تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

أخبار سلم الخاسر ونسبه

ديوان سلم الخاسرفيه ١٣٨ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

سلم بن عمرو مولى بني تيم بن مرّة، ثم مولى أبي بكر الصديق، رضوان اللّه عليه، بصريّ، شاعر مطبوع متصرّف في فنون الشّعر، من شعراء الدولة العباسية. وهو راوية بشار بن برد وتلميذه، وعنه أخذ، ومن بحره اغترف، وعلى مذهبه ونمطه قال الشعر.

ولقّب سلم بالخاسر - فيما يقال - لأنه ورث من أبيه مصحفا، فباعه واشترى بثمنه طنبورا. وقيل: بل خلّف له أبوه مالا، فأنفقه على الأدب والشعر، فقال له بعض أهله: إنك لخاسر الصفقة، فلقّب بذلك.

وكان صديقا لإبراهيم الموصليّ، ولأبي العتاهية خاصة من الشعراء والمغنين، ثم فسد ما بينه وبين أبي العتاهية. وكان سلم منقطعا إلى البرامكة، وإلى الفضل بن يحيى خصوصا من بينهم. وفيه يقول أبو العتاهية:

إنما الفضل لسلم وحدهليس فيه لسوى سلم درك
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «إنما الفضل لسلم وحده»

وكان هذا أحد الأسباب في فساد ما بينه وبين أبي العتاهية. ولسلم يقول أبو العتاهية وقد حج مع عتبة:

واللّه واللّه ما أبالي متىما متّ يا سلم بعد ذا السفر
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «والله والله ما أبالي متى»
أليس قد طفت حيث طافت وقبّلت الّذي قبلت من الحجر
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «والله والله ما أبالي متى»

وله يقول أبو العتاهية وقد حبس إبراهيم الموصليّ:

سلم يا سلم ليس دونك سرّحبس الموصليّ فالعيش مرّ
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «سلم يا سلم ليس دونك ستر»
ما استطاب اللذات مذ سكن المطبق رأس اللذات واللّه، حرّ
ترك الموصليّ من خلق اللّه جميعا وعيشهم مقشعرّ
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «سلم يا سلم ليس دونك ستر»

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثني محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدّثني عليّ بن الحسن الواسطيّ، قال: حدّثني أبو عمرو سعيد بن الحسن الباهليّ الشاعر، قال: لما مات عمرو أبو سلم الخاسر اقتسموا ميراثه، فوقع في قسط سلم مصحف، فردّه وأخذ مكانه دفاتر شعر كانت عند أبيه، فلقّب الخاسر بذلك.

أخبرني الحسن، قال: حدّثني محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدّثني محمد بن عمر الجرجاني، قال: ورث سلم الخاسر أباه مائة ألف درهم، فأنفقها على الأدب، وبقي لا شيء عنده، فلقبه الجيران ومن يعرفه بسلم الخاسر، وقالوا: أنفق ماله على ما لا ينفعه. ثم مدح المهديّ، أو الرشيد - وقد كان بلغه اللقب الّذي لقّب به - فأمر له بمائة ألف درهم، وقال له: كذّب بهذا المال جيرانك، فجاءهم بها، وقال لهم: هذه المائة الألف الّتي أنفقتها وربحت الأدب، فأنا سلم الرّابح، لا سلم الخاسر.

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار، قال: حدّثني عليّ بن محمد النوفليّ، عن أبيه، قال: إنما لقّب الخاسر لأنه ورث عن أبيه مصحفا فباعه، واشترى بثمنه طنبورا.

أخبرني محمد بن العباس اليزيديّ، قال: حدّثني عمر الفضل، قال: قال لي الجمّاز: سلم الخاسر خالي لحّا، فسألته: لم لقب الخاسر؟ فضحك، ثم قال: إنه قد كان نسك مدة يسيرة، ثم رجع إلى أقبح ما كان عليه، وباع مصحفا له ورثه عن أبيه - وكان لجدّه قبله - واشترى بثمنه طنبورا.

فشاع خبره وافتضح، فكان يقال له: ويلك! هل فعل أحد ما فعلت؟ فقال: لم أجد شيئا أتوسّل به إلى إبليس هو أقرّ لعينه من هذا.

أخبرني عمّي، قال: أنبأنا عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثني أحمد بن صالح المؤدب، وأخبرنا يحيى بن عليّ بن يحيى إجازة، قال: حدّثني أبي، عن أحمد بن صالح، قال: قال بشار بن برد:

صوت

لا خير في العيش إن دمنا كذا أبدالا نلتقي وسبيل الملتقى نهج
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «خشاب هل لمحب عندكم فرج»
قالوا حرام تلاقينا فقلت لهمما في التّلاقي ولا في غيره حرج
من راقب الناس لم يظفر بحاجتهوفاز بالطيّبات الفاتك اللهج
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «خشاب هل لمحب عندكم فرج»

قال: فقال سلم الخاسر أبياتا، ثم أخذ معنى هذا البيت، فسلخه، وجعله في قوله:

من راقب الناس مات غمّاوفاز باللذة الجسور
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «من راقب الناس مات غما»

فبلغ بيته بشارا، فغضب واستشاط، وحلف ألا يدخل إليه، ولا يفيده ولا ينفعه ما دام حيّا. فاستشفع إليه بكلّ صديق له، وكلّ من يثقل عليه ردّه، فكلّموه فيه، فقال: أدخلوه إليّ، فأدخلوه إليه فاستدناه، ثم قال: إيه يا سلم، من الّذي يقول:

من راقب الناس لم يظفر بحاجتهوفاز بالطيّبات الفاتك اللهج
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «خشاب هل لمحب عندكم فرج»

قال: أنت يا أبا معاذ، قد جعلني اللّه فداءك! قال: فمن الّذي يقول:

من راقب الناس مات غمّاوفاز باللذة الجسور؟
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «من راقب الناس مات غما»

قال: تلميذك، وخرّيجك، وعبدك يا أبا معاذ، فاجتذبه إليه، وقنّعه بمخصرة كانت في يده ثلاثا، وهو يقول: لا أعود يا أبا معاذ إلى ما تنكره، ولا آتي شيئا تذمّه، إنما أنا عبدك، وتلميذك، وصنيعتك، وهو يقول له: يا فاسق! أتجيء إلى معنى قد سهرت له عيني، وتعب فيه فكري وسبقت الناس إليه، فتسرقه، ثم تختصره لفظا تقرّبه به، لتزري عليّ، وتذهب بيتي؟ وهو يحلف له ألا يعود، والجماعة يسألونه. فبعد لأي وجهد ما شفّعهم فيه، وكفّ عن ضربه، ثم رجع له، ورضي عنه.

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار، قال: أخبرني يعقوب بن إسرائيل مولى المنصور، قال: حدّثني عبد الوهاب بن مرّار، قال: حدّثني أبو معاذ النّميريّ راوية بشار، قال: قد كان بشار قال قصيدة فيها هذا البيت:

من راقب الناس لم يظفر بحاجتهوفاز بالطيّبات الفاتك اللهج
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «خشاب هل لمحب عندكم فرج»

قال: فقلت له يا أبا معاذ! قد قال سلم الخاسر بيتا، هو أحسن وأخفّ على الألسن من بيتك هذا، قال: وما هو؟ فقلت:

من راقب الناس مات غمّاوفاز باللذة الجسور
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «من راقب الناس مات غما»

فقال بشار: ذهب واللّه بيتنا، أما واللّه لوددت أنه ينتمي في غير ولاء أبي بكر - رضي اللّه عنه - وأني مغرم ألف دينار محبة منّي لهتك عرضه وأعراض مواليه! قال: فقلت له: ما أخرج هذا القول منك إلا غمّ. قال: أجل، فو اللّه لا طعمت اليوم طعاما، ولا صمت.

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدّثني محمد بن إسحاق بن محمد النّخعيّ، قال: قال أبو معاذ النميريّ: قال بشار قصيدة، وقال فيها:

من راقب الناس لم يظفر بحاجتهوفاز بالطيّبات الفاتك اللهج
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «خشاب هل لمحب عندكم فرج»

فعرّفته أن سلما قد قال:

من راقب الناس مات غمّاوفاز باللذة الجسور
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «من راقب الناس مات غما»

فلما سمع بشار هذا البيت قال: سار واللّه بيت سلم، وخمل بيتنا! قال: وكان كذلك، لهج الناس ببيت سلم، ولم ينشد بيت بشار أحد.

أخبرني محمد بن عمران الصيرفيّ، قال: حدّثني الحسن بن عليل العنزيّ، قال: حدّثني أبو مالك محمد بن موسى اليمانيّ، قال: لما بنى صالح بن المنصور قصره بدجلة قال فيه سلم الخاسر:

يا صالح الجود الّذي مجدهأفسد مجد الناس بالجود
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «يا صالح الجود الذي مجده»
بنيت قصرا مشرفا عاليابطائري سعد ومسعود
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «يا صالح الجود الذي مجده»
كأنما يرفع بنيانهجنّ سليمان بن داود
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «يا صالح الجود الذي مجده»
لا زلت مسرورا به سالماعلى اختلاف البيض والسود
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «يا صالح الجود الذي مجده»

- يعني الأيام والليالي -، فأمر له صالح بألف درهم.

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثني محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدّثني بعض آل ولد حمدون بن إسماعيل - وكان ينادم المتوكل - عن أبيه، قال: كان سلم الخاسر من غلمان بشار، فلما قال بشار قصيدته الميمية في عمر بن العلاء - وهي الّتي يقول فيها:

إذا نبّهتك صعاب الأمورفنبّه لها عمرا ثم نم
فتى لا يبيت على دمنةولا يشرب الماء إلا بدم

بعث بها مع سلم الخاسر إلى عمر بن العلاء، فوافاه فأنشده إياها، فأمر لبشار بمائة ألف درهم. فقال له سلم: إنّ خادمك - يعني نفسه - قد قال في طريقه فيك قصيدة، قال: فإنك لهناك؟ قال: تسمع، ثم تحكم، ثم قال: هات، فأنشده:

صوت

قد عزّني الداء فما لي دواءممّا ألاقي من حسان النساء
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «قد عزني الداء فما لي دواء»
قلب صحيح كنت أسطو بهأصبح من سلمى بداء عياء
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «قد عزني الداء فما لي دواء»
أنفاسها مسك وفي طرفهاسحر ومالي غيرها من دواء
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «قد عزني الداء فما لي دواء»
وعدتني وعدا فأوفي بههل تصلح الخمرة إلا بماء؟
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «قد عزني الداء فما لي دواء»

ويقول فيها:

كم كربة قد مسّني ضرّهاناديت فيها عمر بن العلاء
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «قد عزني الداء فما لي دواء»

قال: فأمر له بعشرة آلاف درهم، فكانت أول عطية سنية وصلت إليه.

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثني ابن مهرويه، قال: وجدت في كتاب بخط الفضل بن مروان: وكان عاصم بن عتبة الغساني جدّ أبي السمراء الّذي كان مع عبد اللّه بن طاهر صديقا لسلم الخاسر، كثير البرّ به، والملاطفة له، وفيه يقول سلم:

الجود في قحطانما بقيت غسان
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «لعاصم سماء»
اسلم ولا أباليما فعل الإخوان
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «لعاصم سماء»
ما ضرّ مرتجيهما فعل الزمان
من غاله مخوففعاصم أمان

وكانت سبعين بيتا، فأعطاه عاصم سبعين ألف درهم، وكان مبلغ ما وصل إلى سلم من عاصم خمسمائة ألف درهم، فلما حضرته الوفاة دعا عاصما فقال له: إني ميّت، ولا ورثة لي، وإن مالي مأخوذ، فأنت أحقّ به، فدفع إليه خمسمائة ألف درهم، ولم يكن لسلم وارث. قال: وكان عاصم هذا جوادا.

أخبرني محمد بن خلف وكيع، قال: حدثنا عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثني محمد بن طهمان، قال: أخبرني القاسم بن موسى بن مزيد.

أن يزيد بن مزيد قال: ما حسدت أحدا قطّ على شعر مدح به إلا عاصم بن عتبة الغسّانيّ، فإني حسدته على قول سلم الخاسر فيه:

لعاصم سماءعارضها تهتان
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «لعاصم سماء»
أمطارها اللجينوالدر والعقيان
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «لعاصم سماء»
وناره تناديإذ خبت النّيران
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «لعاصم سماء»
الجود في قحطانما بقيت غسان
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «لعاصم سماء»
اسلم ولا أباليما فعل الإخوان
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «لعاصم سماء»
صلت له المعاليوالسيف والسنان
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «لعاصم سماء»

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار، قال: حدثنا يعقوب بن نعيم، عن محمد بن القاسم بن مهرويه، وأخبرني به الحسن بن علي، عن ابن مهرويه، عن الغريبي، عن محمد بن عمر الجرجاني، قال: كان سلم تلميذ بشار، إلا أنه كان تباعد ما بينهما، فكان سلم يقدّم أبا العتاهية، ويقول: هو أشعر الجن والإنس، إلى أن قال أبو العتاهية يخاطب سلما:

تعالى اللّه يا سلم بن عمروأذلّ الحرص أعناق الرجال
هب الدّنيا تصير إليك عفواأليس مصير ذاك إلى زوال!

قال: وبلغ الرشيد هذا الشعر فاستحسنه، وقال: لعمري إن الحرص لمفسدة لأمر الدين والدنيا، وما فتّشت عن حريص قطّ مغيّبه إلا انكشف لي عمّا أذمّه. وبلغ ذلك سلما، فغضب على أبي العتاهية، وقال: ويلي على الجرّار ابن الفاعلة الزّنديق! زعم أني حريص، وقد كنز البدور وهو يطلب وأنا في ثوبيّ هذين، لا أملك غيرهما.

وانحرف عن أبي العتاهية بعد ذلك.

أخبرني محمد بن يحيى الصوليّ، قال: حدثنا محمد بن موسى، قال: أخبرني محمد بن إسماعيل السّدوسي، قال: حدّثني جعفر العاصمي، وأخبرني عمي، عن أحمد بن أبي طاهر، عن القاسم بن الحسن، عن زكريا بن يحيى المدائني، عن علي بن المبارك القضاعيّ، عن سلم الخاسر.

أن أبا العتاهية لما قال هذا الشعر فيه كتب إليه:

ما أقبح التزهيد من واعظيزهّد الناس ولا يزهد
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «ما اقبح التزهيد من واعظ»
لو كان في تزهيده صادقاأضحى وأمسى بيته المسجد
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «ما اقبح التزهيد من واعظ»
ورفض الدنيا ولم يلقهاولم يكن يسعى ويسترفد
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «ما اقبح التزهيد من واعظ»
يخاف أن تنفذ أرزاقهوالرزق عند اللّه لا ينفد
للشاعر الجمّاز، اقرأ القصيدة
الرّزق مقسوم على من ترىيناله الأبيض والأسود
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «ما اقبح التزهيد من واعظ»
كلّ يوفّى رزقه كاملامن كفّ عن جهد ومن يجهد
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «ما اقبح التزهيد من واعظ»

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدثنا ابن مهرويه، قال: حدّثني أبو العسكر المسمعيّ، وهو محمد بن سليمان، قال: حدّثني العبّاس بن عبد اللّه بن سنان بن عبد الملك بن مسمع، قال: كنا عند قثم بن جعفر بن سليمان، وهو يومئذ أمير البصرة، وعنده أبو العتاهية ينشده شعره في الزهد، فقال لي: قثم: يا عباس! اطلب لي الجمّاز الساعة حيث كان فجئني به، ولك سبق، فطلبته؛ فوجدته جالسا ناحية عند ركن دار جعفر بن سليمان، فقلت: له أجب الأمير، فقام معي حتى أتى قثم فجلس في ناحية مجلسه وأبو العتاهية ينشده، ثم قام إليه الجمّاز فواجهه، وأنشد قول سلم الخاسر فيه:

ما أقبح التزهيد من واعظيزهّد الناس ولا يزهد
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «ما اقبح التزهيد من واعظ»
لو كان في تزهيده صادقاأضحى وأمسى بيته المسجد
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «ما اقبح التزهيد من واعظ»

وذكر الأبيات كلها، فقال أبو العتاهية: من هذا أعز اللّه الأمير؟ قال: هذا الجماز، وهو ابن أخت سلم الخاسر، انتصر لخاله منك حيث قلت له:

تعالى اللّه يا سلم بن عمروأذلّ الحرص أعناق الرجال

قال: فقال أبو العتاهية للجماز: يا بن أخي، إني لم أذهب في شعري الأول حيث ذهب خالك؛ ولا أردت أن أهتف به، ولا ذهبت أيضا في حضوري وإنشادي حيث ذهبت من الحرص على الرزق، واللّه يغفر لكما! ثم قام فانصرف.

أخبرني عمّي، عن أحمد بن أبي طاهر، عن أبي هفّان، قال: وصل إلى سلم الخاسر من آل برمك خاصة سوى ما وصل إليه من غيرهم عشرون ألف دينار، ووصل إليه من الرشيد مثلها.

أخبرني محمد بن العباس اليزيدي، قال: حدّثني عمّاي عبيد اللّه والفضل؛ عن أبيهما، عن أبي محمد اليزيديّ: أنه حضر مجلس عيسى بن عمر، وحضر سلم الخاسر، فقال له: يا أبا محمد، اهجني على رويّ قصيدة امرىء القيس:

ربّ رام من بني ثعلمخرج كفيه في ستره

قال: فقلت له: ما دعاك إلى هذا؟ قال: كذا أريد. فقلت له: يا هذا أنا وأنت أغنى الناس عما تستدعيه من الشر فلتسعك العافية، فقال: إنك لتحتجز منّي نهاية الاحتجاز، وأراد أن يوهم عيسى أني مفحم عييّ لا أقدر على ذلك، فقال لي عيسى: أسألك يا أبا محمد بحقّي عليك إلا فعلت. فقلت:

ربّ مغموم بعاقبةغمط النعمة من أشره
وامرىء طالت سلامتهفرماه الدهر من غيره
بسهام غير مشويةنقضت منه قوى مرره
للشاعر يحيى بن المبارك اليزيدي، من قصيدة «ربَّ مغمومِ بعَافيةٍ»
وكذاك الدهر منقلببالفتى حالين من عصره
للشاعر يحيى بن المبارك اليزيدي، من قصيدة «ربَّ مغمومِ بعَافيةٍ»
يخلط العسر بميسرةويسار المرء في عسره
عقّ سلم أمّه صغراوأبا سلم على كبره
كلّ يوم خلفه رجلرامح يسعى على أثره
للشاعر يحيى بن المبارك اليزيدي، من قصيدة «ربَّ مغمومِ بعَافيةٍ»
يولج الغرمول سبّتهكولوج الضّبّ في جحره
للشاعر يحيى بن المبارك اليزيدي، من قصيدة «ربَّ مغمومِ بعَافيةٍ»

قال: فاغتم سلم وندم، وقال: هكذا تكون عاقبة البغي والتعرض للشر، فضحك عيسى، وقال له: قد جهد الرجل أن تدعه، وصيانته ودينه فأبيت إلا أن يدخلك في حر أمك.

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدّثني عليّ بن محمد النّوفليّ، قال: سمعت أبي يقول: كان المهدي يعطي مروان وسلما الخاسر عطية واحدة، فكان سلم يأتي باب المهدي على البرذون الفاره، قيمته عشرة آلاف درهم، بسرج ولجام مفضّضين، ولباسه الخزّ والوشي، وما أشبه ذلك من الثياب الغالية الأثمان ورائحة المسك والطّيب والغالية تفوح منه، ويجيء مروان بن أبي حفصة عليه فرو كبل وقميص كرابيس وعمامة كرابيس وخفا كبل وكساء غليظ، وهو منتن الرائحة. وكان لا يأكل اللحم حتى يقرم إليه بخلا، فإذا قرم أرسل غلامه، فاشترى له رأسا فأكله. فقال له قائل: أراك لا تأكل إلا الرأس! قال: نعم، أعرف سعره، فآمن خيانة الغلام، ولا اشترى لحما فيطبخه فيأكل منه. والرأس آكل منه ألوانا: آكل منه عينيه لونا، ومن غلصمته لونا، ومن دماغه لونا.

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدثنا يحيى بن الحسن الربيعيّ، قال: أخبرني أبي، قال: كان سلم الخاسر قد بلي بالكيمياء فكان يذهب بكلّ شيء له باطلا، فلما أراد اللّه - عز وجل - أن يصنع له عرّف أنّ بباب الشام صاحب كيمياء عجيبا، وأنه لا يصل إليه أحد إلا ليلا، فسأل عنه فدلوه عليه.

قال: فدخلت إليه إلى موضع معور، فدققت الباب فخرج إليّ، فقال: من أنت عافاك اللّه؟ فقلت: رجل معجب بهذا العلم. قال: فلا تشهرني، فإني رجل مستور، إنما أعمل للقوت. قال: قلت: لأني لا أشهرك، إنما أقتبس منك، قال: فاكتم ذلك. قال: وبين يديه كوز شبه صغير. فقال لي: اقلع عروته، فقلعتها. فقال: اسبكها في البوطقة، فسبكتها، فأخرج شيئا من تحت مصلّاه، فقال: ذرّه عليه، ففعلت. فقال: أفرغه، فأفرغته. فقال: دعه معك، فإذا أصبحت فأخرج، فبعه وعد إليّ، فأخرجته إلى باب الشام، فبعت المثقال بأحد وعشرين درهما، ورجعت إليه فأخبرته. فقال: اطلب الآن ما شئت. قلت: تفيدني. قال: بخمسمائة درهم على أن لا تعلّمه أحدا، فأعطيته، وكتب لي صفة، فامتحنتها، فإذا هي باطلة. فعدت إليه، فقيل لي: قد تحوّل، وإذا عروة الكوز المشبّه من ذهب مركبة عليه، والكوز شبه. ولذلك كان يدخل إليه من يطلبه ليلا، ليخفى عليه، فانصرفت، وعلمت أن اللّه - عز وجل - أراد بي خيرا، وأن هذا كله باطل.

أخبرني محمد بن عمران الصيرفيّ، قال: حدثنا العنزيّ، قال: حدّثني أبو مالك اليماني، قال: حدّثني أبو كعب، قال: لما ماتت البانوكة بنت المهدي رثاها سلم الخاسر بقوله:

أودى ببانوكة ريب الزمانمؤنسة المهديّ والخيزران
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «أودى ببانوكة ريب الزمان»
لم تنطو الأرض على مثلهامولودة حنّ لها الوالدان
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «أودى ببانوكة ريب الزمان»
بانوك يا بنت إمام الهدىأصبحت من زينة أهل الجنان
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «أودى ببانوكة ريب الزمان»
بكت لك الأرض وسكّانهافي كل أفق بين إنس وجان

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثني ابن مهرويه، قال: حدّثني عليّ بن الحسن الشيبانيّ، قال: حدّثني أبو المستهلّ الأسديّ، وهو عبد اللّه بن تميم بن حمزة، قال: كان سلم الخاسر يهاجي والبة بن الحباب، فأرسلني إليه وقال: قل له:

يا والب بن الحباب يا حلقيلست من أهل الزناء فانطلق
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «يا والب بن الحباب يا حلقي»
دخل فيه الغرمول تولجهمثل ولوج المفتاح في الغلق

قال: فأتيت والبة فقلت له ذلك، فقال لي: قل له: يا بن الزانية، سل عنك ريعان التميمي - يعني أنه ناكه - قال: وكان ريعان لوطيا آفة من الآفات، وكان علّامة ظريفا.

قال: فحدّثني جعفر بن قدامة عن محمد العجلي، عن أحمد بن معاوية الباهليّ، قال: سمعت ريعان يقول: نكت الهيثم بن عديّ، فمن ترونه يفلت مني بعده؟.

وأخبرني أحمد بن العباس العسكري، قال: حدثنا العنزيّ، قال: حدّثني أبو مالك محمد بن موسى اليمانيّ، قال:

إني أتتني على المهديّ معتبةتكاد من خوفها الأحشاء تضطرب
اسمع فداك بنو حواء كلّهموقد يجور برأس الكاذب الكذب
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «إني أتتني عن المهدي معتبة»
فقد حلفت يمينا غير كاذبةيوم المغيبة لم يقطع لها سبب
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «إني أتتني عن المهدي معتبة»
ألّا يحالف مدحي غيركم أبداولو تلاقى عليّ الغرض والحقب
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «إني أتتني عن المهدي معتبة»
ولو ملكت عنان الريح أصرفهافي كلّ ناحية ما فاتها الطلب
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «إني أتتني عن المهدي معتبة»
مولاك مولاك لا تشمت أعاديهفما وراءك لي ذكر ولا نسب
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «إني أتتني عن المهدي معتبة»

فعفا عنه.

وأخبرني أحمد بن العباس، وأحمد بن عبيد اللّه بن عمار، قالا: حدثنا العنزيّ، قال: حدّثني العباس بن عبد الواحد بن جعفر بن سليمان، قال: حدّثني موسى بن عبد اللّه بن شهاب المسمعيّ، قال: سمعت أبا عبيدة معمر بن المثنى يقول: كان سلم الخاسر لا يحسن أن يمدح، ولكنه كان يحسن أن يرثي ويسأل.

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدّثني عليّ بن الحسن الشّيبانيّ، قال: حدّثني أبو المستهلّ، قال: دخلت يوما على سلم الخاسر، وإذا بين يديه قراطيس فيها أشعار يرثي ببعضها أمّ جعفر، وببعضها جارية غير مسمّاة، وببعضها أقواما لم يموتوا، وأمّ جعفر يومئذ باقية. فقلت له: ويحك! ما هذا؟ فقال: تحدث الحوادث فيطالبوننا بأن نقول فيها، ويستعجلوننا، ولا يجمل بنا أن نقول غير الجيّد، فنعدّ لهم هذا قبل كونه، فمتى حدث حادث أظهرنا ما قلناه فيه قديما، على أنه قيل في الوقت.

أخبرني محمد بن مزيد وعيسى بن الحسين، قالا: حدثنا الزبير بن بكّار، قال: قال عبد اللّه بن الحسن الكاتب: أنشد المأمون قول أبي العتاهية:

تعالى اللّه يا سلم بن عمروأذلّ الحرص أعناق الرجال

فقال المأمون: صدق لعمر اللّه، إنّ الحرص لمفسدة للدّين والمروءة، واللّه ما رأيت من رجل قط حرصا ولا شرها، فرأيت فيه مصطنعا. فبلغ ذلك سلما الخاسر، فقال: ويلي على ابن الفاعلة بياع الخزف، كنز البدور بمثل ذلك الشعر المفكّك الغثّ، ثم تزهّد بعد أن استغني، وهو دائبا يهتف بي، وينسبني إلى الحرص، وأنا لا أملك إلا ثوبيّ هذين.

أخبرني عمّي والحسن بن عليّ، قالا: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدثنا زكريا بن مهران، قال: طالب أبو الشمقمق سلما الخاسر بأن يهب له شيئا، وقد خرجت لسلم جائزة، فلم يفعل، فقال أبو الشمقمق يهجوه:

يا أمّ سلم هداك اللّه زوريناكيما ننيك فردا أو تنيكينا
ما إن ذكرتك إلّا هاج لي شبقومثل ذكراك أمّ السلم يشجينا

قال: فجاءه سلم فأعطاه خمسة دنانير، وقال: أحبّ أن تعفيني من استزارتك أمّي وتأخذ هذه الدنانير فتنفقها.

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدثنا ابن مهرويه، قال: حدّثني يحيى بن الحسن بن عبد الخالق، قال: حدّثني محمد بن القاسم بن الربيع عن أبيه، قال: دخل الرّبيع على المهديّ وأبو عبيد اللّه جالس يعرض كتبا، فقال له أبو عبيد اللّه: مر هذا أن يتنحّى - يعني الربيع - فقال له المهدي: تنحّ، فقال: لا أفعل. فقال: كأنك تراني بالعين الأولى! فقال: لا، بل أراك بالعين الّتي أنت بها. قال: فلم لا تتنحّى إذ أمرتك؟ فقال له: أنت ركن الإسلام، وقد قتلت ابن هذا، فلا آمن أن يكون معه حديدة يغتالك بها، فقام المهديّ مذعورا، وأمر بتفتيشه، فوجدوا بين جوربه وخفّه سكّينا، فردّت الأمور كلّها إلى الربيع، وعزل أبو عبيد اللّه، وولّي يعقوب بن داود، فقال سلم الخاسر فيه:

يعقوب ينظر في الأمور وأنت تنظر ناحيه
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «يعقوب ينظر في الأمو»
أدخلته فعلا عليك كذاك شؤم الناصيه
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «يعقوب ينظر في الأمو»

قال: وكان بلغ المهديّ من جهة الربيع أن ابن أبي عبيد اللّه زنديق، فقال له المهديّ: هذا حسد منك. فقال: افحص عن هذا، فإن كنت مبطلا بلغت منّي الّذي يلزم من كذبك. فأتى بابن عبيد اللّه، فقرّره تقريرا خفيّا، فأقرّ بذلك، فاستتابه، فأبى أن يتوب، فقال لأبيه: اقتله، فقال: لا تطيب نفسي بذلك. فقتله وصلبه على باب أبي عبيد اللّه.

قال: وكان ابن أبي عبيد اللّه هذا من أحمق الناس: وهب له المهديّ وصيفة، ثم سأله بعد ذلك عنها، فقال: ما وضعت بيني وبين الأرض حشيّة قطّ أوطأ منها حاشا سامع، فقال المهديّ لأبيه: أتراه يعنيني، أو يعنيك؟ قال: بل يعني أمّه الزانية، لا يكنى.

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدثنا ابن مهرويه، قال: حدّثني يحيى بن الحسن، قال: حدّثني أبي، قال: كنت أنا والربيع نسير قريبا من محمل المنصور حين قال للربيع: رأيت كأن الكعبة تصدّعت، وكأن رجلا جاء بحبل أسود فشدّدها، فقال له الربيع: من الرجل؟ فلم يجبه، حتى إذا اعتلّ قال للربيع: أنت الرجل الّذي رأيته في نومي شدّد الكعبة! فأيّ شيء تعمل بعدي؟ قال: ما كنت أعمل في حياتك، فكان من أمره في أخذ البيعة للمهديّ ما كان، فقال سلم الخاسر في الفضل بن الربيع: يا بن

الّذي جبر الإسلام يوم وهيواستنقذ الناس من عمياء صيخود
قالت قريش غداة أنهاض ملكهم:أين الربيع وأعطوا بالمقاليد
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «وأين من جبر الإسلام يوم وهي»
فقام بالأمر مئناس بوحدتهماضي العزيمة ضرّاب القماحيد
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «وأين من جبر الإسلام يوم وهي»
إن الأمور إذا ضاقت مسالكهاحلّت يد الفضل منها كلّ معقود
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «وأين من جبر الإسلام يوم وهي»
إنّ الربيع وإن الفضل قد بنيارواق مجد على العبّاس ممدود
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «وأين من جبر الإسلام يوم وهي»

قال: فوهب له الفضل خمسة آلاف دينار.

أخبرني عمّي، قال: حدثنا أبو هفّان، قال: حدّثني سعيد أبو هريم وأبو دعامة، قالا: لما قال سلم الخاسر في الرشيد حين عقد البيعة لابنه محمد الأمين:

قد بايع الثّقلان في مهد الهدىلمحمد بن زبيدة ابنة جفر
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «قل للمنازل بالكثيب الأعفر»
ولّيته عهد الأنام وأمرهمفدمغت بالمعروف رأس المنكر
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «قل للمنازل بالكثيب الأعفر»

أعطته زبيدة مائة ألف درهم.

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدثنا عبد اللّه بن عمرو، قال: حدّثني أحمد بن محمد بن عليّ الخراسانيّ، عن يحيى بن الحسن بن عبد الخالق، عن أبيه، قال: قال سلم الخاسر في المهديّ قصيدته الّتي يقول فيها:

له شيمة عند بذل العطاء لا يعرف الناس مقدارها
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «له شيمة عند بذل العطاء»
ومهديّ أمّتنا والّذيحماها وأدرك أوتارها
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «له شيمة عند بذل العطاء»

فأمر له المهديّ بخمسمائة ألف درهم.

أخبرنا وكيع، قال: حدثنا عبد اللّه بن سليمان، قال: حدثنا منصور بن أبي مزاحم، قال: شهدت المهديّ وقد أمر لمروان بن أبي حفصة بأربعين ألف درهم، وفرض له على أهل بيته وجلسائه ثلاثين ألف درهم. وأمر الرشيد بعد ذلك لمّا ولى الخلافة لسلم الخاسر - وقد مدحه - بسبعين ألف درهم، فقال له: يا أمير المؤمنين، إنّ أكثر ما أعطى المهديّ مروان سبعون ألف درهم، فزدني وفضّلني عليه، ففعل ذلك، وأعطاه تتمة ثمانين ألف درهم، فقال سلم

ألا قل لمروان أتتك رسالةلها نبأ لا ينثني عن لقائكا
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «ألا قل لمروان أتتك رسالة»
حباني أمير المؤمنين بنفحةمشهّرة قد طأطأت من حبائكا
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «ألا قل لمروان أتتك رسالة»
ثمانين ألفا حزت من صلب مالهولم يك قسما من أولى وأولائكا
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «ألا قل لمروان أتتك رسالة»

فأجابه مروان فقال:

أسلم بن عمرو قد تعاطيت غايةتقصّر عنها بعد طول عنائكا
فأقسم لو لا ابن الربيع ورفدهلما ابتلّت الدّلو الّتي في رشائكا
وما نلت مذ صوّرت إلا عطيّةتقوم بها مصرورة في ردائكا

حدّثني وسواسة بن الموصليّ، وهو محمد بن أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم، قال: حدّثني حماد، عن أبيه.

قال: استوهب أبي من الرشيد تركة سلم الخاسر، وكان قد مات عن غير وارث، فوهبها له قبل أن يتسلّمها صاحب المواريث، فحصّل منها خمسين ألف دينار.

أخبرني عمي، قال: حدّثني أبو هفّان، عن سعيد بن هريم وأبي دعامة أنه رفع إلى الرشيد أن سلما الخاسر قد توفي، وخلّف ممّا أخذه منه خاصة ومن زبيدة ألف ألف وخمسمائة ألف درهم سوى ما خلّفه من عقار وغيره مما اعتقده قديما، فقبضه الرشيد. وتظلم إليه مواليه من آل أبي بكر الصديق، رضوان اللّه عليه، فقال: هذا خادمي ونديمي، والّذي خلّفه من مالي، فأنا أحقّ به، فلم يعطهم إلا شيئا يسيرا من قديم أملاكه.

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ، قال: حدثنا عيسى بن إسماعيل، عن القحذميّ، قال: كان مالك وشهاب ابنا عبد الملك بن مسمع ومعن بن زائدة متواخين، لا يكادون يفترقون. وكان سلم الخاسر ينادمهم ويمدحهم، ويفضلون عليه ولا يحوجونه إلى غيرهم، فتوفّي مالك ثم أخوه ثم معن في مدة متقاربة، فقال سلم يرثيهم:

عين جودي بعبرة تهتانوانذبي من أصاب ريب الزمان
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «عين جودي بعبره تهتان»
وإذا ما بكيت قوما كرامافعلى مالك أبي غسّان
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «عين جودي بعبره تهتان»
أين معن أبو الوليد ومن كان غياثا للهالك الحيران
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «عين جودي بعبره تهتان»
طرقتك المنون لا واهي الحبل ولا عاقدا بحلف يمان
وشهاب وأين مثل شهابعند بذل النّدى وحرّ الطّعان
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «عين جودي بعبره تهتان»
ربّ خرق رزئته من بني قيس وخرق رزئت من شيبان
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «عين جودي بعبره تهتان»
درّ درّ الأيام ماذا أجنّتمنهم في لفائف الكتان!
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «عين جودي بعبره تهتان»
ذاك معن ثوى ببست رهيناوشهاب ثوى بأرض عمان
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «عين جودي بعبره تهتان»
وهما ما هما لبذل العطاياوللفّ الأقران بالأقران
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «عين جودي بعبره تهتان»
يسبقان المنون طعنا وضرباويفكّان كلّ كبل وعان
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «عين جودي بعبره تهتان»

أخبرني وكيع، قال: حدّثني يزيد بن محمد المهلّبيّ، قال: حدّثني عبد الصمد بن المعذّل، قال: لما أنشد سلم الخاسر الرشيد قصيدته فيه:

حضر الرّحيل وشدّت الأحداج

أمر له بمائة ألف درهم.

حدّثني جحظة قال: حدّثني ميمون بن هارون قال: دخل سلم الخاسر على الفضل بن يحيى في يوم نيروز والهدايا بين يديه، فأنشده:

أمن ربع تسائلهوقد أقوت منازله
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «أمن ربع تسائله»
بقلبي من هوى الأطلال حبّ ما يزايله
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «أمن ربع تسائله»
رويدكم عن المشغوف إنّ الحبّ قاتله
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «أمن ربع تسائله»
بلابل صدره تسريوقد نامت عواذله
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «أمن ربع تسائله»
أحقّ الناس بالتفضيل من ترجى فواضله
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «أمن ربع تسائله»
رأيت مكارم الأخلاق ما ضمّت حمائله
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «أمن ربع تسائله»
فلست أرى فتى في الناس إلا الفضل فاضله
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «أمن ربع تسائله»
يقول لسانه خيرافتفعله أنامله
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «أمن ربع تسائله»
ومهما يرج من خيرفإن الفضل فاعله
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «أمن ربع تسائله»

وكان إبراهيم الموصليّ وابنه إسحاق حاضرين، فقال لإبراهيم: كيف ترى وتسمع؟ قال: أحسن مرئيّ ومسموع، وفضل الأمير أكثر منه. فقال: خذوا جميع ما أهدي إليّ اليوم فاقتسموه بينكم أثلاثا إلا ذلك التمثال، فإني أريد أن أهديه اليوم إلى دنانير، ثم قال: لا، واللّه، ما هكذا تفعل الأحرار، يقوّم وندفع إليهم ثمنه، ثم نهديه.

فقوّم بألفي دينار، فحملها إلى القوم من بيت ماله، واقتسموا جميع الهدايا بينهم.

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ، قال: حدّثني عيسى بن إسماعيل تينة، قال: حدّثني القحذميّ، قال: قيل لمعن بن زائدة: ما أحسن ما مدحت به من الشعر عندك؟ قال: قول سلم الخاسر:

أبلغ الفتيان مألكةأنّ خير الودّ ما نفعا
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «أبلغ الفتيان مألكة»
أنّ قرما من بني مطرأتلفت كفّاه ما جمعا
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «أبلغ الفتيان مألكة»
كلّما عدنا لنائلهعاد في معروفه جذعا
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «أبلغ الفتيان مألكة»

أخبرني عمي، قال: حدّثني عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثني أبو توبة، وأخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثني محمد بن القاسم بن مهرويه، عن أبي توبة، قال: حدث في أيام الرشيد أمر فاحتاج فيه إلى الرأي، فأشكل، وكان الفضل بن يحيى غائبا، فورد في ذلك الوقت، فأخبروه بالقصة، فأشار بالرأي في وقته، وأنفذ الأمر على مشورته، فحمد ما جرى فيه، فدخل عليه سلم الخاسر فأنشده:

بديهته وفكرته سواءإذا ما نابه الخطب الكبير
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «بقاء الدين والدنيا جميعا»
وأحزم ما يكون الدّهر رأياإذا عيّ المشاور والمشير
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة

فأمر له بعشرة آلاف درهم.

أخبرني جعفر بن قدامة، قال: حدّثني أبو العيناء، قال: حدّثني الجمّاز أنّ أبا الشمقمق جاء إلى سلم الخاسر يستميحه فمنعه، فقال له: اسمع إذا ما قلته، وأنشده:

حدّثوني أنّ سلمايشتكي جارة أيره
فهو لا يحسد شيئاغير أير في است غيره
وإذا سرّك يومايا خليلي نيل خيره
قم فمر راهبك الأصلع يقرع باب ديره

فضحك سلم، وأعطاه خمسة دنانير، وقال له: أحب - جعلت فداءك - أن تصرف راهبك الأصلع عن باب ديرنا.

أخبرنا الحسن بن عليّ، قال: حدثنا ابن مهرويه، قال: حدّثني أحمد بن أبي كامل، قال: حدّثني أبو دعامة، قال: دخل سلم الخاسر على الرشيد، فأنشده:

حيّ الأحبّة بالسلام

فقال الرشيد:

حياهم اللّه بالسلام

فقال:

على وداع أم مقام

فقال الرشيد: حيّاهم اللّه على أيّ ذلك كان، فأنشده:

لم يبق منك ومنهمغير الجلود على العظام
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «حي المنابر بالسلام»

فقال له الرشيد: بل منك، وأمر بإخراجه، وتطيّر منه، ومن قوله، فلم يسمع منه باقي الشعر ولا أثابه بشيء.

أخبرني محمد بن مزيد، قال: حدثنا حمّاد بن إسحاق، عن أبيه، قال: أتت وفاة المهديّ إلى موسى الهادي، وهو بجرجان، فبويع له هناك، فدخل عليه سلم الخاسر مع المهنئين، فنأه بخلافة اللّه، ثم أنشده:

لمّا أتت خير بني هاشمخلافة اللّه بجرجان
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «لما أتت خير بني هاشم»
شمّر للحزم سرابيلهبرأي لا غمر ولا وان
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «لما أتت خير بني هاشم»
لم يدخل الشّورى على رأيهوالحزم لا يمضيه رأيان
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «لما أتت خير بني هاشم»

أخبرني الحسن بن عليّ وعمي، قالا: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدّثني صالح بن عبد الرحمن، عن أبيه، قال: دخل سلم الخاسر على الرشيد، وعنده العباس بن محمد وجعفر بن يحيى، فأنشده قوله فيه:

حضر الرّحيل وشدّت الأحداج

فلما انتهى إلى قوله:

إن المنايا في السيوف كوامنحتى يهيّجا فتى هيّاج
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «حضر الرحيل وشدت الأحداج»

فقال الرشيد: كان ذلك معن بن زائدة، فقال: صدق أمير المؤمنين، ثم أنشد حتى انتهى إلى قوله:

ومدجّج يغشى المضيق بسيفهحتى يكون بسيفه الإفراج
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «حضر الرحيل وشدت الأحداج»

فقال الرشيد: ذلك يزيد بن مزيد، فقال: صدق أمير المؤمنين، فاغتاظ جعفر بن يحيى، وكان يزيد بن مزيد عدوّا للبرامكة، مصافيا للفضل بن الربيع، فلما انتهى إلى قوله:

نزلت نجوم الليل فوق رؤوسهمولكلّ قوم كوكب وهّاج
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «حضر الرحيل وشدت الأحداج»

قال له جعفر بن يحيى: من قلّة الشعر حتى تمدح أمير المؤمنين بشعر قيل في غيره! هذا لبشّار في فلان التميميّ، فقال الرشيد: ما تقول يا سلم؟ قال: صدق يا سيدي، وهل أنا إلا جزء من محاسن بشار، وهل أنطلق إلا بفضل منطقه! وحياتك يا سيدي إني لأروي له تسعة آلاف بيت ما يعرف أحد غيري منها شيئا، فضحك الرشيد، وقال: ما أحسن الصدق! امض في شعرك، وأمر له بمائة ألف درهم، ثم قال للفضل بن الربيع: هل قال أحد غير سلم في طيّنا المنازل شيئا؟ - وكان الرشيد قد انصرف من الحج، وطوى المنازل.

فوصف ذلك سلم - فقال الفضل: نعم يا أمير المؤمنين، النّمريّ، فأمر سلما أن يثبت قائما حتى يفرغ النمريّ من إنشاده، فأنشده النّميريّ قوله:

تخرّق سربال الشباب مع البردوحالت لنا أمّ الوليد عن العهد

فقال الرشيد للعباس بن محمد: أيّهما أشعر عندك يا عم؟ قال: كلاهما شاعر، ولو كان كلام يستفحل لجودته حتى يؤخذ منه نسل لاستفحلت كلام النّمريّ، فأمر له بمائة ألف درهم أخرى.

أخبرني عمي، قال: أنشدني أحمد بن أبي طاهر لأشجع السّلميّ يرثي سلما الخاسر ومات سلم قبله:

يا سلم إن أصبحت في حفرةموسّدا تربا وأحجارا
للشاعر أشجَع السَلمي، اقرأ القصيدة
فربّ بيت حسن قلتهخلّفته في الناس تيّارا
للشاعر أشجَع السَلمي، اقرأ القصيدة
قلّدته ربّا وسيّرتهفكان فخرا منك أو عارا
للشاعر أشجَع السَلمي، اقرأ القصيدة
لو نطق الشعر بكى بعدهعليه إعلانا وإسرارا
للشاعر أشجَع السَلمي، اقرأ القصيدة

صوت

يا ويح من لعب الهوى بحياتهفأماته من قبل حين مماته
من ذا كذا كان الشقي بشادنهاروت بين لسانه ولهاته
وحياة من أهوى فإنّي لم أكنيوما لأحلف كاذبا بحياته
لأخالفنّ عواذلي في لذّتيولأسعدنّ أخي على لذّاته

الشعر لبعض شعراء الحجازيين ولم يقع إلينا اسمه، والغناء لأبي صدقة رمل بالبنصر.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»