من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار المخبل القيسي ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
قال عبد اللّه بن أبي سعد الوراق - فيما أخبرني به حبيب بن نصر المهلّبيّ، إجازة عنه -: حدّثني عليّ بن الصباح بن الفرات، قال: أخبرني عليّ بن الحسن بن أيوب النبيل، عن رباح بن قطيب بن زيد الأسديّ، قال: كانت عند رجل من قيس يقال له: كعب - بنت عمّ له، وكانت أحبّ الناس إليه فخلا بها ذات يوم فنظر إليها وهي واضعة ثيابها، فقال: يا أم عمرو، هل ترين أن اللّه خلق أحسن منك؟ قالت: نعم، أختى ميلاء، هي أحسن مني.
قال: فإني أحب أن أنظر إليها، فقالت: إن علمت بك لم تخرج إليك، ولكن كن من وراء السّتر، ففعل، وأرسلت إليها فجاءتها، فلما نظر إليها عشقها وانتظرها حتى راحت إلى أهلها، فاعترضها فشكا إليها حبّها، فقالت: واللّه يا بن عمّ، ما وجدت من شيء إلّا وقد وقع لك في قلبي أكثر منه. وواعدته مرة أخرى، فأتتهما أم عمرو وهما لا يعلمان، فرأتهما جالسين، فمضت إلى إخوتها - وكانوا سبعة - فقالت: إما أن تزوجوا ميلاء كعبا، وإما أن تكفوني أمرها. وبلغهما الخبر، ووقف إخوتها على ذلك، فرمى بنفسه نحو الشام حياء منهم، وكان منزله ومنزل أهله الحجاز، فلم يدر أهله ولا بنو عمه أين ذهب، فقال كعب:
أفي كلّ يوم أنت من لاعج الهوىإلى الشّمّ من أعلام ميلاء ناظر
بعمشاء من طول البكاء كأنمابها خزر أو طرفها متخازر
تمنّى المنى حتى إذا ملّت المنىجرى واكف من دمعها متبادر
كما ارفضّ عنها بعد ما ضمّ ضمةبخيط الفتيل اللؤلؤ التناثر
قال: فرواه عنه رجل من أهل الشام، ثم خرج بعد ذلك الشاميّ يريد مكة، فاجتاز بأم عمرو وأختها ميلاء، وقد ضل الطريق، فسلم عليهما ثم سألهما عن الطريق، فقالت أم عمرو: يا ميلاء، صفي له الطريق، فذكر - لما نادت: يا ميلاء - شعر كعب هذا، فتمثل به، فعرفت أم عمرو الشعر، فقالت: يا عبد اللّه، من أين أنت؟ قال: رجل من أهل الشام. قالت: من أين رويت هذا الشعر؟ قال: رويته عن أعرابي بالشام، قالت: أو تدري ما اسمه؟
فقال: سمعت أنه كعب، فأقسمت عليه: لا تبرح حتى تعرّف إخوتنا بذلك فنحسن إليك نحن وهم، وقد أنعمت علينا. قال: أفعل، وإني لأروي له شعرا آخر، فما أدري أتعرفانه أم لا؟ فقالت: نسألك باللّه أسمعتنا، قال: سمعته يقول:
خليليّ قد قست الأمور ورمتهابنفسي وبالفتيان كلّ زمان
فلم أخف سوءا للصديق ولم أجدخليّا ولا ذا البث يستويان
من الناس إنسانان ديني عليهمامليئان لو شاءا لقد قضياني
خليليّ أمّا أمّ عمرو فمنهماوأما عن الأخرى فلا تسلاني
بلينا بهجران ولم أر مثلنامن الناس إنسانين يهتجران
أشدّ مصافاة وأبعد من قلىوأعصى لواش حين يكتفيان
تحدّث طرفانا بما في صدورناإذا استعجمت بالمنطق الشفتان
فو اللّه ما أدري أكلّ ذوي الهوىعلى ما بنا أو نحن مبتليان؟
فلا تعجبا مما بي اليوم من هوىفبي كلّ يوم مثل ما تريان
خليليّ عن أيّ الّذي كان بيننامن الوصل أم ماضي الهوى تسلان؟
وكنا كريمي معشر حمّ بينناهوى فحفظناه بحسن صيان
سلاه بأم العمرو من هي إذ بدابه سقم جمّ وطول ضمان
فما زادنا بعد المدى نقض مرّةولا رجعا من علمنا ببيان
خليليّ لا واللّه ما لي بالذيتريدان من هجر الحبيب يدان
ولا لي بالبين اعتلاء إذا نأتكما أنتما بالبين معتليان
قال: ونزل الرجل ووضع رحلة حتى جاء إخوتهما، فأخبراهم الخبر، وكانوا مهتمين بكعب، وكان كعب أظرفهم وأشعرهم، فأكرموا الرجل وحملوه على راحلة ودلّوه على الطريق، وطلبوا كعبا فوجدوه بالشام، فأقبلوا به، حتى إذا كانوا في ناحية ماء أهلهم إذا الناس قد اجتمعوا عند البيوت، وكان كعب ترك بنيّا له صغيرا، فزحمه غلام منهم في ناحية الماء، فقال له كعب: ويحك يا غلام! من أبوك؟ فقال: رجل يقال له: كعب، قال: وعلى أيّ شيء قد اجتمع الناس؟ وأحسّ قلبه بالشرّ. قال: اجتمعوا على خالتي ميلاء. قال: وما قصتها؟ قال: ماتت. فزفر زفرة مات منها مكانه، فدفن حذاء قبرها.
قال: وقال كعب وهو بالشام:
أحقّا عباد اللّه أن لست ماشيابمرحاب حتى يحشر الثقلان
ولا لاهيا يوما إلى الليل كلّهببيض لطيفات الخصور رواني؟
يمنّيننا حتى تريع قلوبناويخلطن مطلا ظاهرا بليان
فعينيّ يا عينيّ حتّام أنتمابهجران أمّ العمرو وتختلجان؟
أما أنتما إلّا عليّ طليعةعلى قرب أعدائي كما تريان
فلو أنّ أم العمرو أضحت مقيمةبمصر وجثماني بشحر عمان
إذا لرجوت اللّه يجمع شملنافإنّا على ما كان ملتقيان
نسبة ما في هذا الخبر من الغناء
صوت
من الناس إنسانان ديني عليهمامليئان لو شاءا لقد قضياني
خليليّ أما أمّ عمرو فمنهماوأما عن الأخرى فلا تسلاني
عروضه من الطويل، الشعر - على ما في هذا الخبر - لكعب المذكورة قصته، وروى المفضل بن سلمة وأبو طالب بن أبي طاهر هذين البيتين مع غيرهما لابن الدّمينة الخثعميّ. والغناء لإبراهيم الموصلي، خفيف رمل بالوسطى، ذكره أبو العبيس عنه، وذكر ابن المكي أنه لعلّويه. والأبيات الّتي ذكرنا أن المفضل بن سلمة وابن أبي طاهر روياها لابن الدّمينة مع البيتين اللذين فيهما الغناء هي:
من الناس إنسانان ديني عليهمامليئان لو شاءا لقد قضياني
خليليّ أمّا أمّ عمرو فمنهماوأما عن الأخرى فلا تسلاني
منوعان ظلّامان ما ينصفاننيبدليهما والحسن قد خلباني
من البيض نجلاء العيون غذاهمانعيم وعيش ضارب بجران
أفي كلّ يوم أنت رام بلادهابعينين إنسانا هما غرقان؟
إذا غرورقت عيناي قال صحابتيلقد أولعت عيناك بالهملان
وقد روي أيضا أن هذا البيت:
أفي كلّ يوم أنت رام بلادها
لعروة بن حزام:
ألا فاحملاني بارك اللّه فيكماإلى حاضر الرّوحاء ثم ذراني
أخبرني محمد بن خلف وكيع، قال: حدّثني أبو سعيد القيسي، قال: حدّثني سليمان بن عبد العزيز، قال: حدّثني خارجة المالي قال: حدّثني من رأى عروة بن حزام يطاف به حول البيت، قال: فقلت له: من أنت؟ قال: أنا الّذي أقول:
أفي كلّ يوم أنت رام بلادهابعينين إنسانا هما غرقان؟
ألا فاحملاني بارك اللّه فيكماإلى حاضر الرّوحاء ثم ذراني
فقلت: زدني، قال: لا، ولا حرف.
ويقال: إن الّذي هاج الواثق على القبض على أحمد بن الخصيب وسليمان بن وهب أنه غنّى - هذا الصوت - أعني:
من الناس إنسانان ديني عليهما
فدعا خادما كان للمعتصم، ثم قال له: أصدقني وإلّا ضربت عنقك. قال: سل يا أمير المؤمنين عما شئت، قال: سمعت أبي وقد نظر إليك يتمثّل بهذين البيتين، ويومىء إليك إيماء تعرفه، فمن اللذان عني؟ قال، قال لي: إنه وقف على إقطاع أحمد بن الخصيب وسليمان بن وهب ألفي دينار، وأنه يريد الإيقاع بهما. فكان كلما رآني يتمثل بهذين البيتين. قال: صدقني واللّه، واللّه لا سبقاني بهما كما سبقاه، ثم أوقع بهما.
وأخبرني محمد بن يحيى الصّوليّ، قال: حدّثني ميمون بن هارون، قال: نظر الواثق إلى أحمد بن الخصيب يمشي، فتمثّل:
من الناس إنسانان ديني عليهما
وذكر البيتين، وأشار بقوله:
خليليّ أمّا أم عمرو فمنهما
إلى أحمد بن الخصيب. فلما بلغ هذا سليمان بن وهب، قال: إنا للّه! أحمد بن الخصيب واللّه أمّ عمرو، وأنا الأخرى. قال: ونكبهما بعد أيام. وقد قيل: إن محمد بن عبد الملك الزيات كان السبب في نكبتهما.
أخبرنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا عون بن محمد الكنديّ، قال: كانت الخلافة أيام الواثق تدور على إيتاخ، وعلى كاتبه سليمان بن وهب، وعلى أشناس وكاتبه أحمد بن الخصيب، فعمل الوزير محمد بن عبد الملك الزيات قصيدة، وأوصلها إلى الواثق على أنها لبعض أهل العسكر، وهي:
يا بن الخلائف والأملاك إن نسبواحزت الخلافة عن آبائك الأول
أجرت أم رقدت عيناك عن عجبفيه البريّة من خوف ومن وهل
ولّيت أربعة أمر العباد معاوكلّهم خاطب في حبل محتبل
هذا سليمان قد ملّكت راحتهمشارق الأرض من سهل ومن جبل
ملّكته السند فالشّحرين من عدنإلى الجزيرة فالأطراف من ملل
خلافة قد حواها وحده فمضتأحكامه في دماء القوم والنّفل
وابن الخصيب الّذي ملّكت راحتهخلافة الشأم والغازين والقفل
فنيل مصر فبحر الشأم قد جريابما أراد من الأموال والحلل
كأنهم في الّذي قسّمت بينهمبنو الرشيد زمان القسم للدّول
حوى سليمان ما كان الأمين حوىمن الخلافة والتبليغ للأمل
وأحمد بن خصيب في إمارتهكالقاسم بن الرشيد الجامع السبل
أصبحت لا ناصح يأتيك مستتراولا علانية خوفا من الحيل
سل بيت مالك أين المال تعرفهوسل خراجك عن أموالك الجمل
كم في حبوسك ممّن لآذنوب لهمأسرى التكذّب في الأقياد والكبل
سمّيت باسم الرشيد المرتضى فبهقس الأمور الّتي تنجي من الزلل
عث فيهم ما عاثت يداه معاعلى البرامك بالتهديم للقلل
فلما قرأ الواثق الشعر غاظه وبلغ منه، ونكب سليمان بن وهب وأحمد بن الخصيب، وأخذ منهما ومن أسبابهما ألف ألف دينار، فجعلها في بيت المال، فقال أحمد بن أبي فنن:
نزلت بالخائنين سنهسنة للناس ممتحنه
سوّغت ذا النصح بغيتهوأزالت دولة الخونه
فترى أهل العفاف بهاوهم في دولة حسنه
وترى من جار همّتهأن يؤدّي كل ما احتجنه
وقال إبراهيم بن العباس لابن الزيات:
إيها أبا جعفر وللدهر كرّرات وعما يريب متّسع
أرسلت ليثا على فرائسهوأنت منها فانظر متى تقع
لكنّه قوته وفيك لهوقد تقضّت أقواته شبع
وهي أبيات، وقد كان أحمد بن أبي دواد حمل الواثق على الإيقاع بابن الزيات وأمر علي بن الجهم فقال فيه:
لعائن اللّه موفّراتمصبّحات ومهجّرات
على ابن عبد الملك الزّياتعرّض شمل الملك للشتات
يرمي الدواوين بتوقيعاتمعقّدات غير مفتوحات
أشبه شيء برقي الحياتكأنّها بالزيت مدهونات
بعد ركوب الطوف في الفراتوبعد بيع الزيت بالحبات
سبحان من جلّ عن الصفاتهارون يا بن سيّد السادات
أما ترى الأمور مهملاتتشكو إليك عدم الكفاة
وهي أبيات، فهمّ الواثق بالقبض على ابن الزيات، وقال: لقد صدق، قائل هذا الشعر، ما بقي لنا كاتب.
فطرح نفسه على إسحاق بن إبراهيم، وكانا مجتمعين على عداوة بن أبي دواد، فقال للواثق: أمثل ابن الزيات - مع خدمته وكفايته - يفعل به هذا، وما جنى عليك وما خانك، وإنما دلّك على خونة أخذت ما اختانوه، فهذا ذنبه!.
وبعد، فلا ينبغي لك أن تعزل أحدا أو تعد مكانه جماعة يقومون مقامه، فمن لك بمن يقوم مقامه؟ فمحا ما كان في نفسه عليه ورجع له.
وكان إيتاخ صديقا لابن أبي دواد، فكان يغشاه كثيرا، فقال له بعض كتابه: إن هذا بينه وبين الوزير ما تعلم، وهو يجيئك دائما، ولا تأمن أن يظن الوزير بك ممالأة عليه؛ فعرّفه ذلك، فلما دخل ابن أبي دواد إليه خاطبه في هذا المعنى، فقال: إني واللّه ما أجيئك متعززا بك من ذلة، ولا متكثّرا من قلّة، ولكن أمير المؤمنين رتّبك رتبة أوجبت لقاءك، فإن لقيناك فله، وإن تأخرنا عنه فلنفسك، ثم خرج من عنده فلم يعد إليه.
وفي هذه القصة أخبار كثيرة يطول ذكرها، ليس هذا موضعها، وإنما ذكرنا ها هنا هذا القدر منها كما يذكر الشيء بقرائنه.
صوت
عش فحبّيك سريعا قاتليوالضّنى إن لم تصلني واصلي
ظفر الشوق بقلب دنففيك والسّقم بجسم ناحل
فهما بين اكتئاب وضنىتركاني كالقضيب الذابل
الشعر لخالد الكاتب، والغناء للمسدود، رمل مطلق في مجرى الوسطى، وذكر جحظة أن هذا الرمل أخذ عنه، وأنه أول صوت سمعه فكتبه.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع