من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار التيميّ ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو عبد اللّه بن أيوب، ويكنى أبا محمد مولى بني تميم ثم مولى بني سليم. ذكر ذلك ابن النطاح، وكان له أخ يقال له أبو التّيحّان، وكلاهما كان شاعرا، وهما من أهل الكوفة، وهما من شعراء الدولة العباسية. أحد الخلعاء المجّان الوصّافين للخمر، وكان صديقا لإبراهيم الموصليّ وابنه إسحاق، ونديما لهما، ثم اتصل بالبرامكة ومدحهم، واتصل بيزيد بن مزيد فلم يزل منقطعا إليه حتى مات يزيد.
واستنفد شعره أو أكثره في وصفه الخمر، وهو الّذي يقول:
شربت من الخمر يوم الخميسبالكاس والطاس والقنقل
فما زالت الكأس تغتالناوتذهب بالأول الأول
إلى أن توافت صلاة العشاونحن من السكر لم نعقل
فمن كان يعرف حق الخميسوحقّ المدام فلا يجهل
وما إن جرت بيننا مزحةتهيج مراء على السلسل
وهو القائل:
ولن أنتهي عن طيّب الراح أو يرىبوادي عظامي في ضريحي لاحد
أضعت شبابي في الشراب تلذّذاوكنت امرأ غرّ الشباب أكابد
أخبرني محمد بن يحيى الصوليّ قال: حدّثني أبو العيناء عن محمد بن عمر، قال: أبو محمد التيميّ اسمه عبد اللّه بن أيوب مولى بني تميم.
أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار عن محمد بن داود بن الجراح قال: قال دعبل: كان للتيميّ أبي محمد ابن يقال له حبّان، ومات هو حديث السن، فجزع عليه، وقال يرثيه:
صوت
أودى بجبّان ما لم يترك الناسافامنح فؤداك من أحبابك الياسا
لما رمته المنايا إذ قصدن لهأصبن مني سواد القلب والراسا
وإذ يقول لي العوّاد إذ حضروالا تأس أبشر أبا حبان لا تاسى
فبت أرعى نجوم الليل مكتئباإخال سنّته في الليل قرطاسا
غنى في الأول والرابع من هذه الأبيات حكم الوادي، ولحنه رمل مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق. وأول هذه القصيدة:
يا دير هند لقد أصبحت لي أنساوما عهدتك لي يا دير مئناسا
وهي مشهورة من شعره.
أخبرني حبيب بن نصر المهلّبي قال: حدّثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال: حدّثني حماد بن إسحاق عن أبيه قال: قلت:
وصف الصدّ لمن أهوى فصدّ
ثم أجبلت، فمكثت عدة ليال لا يستوى لي تمامه. فدخل عليّ التيميّ فرآني مفكرا، فقال لي: ما قصتك؟ فأخبرته، فقال:
وبدا يمزح بالهجر فجدّ
ثم أتممتها. فقلت:
ما له يعدل عني وجههوهو لا يعدله عندي أحد؟
وخرجت إلى مدح الفضل بن الربيع، فقلت:
قد أرادوا غرّة الفضل وهلتطلب الغرّة في خيس الأسد
ملك ندفع ما نخشى بهوبه يصلح منّا ما فسد
يفعل الناس إذا ما وعدواوإذا ما فعل الفضل وعد
- لإسحاق في هذا الشعر صنعة، ونسبتها:
صوت
وصف الصدّ لمن نهوى فصدوبدا يمزح بالهجر فجد
ما له يعدل عني وجههوهو لا يعدله عندي أحد؟
الشعر والغناء لإسحاق، خفيف رمل بالبنصر، وله فيه أيضا ثقيل أول، وفيه لزكريا بن يحيى بن معاذ هزج بالبنصر عن الهشامي وغيره. قال الهشاميّ: وقيل إن الهزج لإسحاق، وخفيف الرمل لزكريا.
أخبرني جحظة عن علي بن يحيى المنجم عن إسحاق قال: اشتركت أنا وأبو محمد التيميّ في هذا الشعر:
وصف الصد لمن نهوى فصد
وذكر البيتين.
أخبرني عمي قال: حدثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال: حدّثني محمد بن عبد اللّه بن طهمان قال: حدّثني محمد الراوية الّذي يقال له البيذق وكان يقرأ شعر المحدثين على الرشيد - قال: قال لي الرشيد يوما: أنشدني مرثية مروان بن أبي حفصة في معن بن زائدة التي يقول فيها:
كأن الشمس يوم أصيب معنمن الإظلام ملبسة جلالا
هو الجبل الّذي كانت معدّتهدّ من العدوّ به الجبالا
أقمنا باليمامة بعد معنمقاما لا نريد به زيالا
وقلنا أين نذهب بعد معنوقد ذهب النوال فلا نوالا
قال: فأنشدته إياها، ثم قال لي، أنشدني قصيدة أبي موسى التيميّ في مرثية يزيد ابن مزيد، فهي واللّه أحب إليّ من هذه، فأنشدته:
أحقّ أنه أودى يزيدتبيّن أيها الناعي المشيد
أتدري من نعيت وكيف فاهتبه شفتاك، كان بك الصعيد
أحامي المجد والإسلام أودىفما للأرض ويحك لا تميد!
تأمل هل ترى الإسلام مالتدعائمه وهل شاب الوليد!
وهل شيمت سيوف بني نزاروهل وضعت عن الخيل اللّبود!
وهل تسقي البلاد عشار مزنبدرّتها وهل يخضرّ عود!
أما هدت لمصرعه نزاربلى وتقوّض المجد المشيد
وحلّ ضريحه إذ حلّ فيهطريف المجد والحسب التليد
أما واللّه ما تنفك عينيعليك بدمعها أبدا تجود
فإن تجمد دموع لئيم قومفليس لدمع ذي حسب جمود
أبعد يزيد تختزن البواكيدموعا أو تصان لها خدود؟
لتبكك قبة الإسلام لماوهت أطنابها ووهي العمود
ويبكك شاعر لم يبق دهرله نشبا وقد كسد القصيد
فمن يدعو الإمام لكل خطبينوب وكلّ معضلة تئود؟
ومن يحمي الخميس إذا تعايابحيلة نفسه البطل النجيد؟
فإن يهلك يزيد فكلّ حيّفريس للمنية أو طريد
ألم تعجب له أن المنايافتكن به وهنّ له جنود؟
قصدن له وهنّ يحدن عنهإذا ما الحرب شبّ لها وقود
لقد عزّى ربيعة أن يوماعليها مثل يومك لا يعود
قال: فبكى هارون الرشيد بكاء اتسع فيه حتى لو كانت بين يديه سكرّجة لملأها من دموعه.
أخبرني محمد بن يحيى قال حدثنا أبو العيناء قال حدثنا محمد بن عمر قال: خرج كوثر خادم محمد الأمين ليرى الحرب، فأصابته رجمة في وجهه، فجلس يبكي، فوجّه محمد من جاءه به، وجعل يمسح الدم عن وجهه، وقال:
ضربوا قرة عينيومن أجلي ضربوه
أخذ اللّه لقلبيمن أناس أحرقوه
قال: وأراد زيادة في الأبيات فلم يواته، فقال للفضل بن الربيع: من ها هنا من الشعراء، فقال: الساعة رأيت عبد اللّه بن أيوب التيميّ، فقال: عليّ به. فلما أدخل أنشده محمد هذين البيتين، وقال: أجزهما، فقال:
ما لمن أهوى شبيهفبه الدنيا تتيه
وصله حلو ولكنهجره مرّ كريه
من رأى الناس له الفضل عليهم حسدوه
مثل ما قد حسد القائم بالملك أخوه
فقال محمد: أحسنت، هذا واللّه خير مما أردنا، بحياتي عليك يا عباسي إلّا نظرت، فإن جاء على الظّهر ملأت أحمال ظهره دراهم، وإن كان جاء في زورق ملأته. فأوقرت له ثلاثة أبغل دراهم.
قال محمد بن يحيى: فحدّثني الحسن بن عليل العنزيّ قال: حدّثني محمد بن إدريس قال: لما قتل محمد الأمين خرج إلى أبو محمد التيميّ إلى المأمون وامتدحه، فلم يأذن له، فصار إلى الفضل بن سهل ولجأ إليه وامتدحه، فأوصله إلى المأمون. فلما سلّم عليه قال له المأمون: إيه يا تيميّ.
مثل ما قد حسد القائم بالملك أخوه
فقال التيميّ: بل أنا الّذي أقول يا أمير المؤمنين:
نصر المأمون عبد الله لما ظلموه
نقضوا العهد الّذي كانوا قديما أكّدوه
لم يعامله أخوهبالذي أوصى أبوه
ثم أنشده قصيدة له امتدحه بها أولها:
جزعت ابن تيم أن أتاك مشيبوبان الشباب والشباب حبيب
قال: فلما أنشده إياها وفرغ منها قال: قد وهبتك للّه - عز وجل - ولأخي العباسيّ - يعني الفضل بن سهل - وأمرت لك بعشرة آلاف درهم.
أخبرني محمد بن يحيى قال: حدّثني عون بن محمد الكنديّ قال: حدّثني عبّاد ابن محمد الكاتب عن أبي محمد التيميّ الشاعر قال: أنشدت الأمين محمدا أول ما ولى الخلافة قولي:
لا بدّ من سكرة على طربلعل روحا يديل من كرب
الأبيات المذكورة في الغناء. قال، فأمر لي بمائتي ألف درهم، صالحوني منها على مائة ألف درهم.
وأخبرني جعفر بن قدامة قال: حدّثني محمد بن يحيى المنجّم قال: وحدّثني حسين ابن الضحاك قال: قال لي أبو محمد التّيميّ: دخلت على محمد الأمين أوّل ما ولي الخلافة، فقال: يا تيميّ، وددت أنه قيل فيّ مثل قول طريح بن إسماعيل في الوليد بن يزيد:
طوبى لفرعيك من هنا وهناطوبي لأعراقك الّتي تشج
فإني واللّه أحق بذلك منه، فقلت: أنا أقول ذلك يا أمير المؤمنين، ثم دخلت إليه من غد فأنشدته قصيدتي:
لا بد من سكرة على طربلعل روحا يديل من كرب
حتى أنتهيت إلى قولي:
أكرم بفرعين يجريان بهإلى الإمام المنصور في النسب
فتبسّم، ثم قال لي: يا تيمي قد أحسنت، ولكنه كما قيل: مرعى ولا كالسّعدان، ثم التفت إلى الفضل بن الربيع فقال: بحياتي أو قر له زورقه مالا. فقال: نعم يا سيدي. فلما خرجت طالبت الفضل بذلك، فقال: أنت مجنون؟ من أين لنا ما يملأ زورقك؟ ثم صالحني على مائة ألف درهم.
أخبرني وكيع قال: حدّثني ابن إسحاق قال: حدّثني أبي قال: كنت على باب الفضل بن يحيى، فأتاني التيميّ الشاعر بقصيدة في قرطاس، وسألني أن أوصلها إلى الفضل، فنظرت فيها ثم خرقت القرطاس، فغضب أبو محمد وقال لي: أما كفاك أن استخففت بحاجتي؟ منعتني أن أدفعها إلى غيرك. فقلت له: أنا خير لك من القرطاس، ثم دخلت إلى الفضل، فلما تحدثنا قلت له: معي هدية وصاحبها بالباب؛ وأنشدته، فقال: كيف حفظتها؟ قلت: الساعة دفعها إليّ على الباب، فحفظتها. فقال: دع ذا الآن. فقلت له: فأدخله، فأدخل، فسأله عن القصة فأخبره. فقال: أنشدني شيئا من شعرك ففعل، وجعلت أردد أبياته، وجعلت أشيّعها بالاستحسان، ثم خرج التيميّ فقلت: خذ في حاجة الرجل، فقال: أمّا إذا عنيت به فقد أمرت له بخمسة آلاف درهم. فقلت له: أمّا إذ أقللتها فعجّلها، فأمر بها فأحضرت. فقلت له: أليس لإعناتك إياي ثمن؟ قال: نعم.
قلت فهاته. قال: لا أبلغ بك في الإعنات ما بلغت بالشاعر في المديح. فقلت: فهات ما شئت، فأمر بثلاثة آلاف درهم، فضممتها إلى الخمسة الآلاف، ووجّهت بها إليه.
وذكر أحمد بن طاهر عن أبي هفّان عن إسحاق قال: كان التيمي وأخوه أبو التّيّحان وابن عم له يقال له: قبيصة يشرون في حانة حتى سكروا وانصرفوا من غد، فقال التيميّ يذكر ذلك ويتشوق مثله:
صوت
هل إلى سكرة بناحية الحيرة شنعاء يا قبيص سبيل
وأبو التّيحان في كفّه القرعة والرأس فوقه إكليل
وعرار كأنه بيذق الشّطرنج يفتن فيه قال وقيل
الشعر للتيمي والغناء لمحمد بن الأشعث، رمل بالوسطى.
أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدثنا أبو العيناء عن أبي العالية، قال: أمر محمد الأمين لعبد اللّه بن أيوب بجائزة عشرة آلاف دينار ثوابا عن بعض مدائحه، فاشترى بها ضيعة بالبصرة، وقال بعد ابتياعه إياها:
إني اشتريت بما وهبت ليهأرضا أمون بها قرابتيه
فبحسن وجهك حين أسأل قليا بن الربيع احمل إليه ميه
فغنّى بها الأمين، فقال للفضل: بحياتي يا عباسي، احمل إليه مائة ألف، فدعا به فأعطاه خمسين ألفا، وقال له: الخمسون الأخر لك عليّ إذا اتسعت أيدينا.
أخبرني الحسن، قال: حدّثني أبو العيناء، عن أبي العالية قال: عشق التيميّ جارية لبعض النخاسين، فشكا وجده بها إلى أبي عيسى بن الرشيد، فقال أبو عيسى للمأمون: يا أمير المؤمنين، إن التيميّ يجد بجارية لبعض النخاسين، وقد كتب إليّ بيتين يسألني فيهما ثمنها، فقال: وما هما؟
فقال:
يا أبا عيسى إليك المشتكىوأخو الصبر إذا عيل شكا
ليس لي صبر على فقدانهاوأعاف المشرب المشتركا
قال: فأمر له بثلاثين ألف درهم فاشتراها بها.
أخبرني الحسن قال: حدّثني أبو العيناء عن أبي العالية قال: دخل التيميّ إلى الفضل بن الربيع في يوم عيد فأنشده:
ألا إنما آل الربيع ربيعوغيث حيا للمرملين مريع
إذا ما بدا آل الربيع رأيتهملهم درج فوق العباد رفيع
فأمر له بعشرة آلاف درهم.
أخبرني عيسى بن الحسن قال: حدثنا أحمد بن أبي خيثمة قال: حدثنا الزبير بن بكار قال: مدح أبو محمد التيميّ بن يحيى بثلاثة أبيات ودفعها إلى إسحاق الموصليّ، فعرضها على الفضل بن يحيى، فأمر له بثلاثة آلاف درهم، والأبيات:
لعمرك ما الأشراف في كل بلدةوإن عظموا للفضل إلّا صنائع
ترى عظماء الناس للفضل خشّعاإذا ما بدا والفضل للّه خاشع
تواضع لمّا زاده اللّه رفعةوكلّ جليل عنده متواضع
أخبرني جحظة قال: حدّثني عليّ بن يحيى المنجم قال: حدّثني إسحق الموصليّ عن محمد بن سلام قال: كتب الحجاج إلى قتيبة بن مسلم: إني قد نظرت في سنّي، فإذا أنا ابن ثلاث وخمسين سنة، وأنا وأنت لدة عام. وإن امرأ قد سار إلى منهل خمسين سنة لقريب أن يرده، والسّلام.
فسمع هذا أبو محمد التيمي منّي فقال:
إذا ذهب القرن الّذي أنت فيهموخلّفت في قرن فأنت غريب
وإن إمرأ قد سار خمسين حجةإلى منهل من ورده لقريب
حدّثني عمي قال: حدّثني أحمد بن أبي طاهر، قال: حدّثني أبو دعامة عليّ بن يزيد قال: حدّثني التيميّ أبو محمد قال: دخلت على الحسن بن سهل، فأنشدته مديحا في المأمون ومديحا فيه، وعنده طاهر بن الحسين، فقال له طاهر: هذا واللّه أيها الأمير الّذي يقول في محمد المخلوع:
لا بدّ من سكرة على طربلعل روحا يديل من كرب
خليفة اللّه خير منتخبلخير أم من هاشم وأب
خلافة اللّه قد توارثهاآباؤه في سوالف الكتب
فهي له دونكم مورّنةعن خاتم الأنبياء في الحقب
يا بن الذّرا من ذوائب الشرف الأقدم أنتم دعائم العرب
فقال الحسن: عرّض واللّه ابن اللخناء بأمير المؤمنين، واللّه لأعلمنّه. وقام إلى المأمون فأخبره، فقال المأمون: وما عليه في ذلك، رجل أمّل رجلا فمدحه، واللّه لقد أحسن بنا، وأساء إليه إذ لم يتقرب إليه إلّا بشرب الخمر، ثم دعاني فخلع عليّ وحملني، وأمر لي بخمسة آلاف درهم.
أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدّثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدّثني أبو الشّبل البرجمّي عن أبيه قال: قال لي أبو محمد التيميّ:
صوت
طاف طيف في المنامبمحبّ مستهام
زورة أبقت سقاماوشفت بعض السّقام
لم يكن ما كان فيهامن حرام بحرام
لم تكن إلا فواقاوهي في ليل التّمام
الغناء لإسحاق فقال: فصنع فيها إسحاق لحنا وغنى به الرشيد، فسأله عن قائل الشعر، فقال له: صديق لي شاعر ظريف، يعرف بالتيميّ، فطلبت وأمرت بالحضور، فسألت عن السبب الّذي دعيت له فعرفته، فأتممت الشعر وجعلته قصيدة مدحت بها هارون. ودخلت إليه فأنشدته إياها، فأمر له بثلاثين ألف درهم، وصرت في جملة من يدخل إليه بنوبة وأمر أن يدوّن شعري.
أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال: حدثنا حماد بن إسحاق قال: حدّثني عمي طيّاب بن إبراهيم الموصليّ قال: حدّثني أبو محمد التّيميّ الشاعر قال: اجتزت يوما بأخيك إسحاق فقال: ادخل حتى أطعمك طعاما صرفا، وأسقيك شرابا صرفا وأغنيك غناء صرفا، فدخلت إليه، فأطعمني لحما مكبّبا، وشواء حارّا وباردا مبرّزا، وأسقاني شرابا عتيقا صرفا، وغنّاني وحده مرتجلا:
ولو أن أنفاسي أصابت بحرّهاحديدا إذا كاد الحديد يذوب
ولو أن عيني أطلقت من وكائهالما كان في عام الجدوب جدوب
ولو أن سلمى تطلع الشمس دونهاوأمسي وراء الشمس حين تغيب
لحدثت نفسي أن تريع بها النوىوقلت لقلبي إنها لقريب
فلم تزل تلك حالي حتى حملت من بيته سكران.
أخبرني جحظة قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: دخلت يوما على عمرو بن مسعدة، فإذا أبو محمد التّيميّ واقف بين يديه يستأذنه في الإنشاد، فقال: ذاك إلى أبي محمد - يعنيني - وكان على التّيمي عاتبا، فكره أن يمنعه لعلمه بما بيننا من المودة، فقلت له: أنشد إذ جعل الأمر إليّ، فأرجو أن يجعل أمر الجائزة أيضا إليّ. فتبسم عمرو، وأنشده التيميّ:
يا أبا الفضل كيف تغفل عنيأم تخلّى عند الشدائد منّي؟
أنسيت الإخاء والعهد والودّحديثا ما كان ذلك ظني
أنا من قد بلوت في سالف الدهر مضت شرّتي ولم تفن سني
فاصطنعني لما ينوب به الدهر فإني أجوز في كل فن
أنا ليث على عدوّك سلم لكفي الحرب فابتذلني وصلني
أنا سيف يوم الوغى وسنانومجنّ إن لم تثق بمجن
أنا طبّ في الرأي في موضع الرأى معين على الخصيم المعنّ
وأمين على الودائع والسرّإذا ما هويت أن تأتمني
قال: فأقبل عليّ عمرو وهو يضحك، وقال: أتعلّم هذا الغناء منك أم كان يعلمه قديما؟ فقلت له: لم يكذب، أعزك اللّه. فقال: أفي هذا وحده أو في الجميع؟ فقلت: أما في هذا فأنا أحقّ كذبة، واللّه أعلم بالباقي. ثم أنشده:
وإذا ما أردت حجّا فرحّال دليل إن نام كلّ ضفن
فقال له: إذا عزمنا على الحج امتحناك في هذا، فإني أراك تصلح له، ثم أنشده:
ولبيب على مقال أبي العباس إني أرى به مسّ جنّ
فقال: ما أراه أبعد، فقال:
وهو الناصح الشفيق ولكنخاف هيج الزمان فازورّعني
وظريف عند المزاح خفيففي الملاهي وفي الصبا متثن
كيف باعدت أو جفوت صديقالا ملولا، لالا ولا متجن
صرت بعد الإكرام والأنس أرضىمنك بالترّهات ما لم تهنّي
لم تخنّي ولم أخنك ولا والله ربي لا خنت من لم يخنى
إن أكن تبت أو هجرت الملاهيوسلافا يجنها بطن دنّ
فحديثي كالدر فصّل بالياقوت يجري في جيد ظبي أغنّ
فأمر له بخمسة آلاف درهم، فقال له: هذا شيء تطوعت به، فأين موضع حكمي؟ فقال: مثلها، فانصرف بعشرة آلاف درهم.
أخبرني عمي قال: حدّثني محمد بن الحسن بن مسعود قال: حدّثني عليّ بن عمرو قال: مرّ التيمي بالحيرة على خمّار كان يألفه، وقد أسن التيمي وأرعش، وترك النبيذ. فقال له الخمار: ويحك! أبلغ بك الأمر إلى ما أرى؟
فقال: نعم واللّه، لو لا ذلك لأكثرت عندك. ثم أنشأ يقول:
صوت
هل إلى سكرة بناحية الحيرة يوما قبل الممات سبيل؟
وأبو التّيّحان في كفه القرعة والرأس فوقه الإكليل
وعرار كأنه يبذق الشّطرنج يفتنّ فيه قال وقيل
في هذه الأبيات لمحمد بن الأشعث رمل بالوسطى عن الهشامي:
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال: حدثنا عيسى بن إسماعيل قال: كان أبو محمد التيميّ يهوى غلاما، وكان الغلام يهوى جارية من جواري القيان، فكان بها مشغولا عنه، وكانت القينة تهوى الغلام أيضا فلا تفارقه، فقال التيميّ:
ويلي على أغيد ممكوروساحر ليس بمسحور
تؤثره الحور علينا كمانؤثره نحن على الحور
علّق من علّق فيه هوىمنتظم الألفة مغمور
وكل من تهواه في أمرهمقلّب صفقة مقمور
أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدثنا ابن أبي سعد قال: حدّثني أحمد بن محمد الفارسيّ قال: حدثنا غسان بن عبد اللّه عن أبي محمد التيميّ قال: لما أنشدت الأمين قولي فيه:
خليفة اللّه خير منتخبلخير أم من هاشم وأب
أكرم بعرقين يجريان بهإلى الامام المنصور في النسب
طرب، ثم قال للفضل بن الربيع: بحياتي أوقر له زورقه دراهم، فقال: نعم يا سيدي: فلما خرجنا طالبته بذلك، فقال: أمجنون أنت؟ من أين لنا ما يملأ زورقك؟ ثم صالحني على مائة ألف درهم، فقبضتها.
أخبرني حبيب بن نصر المهلبيّ، قال: حدّثني محمد بن عبد اللّه المدنيّ قال: حدّثني عبد اللّه بن أحمد التيميّ ابن أخت أبي محمد التيميّ الشاعر، قال: أنشدني خالي لنفسه قوله: لا تخضعنّ
لمخلوق على طمعفإن ذاك مضرّ منك بالدّين
وارغب إلى اللّه مما في خزائنهفإنما هو بين الكاف والنون
أما ترى كلّ من ترجو وتأملهمن الخلائق مسكين ابن مسكين
صوت
ألم تر أنني أفنيت عمريبمطلبها ومطلبها عسير؟
فلما لم أجد سببا إليهايقرّبني وأعيتني الأمور
حججت وقلت قد حجّت جنانفيجمعني وإياها المسير
الشعر لأبي نواس، والغناء للزّبير بن دحمان، رمل بالوسطى من رواية أحمد بن المكي وبذل، وغنّاني محمد بن إبراهيم قريض الجرحى - رحمه اللّه - فيه لحنا من خفيف الثقيل، فسألته عن صانعه فلم يعرف.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع