تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

أخبار أيمن بن خريم

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

وأيمن بن خريم بن فاتك الأسدي لأبيه صحبة برسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - ورواية عنه، وينسب إلى فاتك، وهو جد أبيه. وهو أيمن بن خريم بن الأخرم بن عمرو بن فاتك بن القليب بن عمرو بن أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار. وكان أيمن يتشيع، وكان أبوه أحد من اعتزل حرب الجمل وصفّين وما بعدهما من الأحداث، فلم يحضرها.

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدّثني النوشجانيّ عن العمريّ عن الهيثم بن عديّ، عن عبد اللّه بن عياش، عن مجالد، قال كان عبد الملك شديد الشغف بالنساء، فلما أسنّ ضعف عن الجماع وازداد غرامه بهنّ، فدخل إليه يوما أيمن بن خريم قال له: كيف أنت؟ فقال: بخير يا أمير المؤمنين. قال: فكيف قوّتك؟ قال: كما أحب، وللّه الحمد، إنّي لآكل الجذعة من الضأن بالصاع من البرّ، وأشرب العسّ المملوء، وأرتحل البعير الصعب وأنصبه، وأركب المهر الأرن فأذلّله، وأفترع العذراء، ولا يقعدني عنها الكبر، ولا يمنعني منها الحصر، ولا يرويني منها الغمر ولا ينقضي مني الوطر. فغاظ عبد الملك قوله وحسده، فمنعه العطاء وحجبه، وقصده بما كره حتى أثّر ذلك في حاله، فقالت له امرأته: ويحك! أصدقني عن حالك؟ هل لك جرم؟ قال: لا واللّه، قالت: فأيّ شيء دار بينك وبين أمير المؤمنين آخر ما لقيته؟ فأخبرها، فقالت: إنا للّه! من ها هنا أتيت.

أنا أحتال لك في ذلك حتى أزيل ما جرى عليك، فقد حسدك الرجل على ما وصفت به نفسك، فتهيأت ولبست ثيابها ودخلت على عاتكة زوجته، فقالت: أسألك أن تستعدي لي أمير المؤمنين على زوجي، قالت: وماله؟ قالت: واللّه ما أدري أنا مع رجل أو حائط؟ وإنّ له لسنين ما يعرف فراشي، فسليه أن يفرّق بيني وبينه، فخرجت عاتكة إلى عبد الملك فذكرت ذلك له، وسألته في أمرها، فوجّه إلى أيمن بن خريم فحضر، فسأله عما شكت منه فاعترف به، فقال: أو لم أسألك عاما أوّل عن حالك فوصفت كيت وكيت؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إن الرجل ليتجمّل عند سلطانه، ويتجلد عند أعدائه بأكثر مما وصفت نفسي به، وأنا القائل:

لقيت من الغانيات العجابالو أدرك مني الغواني الشبابا
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة
ولكنّ جمع النساء الحسانعناء شديد إذا المرء شابا
ولو كلت بالمدّ للغانياتوضاعفت فوق الثياب الثيابا
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة
إذا لم تنلهنّ من ذاك ذاكجحدنك عند الأمير الكتابا
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة
يذدن بكل عصا ذائدويصبحن كلّ غداة صعابا
إذا لم يخالطن كل الخلاط أصبحن مخرنطمات غضابا
علام يكحّلن حور العيونويحدثن بعد الخضاب الخضابا
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة
ويعركن بالمسك أجيادهنّويدنين عند الحجال العيابا
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة
ويبرقن إلّا لما تعلمونفلا تحرموا الغانيات الضرابا
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة

قال: فجعل عبد الملك يضحك من قوله، ثم قال: أولى لك يا بن خريم! لقد لقيت منهن ترحا، فما ترى أن نصنع فيما بينك وبين زوجتك؟ قال: تستأجلها إلى أجل العنّين، وأداريها لعلي أستطيع إمساكها، قال: أفعل ذلك، وردّها إليه، وأمر له بما فات من عطائه، وعاد إلى برّه وتقريبه.

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ أبو دلف، قال: حدثنا الرياشيّ، قال: ذكر العتبيّ أن منازعة وقعت بين عمرو بن سعيد وعبد العزيز بن مروان، فتعصّب لكل واحد منهما أخواله، وتداعوا بالسلاح واقتتلوا، وكان أيمن بن خريم حاضرا للمنازعة فاعتزلهم هو ورجل من قومه، يقال له: ابن كوز، فعاتبه عبد العزيز وعمرو جميعا على ذلك، فقال:

أأقتل بين حجّاج بن عمرووبين خصيمه عبد العزيز
أنقتل ضلّة في غير شيءويبقى بعدنا أهل الكنوز
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة
لعمر أبيك ما أتيت رشديولا وفّقت للحرز الحريز
فإني تارك لهما جميعاومعتزل كما اعتزل ابن كوز
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة

أخبرني عمّي قال: حدّثني الكرانيّ، عن العمريّ عن الهيثم بن عديّ، قال: أصاب يحيى بن الحكم جارية في غزاة الصائفة، بها وضح، فقال: أعطوها أيمن بن خريم، وكان موضحا، فنصب وأنشأ يقول:

تركت بني مروان تندى أكفّهموصاحبت يحيى ضلّة من ضلاليا
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة
فإنك لو أشبهت مروان لم تقللقومي هجرا أن أتوك ولاليا
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة

وانصرف عنه، فأتى عبد العزيز بن مروان، وكان يحيى محمقا.

حدّثني محمد بن العباس اليزيديّ، قال: حدّثني عمي الفضل، قال: حدّثني مصعب الزبيريّ عن أشياخه أن عبد الملك بن مروان قال: يا معشر الشعراء تشبّهوننا مرة بالأسد الأبخر، ومرة بالجبل الأوعر، ومرة بالبحر الأجاج، ألا قلتم فينا كما قال أيمن بن خريم في بني هاشم:

نهاركم مكابدة وصوموليلكم صلاة واقتراء
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة
وليتم بالقران وبالتزكّيفأسرع فيكم ذاك البلاء
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة
بكى نجد غداة غد عليكمومكة والمدينة والجواء
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة
وحقّ لكل أرض فارقوهاعليكم لا أبالكم البكاء
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة
أأجعلكم وأقواما سواءوبينكم وبينهم الهواء
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة
وهم أرض لأرجلكم وأنتملأرؤسهم وأعينهم سماء
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة

أخبرني الحسن بن عليّ، عن أحمد بن زهير، عن أبي همام الوليد بن شجاع، قال: حدثنا عبد اللّه بن إدريس، قال: أصاب أيمن بن خريم امرأة له خطأ - يعني قتلها - فوادها عبد الملك بن مروان: أعطى ورثتها ديتها، وكفّر عنه كفارة القتل، وأعطاه عدّة جوار، ووهب له مالا، فقال أيمن:

رأيت الغواني شيئا عجابالو انس منّي الغواني الشبابا
ولكنّ جمع العذاري الحسانعناء شديد إذا المرء شابا
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة
ولو كلت بالمدّ للغانياتوضاعفت فوق الثياب ثيابا
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة
إذا لم تنلهن من ذاك ذاكبغينك عند الأمير الكذابا
يذدن بكل عصا ذائدويصبحن كل غداة صعابا
إذا لم يخالطن كلّ الخلاطتراهنّ مخرنطمات عضابا
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة
علام يكحّلن حور العيونويحدثن بعد الخضاب الخضابا
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة
ويعركن بالمسك أجيادهنّويدنين عند الحجال العيابا
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة
ويغمزن إلّا لما تعلمونفلا تحرموا الغانيات الضّرابا

قال: فبلغني أن عبد الملك أنشد هذا الشعر، فقال: نعم الشفيع أيمن لهنّ.

وأخبرني أحمد بن عبد العزيز عن عمر بن شبة وإبراهيم بن أيوب عن ابن قتيبة، قال: قال له عبد الملك لما أنشده هذا الشعر: ما وصف النساء أحد مثل صفتك، ولا عرّفهنّ أحد معرفتك. قال: فقال له: لئن كنت صدقت في ذلك لقد صدق الّذي يقول:

صوت

فإن تسألوني بالنساء فإننيخير بأدواء النساء طبيب
للشاعر عبد الله بن علي الخليلي، من قصيدة «رأي الجمهور»
إذا شاب رأس المرء أو قلّ مالهفليس له في ودّهنّ نصيب
للشاعر عبد الله بن علي الخليلي، من قصيدة «رأي الجمهور»
يردن ثراء المال حيث علمنهوشرخ الشباب عندهن عجيب
للشاعر علقمة الفحل، من قصيدة «طحا بك قلب في الحسان طروب»

فقال له عبد الملك: قد لعمري صدقتما وأحسنتما، الشعر لعلقمة بن عبدة، والغناء لبسباسة، ولحنه خفيف ثقيل أول بالوسطى عن حبش. وهذه الأبيات يقولها علقمة بن عبدة يمدح بها الحارث ويسأله إطلاق ابنه شأس.

وخبره يذكر وخبر الحارث بعد انقضاء أخبار أيمن بن خريم.

رجع الحديث إلى أخبار أيمن

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ، قال: حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدّثني المدائنيّ عن أبي بكر الهذليّ، قال: دخل نصيب يوما إلى عبد العزيز بن مروان، فأنشده قصيدة له امتدحه بها فأعجبته، وأقبل على أيمن بن خريم فقال: كيف ترى شعر مولاي هذا؟ قال: هو أشعر أهل جلدته. فقال: هو أشعر واللّه منك. قال أمنّي أيها الأمير؟.

فقال: إي واللّه، قال: لا واللّه، ولكنك طرف ملول، فقال له: لو كنت كذلك ما صبرت على مؤاكلتك منذ سنة وبك من البرص ما بك، فقال: ائذن لي أيها الأمير في الانصراف، قال: ذلك إليك، فمضى لوجهه حتى لحق ببشر بن مروان، وقال فيه:

ركبت من المقطّم في جمادىإلى بشر بن مروان البريدا
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة
ولو أعطاك بشر ألف ألفرأى حقا عليه أن يزيدا
أمير المؤمنين أقم ببشرعمود الدين إنّ له عمودا
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة
ودع بشرا يقوّمهم ويحدثلأهل الزيغ إسلاما جديدا
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة
وإنّا قد وجدنا أمّ بشركأمّ الأسد مذكارا ولودا
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة
كأنّ التاج تاج أبي هرقلجلوه لأعظم الأيام عيدا
يحالف لونه ديباج بشرإذا الألوان حالفت الخدودا

- يعرض بنمش كان بوجه عبد العزيز - فقبّله بشر بن مروان ووصله، ولم يزل أثيرا عنده.

أخبرني عمّي، قال: حدّثني الكرانيّ، وأبو العيناء عن العتبي، قال: لما أتى أيمن بن خريم بشر بن مروان نظر الناس يدخلون عليه أفواجا، فقال من يؤذن لنا الأمير أو يستأذن لنا عليه؟ قيل له: ليس على الأمير حجاب ولا ستر، فدخل وهو يقول:

يرى بارزا للناس بشر كأنهإذا لاح في أثوابه قمر بدر
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة
ولو شاء بشر أغلق الباب دونهطماطم سود أو صقالبة شقر
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة
أبى ذا ولكن سهّل الإذن للتييكون له في غبّها الحمد والشكر
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة

فضحك إليه بشر، وقال: إنا قوم نحجب الحرم، وأما الأموال والطعام فلا، وأمر له بعشرة آلاف درهم.

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي أبو دلف، قال: حدّثني الرياشي، قال: حدثنا الأصمعي عن المعتمد بن سليمان، قال: لما طالت الحرب بين غزالة وبين أهل العراق وهم لا يغنون شيئا - قال أيمن بن خريم:

أتينا بهم مائتي فارسمن السافكين الحرام العبيطا
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة
وخمسون من مارقات النساء يسحبن للمنديات المروطا
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة
وهم مائتا ألف ذي قونسيئط العراقان منهم أطيطا
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة
رأيت غزالة إن طرّحتبمكة هودجها والغبيطا
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة
سمت للعراقين في جمعهافلاقى العراقان منها بطيطا
ألا يستحي اللّه أهل العراق إن قلدّوا الغانيات السّموطا؟
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة
وخيل غزالة تسبي النّساءوتحوي النّهاب وتحوي النبيطا
ولو أنّ لوطا أمير لكملأسلمتم في الملّمات لوطا
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة

صوت

تصابيت أم هاجت لك الشوق زينبوكيف تصابي المرء والرأس أشيب!
إذا قربت زادتك شوقا بقربهاوإن جانبت لم يسل عنها التجنّب
فلا اليأس إن ألممت يبدو فترعويولا أنت مردود بما جئت تطلب
وفي اليأس لو يبدو لك اليأس راحةوفي الأرض عمّن لا يؤاتيك مذهب

الشعر لححيّة بن المضرب الكنديّ، فيما ذكره إسحاق والكوفيون. وذكر الزبير بن بكّار أنه لإسماعيل بن يسار، وذكر غيره أنه لأخيه أحمد بن يسار. والغناء ليونس الكاتب، ولحنه من الثقيل الثاني بإطلاق الوتر في مجرى البنصر، وفيه ثقيل أول بالبنصر. ذكر حبش أنه لمالك، وذكر غيره أنه لمعبد.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»