تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

أخبار عليّ بن جبلة

ديوان علي بن جبلةفيه ٢٥٥ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

هو عليّ بن جبلة بن عبد اللّه الأبناويّ، ويكنى أبا الحسن، ويلقب بالعكوّك، من أبناء الشيعة الخراسانية من أهل بغداد، وبها نشأ، وولد بالحربيّة من الجانب الغربيّ. وكان ضريرا، فذكر عطاء الملط أنه كان أكمه، وهو الّذي يولد ضريرا، وزعم أهله أنه عمي بعد أن نشأ.

وهو شاعر مطبوع، عذب اللفظ جزله، لطيف العاني، مدّاح حسن التصرف. واستنفد شعره في مدح أبي دلف القاسم بن عيسى العجلي، وأبي غانم حميد بن عبد الحميد الطّوسيّ، وزاد في تفضيلهما وتفضيل أبي دلف خاصة حتى فضّل من أجله ربيعة على مضر، وجاوز الحد في ذلك. فيقال: إن المأمون طلبه حتى ظفر به، فسلّ لسانه من قفاه، ويقال: بل هرب، ولم يزل متواريا منه حتى مات ولم يقدر عليه؛ وهذا هو الصحيح من القولين، والآخر شاذ.

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار الثقفيّ قال: حدّثني الحسين بن عبد اللّه بن جبلة بن عليّ بن جبلة قال: كان لجدّي أولاد، وكان عليّ أصغرهم، وكان الشيخ يرقّ عليه، فجدر، فذهبت إحدى عينه في الجدريّ، ثم نشأ فأسلم في الكتّاب، فحذق بعض ما يحذقه الصبيان، فحمل على دابّة ونثر عليه اللّوز، فوقعت على عينيه الصحيحة لوزة فذهبت، فقال الشيخ لولده: أنتم لكم أرزاق من السلطان، فإن أعنتموني على هذا الصبيّ، وإلّا صرفت بعض أرزاقكم إليه. فقلنا: وما تريد؟ قال: تختلفون به إلى مجالس الأدب

قال: فكنا نأتي به مجالس العلم ونتشاغل نحن بما يلعب به الصبيان، فما أتى عليه الحول حتى برع، وحتى كان العالم إذا رآه قال لمن حوله: أوسعوا للبغويّ وكان ذكيا مطبوعا، فقال الشعر، وبلغه أنّ الناس يقصدون أبا دلف لجوده وما كان يعطي الشعراء، فقصده - وكان يسمّى العكوّك - فامتدحه بقصيدته الّتي أولها:

ذاد ورد الغيّ عن صدرهوارعوى واللهو من وطره
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة

يقول فيها في مدحه:

يا دواء الأرض أن فسدتومديل اليسر من عسره
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
كلّ من في الأرض من عرببين باديه إلى حضره
مستعير منك مكرمةيكتسيها يوم مفتخره
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
إنما الدنيا أبو دلفبين مبداه ومحتضره
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
فإذا ولّى أبو دلفولّت الدنيا على أثره
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة

فلما وصل إلى أبي دلف - وعنده من الشعراء وهم لا يعرفونه - استرابوه بها، فقال له قائدة: إنهم قد اتهموك، وظنوا أن الشعر لغيرك، فقال: أيها الأمير، إنّ المحنة تزيل هذا، قال: صدقت فامتحنوه.

فقالوا له: صف فرس الأمير، وقد أجّلناك ثلاثا، قال: فاجعلوا معي رجلا تثقون به يكتب ما أقول، فجعلوا معه رجلا، فقال هذه القصيدة في ليلته، وهي:

ريعت لمنشور على مفرقهذمّ لها عهد الصّبا حين انتسب
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
أهداب شيب جدد في رأسهمكروهة الجدّة أنضاء العقب
أشرقن في أسود أزرين بهكان دجاه لهوى البيض سبب
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
واعتقن أيام الغواني والصّباعن ميّت مطلبه حيّ الأدب
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
لم يزدجر مرعويا حين ارعوىلكن يد لم تتصل بمطّلب
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
لم أر كالشيب وقارا يجتوىوكالشّباب الغضّ ظلّا يستلب
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
فنازل لم يبتهج بقربهوذاهب أبقى جوى حين ذهب
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
كان الشباب لمّة أزهى بهاوصاحبا حرّا عزيز المطحب
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
إذ أنا أجري سادرا في غيهلا أعتب الدهر إذا الدهر عتب
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
أبعد شأو اللهو في إجرائهوأقصد الخود وراء المحتجب
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
وأذعر الرّبرب عن أطفالهبأعوجيّ دلفيّ المنتسب
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
تحسبه من مرح العزّ بهمستنفرا بروعة أو ملتهب
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
مرتهج يرتجّ من أقطارهكالماء جالت فيه ريح فاضطرب
تحسبه أقعد في استقبالهحتى إذا استدبرته قلت أكبّ
وهو على إرهاقه وطيّهيقصر عنه المحزمان واللّبب
تقول فيه حنب إذا انثنىوهو كمتن القدح ما فيه حنب
يخطو على عوج تناهبن الثرىلم يتواكل عن شظى ولا عصب
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
تحسبها ناتئة إذا خطتكأنها واطئة على الرّكب
شتا وقاظ برهتيه عندنالم يؤت من برّ به ولا حدب
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
يصان عصري حرّه وقرّهوتقصر الخور عليه بالحلب
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
حتى إذا تمّت له أعضاؤهلم تنحبس واحدة على عتب
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
رمنا به الصيد فرادينا بهأوابد الوحش فأجدى واكتسب
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
مجذّم الجرى يبارى ظلّهويعرق الأحقب في شوط الخبب
إذا تظنينا به صدقناوإن تظني فوته العير كذب
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
لا يبلغ الجهد به راكبهويبلغ الريح به حيث طلب
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
ثم انقضى ذاك كأن لم يعنهوكلّ بقيا فإلى يوم عطب
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
وخلف الدهر على أبنائهبالقدح فيهم وارتجاع ما وهب
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
فحمّل الدهر ابن عيسى قاسماينهض به أبلج فرّاج الكرب
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
كرونق السيف انبلاجا بالندىوكغراريه على أهل الرّيب
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
ما وسنت عين رأت طلعتهفاستيقظت بنوبة من النّوب
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
لو لا ابن عيسى القرم كنّا هملالم يؤتثل مجد ولم يرع حسب
ولم يقم في يوم بأس وندىولا تلاقى سبب إلى سبب
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
تكاد تبدى الأرض ما تضمرهإذا تداعت خيله هلا وهب
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
ويستهلّ أملا وخيفةجانبها إذا استهلّ أو قطب
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
وهو وإن كان ابن فرعي وائلفبمساعيه يوافي في الحسب
وبعلاه وعلا آبائهتحوى غداة السبق أخطار القصب
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
يا زهرة الدنيا ويا باب الندىويا مجير الرّعب من يوم الرّهب
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
لولاك ما كان سدى ولا ندىولا قريش عرفت ولا العرب
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
خذها إليك من ملىء بالثنالكنه غير ملىء بالنّشب
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
فاثو في الأرض أو استفزز بهاأنت عليها الرأس والناس الذنب

قال: فلما غدا عليه بالقصيدة وأنشده إياها استحسنها من حضر، وقالوا: نشهد أن قائل هذه قائل تلك، فأعطاه ثلاثين ألف درهم. وقد قيل: إن أبا دلف أعطاه مائة ألف درهم، ولكن أراها في دفعات؛ لأنه قصده مرارا كثيرة، ومدحه بعدة قصائد.

أخبرني الحسن بن عليّ الخفّاف قال: حدّثني محمد بن موسى بن حماد قال: حدّثني أحمد بن أبي فنن قال: قال عبد اللّه بن مالك: قال المأمون يوما لبعض جلسائه: أقسم على من حضر ممن يحفظ قصيدة عليّ بن جبلة الأعمى في القاسم بن عيسى إلّا أنشدنيها، فقال له بعض الجلساء: قد أقسم أمير المؤمنين، ولا بد من إبرار قسمه، وما أحفظها، ولكنها مكتوبة عندي. قال: قم فجئني بها، فمضى وأتاه بها، فأنشده إياها وهي:

ذاد ورد الغيّ عن صدرهوارعوى واللّهو من وطره
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
وأبت إلّا البكاء لهضحكات الشيب في شعره
ندمي أن الشباب مضىلم أبلّغه مدى أشره
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
وانقضت أيامه سلمالم أجد حولا على غيره
حسرت عني بشاشتهوذوي المحمود من ثمره
ودم أهدرت من رشإلم يرد عقلا على هدره
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
فأتت دون الصبّا هنةفليت فوقي على وتره
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
جارتا ليس الشباب لمنراح محنيّا على كبره
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
ذهبت أشياء كنت لهاصارها حلمي إلى صوره
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
دع جدا قحطان أو مضرفي يمانيه وفي مضره
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
وامتدح من وائل رجلاعصر الآفاق في عصره
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
المنايا في مناقبهوالعطايا في ذرا حجره
ملك تندى أناملهكانبلاج النّوء من مطره
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
مستهلّ عن مواهبهكابتسام الروض عن زهره
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
جبل عزّت مناكبهأمنت عدنان في ثغره
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
إنما الدنيا أبو دلفبين مبداه ومحتضره
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
فإذا ولّى أبو دلفولّت الدنيا على أثره
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
لست أدري ما أقول لهغير أن الأرض في خفره
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
يا دواء الأرض إن فسدتومديل اليسر من عسره
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
كلّ من في الأرض من عرببين باديه إلى حضره
مستعير منك مكرمةيكتسيها يوم مفتخره
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة

يقول فيها:

وزحوف في صواهلهكصياح الحشر في أثره
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
قدته والموت مكتمنفي مذاكيه ومشتجره
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
فرمت جيلويه منه يدطوت المنشور من نظره
زرته والخيل عابسةتحمل البؤس على عقره
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
خارجات تحت رايتهاكخروج الطير من وكره
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
وعلى النعمان عجت بهعوجة ذادته عن صدره
غمط النعمان صفوتهافرددت الصفو في كدره
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
ولقرقور أدرت رحالم تكن ترتد في فكره
قد تأنيت البقاء لهفأبى المحتوم من قدره
وطغى حتى رفعت لهخطة شنعاء من ذكره

قال: فغضب المأمون واغتاظ، وقال: لست لأبي إن لم أقطع لسانه أو أسفك دمه.

قال ابن أبي فنن: وهذه القصيدة قالها عليّ بن جبلة وقصد بها أبا دلف بعد قتله الصّعلوك المعروف بقرقور، وكان من أشد الناس بأسا وأعظمهم. فكان يقطع هو وغلمانه على القوافل وعلى القرى، وأبو دلف يجتهد في أمره فلا يقدر عليه. فبينا أبو دلف خرج ذات يوم يتصيد وقد أمعن في طلب الصيد وحده إذا بقرقور قد طلع عليه وهو راكب فرسا يشق الأرض بجريه، فأيقن أبو دلف بالهلاك، وخاف أن يولّي عنه فيهلك، فحمل عليه وصاح: يا فتيان! يمنة يمنة - يوهمه أن معه خيلا قد كمنها له - فخافه قرقور وعطف على يساره هاربا، ولحقه أبو دلف فوضع رمحه بين كتفيه فأخرجه من صدره، ونزل فاحتزّ رأسه، وحمله على رمحه حتى أدخله الكرج.

قال: فحدّثني من رأى رمح قرقور وقد أدخل بين يديه يحمله أربعة نفر. فلما أنشده عليّ بن جبله هذه القصيدة استحسنها وسرّ بها وأمر له بمائة ألف درهم.

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال: حدثنا محمد بن يزيد الأزديّ قال: أخبرني إبراهيم بن خلف قال: بينا أبو دلف يسير مع أخيه معقل - وهما إذا ذاك بالعراق - إذ مرّا بامرأتين تتماشيان، فقالت إحداهما لصاحبتها: هذا أبو دلف، قالت: ومن أبو دلف؟ قالت: الّذي يقول فيه الشاعر:

إنما الدنيا أبو دلفبين باديه ومحتضره
فإذا ولّى أبو دلفولّت الدنيا على أثره
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة

قال: فاستعبر أبو دلف حتى جرى دمعه. قال له معقل: مالك يا أخي تبكي؟ قال: لأني لم أقض حقّ عليّ بن جبلة.

قال: أو لم تعطه مائة ألف درهم لهذه القصيدة؟ قال: واللّه يا أخي ما في قلبي حسرة تقارب حسرتي على أني لم أكن أعطيته مائة ألف دينار. واللّه لو فعلت ذلك لما كنت قاضيا حقه.

حدّثني الحسن بن عليّ قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدّثني عبد اللّه ابن محمد بن جرير قال: أنشدت أبا تمام قصيدة عليّ بن جبلة البائية، فلما بلغت إلى قوله:

وردّ البيض والبيضإلى الأغماد والحجب
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة

اهتز أبو تمام من فرقه إلى قدمه، ثم قال: أحسن، واللّه لوددت أن لي هذا البيت بثلاث قصائد من شعري يتخيرها وينتخبها مكانه.

أخبرني عمي قال: حدّثني أحمد بن أبي طاهر قال: حدّثني أبو نزار الضبيّ الشاعر قال: قال لي عليّ بن جبلة قلت لحميد بن عبد الحميد الطّوسي: يا أبا غانم، إني قد مدحت أمير المؤمنين بمدح لا يحسن مثله أحد من أهل الأرض، فاذكرني له. قال: فأنشدني، فأنشدته. قال: أشهد أنك صادق، ما يحسن أحد أن يقول هكذا. وأخذ المديح فأدخله إلى المأمون، فقال له: يا حميد، الجواب في هذا واضح، إن شاء عفونا عنه وجعلنا ذلك ثوابا لمديحه، وإن شاء جمعنا بين شعره فيك وفي أبي دلف وبين شعره فينا، فإن كان الّذي قاله فيكما أجود ضربنا ظهره، وأطلنا حبسه، وإن كان الّذي قاله أجود أعطيناه لكل بيت ألف درهم، وإن شاء أقلناه فقلت له: يا سيدي ومن أنا ومن أبو دلف حتى يمدحنا بأجود من مديحك! فقال: ليس هذا الكلام من الجواب في شيء، فاعرض ما قلت لك على الرجل. فقال: أفعل. قال عليّ بن جبلة: فقال لي حميد: ما ترى؟ فقلت: الإقالة أحبّ إلي، فأخبر المأمون بذلك. فقال: هو أعلم، ثم قال لي حميد: يا أبا الحسن أيّ شيء يعني من مدائحك لي ولأبي دلف؟ فقلت: قولي فيك:

لو لا حميد لم يكنحسب يعد ولا نسب
يا واحد العرب الّذيعزّت بعزّته العرب
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة

وقولي في أبي دلف:

إنما الدنيا أبو دلفبين باديه ومحتضره
فإذا ولّى أبو دلفولت الدنيا على أثره
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة

قال: فأطرق حميد ثم قال: لقد انتقد عليك أمير المؤمنين فأجاد، وأمر لي بعشرة آلاف درهم وخلعة وفرس وخادم. وبلغ ذلك أبا دلف فأضعف لي العطية، وكان ذلك في ستر منهما، ما علم به أحد خوفا من المأمون حتى حدثتك به يا أبا نزار.

أخبرني عليّ بن سليمان قال: حدّثني محمد بن يزيد، قال: حدّثني عليّ بن القاسم قال: قال لي عليّ بن جبلة: زرت أبا دلف، فكنت لا أدخل إليه إلّا تلقاني ببرّه وأفرط، فلما أكثر قعدت عنه حياء منه، فبعث إليّ بمعقل أخيه، فأتاني فقال لي: يقول لك الأمير: لم هجرتنا؟ لعلك استبطأت بعض ما كان منّي، فإن كان الأمر كذلك فإني زائد فيما كنت أفعله حتى ترضى، فدعوت من كتب لي، وأمللت عليه هذه الأبيات، ثم دفعتها إلى معقل، وسألته أن يوصلها، وهي:

هجرتك لم أهجرك من كفر نعمةوهل يرتجى نيل الزيادة بالكفر
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «هجرتك لم أهجرك من كفر نعمة»
ولكنني لما أتيتك زائرافأفرطت في بري عجزت عن الشكر
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «هجرتك لم أهجرك من كفر نعمة»
فهأنا لا آتيك إلا مسلّماأزورك في الشهرين يوما وفي الشهر
فإن زدتني برّا تزايدت جفوةولم تلقني طول الحياة إلى الحشر

قال: فلما سمعها معقل استحسنها جدا، وقال: جوّدت واللّه، أما أن الأمير ليعجب بمثل هذه الأبيات، فلما أوصلها إلى أبي دلف قال: للّه درّه! ما أشعره، وما أرقّ معانيه! ثم دعا بدواة، فكتب إليّ:

ألا ربّ ضيف طارق قد بسطتهوآنستة قبل الضيافة بالبشر
أتاني يرجّيني فما حال دونهودون القرى من نائلي عنده ستري
وجدت له فضلا عليّ بقصدهإليّ وبرّا يستحق به شكري
فلم أعد أن أدنيته وابتدأتهببشر وإكرام وبرّ على برّ
وزوّدته مالا قليل بقاؤهوزوّدني مدحا يدوم على الدهر

ثم وجّه بهذه الأبيات مع وصيف يحمل كيسا فيه ألف دينار، فذلك حيث قلت له:

إنما الدنيا أبو دلفبين باديه ومحتضره

أخبرني عمي قال: حدّثني أحمد بن أبي طاهر قال: حدّثني أحمد بن القاسم قال: حدّثني نادر مولانا: أن عليّ بن جبلة خرج إلى عبد اللّه بن طاهر وإلى خراسان، وقد امتدحه، فلما وصل إليه قال له: ألست القائل:

إنما الدنيا أبو دلفبين باديه ومحتضره
فإذا ولّى أبو دلفولّت الدنيا على أثره
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة

قال: بلى، قال: فما الّذي جاء بك إلينا، وعدل بك عن الدنيا الّتي زعمت؟ ارجع من حيث جئت، فارتحل، ومرّ بأبي دلف وأعلمه الخبر، فأعطاه حتى أرضاه. قال نادر: فرأيته عند مولاي القاسم بن يوسف، وقد سأله عن خبره فقال:

أبو دلف إن تلقه ماجداجوادا كريما راجح الحلم سيدا
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
أبو دلف الخيرات أنداهم يداوأبسط معروفا وأكرم محتدا
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
تراث أبيه عن أبيه وجدّهوكلّ امرىء يجري على ما تعودا
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
ولست بشاك غيره لنقيصةولكنما الممدوح من كان أمجدا
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة

قال مؤلف هذا الكتاب: والأبيات الّتي فيها الغناء المذكورة بذكرها أخبار أبي الحسن عليّ بن جبلة من قصيدة له مدح بها حميدا الطوسيّ، ووصف قصره على دجلة وقال فيها بعد الأبيات الّتي فيها الغناء:

ليس لي ذنب سوى أنّي أسميك خليلا
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
وأناديك عزيزاوتناديني ذليلا
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
أنا أهواك وحاليك صروما ووصولا
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
ثق بودّ ليس يفنىوبعهد لن يحولا
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
جعل اللّه حميدالبني الدنيا كفيلا
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
ملك لم يجعل اللّهله فيهم عديلا
فأقاموا في ذراهمطمئنين حلولا
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
لا ترى فيهم مقلّايسأل المثرى فضولا
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
جاد بالأموال حتىعلّم الجود البخيلا
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
وبني الفخر على الفخر بناء مستطيلا
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
صار للخائف أمناوعلى الجود دليلا
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة

ولما مات حميد الطوسيّ رثاه بقصيدته العينية المشهورة، وهي من نادر الشعر وبديعه، وفي أولها غناء من الثقيل الأول، يقال: إنه لأبي العبيس، ويقال: إنه للقاسم ابن زرزور:

أللدهر تبكي أم على الدهر تجزع؟وما صاحب الأيام إلا مفجّع
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
ولو سهّلت عنك الأسا كان في الأساعزاء معزّ للبيب ومقنع
تعزّ بما عزّيت غيرك إنهاسهام المنايا حائمات ووقّع
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
أصبنا بيوم في حميد لو أنهأصاب عروش الدهر ظلت تضعضع
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
وأدّبنا ما أدب الناس قبلناولكنه لم يبق للصبر موضع
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
ألم تر للأيام كيف تصرّمتبه وبه كانت تذاد وتدفع
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
وكيف التقى مثوى من الأرض ضيقعلى جبل كانت به الأرض تمنع
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
ولما انقضت أيامه انقضت العلاوأضحى به أنف الندى وهو أجدع
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
وراح عدوّ الدّين جذلان ينتحيأمانيّ كانت في حشاه تقطع
وكان حميد معقلا ركعت بهقواعد ما كانت على الضيم تركع
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
وكنت أراه كالرزايا رزئثهاولم أدر أن الخلق يبكيه أجمع
حمام رماه من مواضع أمنهحمام كذاك الخطب بالخطب يقدع
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
وليس بغرو أن تصيب منيةحمى أختها أو أن يذلّ الممنّع
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
لقد أدركت فينا المنايا بثارهاوحلّت بخطب وهيه ليس يرقع
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
نعاء حميد للسرايا إذا غدتتذاد بأطراف الرماح وتوزع
وللمرهق المكروب ضاقت بأمرهفلم يدر في حوماتها كيف يصنع؟
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
وللبيض خلّتها البعول ولم يدعلها غيره داعى الصباح المفزّع
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
كأن حميدا لم يقد جيش عسكرإلى عسكر أشياعه لا تروّع
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
ولم يبعث الخيل المغيرة بالضحامراحا ولم يرجع بها وهي ظلّع
رواجع يحملن النّهاب ولم تكنكتائبه إلّا على النهب ترجع
هوى جبل الدنيا المنيع وغيثهاالمريع وحاميها الكميّ المشيع
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
وسيف أمير المؤمنين ورمحهومفتاح باب الخطب والخطب أفظع
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
فأقنعه من ملكه ورباعهونائله قفر من الأرض بلقع
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
على أيّ شجو تشتكي النفس بعدهإلى شجوه أو يذخر الدمع مدمع
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
ألم تر أن الشمس حال ضياؤهاعليه وأضحى لونها وهو أسفع
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
وأوحشت الدنيا وأودى بهاؤهاوأجدب مرعاها الّذي كان يمرع
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
وقد كانت الدنيا به مطمئنةفقد جعلت أوتادها تتقلع
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
بكى فقده روح الحياة كما بكىنداه الندى وابن السبيل المدفّع
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
وفارقت البيض الخدور وأبرزتعواطل حسرى بعده لا تقنّع
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
وأيقظ أجفانا وكان لها الكرىونامت عيون لم تكن قبل تهجع
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
ولكنه مقدار يوم ثوى بهلكل امرىء منه نهال ومشرع
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
وقد رأب اللّه الملا بمحمدوبالأصل ينمي فرعه المتفرع
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
أغرّ على أسيافه ورماحهتقسّم أنفال الخميس وتجمع
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
حوى عن أبيه بذل راحته الندىوطعن الكلى والزاعبية شرّع
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة

وإنما ذكرت هذه القصيدة على طولها لجودتها وكثرة نادرتها، وقد أخذ البحتريّ أكثر معانيها فسلخه، وجعله في قصيدته اللتين رثى بهما أبا سعيد الثغري:

انظر إلى العلياء كيف تضام
بأي أسى تثنى الدموع الهوامل

وقد أخذ الطائي أيضا بعض معانيها، ولو لا كراهة الإطالة لشرحت المواضع المأخوذة. وإذا تأمل ذلك منتقد بصير عرفه.

أخبرني عمي قال: حدثنا أحمد بن أبي طاهر قال: حدّثني أبو وائلة قال: قال رجل لعليّ بن جبلة: ما بلغت في مديح أحد ما بلغته في مديحك حميدا الطوسيّ. فقال: وكيف لا أفعل وأدنى ما وصل إليّ منه أني أهديت له قصيدة في يوم نيروز فسرّ بها، وأمر أن يحمل إليّ كلّ ما أهدى له، فحمل إليّ ما قيمته مائتا ألف درهم، وأهديت له قصيدة في يوم عيد فبعث إليّ بمثل ذلك.

قال أبو وائلة. وقد كان حميد ركب يوم عيد في جيش عظيم لم ير مثله، فقال عليّ بن جبلة يصف ذلك:

غدا بأمير المؤمنين ويمنهأبو غانم غدو الندى والسحائب
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
وضاقت فجاج الأرض عن كل موكبأحاط به مستعليا للمواكب
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
كأن سموّ النّقع والبيض فوقهمسماوة ليل فرّنت بالكواكب
فكان لأهل العيد عيد بنسكهموكان حميد عيدهم بالمواهب
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
ولو لا حميد لم تبلّج عن الندىيمين ولم يدرك غنى كسب كاسب
ولو ملك الدنيا لما كان سائلولا اعتام فيها صاحب فضل صاحب
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
له ضحكة تستغرق المال بالندىعلى عبسة تشجى القنا بالترائب
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
ذهبت بأيام العلا فاردا بهاوصرّمت عن مسعاك شأو المطالب
وعدّلت ميل الأرض حتى تعدلتفلم ينأ منها جانب فوق جانب
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
بلغت بأدنى الحزم أبعد قطرهاكأنك منها شاهد كلّ غائب
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة

قال: والّتي أهداها له يوم النيروز قصيدته الّتي فيها:

حميد يا قاسم الدنيا بنائلهوسيفه بين أهل النّكث والدّين
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
أنت الزمان الّذي يجري تصرّفهعلى الأنام بتشديد وتليين
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
لو لم تكن كانت الأيّام قد فنيتوالمكرمات ومات المجد مذحين
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
صوّرك اللّه من مجد ومن كرموصوّر النّاس من ماء ومن طين
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة

نسخت من كتاب بخط محمد بن العباس اليزيديّ:

قال أحمد بن إسماعيل الخصيب الكاتب: دخل عليّ بن جبلة يوما إلى أبي دلف فقال له: هات يا عليّ ما معك. فقال: إنه قليل. فقال هاته، فكم من قليل أجود من كثير فأنشده:

اللّه أجرى من الأرزاق أكثرهاعلى يديك فشكرا يا أبا دلف
أعطى أبو دلف والريح عاصفةحتى إذا وقفت أعطى ولم يقف
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة

قال: فأمر له بعشرة آلاف درهم، فلما كان بعد مدة دخل إليه، فقال له: هات ما معك فأنشده:

من ملك الموت إلى قاسمرسالة في بطن قرطاس
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
يا فارس الفرسان يوم الوغىمرني بمن شئت من الناس
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة

قال: فأمر له بألفي درهم، وكان قد تطير من ابتدائه في هذا الشعر، فقال: ليست هذه من عطاياك أيها الأمير، فقال: بلغ بها هذا المقدار ارتياعنا من تحمّلك رسالة ملك الموت إلينا.

أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال: حدثنا الحسن عليل العنزيّ قال: حدّثني محمد بن عبد اللّه قال: حدّثني عليّ بن جبلة العكوّك المروزيّ قال: جاءني أبو يعقوب الخزيميّ فقال لي: إن لي إليك حاجة. قلت: وما هي؟ قال: تهجو لي الهيثم بن عديّ.

فقلت: ومالك أنت لا تهجوه وأنت شاعر؟ فقال: قد فعلت، فما جاءني شيء كما أريد. فقلت له: فقلت له: كيف أهجو رجلا لم يتقدم إليّ منه إساءة، ولا له إليّ جرم يحفظني؟ فقال: تقرضني، فإني مليّ بالقضاء، قلت: نعم، فأمهلني اليوم فمضى، وغدوت عليه فأنشدته:

للهيثم بن عديّ نسبة جمعتآباءه فأراحتنا من العدد
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
أعدد عديّا فلو مدّ البقاء لهما عمّر الناس لم ينقص ولم يزد
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
نفسي نداء بني عبد المدان وقدتلّوه للوجه واستعلوه بالعمد
حتى أزالوه كرها عن كريمتهموعرّفوه بدلّ أين أصل عدي؟
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
يا بن الخبيثة من أهجو فأفضحهإذا هجوت وما تنمى إلى أحد؟

قال: وكان الهيثم قد تزوج إلى بني الحارث بن كعب، فركب محمد بن زياد بن عبيد اللّه بن عبد المدان الحارثيّ، أخو يحيى بن زياد، ومعه جماعة من أصحابه الحارثيّين إلى الرشيد، فسألوه أن يفرّق بينهما. فقال الرشيد: أليس هو الّذي يقول فيه الشاعر:

إذا نسبت عديا في بني ثعلفقدّم الدال قبل العين في النسب
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «الحمد لله هذا أعجب العجب»

قالوا: بلى يا أمير المؤمنين. قال فهذا الشعر من قاله؟ قالوا: هو لرجل من أهل الكوفة من بني شيبان يقال له: ذهل بن ثعلبة فأمر الرشيد داود بن يزيد أن يفرّق بينهما، فأخذوه فأدخلوه دارا وضربوه بالعصيّ حتى طلقها.

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال: حدثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال: حدّثني محمد بن الحسن بن الخصيب قال: شخص عليّ بن جبلة إلى عبد اللّه بن طاهر والي خراسان - وقد مدحه فأجزل صلته - واستأذنه في الرجوع، فسأله أن يقيم عنده، وكان برّه يتصل عنده، فلما طال مقامه اشتاق إلى أهله، فدخل إليه فأنشده: ينشد عبد اللّه بن طاهر شعرا يطلب به أن يأذن له في الرحيل:

راعه الشيب إذ نزلوكفاه من العذل
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
وانقضت مدة الصبافانقضى اللهو والغزل
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
قد لعمري دملتهبخضاب فما أندمل
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
فابك للشيب إذ بدالا على الرّبع والطلل
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
وصل اللّه للأميرعرا الملك فاتصل
ملك عزمه الزمان وأفعاله الدول
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
كسرويّ بمجدهيضرب الضارب المثل
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
وإلى ظلّ عزّهيلجأ الخائف الوجل
كلّ خلق سوى الإمام لإنعامه خول
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
ليته حين جاد ليبالغنى جاد بالقفل
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة

قال: فضحك وقال: أبيت إلّا أن توحشنا. وأجزل صلته، وأذن له.

أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدّثني أحمد بن أبي طاهر قال: حدّثني أبو وائلة السدوسيّ قال: دخل عليّ بن جبلة العكوّك على حميد الطوسيّ في أول يوم من شهر رمضان، فأنشده:

جعل اللّه مدخل الصوم فوزالحميد ومتّعه في البقاء
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
فهو شهر الربيع للقرّاءوفراق النّدمان والصهباء
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
وأنا الضامن المليّ لمن عاقرها مفطرا بطول الظّماء
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
وكأني أرى النّدامى على الخسفيرجّون صبحهم بالمساء
قد طوى بعضهم زيارة بعضواستعاضوا مصاحفا بالغناء
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة

يقول فيها:

بحميد وأين مثل حميدفخرت طيّ ء على الأحياء
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
جوده أظهر السماحة في الأرض وأغنى المقوي عن الإقواء
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
ملك يأمل العباد نداهمثل ما يأملون قطر السماء
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
صاغه اللّه مطعم الناس في الأرض وصاغ السحاب للإسقاء
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة

قال: فأمر له بخمسة آلاف درهم، وقال: استعن بهذه على نفقة صومك. ثم دخل إليه ثاني شوال، فأنشده:

علّلاني بصفو ما في الدّننواتركا ما بقوله العاذلان
واسبقا فاجع المنيّه بالعيش فكلّ على الجديدين فإني
علّلاني بشربة تذهبالهمّ وتنفي طوارق الأحزان
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
وانفثا في مسامع سدّها الصوم رقى الموصليّ أو دحمان
قد أتانا شوال فاقتبل العيش وأعدى قسرا على رمضان
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
نعم عون الفتى على نوب الدهرسماع القيان والعيدان
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
وكئوس تجري بماء كرومومطيّ الكئوس أيدي القيان
من عقار تميت كلّ احتشاموتسرّ النّدمان بالنّدمان
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
وكأنّ المزاج يقدح منهاشررا في سبائك العقيان
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
فاشرب ألراح واعص من لام فيهاإنها نعم عدة الفتيان
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
واصحب الدهر بارتحال وحلّلا تخف ما يجرّه الحادثان
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
حسب مستظهر على الدهر ركنابحميد ردءا من الحدثان
ملك يقتني المكارم كنزاوتراه من أكرم الفتيان
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
خلقت راحتاه للجود وألباس وأمواله لشكر اللسان
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
ملّكته على العباد معدّوأقرّت له بنو قحطان
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
أريحيّ الندى جميل المحيّايده والسماح معتقدان
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
وجهه مشرق إلى معتفيهويداه بالغيث تنفجران
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
جعل الدهر بين يوميه قسمين بعرف جزل وحرّ طعان
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
فإذا سار بالخميس لحربكلّ عن نصّ جريه الخافقان
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
وإذا ما هززته لنوالضاق عن رحب صدر الأفقان
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
غيث جدب إذا أقام ربيعيتغشى بالسّيب كلّ مكان
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
يا أبا غانم بقيت على الدهروخلّدت ما جرى العصران
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
ما نبالي إذا عدت المنايامن أصابت بكلكل وجران
قد جعلنا إليك بعث المطاياهربا من زماننا الخوّان
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
وحملنا الحاجات فوق عتاقضامنات حوائج الرّكبان
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
ليس جود وراء جودك ينتاب ولا يعتفي لغيرك عاني
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة

فأمر له بعشرة آلاف درهم، وقال: تلك كانت للصوم، فخفّفت وخففنا، وهذه للفطر، فقد زدتنا وزدناك.

أخبرني عمي قال: حدثنا أحمد بن الطيب السّرخسيّ قال: حدثنا ابن أخي عليّ بن جبلة العكوّك - قال أحمد: وكان عليّ جارنا بالربض هو وأهله، وكان أعمى وبه وضح. وكان يهوى جارية أديبة ظريفة شاعرة وكانت تحبّه هي أيضا على قبح وجهه وما به من الوضح، حدّثني بذلك عمرو بن بحر الجاحظ.

قال عمرو: وحدّثني العكوّك أن هذه الجارية زارته يوما وأمكنته من نفسها حتى افتضّها. قال، وذلك عنيت في قولي:

ودم أهدرت من رشإلم يرد عقلا على هدره
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة

وهي القصيدة الّتي مدح بها أبا دلف، يعني بالدم: دم البضع.

قال: ثم قصدت حميدا بقصيدتي الّتي مدحته بها، فلما استؤذن لي عليه أبي أن يأذن لي، وقال: قولوا له: أيّ شيء أبقيت لي بعد قولك في أبي دلف:

إنما الدنيا أبو دلفبين مبداه ومحتضره
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
فإذا ولّى أبو دلفولت الدنيا على أثره
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
إنما الدنيا حميدوأياديه الجسام
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
فإذا ولّى حميدفعلى الدنيا السّلام
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة

فأمر بمائتي دينار، فنثرتها في حجر عشيقتي، ثم جئته بقصيدتي الّتي أقول فيها:

دجلة تسقي وأبو غانميطعم من تسقي من الناس
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة

فأمر لي بمائتي دينار.

حدّثني عمي قال: حدّثني أحمد بن الطيب قال: حدّثني ابن أخي عليّ بن جبلة أيضا: أن عمه عليّا كان يهوى جارية، وهي هذه القينة، وكانت له مساعدة، ثم غضبت عليه، وأعرضت عنه، فقال فيها:

تسيء ولا تستنكر السوء إنهاتدلّ بما تتلوه عندي وتعرف
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
فمن أين ما استعطفتها لم ترقّ ليومن أين ما جربت صبري يضعف

أخبرني حبيب بن نصر قال: حدثنا عمر بن شبة قال: تذاكرنا يوما أقبح ما هجي به الناس في ترك الضيافة وإضاعة الضيف، فأنشدنا عليّ بن جبلة لنفسه:

أقاموا الدّيدبان على يقاعوقالوا لا تنم للدّيدبان
فإن آنست شخصا من بعيدفصفّق بالبنان على البنان
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
تراهم خشية الأضياف خرساويأتون الصلاة بلا أذان
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة

أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدّثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدّثني أبي قال: حدّثني وهب بن سعيد المروزيّ، كاتب حميد الطوسيّ، قال: جئت حميدا في أول يوم من شهر رمضان، فدفع إليّ كيسا فيه ألف دينار، وقال: تصدّقوا بهذه. وجاءه ابنه أصرم فسلّم عليه ودعا له، ثم قال له: خادمك عليّ بن جبلة بالباب، فقال: وما أصنع به؟ جئتني به يا بني تقابلني بوجهه في أول يوم من هذا الشهر. فقال: إنه يجيد فيك القول. قال: فأنشدني بيتا مما تستجيد له: فأنشده قوله:

حيدي حياد فإنّ غزوة جيشهضمنت لجائلة السباع عيالها
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة

فقال: أحسن. ائذنوا له، فدخل فسلّم، ثم أنشده قوله:

إن أبا غانم حميداغيث على المعتفين هامي
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
صوّره اللّه سيف حتفوباب رزق على الأنام
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
يا مانع الأرض بالعواليوالنّعم الجمة العظام
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
ليس من السّوء في معاذمن لم يكن منك في ذمام
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
وما تعمّدت فيك وصفاإلا تقدّمته أمامي
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
فقد تناهت بك المعاليوانقطعت مدة الكلام
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
أجدّ شهرا وأبل شهراواسلم على الدهر ألف عام
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة

قال: فالتفت إليّ حميد، وقال: أعطه ذلك الألف الدينار حتى يخرج للصدقة غيره.

حدّثني عمي قال: حدّثني يعقوب بن إسرائيل قال: حدّثني أبو سهيل عن سالم مولى حميد الطّوسيّ قال: جاء عليّ بن جبلة إلى حميد الطوسيّ مستشفعا به إلى أبي دلف - وقد كان غضب عليه وجفاه - فركب معه إلى أبي دلف شافعا، وسأله في أمره، فأجابه واتصل الحديث بينهما وعليّ بن جبلة محجوب، فأقبل على رجل إلى جانبه وقال: اكتب ما أقول لك، فكتب:

لا تتركّى بباب الدار مطّرحافالحر ليس عن الأحرار يحتجب
هبنا بلا شافع جئنا ولا سببألست أنت إلى معروفك السبب؟
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة

قال: فأمر بإيصاله إليه، ورضي عنه ووصله.

أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدثنا ابن مهروية قال: حدّثني أحمد بن مروان قال: حدّثني أبو سعيد المخزوميّ قال: دخلت على حميد الطوسيّ، فأنشدته قصيدة مدحته بها وبين يديه رجل ضرير، فجعل لا يمرّ ببيت إلا قال: أحسن قاتله اللّه! أحسن ويحه! أحسن للّه أبوه! أحسن أيها الأمير. فأمر لي حميد ببدرة، فلما خرجت قام إليّ البوابون، فقلت: كم أنتم؟ عرّفوني أولا من هذا المكفوف الّذي رأيته بين يدي الأمير؟ فقالوا: عليّ بن جبلة العكوّك فارفضضت عرقا. ولو علمت أنه عليّ بن جبلة لما جسرت على الإنشاد بين يديه.

أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدثنا أحمد بن عبيد بن ناصح قال: كلّم حميد الطوسيّ المأمون في أن يدخل عليه عليّ بن جبلة، فيسمع منه مديحا مدحه به، فقال: وأيّ شيء يقوله فيّ بعد قوله في أبي دلف:

إنما الدنيا أبو دلفبين مغزاه ومحتضره
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
فإذا ولّى أبو دلفولّت الدنيا على أثره
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة

وبعد قوله فيك:

يا واحد العرب الّذيعزّت بعزته العرب
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة

أحسن أحواله أن يقول فيّ مثل ما قاله في أبي دلف، فيجعلني نظيرا له. هذا إن قدر على ذلك ولم يقصر عنه، فخيّروه بين أن أسمع منه، فإن كان مدحه إياي أفضل من مدحه أبا دلف وصلته، وإلا ضربت عنقه أو قطعت لسانه، وبين أن أقيله وأعفيه من هذا وذا. فخيّروه بذلك، فاختار الإقالة.

ثم مدح حميدا الطوسيّ، فقال له: وما عساك أن تقول فيّ بعد ما قلته في أبي دلف، فقال: قد قلت فيك خيرا من ذلك. قال: هات، فأنشده:

دجلة تسقي وأبو غانميطعم من تسقي من النّاس
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
النّاس جسم وإمام الهدىرأس وأنت العين في الراس

فقال له حميد: قد أجدت، ولكن ليس هذا مثل ذلك، ووصله.

قال أحمد بن عبيد، ثم مات حميد الطوسي، فرثاه عليّ بن جبلة، فلقيته، فقلت له: أنشدني مرثيتك حميدا، فأنشدني:

نعاء حميدا للسرايا إذا غدتتذاد بأطراف الرماح وتوزع
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة

حتى أتى على آخرها.

فقلت له: ما ذهب على النحو الّذي نحوته يا أبا الحسن، وقد قاربته وما بلغته. فقال: وما هو؟ فقلت: أردت قول الخريمي في مرثيته أبا الهيذام:

وأعددته ذخرا لكل ملمةوسهم المنايا بالذخائر مولع
للشاعر الخُرَيْمي، اقرأ القصيدة

فقال: صدقت واللّه، أما واللّه لقد نحوته وأنا لا أطمع في اللّحاق به، لا واللّه ولا امرؤ القيس لو طلبه وأراده ما كان يطمع أن يقاربه في هذه القصيدة.

أخبرني عمي قال: حدثنا أحمد بن أبي طاهر قال: حدّثني ابن أبي حرب الزعفرانيّ، قال: لما بلغ المأمون قول عليّ بن جبلة لأبي دلف:

كلّ من في الأرض من عرببين باديه إلى حضره
مستعير منك مكرمةيكتسيها يوم مفتخره
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة

غضب من ذلك، وقال: اطلبوه حيث كان، فطلب فلم يقدر عليه، وذلك أنه كان بالجبل، فلما اتصل به الخبر هرب إلى الجزيرة، وقد كانوا كتبوا إلى الآفاق في طلبه، فهرب من الجزيرة أيضا، وتوسط الشام فظفروا به، فأخذوه، وحملوه إلى المأمون، فلما صار إليه قال له: يا بن اللّخناء، أنت القائل للقاسم بن عيسى:

كلّ من في الأرض من عرببين باديه إلى حضره
مستعير منك مكرمةيكتسيها يوم مفتخره
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة

جعلتنا ممن يستعير المكارم منه! فقال له: يا أمير المؤمنين، أنتم أهل بيت لا يقاس بكم أحد، لأن اللّه جل وعزّ فضلكم على خلقه، واختاركم لنفسه. وإنما عنيت بقولي في القاسم أشكال القاسم وأقرانه، فقال: واللّه ما استثنيت أحدا عن الكلّ، سلّوا لسانه من قفاه.

أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدثنا محمد بن موسى قال: وحدّثني أحمد بن أبي فنن: أن المأمون لما أدخل عليه عليّ بن جبلة قال له: إني لست أستحلّ دمك لتفضيلك أبا دلف على العرب كلّها وإدخالك في ذلك قريشا - وهم آل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وعترته - ولكني أستحلّه بقولك في شعرك وكفرك حيث تقول القول الّذي أشركت فيه:

أنت الّذي تنزل الأيام منزلهاوتنقل الدهر من حال إلى حال
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
وما مددت مدى طرف إلى أحدإلا قضيت بأرزاق وآجال
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة

كذبت يا ماصّ بظر أمه، ما يقدر على ذلك أحد إلا اللّه - عز وجل - الملك الواحد القهار. سلّوا لسانه من قفاه.

صوت

لا بد من سكرة على طربلعل روحا يدال من كرب
للشاعر أبو محمد التيمي، اقرأ القصيدة

- ويروى:

لعل روحا يديل من كرب

- وهو أصوب:

فعاطنيها صهباء صافيةتضحك من لؤلؤ على ذهب
للشاعر أبو محمد التيمي، اقرأ القصيدة
خليفة اللّه أنت منتخبلخير أمّ من هاشم وأب
أكرم بأصلين أنت فرعهمامن الإمام المنصور في النسب
للشاعر أبو محمد التيمي، اقرأ القصيدة

الشعر للتيميّ، والغناء لسليم بن سلّام، خفيف ثقيل أول بالبنصر عن عمرو، وفيها لنظم العمياء خفيف رمل بالبنصر عن الهشاميّ.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»