من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
نسب ابن أبي عيينة وأخباره
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
أبو عيينة - فيما أخبرنا به عليّ بن سليمان الأخفش عن محمد بن يزيد - اسمه وكنيته أبو المنهال، قال: وكل من يدعى أبا عيينة من آل المهلّب فأبو عيينة اسمه وكنيته أبو المنهال، وكلّ من يدعى أبا رهم من بني سدوس فكنيته أبو محمد.
وابن أبي عيينة هو محمد بن أبي عيينة بن المهلّب بن أبي صفرة. وقال أبو خالد الأسلميّ: هو أبو عيينة المنجاب بن أبي عيينة، وهو الّذي كان يهجو ابن عمه خالدا.
واسم أبي صفرة ظالم بن سرّاق، وقيل: غالب بن إسراق بن صبح بن كنديّ بن عمرو بن عديّ بن وائل بن الحارث بن العتيك بن الأسد بن عمران بن الوضّاح بن عمرو بن مزيقياء بن حارثة الغطريف بن امرىء القيس البطريق بن ثعلبة البهلول بن مازن الرّاكب بن الأزد.
هذا النسب الّذي عليه آل المهلب، وذكر غيرهم أن أصلهم من عجم عمان وأنّهم تولوا الإزد، فلما سار المهلّب وشرف وعلا ذكره استلحقوه. وممن ذكر ذلك الهيثم بن عديّ وأبو عبيدة وابن مزروع وابن الكلبيّ وسائر من جمع كتابا في المثالب وهجتهم به الشّعراء فأكثرت.
أخبرني محمد بن عمران الصيرفيّ قال: أخبرني الحسن بن عليل العنزيّ قال: حدّثني أبو عبد اللّه أحمد بن محمد بن حميد بن سليمان العدويّ قال: أخبرني الهيثم بن عديّ، عن عبد اللّه بن عيّاش الهمدانيّ قال: وفد ابن الجلندي في الأزد، أزد عمان ومواليهم وأحلافهم، فكان فيمن وفد منهم أبو صفرة، وكان يلقّب بذلك، لأنه كان يصفّر لحيته، فدخل على عمر مع ابن الجلندي ولحيته مخضوبة مصفرّة، فقال عمر لابن الجلندي: أكلّ من معك عربيّ؟ قال: لا، فينا العربيّ وفينا غير ذلك، فالتفت عمر - رحمه اللّه - إلى أبي صفرة، فقال له: أعربيّ أنت؟ قال: لا، أنا ممّن منّ اللّه عليه بالإسلام.
قال: وقدم الحكم بن أبي العاصي الثّقفيّ أخو عثمان بأعلاج من شهرك في خلافة عمر قد أسلموا، فأمر عمر عثمان بن أبي العاصي أن يختنهم، وقد كان أبو صفرة حاضرا فقال: ما لهؤلاء يطهّرون ليصلوا! قال: إنّهم يختنون.
قال: إنا واللّه هكذا مثلهم، قال: فسمع ذلك عثمان بن أبي العاصي، فأمر بأبي صفرة فأجلس على جفنة فختن وإنّه لشيخ أشمط فكان بها من قال: لسنا نشك في أنّ زوجته كذلك، فأخضرت وهي عجوز أدماء، فأمر بها القابلة فنظرت إليها وكشفتها، وإذا هي غير مختونة، وذلك منها قد أحشف، فأمر بها فخفضت.
وقال في ذلك زياد الأعجم، وقد غضب على المهلّب:
نحن قطعنا من أبي صفرةقلفته كي يدخل البصره
لما رأى عثمان غرمولهأتنّ على قلفته الشّفره
وليس هذا من الأقوال المعوّل عليها، لأن أصل المثالب زياد لعنه اللّه، فإنه لمّا ادّعي إلى أبي سفيان، وعلم أن العرب لا تقرّ له بذلك مع علمها بنسبه ومع سوء آثاره فيهم، عمل كتاب المثالب، فألصق بالعرب كلّها كلّ عيب وعار، وحقّ وباطل، ثم بني على الهيثم بن عديّ - وكان دعيّا - فأراد أن يعرّ أهل البيوتات تشفّيا منهم، وفعل ذلك أبو عبيدة معمر بن المثنّى، وكان أصله يهوديا، أسلم جدّه على يدي بعض آل أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه، فانتمى إلى ولاء بني تيم فجدّد كتاب زياد وزاد فيه، ثم نشأ غيلان الشّعوبيّ لعنه اللّه، وكان زنديقا ثنويّا لا يشكّ فيه، عرف في حياته بعض مذهبه، وكان يورّي عنه في عوراته للإسلام بالتّشعّب والعصبية، ثم انكشف أمره بعد وفاته، فأبدع كتابا عمله لطاهر بن الحسين، وكان شديد التّشعّب والعصبيّة، خارجا عن الإسلام بأفاعيله، فبدأ فيه بمثالب بني هاشم وذكر مناكحهم وأمهاتهم وصنائعهم، وبدأ منهم بالطّيّب الطاهر، رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فغمصه وذكره، ثم والي بين أهل بيته الأذكياء النجباء عليهم السّلام، ثم ببطون قريش على الولاء، ثم بسائر العرب، فألصق بهم كلّ كذب وزور، ووضع عليهم كل خبر باطل، وأعطاه على ذلك مائتي ألف درهم فيما بلغني.
وإنما جرّ هذا القول، ذكر المهلب وما قيل فيه، وأنّي ذكرته فلم أجد بدّا من ذكر ما روي فيه؛ وفيما مرّ عن أهل النسب، ثم قلت ما عندي.
أخبرني حبيب بن نصر قال: أخبرني عمر بن شبّة قال: حدّثني محمد بن يحيى أبو عثمان عن أبيه قال: دخل بعض النّاس على عبد الملك بن مروان فقال له: هل عندك كتاب زياد في المثالب؟ فتلكّأ، فقال له: لا بأس عليك، وبحقّي إلّا جئتني به. فمضى فجاء به، فقال له: اقرأ عليّ، فقرأه وجعل عبد الملك يتغيّظ ويعجب ممّا فيه من الأباطيل، ثم تمثّل قول الشاعر:
وأجرأ من رأيت يظهر غيبعلى عيّب الرّجال أولو العيوب
ثم أمر بالكتاب فأحرق.
رجع الخبر إلى سياقه أخبار ابن أبي عيينة
وهو شاعر مطبوع ظريف غزل هجّاء. وأنفد أكثر أشعاره في هجاء ابن عمّه خالد. وأخبارهما تذكر على أثر هذا الكلام وما يصلح تصدير أخباره به. وكان من شعراء الدولة العباسية من ساكني البصرة.
حدّثني عمّي والصوليّ قالا: حدثنا أحمد بن يزيد المهلبيّ قال: حدّثني أبي قال: أبو عيينة اسمه كنيته، وهو ابن محمد بن أبي عيينة بن المهلّب بن أبي صفرة.
وأخبرني محمد بن عمران الصّيرفيّ قال: حدّثني العنزي قال: حدّثني أبو خالد الأسلميّ قال: أبو عيينة الشاعر هو أبو عيينة بن المنجاب بن أبي عيينة بن المهلّب، وكان محمد بن أبي عيينة أبو أبى عيينة الشاعر يتولى الرّيّ لأبي جعفر المنصور، ثم قبض عليه وحبسه وغرّمه.
وأخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال: حدّثني يزيد بن محمد المهلّبيّ قال: قال وهب بن جرير: رأيت في منامي كأن قائلا يقول لي:
ما يلقى أبو حربتعالى اللّه من كرب
فلم ألبث أن أخذ المنصور أما حرب محمّد بن أبي عيينة المهلبيّ فحبسه، وكان ولاه الرّي فأقام بها سنين.
أخبرني عيسى بن الحسين الورّاق ومحمد بن يحيى الصوليّ وعمّي قالوا: حدثنا الحزنبل الأصبهانيّ قال: حدّثني الفيض بن مخلّد مولى أبي عيينة بن المهلّب قال: كان أبو عيينة بن محمد بن أبي عيينة يهوى فاطمة بنت عمر بن حفص الملقّب هزار مرد، وكانت امرأة نبيلة شريفة، وكان يخاف أهلها أن يذكرها تصريحا، ويرهب زوجها عيسى بن سليمان، فكان يقول الشعر في جارية لها يقال لها: دنيا، وكانت قيّمة دارها، ووالية أمورها كلّها. وأنشدنا لابن أبي عيينة فيها، ويكنى باسم دنيا هذه:
ما لقلبي أرقّ من كلّ قلبولحبيّ أشدّ من كل حبّ!
ولدنيا على جنوني بدنياأشتهي قربها وتكره قربي
نزلت بي بلّية من هواهاوالبلايا تكون من كلّ ضرب
قل لدنيا إن لم تجبك لما بيرطبة من دموع عينى كتبي
فعلام انتهرت باللّه رسليوتهددتهم بحبس وضرب
أيّ ذنب أذنبته ليت شعريكان هذا جزاءه أيّ ذنب؟
أخبرني عليّ بن سليمان قال حدّثني محمد بن يزيد قال: كان أبو عيينة من أطبع الناس وأقربهم مأخذا، من غير أدب موصوف ولا رواية كثيرة، وكان يقرّب البعيد، ويحذف الفضول، ويقلّ التكلف. وكان أصغر من أخيه عبد اللّه ومات قبله.
وقيل لعبد اللّه: أنت أشعر أم أخوك؟ فقال: لو كان له علمي لكان أشعر منّي، وكان يتعشق فاطمة بنت عمر بن حفص هزار مرد الّتي تزوّجها عليّ بن سليمان، ويسرّ عشقها، ويلقّبها دنيا كتمانا لأمرها. وكانت امرأة جليله نبيلة سريه من النساء، وكان أبوها من أشدّ الفرسان وشجعانهم، فذكر عيسى بن جعفر أن عيسى بن موسى قال للمهلّب بن المغيرة بن المهلّب: أكان يزيد بن خالد أشجع أم عمر بن حفص هزار مرد؟ فقال المهلّب: لم أشهد من يزيد ما شهدته من عمر بن حفص، وذلك أني رأيته يركض في طلب حمار وحشيّ حتى إذا حازاه جمع جراميزه وقفز، فصار على ظهره، فقمص الحمار، وجعل عمر بن حفص يحزّ معرفته إما بسيف وإما بسكين معه حتى قتله.
قال محمد بن يزيد: وحدّثت عن محمد بن المهلّب أنه أنكر أن يكون أبو عيينة يهوى فاطمة، وقال: إنما كان جنديّا في عداد الشّطّار، وكانت فاطمة من أنبل النساء وأسراهنّ، وإنما كان يتعشق جارية لها، وهذه الأبيات الّتي فيها الغناء من قصيدة له جيدة مشهورة من شعره، يقولها في فاطمة هذه أو جاريتها، ويكنى عنها بدنيا، فمما إختير منها قوله:
وقالوا تجنّبنا فقلت أبعد ماغلبتم على قلبي بسلطانكم غصبا!
غضاب وقد ملّوا وقوفي ببابهمولكنّ دنيا لا ملولا ولا غضبي
وقد أرسلت في السرّ أني بريّةولم تر لي فيما ترى منهم ذنبا
وقالت لك العتبى وعندي لك الرضاوما إن لهم عندي رضاء ولا عتبى
ونبئتها تلهو إذا اشتد شوقهابشعري كما تلهي المغنّية الشّربا
فأجبتها حبّا يقرّ بعينهاوحبّي إذا أحببت لا يشبه الحبا
فيا حسرتا نغصت قرب ديارهافلا زلفة منها أرجّى ولا قربا
لقد شمت الأعداء أن حيل بينهاوبيني ألا للشامتين بنا العقبى
ومما قاله فيها وغنّي فيه:
صوت
ضيّعت عهد فتى لعهدك حافظفي حفظه عجب وفي تضييعك
ونأيت عنه فما له من حيلةإلّا الوقوف إلى أوان رجوعك
متخشّعا يذري عليك دموعهأسفا ويعجب من جمود دموعك
إن تقتليه وتذهب بفؤادهفبحسن وجهك لا بحسن صنيعك
عروضه من الكامل، الغناء في هذه الأبيات من الثقيل الأول بالوسطى. ذكر عمرو بن بانة أنه له، وذكر الهشاميّ أنه لمحمد بن الحارث بن بسخنّر، وذكر عبد اللّه بن موسى بن محمد بن إبراهيم الإمام أنه لإبراهيم الموصليّ.
فذكر العتّابيّ ومحمد بن الحسن جميعا، أنّ محمد بن أحمد بن يحيى المكيّ حدثهما قال: حدّثني عمرو بن بانة قال: ركبت يوما إلى دار صالح بن الرشيد، فاجتزت بمحمد بن جعفر بن موسى الهادي - وكان معاقرا للصّبوح - فألفيته في ذلك اليوم خاليا منه، فسألته عن السبب في تعطيله إياه، فقال: نيران عليّ غضبي - يعني جارية لبعض النّخاسين ببغداد - وكانت إحدى المحسنات، وكانت بارعة الجمال ظريفة اللسان، وكان قد أفرط في حبّها حتى عرف به، فقلت له: فما تحبّ؟ قال: تجعل طريقك على مولاها فإنه يستخرجها إليك، فإذا فعل دفعت رقعتي هذه إليها - ودفع إليّ رقعة فيها:
ضيعت عهد فتى لعهدك حافظفي حفظه عجب وفي تضييعك
إن سمته أن تذهبي بفؤادهفبحسن وجهك لا بحسن صنيعك
فقلت له: نعم، أنا أتحمّل هذه الرسالة وكرامة، على ما فيها، حفظا لروحك عليك، فإني لا آمن أن يتمادى بك هذا الأمر. فأخذت الرقعة وجعلت طريقي على منزل النخاس، فبعثت إلى الجارية: اخرجي، فخرجت، فدفعت إليها الرقعة، وأخبرتها بخبري فضحكت، ورجعت إلى الموضع الّذي أقبلت منه فجلست جلسة خفيفة، ثم إذا بها قد وافتني ومعها رقعة، فيها:
صوت
وما زلت تعصيني وتغري بي الردىوتهجرني حتى مرنت على الهجر
وتقطع أسبابي وتنسى مودتيفكيف ترى يا مالكي في الهوى صبري!
فأصبحت لا أدري أيأسا تصبّريعلى الهجر أم جدّ البصيرة لا أدري
غنّى في هذه الأبيات عمرو بن بانة، ولحنه ثقيل أول بالبنصر، ولمقّاسة بن ناصح فيها ثقيل آخر بالوسطى.
لحن عمرو في الأول والثالث بغير نشيد.
قال: فأخذت الرّقعة منها وأوصلتها إليه، وصرت إلى منزلي، فصنعت في بيتي محمد بن جعفر لحنا وفي أبياتها لحنا، ثم صرت إلى الأمير صالح بن الرشيد، فعرّفته ما كان من خبري، وغنّيته الصوتين، فأمر بإسراج دوابه فأسرجت، وركب فركبت معه إلى النخّاس مولى نيران، فما برحنا حتى اشتراها منه بثلاثة آلاف دينار، وحملها إلى دار محمد بن جعفر فوهبها له، فأقمنا يومنا عنده.
أخبرنا محمد بن يحيى الصوليّ قال: حدّثني يزيد بن محمد المهلبيّ قال: دخلت على الواثق يوما وهو خليفة ورباب في حجره جالسة، وهي صبية، وهو يلقي عليها قوله:
ضيّعت عهد فتى لعهدك حافظفي حفظه عجب وفي تضييعك
وهي تغنّيه ويردده عليها، فما سمعت غناء قطّ أحسن من غنائهما جميعا، وما زال يردّده عليها حتى حفظته.
رجع الخبر إلى حديث أبي عيينة
أخبرني عليّ بن سليمان قال: حدثنا محمد بن يزيد قال: قال عبد اللّه بن محمد بن أبي عيينة أخو أبي عيينة في فاطمة - الّتي كان يشبّب بها أخوه - بنت عمر بن حفص لمّا تزوجها عيسى بن سليمان بن عليّ، وكان عيسى مبخّلا، وكانت له محابس يحبس فيها البياح ويبيعه، وكانت له ضيعة تعرف بدالية عيسى يبيع منها البقول والرياحين، وكان أول من جمع السّماد بالبصرة وباعه، فقال فيه أبو الشمقمق:
إذا رزق العباد فإنّ عيسىله رزق من استاه العباد
فلما تزوّج عيسى فاطمة بنت عمر بن حفص قال عبد اللّه بن محمد بن أبي عيينة في ذلك:
أفاطم قد زوّجت عيسى فأبشريلديه بذلّ عاجل غير آجل
فإنك قد زوّجت عن غير خبرةفتى من بني العباس ليس بعاقل
فإن قلت من رهط النبيّ فإنّهوإن كان حرّ الأصل عبد الشمائل
وقد قال فيه جعفر ومحمدأقاويل حتى قالها كلّ قائل
وما قلت ما قالا لأنك أختناوفي البيت منّا والذّرا والكواهل
لعمري لقد أثبّته في نصابهبأن صرت منه في محلّ الحلائل
إذا ما بنو العباس يوما تنازعواعرا المجد واختاروا كرام الخصائل
رأيت أبا العباس يسمو بنفسهإلى بيع بيّاحاته والمباقل
قال مؤلف هذا الكتاب: وكان عبد اللّه، أخو أبي عيينة شاعرا، وكان يقدّم على أخيه، فأخبرني جحظة قال: حدّثني عليّ بن يحيى المنجّم قال: قال إسحاق الموصليّ: شعر عبد اللّه بن أبي عيينة أحبّ إليّ من شعر أبيه وأخيه. قال: وكان عبد اللّه صديقا لإسحاق.
قال محمد بن يزيد: ومما قاله في فاطمة وصرّح بذكر القرابة بينهما، وحقق على نفسه أنه يعنيها قوله:
دعوتك بالقرابة والجواردعاء مصرّح بادى السّرار
لأني عنك مشغول بنفسيومحترق عليك بغير نار
وأنت توقّرين وليس عنديعلى نار الصّبابة من وقار
فأنت لأن ما بك دون ما بيتدارين العدوّ ولا أداري
ولو واللّه تشتاقين شوقيجمحت إلى مخالعة العذار
ألا يا وهب فيم فضحت دنياوبحت بسرّها بين الجواري
أما والراقصات بكلّ وادغواد نحو مكة أو سواري
لقد فضلتك دنيا في فؤاديكفضل يدي اليمين على اليسار
فقولي ما بدا لك أن تقوليفإني لا ألومك أن تضاري
قال وقال فيها، وهو من ظريف أشعاره:
رقّ قلبي لك يا نور عينيوأبي قلبك لي أن يرقّا
فأراك اللّه موتى فإنّيلست أرضى أن تموتي وأبقى
أنا من وجد بدنياي منهاومن العذّال فيها ملقّى
صوت
زعموا أني صديق لدنياليت ذا الباطل قد صار حقّا
في هذا البيت ثمّ الّذي قبله، ثم الأول لإبراهيم لحن ماخوري بالوسطى عن الهشاميّ.
قال: وقال فيها أيضا في هذا الوزن، وفيه غناء محدث رمل طنبوريّ:
عيشها حلو وعيشك مرّليس مسرور كمن لا يسرّ
كمد في الحبّ تسخن فيهعينه أكثر مما تقرّ
قلت للّائم فيها اله عنهالا يقع بيني وبينك شرّ
أتراني مقصرا عن هواهاكلّ مملوك إذا لي حرّ
وقال فيها أيضا، وأنشدناه الأخفش عن المبرّد، وأنشدناه محمد بن العباس اليزيديّ قال: أنشدني عمي عبيد اللّه لأبي عيينة:
حين قالت دنيا علام نهارازرت؟ هلا انتظرت وقت المساء!
إن تكن معجبا برأيك لا تفرق فاستحي يا قليل الحياء
ذاك إذ روحها وروحي مزاجان كأصفى خمر بأعذب ماء
قال محمد بن يزيد: وقد أخذ هذا المعنى غيره منه ولم يسمّه، وهو البحتريّ، فقال:
صوت
جعلت حبّك من قلبي بمنزلةهي المصافاة بين الماء والراح
تهتزّ مثل اهتزاز الغصن حرّكهمرور غيث من الوسميّ سحّاح
الغناء في هذين البيتين لرذاذ ثقيل أول مطلق في مجرى البنصر.
ومما قاله أبو عيينة في فاطمة هذه، وكنى فيه بدنيا قوله:
صوت
ألم تنه قلبك أن يعشقاومالك والعشق لو لا الشّقا
أمن بعد شربك كأس النّهىوشمّك ريحان أهل التّقى
عشقت فأصبحت في العالمين أشهر من فرس أبلقا
أدنياي من غمر بحر الهوىخذي بيدي قبل أن أغرقا
أنا ابن المهلّب ما مثلهلو أنّ إلى الخلد لي مرتقى
غنى فيه أبو العبيس بن حمدون، ولحنه ثاني ثقيل مطلق، وفيه لعريب ثقيل أول، رواه أبو العبيس عنها.
وهذه قصيدة طويلة يذكر فيها دنيا ويفخر بعقب النسيب بأبيه، ويذكر مآثر المهلّب بالعراق، ولكن مما قاله في دنيا منها قوله:
أدنياي من غمر بحر الهوىخذي بيدي قبل أن أغرقا
أنا لك عبد فكوني كمنإذا سرّه عبده أعتقا
ألم أخدع الناس عن وصلهاوقد يخدع العاقل الأحمقا
بلى فسبقتهم إننيأحبّ إلى الخير أن أسبقا
ويوم الجنازة إذ أرسلتعلى رقعة أن جز الخندقا
وعج ثمّ فانظر لنا مجلسابرفق وإياك أن تخرقا
فجئنا كغصنين من بانةقرينين خدنين قد أورقا
فقالت لأخت لها استنشديه من شعره المحكم المنتقى
فقلت أمرت بكتمانهوحذّرت إن شاع أن يسرقا
فقالت بعيشك قولي لهتمنّع لعلك أن تنفقا
ومن مشهور قوله في دنيا وهو مما تهتك فيه وصرّح وأفحش وهي من جيد قوله قصيدته الّتي يقول فيها:
أنا الفارغ المشغول والشوق آفتيفلا تسألوني عن فارغي وعن شغلي
عجبت لترك الحبّ دنيا خليةوإعراضه عنها وإقباله قبلي
وما بالها لما كتبت تهاونتبكتبي وقد أرسلت فانتهرت رسلي
وقد جلفت ألّا تخطّ بكفّهاإلى قابل خطا إليّ ولا تملي
أبخلا علينا كلّ ذا وقطيعةقضيت لدينا بالقطيعة والبخل
سلوا قلب دنيا كيف أطلقه الهوىفقد كان في غلّ وثيق وفي كبل
فإن جحدت فاذكر لها قصر معبدبمنصف ما بين الأبلّة والحبل
وملعبنا في النهر والماء زاخرقرينين كالغصنين فرعين في أصل
ومن حولنا الرّيحان غضّا وفوقناظلال من الكرم المعرّش والنخل
إذا شئت مالت بي إليها كأنّنيإلى غصن بان دعصين من رمل
ليالي ألقاني الهوى فاستضفتهافكانت ثناياها بلا حشمة نزلي
وكم لذّة لي في هواها وشهوةوركضي إليها راكبا وعلى رجل
وفي مأتم المهديّ زاحمت ركنهابركني وقد وطّنت نفسي على القتل
وبتنا على خوف أسكّن قلبهابيسراي واليمنى على قائم النّصل
فيا طيب طعم العيش إذ هي جارةوإذ نفسها وإذ أهلها أهلي
وإذ هي لا تعتلّ عني برقبةولا خوف عين من وشاة ولا بعل
فقد عفت الآثار بيني وبينهاوقد أوحشت مني إلى دارها سبلي
ولما بلوت الحبّ بعد فراقهاقضيت على أم المحبين بالثّكل
وأصبحت معزولا وقد كنت والياوشتان ما بين الولاية والعزل
صوت
ومما قاله فيها وفيه غناء:
ألا في سبيل اللّه ما حلّ بي منكوصبرك عني حين لا صبر لي عنك
وتركك جسمي بعد أخذك مهجتيضئيلا كان من قبل ذا تركي
فهل حاكم في الحب يحكم بيننافيأخذ لي حقي وينصفني منك
لسليم في هذه الأبيات هزج مطلق في مجرى الوسطى، وفي هذه القصيدة يقول يصف قصرا كانوا فيه، وهي من عجيب شعره:
لقد كنت يوم القصر مما ظننت بيبريئا كما أني بريء من الشّرك
يذكّرني الفردوس طورا فأرعويوطورا يواتيني إلى القصف والفتك
بغرس كأبكار الجواري وتربةكأن ثراها ماء ورد على مسك
وسرب من الغزلان يرتعن حولهكما استلّ منظوم من الدّر من سلك
وورقاء تحكى الموصليّ إذا غدتبتغريدها أحبب بها وبمن تحكي
فيا طيب ذاك القصر قصرا ومنزلابأفيح سهل غير وعر ولا ضنك
كأن قصور القوم ينظرن حولهإلى ملك موف على منبر الملك
يدلّ عليها مستطيلا بظلهفيضحك منها وهي مطرقة تبكي
أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار قال: حدّثني عليّ بن عمرو الأنصاريّ، قال: سمعت الأصمعي يذكر أن الفضل بن الربيع قال لجلسائه: من أشعر أهل عصرنا؟ فقالوا فأكثروا، فقال الفضل بن الربيع: أشعر أهل زماننا الّذي يقول في قصر عيسى بن جعفر بالخريبة - يعني أبا عيينة:
زر وادي القصر نعم القصر والواديوحبّذا أهله من حاضر بادي
ترفا قراقيره والعيس واقفةوالضبّ والنون والملّاح والحادي
أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدثنا محمد بن مجمع قال: تزوّج سعيد بن عباد بن حبيب بن المهلّب بنت سفيان بن معاوية بن المهلّب - وقد كان تزوجها قبله رجلان فدفنتهما، فكتب إليه أبو عيينة:
رأيت أثاثها فرغبت فيهوكم نصبت لغيرك بالأثاث
إلى دار المنون فجهّزتهمتحثّهم بأربعة حثاث
فصيّر أمرها بيدي أبيهاوعيشك من حبالك بالثلاث
وإلّا فالسلام عليك منّيسأبدأ من غد لك بالمراثي
أخبرني محمد بن مزيد الصوليّ قال: حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه، قال: كان عليّ بن هشام قد دعاني ودعا أبا عيينة وتأخرت عنه حتى اصطبحنا شديدا، وتشاغلت برجل كان عندي من الأعراب، وكان فصيحا لأكتب عنه، وكان عنده بعض من يعاديني - قال حماد: كأنه يومىء بهذا القول إلى إبراهيم بن المهديّ - فسأل أبا عيينة أن يعاتبني بشعر ينسبني فيه إلى الخلف فكتب إليّ:
يا مليئا بالوعد والخلف والمطل بطيئا عن دعوة الأصحاب
لهجا بالأعراب إنّ لدينابعض من تشتهي من الأعراب
قد عرفنا الّذي شغلت به عنّاوإن كان غير ما في الكتاب
قال: فكتبت إلى الّذي حمل أبا عيينة على هذا - يعني إبراهيم بن المهدي:
قد فهمت الكتاب أصلحك اللّه وعندي إليك ردّ الجواب
ولعمري ما تنصفون ولا كان الّذي جاء منكم في حسابي
لست آتيك فاعلمنّ ولاليفيك حظ من بعد هذا الكتاب
أخبرني عيسى بن الحسين الورّاقيّ قال حدّثني عبد اللّه بن أبي سعد قال: حدّثني إبراهيم بن إسحاق العمريّ قال: حدثنا أبو هاشم الإسكندراني، عن ابن أبي لهيعة قال: حفر حفر في بعض أفنية مكة، فوجد فيه حجر عليه منقوش:
ما لا يكون فلا يكون بحيلةأبدا وما هو كائن فيكون
سيكون هو كائن في وقتهوأخو الجهالة متعب محزون
يسعى القويّ فلا ينال بسعيهحظّا ويحظى عاجز ومهين
قال ابن أبي سعد: هكذا في الحديث، وقد أنشدني هذه الأبيات جماعة لأبي عيينة.
حدّثني عمّي قال، حدّثني عمر بن محمد بن عبد الملك، قال: حدّثني عليّ بن عمروس الأنصاريّ عن الأصمعيّ قال: قال لي الفضل بن الرّبيع: يأصمعيّ، من أشعر أهل زمانك؟ فقلت: أبو نواس قال: حيث يقول ماذا؟ قلت: حيث يقول:
أما ترى الشمس حلّت الحملاوقام وزن الزمان فاعتدلا
فقال: واللّه إنه لذهن فطن، وأشعر عندي منه أبو عيينة.
حدّثني عمي، قال: حدّثني فضل اليزيديّ: عن إسحاق أنه أنشده لأبي عيينة في دنيا الّتي كان يشبّب بها، وقد زوّجت وبلغه أنها تهدي إلى زوجها، وكان إسحاق يستحسن هذا الشعر ويستجيده:
أرى عهدها كالورد ليس بدائمولا خير فيمن لا يدوم له عهد
وعهدي لها كالآس حسنا وبهجةله نضرة تبقى إذا ما انقضى الورد
فما وجد العذريّ إذ طال وجدهبعفراء حتى سلّ مهجته الوجد
كوجدي غداة البين عند التفاتهاوقد شفّ عنها دون أترابها البرد
فقلت لأصحابي هي الشمس ضوءهاقريب ولكن في تناولها بعد
وإنّي لمن تهدي إليه لحاسدجرى طائري نحسا وطائره سعد
أخبرني عمي قال حدّثني أحمد بن يزيد المهلبيّ قال: سألت أبي عن دنيا الّتي ذكرها أبو عيينة بن محمد بن أبي عيينة في شعره، وقلت: إن قوما يقولون: إنها كانت أمة لبعض مغنّي البصرة، فقال: لا، يا بنيّ، هي فاطمة بنت عمر بن حفص هزار مرد بن عثمان بن قبيصة أخي المهلّب، وكان عيسى بن سليمان بن عليّ أخو جعفر ومحمد ابني سليمان تزوّجها، وهجاه عبد اللّه بن محمد بن أبي عيينة، أخو أبي عيينة فقال:
أفاطم قد زوّجت عيسى فأبشريلديه بذلّ عاجل غير آجل
فإنك قد زوّجت عن غير خبرةفتى من بني العباس ليس بعاقل
وذكر باقي الأبيات، وقد مضت متقدما.
قال أحمد بن يزيد: ثم أنشدني أبي لأبي عيينة يصرّح بنسبه الجامع له ولفاطمة من أبيات له:
ولأنت إن متّ المصابة بيفتجنّبي قتلي بلا وتر
فلئن هلكت لتلطمن جزعاخدّيك قائمة على قبري
قال أحمد: وأنشدني أبي أيضا في تصديق ذلك، وأنه كان يكنى بدنيا عن غيرها:
ما لدنيا تجفوك والذنب منهاإنّ هذا منها لخبّ ومكر
عرفت ذنبها إليّ فقالتابدءوا القوم بالصياح يفرّوا
قد أمرت الفؤاد بالصبر عنهاغير أن ليس لي مع الحبّ أمر
وكتمت اسمها حذارا من الناس ومن شرهم وفي الناس شرّ
ويقولون بح لنا باسم دنياواسم دنيا سرّ على الناس ذخر
ثم قالوا ليعلموا ذات نفسيأعوان دنياك أم هي بكر
فتنفست ثم قلت أبكرشبّ يا أخوتي عن الطّوق عمرو
أخبرني جعفر بن قدامة قال: حدّثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال: حدّثني أبو خالد الأسلميّ قال: كان ابن أبي عيينة المهلّبي صديقي، وهو أبو عيينة بن المنجاب بن أبي عيينة، فجاءه رجل من جيرانه كان يستثقله، فسأله حاجة فقضاها، ثم سأله أخرى فوعده بها، ثم سأله ثالثة فقال:
خفّف على إخوانك المؤناإن شئت أن تبقى لهم سكنا
لا تلحفنّ إذا سألت ففي الإلحاف إجحاف بهم وعنا
فقام الرجل وانصرف.
أخبرني أبو دلف هاشم بن محمد، قال: حدّثني المبرّد قال: وفد ابن أبي عيينة إلى طاهر بن الحسين يسأله أن يعزل أمير البصرة، وكان من قبله فدافعه، وعرض عليه عوضا خطيرا من حاجته، ووعده أن يستصلح له ذلك الأمير ويزيله عما كرهه، فأبى عزله وأجزل صلته، فقال ابن أبي عيينة فيه:
يا ذا اليمينين قد أوقرتني منناتترى هي الغاية القصوى من المنن
ولست أستطيع من شكر أجيء بهإلّا استطاعة ذي روح وذي بدن
لو كنت أعرف فوق الكشر منزلةأوفى من الشكر عند اللّه في الثمن
أخلصتها لك من قلبي مهذّبةحذوا على مثل ما أوليت من حسن
أخبرني محمد بن القاسم الأنباريّ قال: حدّثني أبي عن أبي عكرمة عامر بن عمران، وأخبرني به عمي عن أحمد بن يزيد المهلّبيّ عن أبيه قال: كان إسماعيل بن سليمان واليا على البصرة خليفة لطاهر بن الحسين، فأساء مجاورة ابن أبي عيينة حتى تباعد بينهما وقبح، وأظهر إسماعيل تنقصّه وعيبه، فخرج إلى طاهر ليشكو إسماعيل، ويسعى في عزله عن البصرة، فبعد ذلك عليه بعض البعد، وسافر طاهر بن الحسين إلى وجه أمر بالخروج إليه، فصحبه ابن أبي عيينة في سفره، فتذمّم من ذلك، وأمر بإيصاله إليه، فلما دخل ابن أبي عيينة إليه سأله عن حوائجه وأدناه، وأمره برفعها فأنشده:
من أوحشته البلاد لم يقمفيها ومن آنسته لم يرم
ومن يبت والهموم قادحةفي صدره بالزّناد لم ينم
ومن ير النقص من مواطئهيزل عن النقص موطىء القدم
والقرب ممن ينأى بجانبهصدع على الشعب غير ملتئم
وربّ أمر يعيا اللبيب بهيظلّ منه في حيرة الظّلم
صبر عليه كظم على مضضوتركه من مواقع الندم
يا ذا اليمينين لم أزرك ولمآتك من خلّة ومن عدم
إني من اللّه في مراح غنىومغتدى واسع وفي نعم
زارتك بي همة منازعةإلى العلا من كرائم الهمم
وإنني للجميل محتملفي القدر من منصبي ومن شيمي
وقد تعلّقت منك بالذمم الكبرى الّتي لا تخيب في الذمم
فإن أنل بغيتي فأنت لهافي الحق حقّ الرجاء والرّحم
وإن يعق عائق فلست علىجميل رأي عندي بمتّهم
في قدر اللّه ما أحمّلهتعويق أمرىء في اللّوح والقلم
لم يضق الصبر والفجاج علىحرّ كريم بالصبر معتصم
ماض كحدّ السنان في طرف العامل أو حدّ مصلت خذم
إذا ابتلاه الزمان كشّفهعن ثوب حرّية وعن كرم
ما ساء ظني إلا بواحدةفي الصدر محصورة عن الكلم
ليهن قوم جزت المدى بهمولم تقصّر فيهم ولم تلم
وليس كلّ الدّلاء راجعةبالنّصف من ملئها إلى الوذم
ترجع بالحمأة القليلة أحيانا ورنق الصّبابة الأمم
ما تنبت الأرض كلّ زهرتهاولا تعمّ السماء بالدّيم
ما فيّ نقص عن كلّ منزلةشريفة والأمور بالقسم
فأجابه طاهر:
من تستضفه الهموم لم ينمإلّا كنوم المريض ذي السّقم
ولا يزل قلبه يكابد ماتولد فيه الهموم من ألم
وقد سمعت الّذي هتفت بهوما يأذني عنك من صمم
وقد علمنا أن لست تصحبنالفاقة فيك لا ولا عدم
إلا لحقّ وحرمة وعلىمثلك رعي الحقوق والحرم
أنت امرء لا تزول عن كرمإلا إلى مثله من الكرم
وأنت من أسرة جحاجحةفازوا بحسن الفعال والشّيم
فما ترم من جسيم منزلةفالحكم فيه إليك فاحتكم
إن كنت مستقيا سماحتنامنّا تجدك اليدان بالدّيم
أو ترم في بحرنا بدلوك لانعدمك ملئا لها إلى الوذم
إنا أناس لنا صنائعنافي العرب معروفة وفي العجم
مغتنمو كسب كلّ محمدةوالكسب للحمد غير مغتنم
فاحتكم عليه أبو عيينة في عزل إسماعيل بن جعفر عن البصرة، فعزله عنها وأمر له بمائة ألف درهم.
فقال أبو عيينة في عزله إسماعيل بن جعفر عن إمارة البصرة:
لا تعدم العزل يا أبا الحسنولا هزالا في دولة السّمن
ولا انتقالا من دار عافيةإلى ديار البلاء والمحن
أنا الّذي إن كفرت نعمتهأذاب ما في جنبيك من عكن
حدّثني عيسى بن الحسين قال: حدّثني محمد بن عبد اللّه الحزنبل الأصبهانيّ قال: كان ابن أبي عيينة قد هجا نزارا بقصيدة له مشهورة، وفضّل عليها قحطان، فقال ابن زعبل يهجوه ويرد عليه، واسمه عمرو بن زعبل:
بنيّ أبي عيينة مانطقت به من اللّغط؟
على ما أنت ملتحفمن الأوجاع في الوسط
لما في الدّبر من نغلوما في العرض من سقط
أتتنا الخمس والمائتان بالنّعماء والغبط
أمير من هلال مستطيل الباع منبسط
شريف ليس بالمدخول في عرض ولا رهط
أظنك من يديه واقعا لا شك في ورط
ووالى الخرج فياض اليدين بنائل سبط
له نعم حباك بهافلم تحفظ ولم تحط
وقاض من أمير المؤمنين يقوم بالقسط
يسرّك أن من آل قحطان على شحط
وأنك إن ذكرت يقال شيخ فاسق الشمط
أعبد من عبيد عمان عاب مناقب السّبط
وتهجو الغرّ من مضركفى هذا من الشّطط
تيمّم في مقيّرةمسيرا غير مغتبط
مجوّفة مزيّنةبودع لاح كالرّقط
بنوك تجرها بالقلس مؤتزرين بالفوط
متى غمسوا مراديهملجدّ السير تحتلط
وأنت بموضع السّكان يمسكه بلا غلط
عليك عباءة مشكوكة بالشّوك لم تخط
فطيّب ريح بلدتنافرارك خيفة الشّرط
وأنك قد عرفت بكثرة التخليط والغلط
ترى الخسران إن لم تزن في يوم ولم تلط
قال: وكان ابن أبي عيينة لما هجا نزارا بلغ شعره المأمون، فنذر دمه، فهرب من البصرة وركب البحر إلى عمان، فلم يزل بها متواريا في نواحي الأزد حتى مات المأمون.
أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال: حدّثني ابن مهرويه عن أبيه بقصة ابن أبي عيينة مع ابن زعبل، فذكر نحو الخبر المتقدم.
حدّثني عمي قال: حدّثني أحمد بن يزيد المهلبيّ؛ قال: حدّثني أبي قال: كان ابن أبي عيينة يشبّب بوهبة جارية القروي، وهي الّتي يقول فيها فروج الزنى قوله:
يا وهب لم يبق لي شيء أسر بهإلا الجلوس فتسقيني وأسقيك
ثم عدل عن التشبيب بها إلى دنيا، وذكرهما جميعا في شعره فقال:
أرسلت وهبة لما رأتنيبعد سقم من هواها مفيقا:
أتغيّرت كأن لم تكن ليقبل أن تعرف دنيا صديقا
قد لعمري كان ذاك ولكنقطعت دنيا عليك الطريقا
أخبرني عمي قال: حدّثني أحمد بن يزيد عن أبيه قال: لما ولي عمر بن حفص هزار مرد البصرة - قال ابن أبي عيينة في ذلك وفي دنيا يكنى بها عن فاطمة بنت عمر بن حفص صاحبته:
هنيئا لدنيا هنيئا لهاقدوم أبيها على البصره
على أنها أظهرت نخوةوقالت لي الملك والقدره
فيا نور عيني كذا عاجلاعليّ تطاولت بالإمره
قال: وهذا دليل على أنه كان يكنى عن فاطمة بدنيا، لا أنه كان يهوى جاريتها دنيا.
قال أحمد بن يزيد: وفيها يقول أيضا:
يا حسنها يوم قالت لي مودّعةلا تنس ما قلت، من فيها إلى أذني
كأنني لم أصل دنيا علانيةولم أزر أهل دنيا زورة الختن
جسمي معي غير أن الرّوح عندكمفالرّوح في وطن والجسم في وطن
فليعجب الناس مني أنّ لي جسدالا روح فيه ولي روح بلا بدن
وفي هذه الأبيات هزج طنبوريّ محدث.
أخبرني عمي قال: حدّثني أحمد بن يزيد عن أبيه قال: ورد على ابن أبي عيينة كتاب من بعض أهله بأن أخاه داود خرج إليه ببريد، فمات بهمذان، فقال ابن أبي عيينة عند ذلك يرثيه:
أنائحة الحمام قفي فنوحيعلى داود رهنا في ضريح
لدى الأجيال من همذان راحتبه الأيام للموت المريح
ولم يشهد جنازته البواكيفتبكيه بمنهلّ سفوح
وكوني مثله إذ كان حياجوادا بالغبوق وبالصّبوح
أنائحة الحمام فلا تشحّىعليه فليس بالرجل الشحيح
ولا بمثمّر مالا لدنياولا فيها بمغمار طموح
يبيع كثير ما فيها بباقثمين من عواقبه ربيح
ومن آل المهلّب في لبابلباب الخالص المحض الصريح
همو أبناء آخرة ودنياوأهداف المراثي والمديح
أخبرني عمي، قال: حدثنا أحمد بن يزيد عن أبيه قال: قدم أبو عيينة إلى الكوفة في بعض حوائجه، فعاشره جماعة من وجوه أهلها، وأقام بها مدة، وألف فيها قينة كان يعاشرها وأحبها حبّا شديدا، فقال فيها:
لعمري لقد أعطيت بالكوفة المنىوفوق المنى بالغانيات النّواعم
ونادمت أخت الشمس حسنا فوافقتهواي ومثلي مثلها فلينادم
وأنشدتها شعري بدنيا فعربدتوقالت: ملول عهده غير دائم
فقلت لها يا ظبية الكوفة اغفريفقد تبت مما قلت توبة نادم
فقالت قد استوجبت منا عقوبةولكن سنرعى فيك روح ابن حاتم
قال أحمد بن يزيد، قال لي أبي: كان لابن أبي عيينة بستان وضيعة في بعض قطائع المهلّب بالبصرة، فأوطنها وصيّرها منزله، وأقام بها، وفيها يقول:
يا جنة فاقت الجنان فماتبلغها قيمة ولا ثمن
ألفتها فاتخذتها وطناإنّ فؤادي لأهلها وطن
زوّج حيتانها الضّباب بهافهذه كنّة وذا ختن
فانظر وفكّر فيما نطقت بهإنّ الأريب المفكّر الفطن
من سفن كالنّعام مقبلةومن نعام كأنها سفن
أخبرني عيسى بن الحسين قال: حدّثنا الزبير بن بكّار وقال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الموصليّ، أن أبا عيينة أنشده لنفسه:
صوت
لا يكن منك ما بدا لي بعينيك من اللحظ حيلة واختداعا
إن يكن في الفؤاد شيء وإلّافدعيني لا تقتليني ضياعا
فلعلّي إذا قربت تباعدت وأظهرت جفوة وامتناعا
حين نفسي لا تستطيع لما قدوقعت فيه من هواها ارتجاعا
في هذه الأبيات رمل مطلق محدث.
أخبرني عمي قال: حدّثني أحمد بن يزيد قال: حدّثني أبي قال: كان عبد اللّه بن محمد بن أبي عيينة أخو أبي عيينة شاعرا، وهو القائل يعاتب محمد بن يحيى بن خالد البرمكيّ بأبيات رائية أولها:
اسلم وإن كان فيك عنّيقبض لكفّيك وازورار
تلحظني عابسا قطوباكأنما بي إليك ثار
لو كان أمر عتبت فيهيجوز منه لي اعتذار
أو كنت سآلة حريصالحان منّي لك الفرار
أو كنت نذلا عديم عقللا منصب لي ولا نجار
أو لم أكن حاملا بنفسيما تحمل الأنفس الكبار
وأنني من خيار قوميوكلّ أهلي فتى خيار
عذرت إن نالني جفاءمنك وإن نالني ضرار
لكنّ ذنبي إليك أنيقحطان لي الجدّ لا نزار
عليك مني السّلام، هذاأوان ينأى بي المزار
ما كنت إلّا كلحم ميتدعا إلى أكله اضطرار
راحت على الناس لابن يحيىمحمد ديمة غزار
ولم يكن ما أنلت منهبقدر ما ينجلي الغبار
قد أصبح الناس في زمانأعلامه السّفلة الشّرار
يستأخر السابق المذكّىفيه ويستقدم الحمار
وليس للمرء ما تمنىيوما وما إن له اختيار
ما قدّر اللّه فهو آتوفي مقاديره الخيار
أخبرني عمي قال: حدثنا أبو هفّان، قال: كان ابن أبي عيينة قد قصد ربيعة بن قبيصة بن روح بن حاتم المعلّبيّ واستماحه، فلم يجد عنده ما قدّر فيه، فانصرف مغاضبا، فوجه إليه داود بن مزيد بن حاتم بن قبيصة، فترضّاه، وبلغ ما أحبه ورضيه من برّه، ومعونته، فقال يمدحه ويهجو قبيصة:
أقبيص لست وإن جهدت بمدركسعي ابن عمك ذي العلا داود
شتان بينك يا قبيص وبينهإن المذمّم ليس كالمحمود
اختار داود بناء محامدواخترت أكل شبارق وثريد
قد كان مجد أبيك لو أحببتهروح أبي خلف كمجد يزيد
لكن جرى داود جري مبرّزفحوى المدى وجريت جري بليد
داود محمود وأنت مذمّمعجبا لذاك وأنتما من عود
ولربّ عود قد يشقّ لمسجدنصفا وسائره لحشّ يهود
فالحشّ أنت له وذاك لمسجدكم بين موضع مسلح وسجود
هذا جزاؤك يا قبيص لأنهجادت يداه وأنت قفل حديد
حدّثني جعفر بن قدامة قال: حدّثنا حماد بن إسحاق قال: حدّثني أبي قال: كانت لأبي حذيفة مولى جعفر بن سليمان جارية مغنّية يقال لها: بستان، فبلغه أن أبا عيينة بن محمد بن عيينة ذكر لبعض إخوانه محبته لها ولاستماع غنائها فدعاه، وسأله أن يطرح الحشمة بينه وبينه، فأجابه إلى ذلك، وقال لما سكر وانصرف من عنده في ذلك:
ألم ترني على كسلي وفتريأجبت أبا حذيفة إذ دعاني
وكنت إذا دعيت إلى سماعأجبت ولم يكن منّي تواني
كأنّا من بشاشتنا ظللنابيوم ليس من هذا الزمان
أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدّثني محمد بن عثمان قال: كانت لعيسى بن موسى ضيعة إلى جانب ضيعة ابن أبي عيينة بالبصرة، وكان له إلى جانب ضيعته سماد كثير، فسأله أن يعطيه بعضه ليعمر ابن أبي عيينة به ضيعته، فلم يفعل فقال فيه:
رأيت الناس همّهم المعاليوعيسى همّه جمع السّماد
ورزق العالمين بكف ربّيوعيسى رزقه في است العباد
هكذا ذكره ابن مهرويه، وهذا بيت فاسد، وإنما هو:
إذا رزق العباد فإنّ عيسىله رزق من استاه العباد
أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش ببعضها، عن محمد بن يزيد المبرّد، وببعضها عن أحمد بن يزيد المهلّبيّ عن أبيه، وقد جمعت روايتهما فيما اتفقا عليه، ونسبت كلّ ما انفرد به أحدهما أو خالف فيه إليه، وذكرت في فصول ذلك وخلاله ما لم يأتيا به مما كتبته عن الرواة، قالا جميعا: ولي خالد بن زيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلّب جرحان، فسأل يزيد بن حاتم أبا عيينة أن يصحبه ويخرج معه، ووعده الإحسان والولاية، وأوسع له المواعيد. وكان أبو عيينة جنديّا، فجرد اسمه في جريدته، وأخرج رزقه معه، فلما حصل لجرجان أعطاه رزقه لشهر واحد، واقتصر على ذلك، وتشاغل عنه وجفاه، فبلغه أنه قد هجاه وطعن عليه، وبسط لسانه فيه، وذكره بكل قبيح عند أهل عمله ووجوه رعيّته، فلم يقدر على معاقبته، لموضع أبيه وسنّه ومحلّه في أهله، فدعا به، وقال له: إنه قد بلغني أنك تريد أن تهرب فإما أن أقمت لي كفيلا برزقك أو رددته، فأتاه بكفيل فأعنته، ولم يقبله، ولم يزل يردّده حتى ضجر، فجاءه بما قبض من الرزق فأخذه.
ولجّ أبو عيينة في هجائه وأكثر فيه حتى فضحه، فقال في هذا عن أحمد بن يزيد المهلّبيّ:
دنيا دعوتك مسرعا فأجيبيوبما اصطفيتك في الهوى فأثيبي
دومي أدم لك بالصفاء على النوىإني بعهدك واثق فثقي بي
ومن الدليل على اشتياقي عبرتيومشيب رأسي قبل حين مشيبي
أبكي إليك إذا الحمامة طرّبتيا حسن ذاك إليّ من تطريب
تبكي على فنن الغصون حزينةحزن الحبيبة من فراق حبيب
وأنا الغريب فلا ألام على البكاإن البكا حسن بكلّ غريب
أفلا ينادي للقفول برحلةتشفى جوى من أنفس وقلوب
ما لي اصطفيت على التعسف خالداواللّه ما أنا بعدها بأريب
تبّا لصحبة خالد من صحبةولخالد بن يزيد من مصحوب
يا خالد بن قبيصة هيّجت بيحربا فدونك فاصطبر لحروبي
لما رأيت ضمير غشك قد بداوأبيت غير تجهّم وقطوب
وعرفت منك خلائقا جرّبتهاظهرت فضائحها على التجريب
خلّيت عنك مفارقا لك عن قلىووهبت للشيطان منك نصيبي
فلئن نظرت إلى الرّصافة مرةنظرا يفرج كربة المكروب
لأمزّقنّك قائما أو قاعداولأروينّ عليك كلّ عجيب
ولتأتينّ أباك فيك قصائدحبّرتها بتشكّر مقلوب
ولينشدنّ بها الإمام قصيدةولتشتمنّ وأنت غير مهيب
ولأوذينّك مثلما آذيتنيولأشلين على نعاجك ذيبي
قال أحمد بن يزيد في خبره: حدّثني أبي قال: أعرس داود بن محمد بن أبي عيينة أخو أبي عيينة بالبصرة، وأخوه غائب يومئذ مع ابن عمه خالد بجرجان، فكتب داود إلى أخيه يخبره بسلامته وسلامة أهل بيته، وبخبر نقله أهله إليه، فقال أبو عيينة في ذلك:
ألا ما لعينك معتلّهومنا لدموعك منهلّه
وكيف بجرجان صبر امرىءوحيد بها غير ذي خلّه
وأطول بليلك أطول بهإذا عسكر القوم بالأثله
وراعك من خيله حاشرمن القوم ليست له قبله
يسوقك نحوهم مكرهاوداود بالمصر في غفله
عروس ينعّم من تحتهسرير ومن فوقه كلّه
وما مدنف بين عوّادهينادي وفي سمعه ثقله
بأوجع منّي إذا قيل لي:تأهب إلى الريّ بالرّحله
وما لي وللرّيّ لو لا الشقاء إن كنت عنها لفي عزله
أكلفّ أجبالها شاتياعلى فرس أو على بغله
وأهون من ذاك لو سهّلوهركوب القراقير في دجله
تروح إلينا بها طربةرواح الندامي إلى دلّه
أخالد خذ من يدي لطمةتغيظ ومن قدمي ركله
جمعت خصال الردى جملةوبعت خصال الندى جمله
فمالك في الخير من خلةوكم لك في الشر من خله
ولما تناضل أهل العلانضلت فأذعنت للنّضله
فما لك في المجد يا خالدمقرطسة لا ولا خصله
وأسرعت في هدم ما قد بنىأبوك وأشياخه قبله
وكانت من النّبع عيدانهمنضارا وعودك من أثله
فيا عجبا نبعة أنبتتخلافا وريحانة بقله
ثيابك للعبد مطويةوعرضك للشمّ والبذله
أجعت بنيك وأعريتهمولم تؤت في ذاك من قلّة
إذا ما دعينا لقبض العطاءوهيأت كيسك للغلّه
وجلّة تمر تغادي بهافتأتي على آخر الجلّه
وتقصي بنيك وهم بالعراء نزلهم الملح والملّه
ولو كان خبز وتمر لديكلما طمعوا منك في فضله
وتصبح تقلس عن تخمةكأنّ جشاءك عن فجله
إذا الحيّ راعهم رائعفأوهن من غادة طفله
وليث يصول على قرنهإذا ما دعيت إلى أكله
فلله درّك عند الخوان من فارس صادق الحمله
وإن جاءك الناس في حاجةتفكرت يومين في العله
وتلقاهم أبدا كالحاكأن قد عضضت على بصله
فهذا نصيبي من خالدلكم هنة بتّة بتله
وإني لصحبته مبغضولا خير في صحبة السّفله
حدّثني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار الثقفيّ قال: حدّثني أبو الحسن بن المنجّم قال: رأيت مسلم بن الوليد الأنصاريّ يوما عند أبي، ثم خرج من عنده، فلقيه ابن أبي عيينة، فسلّم عليه وتحفّى به، ثم قال له: ما خبرك مع خالد؟ قال: الخبر الّذي تعرفه، ثم أنشده قوله فيه:
يا حفص عاط أخاك عاطهكأسا تهيّج من نشاطه
قال: ومسلم يتبسم من هجائه إياه حتى مر فيها كلّها، ثم ختمها بقوله:
وإذا تطاولت الرؤوس فغطّ رأسك ثم طاطه
فقال مسلم: مه، إنا للّه! هتكته واللّه وأخزيته، وإنما كنت أظن أنك تمزح وتهزل إلى آخر قولك حتى ختمته بالجدّ القبيح، وأفرطت فيما خرجت به إليه، ثم مضى وهو يقول: فضحته واللّه، هتكته واللّه!
أخبرني عمي قال: حدّثني أحمد بن يزيد قال: حدّثني أبي قال: لقي دعبل أبا عيينة فقال له: أنشدني قولك في ابن عمك فأنشده:
يا حفص عاط أخاك عاطهكأسا تهيّج من نشاطه
صرفا يعود لوقعهاكالظبي أطلق من رباطه
صبّا طوت عنه الهموم نعيمه بعد انبساطه
فبكى وحق له البكالشقائه بعد اغتباطه
جزع المخنّث خالدلمّا وقعت على قماطه
فانظر إلى نزواتهمن منطقي وإلى اختلاطه
دعني وإيّا خالدفلأقطعنّ عرى نياطه
إني وجدت كلامهفيه مشابه من ضراطه
رجل يعدّ لك الوعيد إذا وطئت على بساطه
وإذا انتظرت غداءهفخف البوادر من سياطه
يا خال صدّ المجد عنك فلن تجوز على صراطه
وعريت من حلل الندىعري اليتيم ومن رياطه
فإذا تطاولت الرؤوس فغطّ رأسك ثم طاطه
فقال له دعبل: أغرقت واللّه في النّزع وأسرفت، وهتكت ابن عمّك وقتلته وغضضت منه، وإنما استنشدتك وأنا أظن أنك قلت كما يقول الناس قولا متوسطا، ولو علمت أنك بلغت به هذا كله لما استنشدتك.
أخبرني بهذا الخبر الحسن بن عليّ وعمي قالا: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدّثني الحسين بن السريّ قال: لقي دعبل أبا عيينة فقال له: أنشدني بعض ما قلت في ابن عمك، ثم ذكر الخبر مثل ما ذكره أحمد بن يزيد، وقال فيه: إنما ظننت أنك قلت فيه قولا أبقيت معه عليه بعض الإبقاء، ولو علمت أنك بلغت به هذا كلّه وأغرقت هذا الإغراق ما استنشدتك، وجعل يعيد «فغطّ رأسك ثم طاطه»، ويقول: قتله واللّه!
أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال: حدّثني محمد بن يزيد قال:
ومن مختار ما قاله في خالد قوله:
قل لدنيا باللّه لا تقطعيناواذكرينا في بعض ما تذكرينا
لا تخوني بالغيب عهد صديقلم تخافيه ساعة أن يخونا
واذكري عيشنا وإذ نفض الرّيح علينا الخيريّ والياسمينا
إذ جعلنا الشاهسفرام فراشامن أذى الأرض والظلال غصونا
حفظ اللّه إخوتي حيث كانوامن بلاد سارين أم مدلجينا
فتية نازحون عن كلّ عيبوهم في المكارم الأولونا
وهم الأكثرون يعلم ذاك الناس، والأطيبون للأطيبينا
أزعجتني الأقدار عنهم وقد كنت بقربي منهم شحيحا ضنينا
وتبدلت خالدا لعنة اللّه عليه ولعنة اللاعنينا
رجل يقهر اليتيم ولا يؤتى زكاة وينهر المسكينا
ويصون الثياب والعرض بالويرائي ويمنع الماعونا
نزع اللّه منه صالح ماأعطاه آمين عاجلا آمنا
فلعمر المبادرين إلى مكة وفدا غادين أو رائحينا
إن أضياف خالد وبنيهليجوعون فوق ما يشبعونا
وتراهم من غير نسك يصومون ومن غير علّة يحتمونا
يا بني خالد دعوه وفرّواكم على الجوع ويحكم تصبرونا
قال محمد بن يزيد: ومن مشهور شعره فيه قصيدته الّتي أولها:
ألا خبّروا إن كان عندكم خبرأنقفل أن نثوي على الهمّ والضّجر؟
نفى النوم عن عيني تعرّض رحلةبها الهمّ واستولى بها بعده السهر
فإن أشك من ليلي يجرجان طولهلقد كنت أشكو فيه بالبصرة القصر
فيا حبّذا بطن الخرير وظهرهويا حسن واديه إذا ماؤه زخر
ويا حبذا نهر الأبلّة منظراإذا مدّ في إبانه النهر أو جزر
وفتيان صدق همّهم طلب العلاوسيماهم التحجيل في المجد والغرر
لعمري لقد فارقتهم غير طائعولا طيّب نفسا بذاك ولا مقر
وقائلة ماذا نأى بك عنهمفقلت لها لا علم لي فسلي القدر
فيا سفرا أودي بلهوى ولذتيونغّصني عيشي عدمتك من سفر
دعوني وإيّا خالد بعد ساعةسيحمله شعري على الأبلق الأغرّ
كأني بصدق القول لما لقيتهوأعلمته ما فيه ألقمته الحجر
دنيء به عن كل خير بلادةلكلّ قبيح عن ذراعيه قد حسر
له منظر يعمي العيون سماجةوإن يختبر يوما فيا سوء مختبر
أبوك لنا غيث يعاش بوبلهوأنت جراد ليس يبقي ولا يذر
له أثر في المكرمات يسرّناوأنت تعفّي دائما ذلك الأثر
لقد قنّعت قحطان خزيا بخالدفهل لك فيه يخزك اللّه يا مضر
أخبرني عيسى بن الحسين قال: حدّثني الزبير بن بكّار قال: حدّثني عمي قال: أنشد الرشيد قول ابن أبي عيينة:
لقد قنّعت قحطان خزيا بخالدفهل لك فيه يخزك اللّه يا مضر
فقال الرشيد: بل يوقّرون ويشكرون.
أخبرني محمد بن يحيى الصوليّ قال: قال لنا أبو العباس محمد بن يزيد: لم يجتمع لأحد من المحدثين في بيت واحد هجاء رجل ومديح أبيه كما اجتمع لابن أبي عيينة في قوله:
أبوك لنا غيث نعيش بوبلهوأنت جراد ليس يبقى ولا يذر
وقال محمد بن يزيد: ومن جيّد قوله أيضا يهجو خالدا هذا:
على إخوتي مني السّلام تحيةتحيّة مثن بالأخوة حامد
وقل لهم بعد التحية أنتمبنفسي ومالي من طريف وتالد
وعزّ عليهم أن أقيم ببلدةأخا سقم فيها قليل العوائد
لئن ساءهم ما كان من فعل خالدلقد سرهم ما قد فعلت بخالد
وقد علموا أن ليس مني بمفلتولا يومه المسكين مني بواحد
أخالد لا زالت من اللّه لعنةعليك وإن كنت ابن عمي وقائدي
أخالد كانت صحبتيك ضلالةعصيت بها ربي وخالفت والدي
وأرسل يبغي الصلح لما تكنّفتعوارض جنبيه سياط القصائد
فأرسلت بعد الشرّ أني مسالمإلى غير ما لا تشتهي غير عائد
أخبرني عمي قال: حدثنا الكرانيّ قال: زعم القحذميّ أن الرشيد قال للفضل بن الربيع: من أهجى المحدثين عندك يا فضل في عصرنا هذا؟ قال: الّذي يقول في ابن عمه:
لو كان ينقص يزداد إذا نال السماء
خالد لو لا أبوهكان والكلب سواء
أنا ما عشت عليهأسوأ الناس ثناء
إنّ من كان مسيئالحقيق أن يساء
فقال الرشيد: هذا ابن أبي عيينة، ولعمري لقد صدقت.
أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدّثني أبي قال: كان ابن أبي عيينة مع ابن عمه خالد بجرجان، فأساء به وجفاه، وكان لابن أبي عيينة صديقان من جند خالد من أهل البصرة، أحدهما مهلّبي والآخر مولي للأزد، وكلهم شاعر ظريف، فكانوا يمدحون السّراة من أهل جرجان فيصيبون منهم ما يقوتهم. وولى موسى الهادي الخلافة فكتب ابن عيينة إلى من كان في خدمة الخلفاء من أهله بهذه القصيدة:
كيف صبري ومنزلي جرجانوالعراق البلاد والأوطان؟
نحن فيها ثلاثة حلفاءوندامي على الهوى إخوان
نتساقى الهوى ونطرب للذّكر كما تطرب النشاوي القيان
وإذا ما بكى الحمام بكينالبكاه كأننا صبيان
يا زماني الماضي ببغداد عدليطالما قد سررتني يا زمان
يا زماني المسيء أحسن فقد ماكان عندي من فعلك الإحسان
ما يريد العذّال مني أمايترك أيضا بغمه الإنسان؟
ويقولون أملك هواك وأقصرقلت مالي على الهوى سلطان
أيها الكاتم الحديث وقد طال به الأمر وانتهى الكتمان
قد لعمري عرّضت حينا فبيّنليس بعد التعريض إلّا البيان
واتخذ خالدا عدوا مبيناما تعادى الإنسان والشيطان
واله عنه فما يضرّك منهعضّ كلب ليست له أسنان
ولعمري لو لا أبوه لنالته بسوء منّي يد ولسان
قل لفتياننا المقيمين بالباب ثقوا النجاح يا فتيان
لا تخافوا الزمان قد قام موسىفلكم من ردى الزمان أمان
أو لم تأته الخلافة طوعاطاعة ليس بعدها عصيان؟
فهي منقادة لموسى وفيهاعن سواه تقاعس وحران
قل لموسى يا مالك الملك طوعابقياد وفي يديك العنان
أنت بحر لنا ورأيك فيناخير رأي لنا سلطان
فاكفنا خالدا فقد سامنا الخسفرماه لحتفه الرحمن
كم إلى كم يغضى على الذّل منهوإلى كم يكون هذا الهوان؟
قال: فلما قرأ هذه القصيدة موسى الهادي أمر له بصلة، وأعطاه ما فات من رزقه، وأقفله من جيش خالد إليه.
صوت
أين محلّ الحيّ يا وادي؟خبّر سقاك الرائح الغادي
مستصحب للحرب خيفانةمثل عقاب السّرحة العادي
بين خدور الظّعن محجوبةحدا بقلبي معها الحادي
وأسمرا في رأسه أزرقمثل لسان الحية الصادي
الشعر لدعبل بن عليّ الخزاعيّ، والغناء لأحمد بن يحيى المكّي، خفيف ثقيل مطلق في مجرى الوسطى عن أبي عبد اللّه الهشامي.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع