من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار إبراهيم
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
أخبرني عمي قال: حدّثني الفضل بن محمد اليزيديّ قال: حدثنا أحمد عن عمه إبراهيم قال: كنت مع المأمون في بلد الروم، فبينا أنا في ليلة مظلمة شاتية ذات غيم وريح وإلى جانبي قبة، فبرقت برقة وإذا في القبّة عريب. قالت: إبراهيم بن اليزيديّ؟ فقلت: لبيك! فقالت: قل في هذا البرق أبياتا ملاحا لأغنّي فيها، فقلت:
ما ذا بقلبي من أليم الخفقإذا رأيت لمعان البرق
من قبل الأردنّ أو دمشقلأنّ من أهوى بذاك الأفق
فارقته وهو أعز الخلقعليّ والزّور خلاف الحق
ذاك الّذي يملك مني رقيولست أبغي ما حييت عتقي
قال: فتنفست نفسا ظننته قد قطع حيازيمها، فقلت: ويحك على من هذا؟ فضحكت ثم قالت: على الوطن.
فقلت: هيهات! ليس هذا كلّه للوطن، فقالت: ويلك! أفتراك ظننت أنك تستفزني؟ واللّه لقد نظرت نظرة مريبة في مجلس، فادعاها أكثر من ثلاثين رئيسا، واللّه ما علم أحد منهم لمن كانت إلى هذا اليوم.
أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدّثني الفضل بن محمد اليزيديّ قال: حدّثني أخي عن عمي إبراهيم بن أبي محمد: أنه كان مع المعتصم لما خرج إلى الغزو، قال فكتب في رفقه فيها فتى من أهل البصرة، ظريف أديب شاعر راوية، فكان لي فيه أنس، وكنا لا تفترق حتى غزونا وعدنا، فعاد إلى البصرة، وكان له بستان حسن بسيحان، فكان أكثر مقامه به، وعزم لي على الشخوص إلى البصرة لحاجة عرضت لي، فكان أكثر نشاطي لها من أجله، فوردتها، ونظرت فيما وردت له، ثم سألت عنه، ومضيت إليه، فكاد أن يستطار بي فرحا، وأقمت بسيحان معه أياما، وقلت في بعضها وقد اصطبحنا في بستانه:
يا مسعديّ بسيحان فديتكماحثّا المدامة في أكناف سيحانا
نهر كريم من الفردوس مخرجهبذاك خبّرنا من كان أنبانا
لا تحسداني رواحا أو مباكرةطيب المسير على سيحان أحيانا
بشطّ سيحان إنسان كلفت بهنفسي تقي ذلك الإنسان إنسانا
ريّاه ريحاننا والكأس معملةلا شيء أطيب من ريّاه ريحانا
حثا شرابكما حتى أرى بكماسكرا فإني قد أمسيت سكرانا
ريّا الحبيب وكأس من معتّقهيهيّجان لنفس الصّبّ أشجانا
سقيا لسيحان من نهر ومن وطنوساكنيه من السكان من كانا
هم الذين عقدنا الودّ بينهموبيننا وهم في دير مرّانا
أخبرني محمد بن العباس قال: حدّثني عمي عبيد اللّه عن جماعة من أهلنا: أن إبراهيم بن أبي محمد اليزيديّ كان يعاشر أبا غسان، مولى منيرة؛ وكانت له جارية مغنية؛ يقال لها جاني؛ فدعاه يوما أبو غسان وجلسنا للشرب، فقال له: لو دعوت ابن أخيك - يعني محمد بن أبي محمد - لنأنس به فكتب إليه إبراهيم.
يا أكرم الناس طرّاوأكرم الفتيان
بادر إلينا لكيماتسقى سلاف الدّنان
على غناء غزالمهفهف فتّان
اشرب على وجه جانشرابك الخسرواني
فما لجان نظيروما لها من مدان
إلّا الّذي هو فردوماله من ثان
أعني الهلال لستّفي شهره وثمان
للناس بدر منيريرى بكل مكان
وما لنا غير بدرلدى أبي غسان
ذكراه في كل وقتموصولة بلساني
سبيته وسبانيفحبّه قد براني
من ثم لست ترانيأصبو إلى إنسان
أنشدنا أبو عبيد اللّه اليزيديّ عن عمه الفضل لإبراهيم بن أبي محمد اليزيديّ في بعض إخوانه، وقد رأى منه جفوة، ثم عاد واستصلحع، فكتب إليه:
من تاه واحدة فته عشراكي لا يجوز بنفسه القدرا
وإذا زها أحد عليك فكنأزهى عليه ولا تكن غمرا
أرأيت من لم ترج منفعةمنه ولم تحذر له ضرا
لم يستذلّ وتستذلّ لهبل كن أشد إذا زها كبرا
حدّثني عمي والحسن بن عليّ قالا: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدّثني أبي عن جعفر بن المأمون قال: دخل إبراهيم بن أبي محمد اليزيديّ على أبي وهو يشرب، فأمره بالجلوس فجلس، وأمر له بشراب فشرب.
أنا المذنب الخطّاء والعفو واسعولو لم يكن ذنب لمّا عرف العفو
ثملت فأبدت منّي الكأس بعض ماكرهت وما إن يستوي السكر والصحو
ولو لا حميا الكأس كان احتمال مابدهت به لا شك فيه هو السّرو
ولا سيما إذ كنت عند خليفةوفي مجلس ما إن يجرز به اللغو
تنصلت من ذنبي تنصّل ضارعإلى من لديه يغفر العمد والسهو
فإن تعف عني تليف خطوي واسعاوإلّا يكن عفو فقد قصر الخطو
حدّثني عمي قال: حدثنا الفضل بن محمد اليزيديّ قال: جاء إبراهيم إلى هارون بن المأمون، فصادفه قد خلا هو وجماعة من المعتزلة. فلم يصل إليه وحجب عنه، فكتب إليه:
غلبت عليكم هذه القدريّهفعليكم مني السّلام تحيه
آتيكم شوقا فلا ألقاكموهم لديكم بكرة وعشيه
هرون قائدهم وقد حفّت بهأشياعه وكفى بتلك بليه
لكنّ قائدنا الإمام ورأيناما قد رآه فنحن مأمونيه
أخبرني عمي قال: حدّثني الفضل قال: كان لعمي إبراهيم ابن يقال له: إسحاق، وكان يألف غلاما من أولاد الموالي. فلما خرج المعتصم إلى الشام خرج إبراهيم معه، وخرج الغلام الّذي يألفه في العسكر، وعرف إبراهيم أنه قد صحب فتى من فتيان العسكر غير ابنه، فكتب عمي إبراهيم إلى ابنه:
قل لأبي يعقوب إن الّذييعرفه قد فعل الحوبا
كان محبا لك فيما مضىفالآن قد صادف محبوبا
يركب هذا ذا وذا ذا فماينفك تصعيدا وتصويبا
فرأس إسحاق فديناه قدأظهر شيئا كان محجوبا
أرى قرونا قد تجلّلنهمنصوبة شعّبن تشعيبا
أظنه يعجز عن حملهاإذ ركّبت في الرأس تركيبا
يا رحمتا لابني على ضعفهيحمل منهن أعاجيبا!
حدّثني عمي قال: حدّثني فضل اليزيديّ قال: كتبت إلى عمي إبراهيم أستعين به في حاجة لي، وأستزيده من عنايته بأموري، وأطالبه أن يتوفر نصيبي لديه وفيما أبتغيه منه، فكتب إليّ:
فديتك لو لم تكن لي قريباوكنت امرأ أجنبيّا غريبا
مع البر منك وما يستجربه مستخفا إليك اللبيبا
لما إن جعلت لخلق سواك مثل نصيبك مني نصيبا
وكنت المقدّم ممن أودّوازداد حقك عندي وجوبا
تلطّف لما قد تكلمت فيهفما زلت في الحاج شهما نجيبا
وراوض أبا حسن إن رأيت واحتل برفقك حتى يجيبا
فإن هو صار إلى ما تريدوإلّا استعنت عليه الحبيبا
وما لا يخالف ما تشتهيهلتلفيه غير شك مجيبا
يودك خاقان ودّا عجيباكذاك الأديب يحب الأديبا
وأنت تكافيه بل قد تزيدعليه وتجمع فيه ضروبا
تثيب أخاك على الود منهوذو اللب يأنف ألا يثيبا
ولا سيما إذ براه الإلهكالبدر يدعو إليه القلوبا
يرى المتمنّي له ردفهكثيبا وأعلاه يحكي القضيبا
وقد فاق في العلم والفهم منهكما تم ملحا وحسنا وطيبا
ويبلغ فيما يقولون ليسيعاف إذا ناولوه القضيبا
ولكنه وافق الزاهدينفخاب وقد ظن أن لن يخيبا
وإن ركب المرء فيه هواه عاث فتطهيره أن يثوبا
إذا زارت الشاة ذئبا طبيبافلا تأمننّ على الشاة ذيبا
وعند الطبيب شفاء السقيمإذا اعتلّ يوما وجاء الطبيبا
ولست ترى فارسا في الأنام إلّا وثوبا بجيد الركوبا
أخبرني محمد بن العباس اليزيديّ قال: حدّثني عمي عبيد اللّه قال: وحدّثني أخي أحمد قال: زامل المأمون في بعض أسفاره بين يحيى بن أكثم وعبّادة المخنّث، فقال عمي إبراهيم في ذلك:
وحاكم زامل عبّادهولم يزل تلك له عاده
لو جاز لي حكم لما جاز أنيحكم في قيمة لبّاده
كم من غلام عزّ في أهلهوافت قفاه منه سجاده
وقال في يحيى أيضا:
وكنا نرجّي أن نرى العدل ظاهرافأعقبنا بعد الرجاء قنوط
متى تصلح الدنيا ويصلح أهلهاوقاضي قضاة المسلمين يلوط!
وأخبرني عمي حدثنا أبو العيناء قال: نظر المأمون إلى يحيى بن أكثم يلحظ خادما له، فقال للخادم: تعرض له إذا قمت؛ فإني سأقوم للوضوء - وأمره ألا يبرح - وعد إليّ بما يقول لك، وقام المأمون، وأمر يحيى بالجلوس. فلما غمزه الخادم بعينه، قال يحيى: لَوْ لا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ
فمضى الخادم إلى المأمون فأخبره، فقال له: عد إليه فقل له: أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ
فخرج الخادم إليه، فقال له ما أمره به المأمون، فأطرق يحيى وكاد يموت جزعا، وخرج المأمون وهو يقول:
متى تصلح الدنيا ويصلح أهلهاوقاضي قضاة المسلمين يلوط!
قم وانصرف، واتق اللّه وأصلح نيتك.
حدثنا اليزيديّ قال: حدّثني ابن عمي إسحاق بن إبراهيم بن أبي محمد اليزيديّ عن أبيه إبراهيم قال: كنت عند المأمون يوما وبحضرته عريب، فقالت لي على سبيل الولع بي: يا سلعوس، وكان جواري المأمون يلقبنني بذلك عبثا، فقلت لها:
قل لعريب لا تكوني مسلعسهوكوني كتزيف وكوني كمونسه
فقال المأمون:
فإن كثرت منك الأقاويل لم يكنهنا لك شك أنّ ذا منك وسوسة
قال: فقلت: كذا واللّه يا أمير المؤمنين أردت أن أقول، وعجبت من ذهن المأمون.
وممن غنّي في شعره من ولد أبي محمد اليزيدي أبو جعفر أحمد بن محمد بن أبي محمد
فمن ذلك:
صوت
شوقي إليك على الأيام يزدادوالقلب مذ غبت للأحزان معتاد
يا لهف نفسي على دهر فجعت بهكأنّ أيامه في الحسن أعياد
الشعر لأحمد بن محمد بن أبي محمد، والغناء لبحر هزج، وفيه ثاني ثقيل مطلق. ذكر الهشامي أنه لإسحاق، وما أراه أصاب، ولا هو في جامع إسحاق، ولا يشبه صنعته.
وكان أحمد راوية لعلم أهله، فاضلا أديبا، وكان أسنّ ولد محمد بن أبي محمد، وكان أخوته جميعا يأثرون علوم جدهم وعمومتهم عنه، وقد أدرك أبا محمد، وأظن أنه قد روى عنه أيضا، إلّا أني لم أذكر شيئا من ذلك وقت ذكرى إياه فأحكيه عنه.
أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا الفضل بن محمد اليزيديّ قال: حدّثني أخي أبو جعفر قال: كنت عند جعفر بن المأمون مقيما، فلما أردت الانصراف منعني، فبتّ عنده، وزارته لما أصبحنا عريب في جواريها؛ وبتّ فاحتبسها من غد؛ فاستطبت المقام أيضا فأقمت، فكتب إليّ عمي إبراهيم بن محمد اليزيديّ:
شردت يا هذا شرود البعيروطالت الغيبة عند الأمير
أقمت يومين وليليهماوثالثا تحبى ببرّ كثير
يوم عريب مع إحسانهاإن طالت الأيام يوم قصير
لها أغان غير مملولةمنها ولا تخلق عند الكرور
غير ملوم يا أبا جعفرأن تؤثر اللهو ويوم السرور
فاجعل لنا منك نصيبا فماإن كنت عن مجلسنا بالنّفور
وصر إلينا غير ما صاغرأصارك الرحمن خير المصير
إن لم يكن عندي غناء ولاعود فعندي القمر بالنردشير
والذّكر بالعلم الّذي قد مضىبأهله حادث صرف الدهور
وهو جديد عندنا نهجهأعلامه تحويه منا الصدور
فالحمد للّه على كل ماأولى وأبلى ولربّي الشّكور
حدثنا محمد بن العباس اليزيديّ قال: حدّثني عمي الفضل قال: سمعت أخي أبا جعفر أحمد بن محمد يقول: دخلت إلى المعتصم يوما وبين يديه خادم وضيء جميل وسيم، فطلعت عليه الشمس، فما رأيت أحسن منها على وجهه، فقال لي: يا أحمد، قل في هذا الخادم شيئا، وصف طلوع الشمس عليه وحسنها، فقلت:
قد طلعت شمس على شمسوطاب لي الهوى مع الأنس
وكنت أقلي الشمس فيما مضىفصرت أشتاق إلى الشمس
حدّثني اليزيديّ قال: حدّثني عمي الفضل قال: كتب إلى أخي بعض إخوانه ممن كان يألفه ويديم زيارته، ثم انقطع عنه - يعتذر إليه من تأخره عنه، فكتب إليه:
إني امرؤ أعذر إخوانيفي تركهم برّي وإتياني
لأنه لا لهو عندي ولالي اليوم جاه عند سلطان
وأكثر الإخوان في دهرناأصحاب تمييز ورجحان
فمن أتاني منعما مفضلافشكره عندي شكران
ومن جفاني لم يكن لومهعندي ولا تعنيفه شاني
أعفو عن السيّ ء من فعلهموأتبع الحسنى بإحسان
حسب صديقي أنه واثقمني بإسراري وإعلاني
حدّثني اليزيديّ قال: حدّثني أبي عن عمي من أبي جعفر أحمد بن محمد قال: دخلت على المأمون وهو في مجلس غاصّ بأهله - وأنا يومئذ غلام - فاستأذنت في الإنشاد، فأذن، فأنشدته مديحا لي مدحته به، وكان يستمع للشاعر ما دام في تشبيب أو وصف ضرب من الضروب، حتى إذا بلغ إلى مديحه لم يسمع منه إلّا بيتين أو ثلاثة، ثم يقول للمنشد: حسبك ترفعا، فأنشدته:
يا من شكوت إليه ما ألقاهوبذلت من وجدي له أقصاه
فأجابني بخلاف ما أمّلتهولربما منع الحريص مناه
أترى جميلا أن شكا ذو صبوةفهجرته وغضبت من شكواه
يكفيك صمت أو جواب مؤيسإن كنت تكره وصله وهواه
موت المحب سعادة إن كان منيهواه يزعم أن ذاك رضاه
فلما صرت إلى المديح قلت:
أبقى لنا اللّه الإمام وزادهعزّا إلى العز الّذي أعطاه
فاللّه مكرمنا بأنا معشرعتقاء من نعم العباد سواه
فسرّ بذلك وضحك، وقال: جعلنا اللّه وإياكم ممن يشكر النعمة، ويحسن العمل.
أخبرنا محمد بن العباس قال: حدّثني أبي عن أخيه أبي جعفر قال: دخلت يوما على المأمون بقارا، وهو يريد الغزو فأنشدته شعرا مدحته فيه؛ أوله:
يا قصر ذا النّخلات من باراإني حللت إليك من قارا
أبصرت أشجارا على نهرفذكرت أشجارا وأنهارا
للّه أيام نعمت بهابالقفص أحيانا وفي بارا
إذ لا أزال أزور غانيةألهو بها وأزور خمّارا
لا أستجيب لمن دعا لهدىوأجيب شطّارا ودعّارا
أعصي النصيح وكلّ عاذلةوأطيع أوتارا ومزمارا
قال: فغضب المأمون، وقال: أنا في وجه عدو، وأحض الناس على الغزو، وأنت تذكّرهم نزهة بغداد؟
فقلت: الشيء بتمامه، ثم قلت:
فصحوت بالمأمون عن سكريورأيت خير الأمر ما اختارا
ورأيت طاعته مؤديةللفرض إعلانا وإسرارا
فخلعت ثوب الهزل عن عنقيورضيت دار الجدّ لي دارا
وظللت معتصما بطاعتهوجواره وكفى به جارا
إن حلّ أرضا فهي لي وطنوأسير عنها حيثما سارا
فقال له يحيى بن أكثم: ما أحسن ما قال يا أمير المؤمنين! أخبر أنه كان في سكر وخسار، فترك ذلك وارعوى، وآثر طاعة خليفته، وعلم أن الرشد فيها؛ فسكن وأمسك.
حدّثني الصوليّ قال: حدّثني محمد بن يحيى بن أبي عباد قال: حدّثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات عن أبيه قال: دعا المعتصم ذات يوم المأمون فجاءه، فأجلسه في بيت على سقفه جامات، فوقع ضوء الشمس من وراء تلك الجامات على وجه سيما التركي غلام المعتصم، وكان المعتصم أوجد الناس به، ولم يكن في عصره مثله، فصاح المأمون يا أحمد بن محمد اليزيديّ - وكان حاضرا - فقال: انظر إلى ضوء الشمس على وجه سيما التركي، أرأيت أحسن من هذا قط؟ وقد قلت:
قد طلعت شمس على شمسوزالت الوحشة بالأنس
أجز يا أحمد، فقلت:
قد كنت أشنا الشمس فيما مضىفصرت أشتاق إلى الشمس
قال: وفطن المعتصم، فعضّ على شفته لأحمد، فقال أحمد للمأمون: واللّه لئن لم يعلم الحقيقة من أمير المؤمنين لأقعنّ معه فيما أكره، فدعاه المأمون فأخبره الخبر، فضحك المعتصم. فقال له المأمون: كثر اللّه في غلمانك مثله، إنما استحسنت شيئا فجرى ما سمعت لا غيره.
حدّثني الصوليّ قال: حدّثني عون بن محمد قال: حدّثني أحمد بن محمد اليزيديّ قال: كنا بين يدي المأمون، فأنشدته مدحا، فقال: لئن كانت حقوق أصحابي تجب عليّ لطاعتهم بأنفسهم فإن أحمد ممن تجب له المراعاة لنفسه وصحبته، ولأبيه وخدمته، ولجدّه وقديم خدمته وحرمته، وإنه للعريق في خدمتنا، فقلت: قد علّمتني يا أمير المؤمنين كيف أقول، ثم تنحيت ورجعت إليه، فأنشدته:
لي بالخليفة أعظم السببفبه أمنت بوائق العطب
ملك غذتني كفّه وأبيقبلي وجدّي كان قبل أبي
قد خصّني الرحمن منه بماأسمو به في العجم والعرب
فضحك، وقال: قد نظمت يا أحمد ما نثرناه.
هذا آخر أخبار اليزيديين وأشعارهم الّتي فيها صنعة.
صوت
أفي كلّ يوم أنت من غبر الهوىإلى الشّمّ من أعلام ميلاء ناظر
بعمشاء من طول البكاء كأنمابها خزر أو طرفها متخازر
عروضه من الطويل، والغبر: البقية من الشيء، يقال: فلان في غبر من علته. وأكثر ما يستعمل في هذا ونحوه، والشمّ: الطوال، والأعلام جمع علم وهو الجبل، قالت الخنساء:
وإن صخرا لتأثّم الهداة بهكأنه علم في رأسه نار
والخزر: ضيق العين وصغرها، ومنه سمي الخزر بذلك لصغر أعينهم، قال الراجز:
إذا تخازرت وما بي من خزرثم كسرت الطرف من غير عور
والشعر لرجل من قيس يقال: كعب، ويلقب بالمخبل. والغناء لإبراهيم، ثقيل أول بالوسطى. ومن الناس من يروي الشعر لغير هذا الرجل وينسبه إلى ذي الرمة، ويجعل فيه مية مكان ميلاء، ويقال: إن اللحن لابن المكيّ، وقد نسب إلى غيرهما، والصحيح ما ذكرناه أولا.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع