من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار لأم جعفر
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
أخبرني محمد بن يحيى الصوليّ، قال: حدثنا العلائيّ، قال: حدّثني محمد بن أبي العتاهية، قال: لما جلس الأمين في الخلافة أنشده أبو العتاهية:
يا بن عمّ النبيّ خير البريّةإنّما أنت رحمة للرّعيّه
يا إمام الهدى الأمين المصفّىبلباب الخلافة الهاشميه
لك نفس أمّارة لك بالخير وكفّ بالمكرمات نديّه
إنّ نفسا تحملت منك ما حمّلت للمسلمين نفس قوية
قال: ثم خرج إلى دار أم جعفر، فقالت له: أنشدني ما أنشدت أمير المؤمنين، فأنشدها.
فقالت: أين هذا من مدائحك في المهديّ والرشيد؟ فغضب وقال: إنما أنشدت أمير المؤمنين ما يستملح، وأنا القائل فيه:
يا عمود الإسلام خير عمودوالّذي صيغ من حياء وجود
والّذي فيه ما يسلّي ذوي الأحزان عن كلّ هالك مفقود
إنّ يوما أراك فيه ليومطلعت شمسه بسعد السعود
فقالت له: الآن وفيت المديح حقه، وأمرت له بعشرة آلاف درهم.
أخبرني محمد بن يحيى، قال: حدّثني محمد بن موسى اليزيديّ، قال: حدّثني محمد بن الفضل، قال: كان المأمون يوجّه إلى أمّ جعفر زبيدة في كل سنة بمائة ألف دينار جدد وألف ألف درهم، فكانت تعطي أبا العتاهية منها مائة دينار وألف درهم، فأغفلته سنة، فدفع إليّ رقعة وقال: ضعها بين يديها فوضعتها، وكان فيها:
خبّروني أنّ في ضرب السّنهجددا بيضا وصفرا حسنه
سككا قد أحدثت لم أرهامثل ما كنت أرى كلّ سنه
فقالت: إنا للّه! أغفلناه. فوجّهت إليه بوظيفة على يدي.
حدّثني محمد بن موسى، قال، حدثنا جعفر بن الفضل الكاتب، قال: أحسّت زبيدة من المأمون بجفاء، فوجهت إلى أبي العتاهية تعلمه بذلك، وتأمره أن يعمل فيه أبياتا تعطفه عليها، فقال:
صوت
ألا إنّ ريب الدهر يدني ويبعدويؤنس بالآلاف طورا ويفقد
أصابت لريب الدهر مني يدي يديفسلّمت للأقدار واللّه أحمد
وقلت لريب الدهر إن ذهبت يدفقد بقيت والحمد للّه لي يد
إذا بقي المأمون فالرشيد ليولي جعفر لم يفقدا ومحمد
الغناء لعلّويه.
قال: فحسن موقع الأبيات منه، وعاد لها المأمون إلى أكثر مما كان لها عليه.
وجدت في كتاب محمد بن الحسن الكاتب.
حدّثني هارون بن مخارق، قال: حدّثني أبي، قال: ظهرت لأم جعفر جفوة من المأمون، فبعثت إليّ بأبيات وأمرتني أن أغني فيها المأمون إذا رأيته نشيطا وأسنت لي الجائزة، وكان كاتبها قال الأبيات، ففعلت، فسألني المأمون عن الخبر فعرّفته، فبكى ورقّ لها، وقام من وقته فدخل إليها فأكبّ عليها، وقبلت يديه، وقال لها: يا أمّه، ما جفوتك تعمّدا، ولكن شغلت عنك بما لا يمكن إغفاله، فقالت: يا أمير المؤمنين، إذا حسن رأيك لم يوحشني شغلك، وأتمّ يومه عندها، والأبيات:
ألا إن ريب الدهر يدني ويبعدويؤنس بالآلاف طورا ويفقد
وذكر باقي الأبيات مثل ما في الخبر الأول:
أخبرني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحسن بن على الرازي، قال: حدّثني أبو سهل الرازقي عن أبيه، قال: عمل أبو العتاهية شعرا على لسان زبيدة بأمرها لمّا قدم المأمون بغداد، أوله:
لخير إمام قام من خير عنصروأفضل راق فوق أعواد منبر
فذكر محمد بن أحمد بن المرزبان عن بعض كتاب السلطان: أن المأمون لمّا قدم مدينة السّلام واستقرّت به الدار، وانتظمت له الأمور، أمرت أم جعفر كاتبا لها فقال هذه الأبيات، وبعثت بها إلى علّويه، وسألته أن يصنع فيها لحنا، ويغني فيه المأمون ففعل، وكان ذلك مما عطفه عليها، وأمرت لعلويه بعشرين ألف درهم. وقد روي أن الأبيات الّتي أولها: يا عمود الإسلام خير عمود لعيسى بن زينب المراكبي.
أخبرني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحسين بن يحيى الكاتب، قال: حدثنا عليّ بن نجيح، قال: حدّثني صالح بن الرشيد، قال: كنا عند المأمون يوما وعقيد المغني وعمرو بن بانة يغنيان، وعيسى بن زينب المراكبي حاضر، وكان مشهورا بالإبنة، فتغنّى عقيد بشعر عيسى:
يا عمود الإسلام خير عمودوالّذي صيغ من حياء وجود
لك عندي في كل يوم جديدطرفة تستفاد يا بن الرشيد
فقال المأمون لعقيد: أنشد باقي هذا الشعر، فقال: أصون سمع أمير المؤمنين عنه، فقال: هاته ويحك! فقال:
كنت في مجلس أنيق وريحان وراح ومسمعات وعود
فتغنّى عمرو بن بانة إذا ذاك وهو ممسك بأير عقيد
يا عمود الإسلام خير عمودوالّذي صيغ من حياء وجود
فتنفست ثم قلت كذا كلّمحبّ صبّ الفؤاد عميد
فقال المأمون لعيسى بن زينب: واللّه لا فارقتك حتى تخبرني عن تنفّسك عند قبض عمرو على أير عقيد: لأيّ شيء هو؟ لا بدّ من أن يكون ذلك إشفاقا عليه، أو على أن تكون مثله، لعن اللّه تنفسك هذا يا مريب! قال: وإنما سمّي المراكبيّ لتوليه مراكب المنصور، وأمه زينب بنت بشر صاحب طاقات بشر بباب الشام.
صوت
لقيت من الغانيات العجابالو ادرك مني العذارى الشبابا
غلام يكحّلن حور العيونويحدثن بعد الخضاب الخضابا
ويبرقن إلّا لما تعلمونفلا تمنعنّ النساء الضرابا
الشعر لأيمن بن خزيم بن فاتك الأسدي، والغناء لإبراهيم الموصليّ، ولحنه من الثقيل الأول بالسبابة في مجرى الوسطى من رواية الهشامي.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع