيء كان في يده من وقف له، فدفعه عنه، وقضى عليه. فقال له: أراني اللّه أيها القاضي عينيك سواء، فأمسك عنه، وأمر بردّه إلى داره.

فلما رجع أطعمه ووهب له دراهم، ثم دعا به فقال له: ما ذا أردت بدعائك؟ أردت أن يرد اللّه على بصري ما ذهب؟ فقال له: واللّه لئن كنت وهبت لي هذه الدراهم لأسخر منك؛ لأنت المجنون لا أنا. أخبرني كم من أعور رأيته عمي؟ قال: كثيرا، قال: فهل رأيت أعور صحّ قطّ؟ قال: لا. قال: فكيف توهمت عليّ الغلط! فضحك وصرفه.

أخبرني محمد بن جعفر النحويّ صهر المبرّد قال: حدّثني أحمد بن القاسم البرتيّ قال: حدّثني علي بن يوسف قال: كنت عند أبي دلف القاسم بن عيسى العجليّ فاستأذن عليه حاجبه لجعيفران الموسوس، فقال له: أيّ شيء أصنع بموسوس! قد قضينا حقوق العقلاء، وبقي علينا حقوق المجانين! فقلت له: جعلت فداء الأمير موسوس أفضل من كثير من العقلاء، وإن له لسانا يتّقى وقولا مأثورا يبقى، فاللّه اللّه أن تحجبه، فليس عليك منه أذى ولا ثقل، فأذن له، فلما مثل بين يديه قال:

يا أكرم العالم موجوداويا أعزّ الناس مفقودا
للشاعر جُعَيفُران المُوسوَس، اقرأ القصيدة
لما سألت الناس عن واحدأصبح في الأمة محمودا
للشاعر جُعَيفُران المُوسوَس، اقرأ القصيدة
قالوا جميعا إنه قاسمأشبه آباء له صيدا
للشاعر جُعَيفُران المُوسوَس، اقرأ القصيدة
لو عبدوا شيئا سوى ربهمأصبحت في الأمة معبودا
للشاعر جُعَيفُران المُوسوَس، اقرأ القصيدة
لا زلت في نعمى وفي غبطةمكرّما في الناس معدودا
للشاعر جُعَيفُران المُوسوَس، اقرأ القصيدة

قال، فأمر له بكسوة وبألف درهم، فلما جاء بالدراهم أخذ عنها عشرة، وقال: تأمر القهرمان أن يعطيني الباقي مفرّقا كلما جئت؛ لئلا يضيع مني، فقال للقهرمان: أعطه المال، وكلما جاءك فأعطه ما شاء حتى يفرّق الموت بيننا، فبكى عند ذلك جعيفران، وتنفّس الصعداء، وقال:

يموت هذا الّذي أراهوكلّ شيء له نفاد
لو غير ذي العرش دام شيءلدام ذا المفضل الجواد

ثم خرج، فقال أبو دلف: أنت كنت أعلم به مني.

قال: وغبر عني مدة، ثم لقيني وقال: يا أبا الحسن، ما فعل أميرنا وسيّدنا وكيف حاله؟ فقلت: بخير وعلى غاية الشّوق إليك. فقال: أنا واللّه يا أخي أشوق، ولكني أعرف أهل العسكر وشرههم وإلحاحهم واللّه ما أراهم يتركونه من المسألة ولا يتركهم، ولا يتركه كرمه أن يخليهم من العطيّة حتى يخرج فقيرا. فقلت: دع هذا عنك وزره، فإن كثرة السؤال لا تضرّ بماله، فقال: وكيف؟ أهو أيسر من الخليفة؟ قلت: لا. قال: واللّه لو تبذّل لهم الخليفة كما يبذل أبو دلف وأطمعهم في ماله كما يطعمهم لأفقروه في يومين، ولكن اسمع ما قلته في وقتي هذا، فقلت: هاته يا أبا الفضل فأنشأ يقول:

أبا حسن بلّغن قاسمابأنّي لم أجفه عن قلى
للشاعر جُعَيفُران المُوسوَس، اقرأ القصيدة
ولا عن ملال لإتيانهولا عن صدود ولا عن غنى
للشاعر جُعَيفُران المُوسوَس، اقرأ القصيدة
ولكن تعفّفت عن مالهوأصفيته مدحتي والثنا
للشاعر جُعَيفُران المُوسوَس، اقرأ القصيدة
أبو دلف سيّد ماجدسنيّ العطية رحب الفنا
للشاعر جُعَيفُران المُوسوَس، اقرأ القصيدة
كريم إذا انتابه المعتفون عمّهم بجزيل الحبا
للشاعر جُعَيفُران المُوسوَس، اقرأ القصيدة

قال: فأبلغتها أبا دلف، وحدّثته بالحديث الّذي جرى، فقال لي: قد لقيته منذ أيام؛ فلما رأيته وقفت له، وسلّمت عليه، وتحفّيت به، فقال لي: سر أيها الأمير على بركة اللّه، ثم قال لي:

يا معدي الجود على الأموالويا كريم النّفس في الفعال
قد صنتني عن ذلة السؤالبجودك الموفي على الآمال
صانك ذو العزة والجلالمن غير الأيام والليالي

قال: ولم يزل يختلف إلى أبي دلف ويبره حتى افترقا.

سمعت عبد اللّه بن أحمد، عمّ أبي رحمه اللّه يحدّث فحفظت الخبر، ولا أدري أذكر له إسنادا فلم أحفظه أم ذكره بغير إسناد، قال: كان جعيفران خبيث اللسان هجّاء، لا يسلم عليه أحد، فاطّلع يوما في الحب، فرأى وجهه قد تغيّر، وعفا شعره فقال:

ما جعفر لأبيهولا له بشبيه
للشاعر جُعَيفُران المُوسوَس، اقرأ القصيدة
أضحى لقوم كثيرفكلّهم يدعيه
للشاعر جُعَيفُران المُوسوَس، اقرأ القصيدة
هذا يقول بنيّوذا يخاصم فيه
للشاعر جُعَيفُران المُوسوَس، اقرأ القصيدة
والأمّ تضحك منهملعلمها بأبيه
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ما عاصم لأبيه»

حدّثني محمد بن الحسن الكنديّ خطيب القادسية قال: حدّثني رجل من كتّاب الكوفة قال: اجتاز بي جعيفران مرة فقال: أنا جائع، فأيّ شيء عندك تطعمني؟ فقلت سلق بخردل

فقال: إشتر لي معه بطّيخا، فقلت: أفعل، فادخل، وبعثت بالجارية تجيئه به، وقدّمت إليه الخبز والخردل والسّلق، فأكل منه حتى ضجر، وأبطأت الجارية، فأقبل عليّ وقد غضب فقال:

سلقتنا وخردلتثم ولّت فأدبرت
للشاعر جُعَيفُران المُوسوَس، اقرأ القصيدة
وأراها بواحدوافر الأير قد خلت
للشاعر جُعَيفُران المُوسوَس، اقرأ القصيدة

قال فخرجت - يشهد اللّه - أطلبها، فوجدتها خالية في الدّهليز بسائس لي على ما وصف.

صوت

ولها مربع ببرقة خاخومصيف بالقصر قصر قباء
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «رام قلبي السلو عن أسماء»
كفّنوني إن مت في درع أروىواجعلوا لي من بئر عروة مائي
سخنة في الشتاء باردة الصيف سراج في الليلة الظلماء
للشاعر عروة بن أذينة، من قصيدة «سخنة في الشتاء باردة الصيف»

الشعر للسّريّ بن عبد الرحمن، والغناء لمعبد، ثقيل أول بالوسطى عن الهشامي: قال: وفيهما - يعني الثالث والأول - رمل مطلق في مجرى الوسطى.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»