من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار سلمة بن عياش
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
سلمة بن عياش مولى بني حسل بن عامر بن لؤي. شاعر بصريّ من مخضرمي الدولتين، وكان يتديّن ويتصون، وانقطع إلى جعفر ومحمد ابني سليمان بن علي بن عبد اللّه بن عباس، ومدحهما فأكثر وأجاد.
وممّا مدحهما به وفيه غناء قوله:
صوت
أرقت وطالت ليلتي بأبانلبرق سرى بعد الهدوء يمان
يضيء بأعلام المدينة همّداإلى أمج فالطلح طلح قنان
غنى في هذين البيتين دحمان، ولحنه ثقيل أول بالوسطى عن عمرو، قال: وفيه لحن لعطرّد يقول فيها:
وردت خليجي جعفر ومحمدوكلّ بديء من نداه سقاني
وإني لأرجو جعفرا ومحمدالأفضل ما يرجى له ملكان
هما ابنا رسول اللّه وابنا ابن عمّهفقد كرم الجدّان والأبوان
ومنها ما ذكره محمد بن داود بن الجراح قوله:
صوت
أنار بدت وهنا لعينك ترمضببغداد أم سار من البرق مومض؟
يضيء سناه مكفهرّا كأنهحناتم سود أو عشار تمخّض
غنى فيهما عطرّد ثقيلا أول؛ بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى عن إسحاق يقول فيها:
ولو لا انتظاري جعفرا ونوالهلما كان في بغداد ما أتبرّض
وقد وجدت هذا الشعر لابن المولى في جامع شعره من قصيدة له، وأظن ذلك الصحيح، لا ما ذكر محمد بن داود من أنها لسلمة بن عياش.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ، قال: حدثنا عمر بن شبة وغيره، قال: قال سلمة بن عياش - وذكر محمد بن داود، عن عسل بن ذكوان، عن أبي حاتم، عن الأصمعيّ، عن سلمة بن عياش مولى بني عامر بن لؤيّ - قال: دخلت على الفرزدق السجن، وهو محبوس، وقد قال قصيدته:
إنّ الّذي سمك السماء بنى لنابيتا دعائمه أعزّ وأطول
وقد أفحم وأجبل، فقلت له: ألا أرفدك؟ فقلت: وهل ذاك عندك؟ فقلت: نعم، ثم قلت:
بيت زرارة محتب بفنائهومجاشع وأب الفوارس نهشل
فاستجاد البيت وغاظه قولي له، فقال لي: ممن أنت؟ فقلت: من قريش، فقال: كل أير حمار من قريش! فمن أيّها أنت؟ قلت: من بني عامر بن لؤي، قال: لئام واللّه رضعة، جاورتهم بالمدينة فما أحمدتهم، فقلت: ألأم واللّه منهم قومك وأرضع. جاء رسول مالك بن المنذر وأنت سيدهم وشاعرهم، فأخذ بأذنك يقودك حتى احتبسك فما اعترضه أحد، ولا نصرك، فقال: قاتلك اللّه ما أكرمك! وأخذ البيت، فأدخله في قصيدته.
أخبرنا وكيع، قال: أخبرني محمد بن سعد الكرّانيّ، قال: حدثنا سهل بن محمد، قال: حدّثني العتبيّ، قال كان سلمة بن عياش وأبو سفيان بن العلاء عند محمد بن سليمان، وجارية تغنّيهم وتسقيهم يقال لها: بربر، فقال سلمة:
إلى اللّه أشكو ما ألاقي من القلىلأهلي وما لاقيت من حبّ بربر
على حين ودّعت الصبابة والصباوفارقت أخداني وشمّرت مئزري
نأى جعفر عنّا وكان لمثلهاوأنت لنا في النائبات كجعفر
قال: فقال محمد بن سليمان لسلمة: خذها، هي لك، فاستحيا وارتدع، وقال: لا أريدها فألحّ عليه في أخذها، فقال: أعتق ما أملك إن أخذتها، فقال له أبو سفيان: يا سخين العين، أعتق ما تملك وخذها، فهي خير من كلّ ما تملك، فلما مات أبو سفيان رثاه سلمة فقال:
لعمرك لا تعفو كلوم مصيبةعلى صاحب إلّا فجعت بصاحب
تقطع أحشائي إذا ما ذكرتكموتنهلّ عيني بالدموع السواكب
وكنت امرأ جلدا على ما ينوبنيومعترفا بالصبر عند المصائب
فهدّ أبو سفيان ركني ولم أكنجزوعا ولا مستنكرا للنوائب
غنينا معا بضعا وستين حجّةخليلي صفاء ودّنا غير كاذب
فأصبحت لمّا حالت الأرض دونهعلى قربه منّي كمن لم أصاحب
وذكر محمد بن داود عن عسل بن ذكوان أن محمد بن سليمان قال له: اختر ما شئت غيرها، لأن أبا أيوب قد وطئها.
أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال: حدّثني محمد بن يزيد النحويّ، قال: حدّثت من غير وجه عن سلمة بن عياش أنه قال: قلت لأبي حيّة النميري أهزأ به: ويحك يا أبا حية! أتدري ما يقول الناس؟ قال: لا، قلت: يزعمون أني أشعر منك، قال: إنا للّه! هلك واللّه الناس.
وفي بربر هذه يقول سلمة بن عياش، وفيه غناء، وذكر عمر بن شبة أنه لمطيع ابن إياس:
صوت
أظنّ الحبّ من وجدىسيقتلني على بربر
وبربر درّة الغواص من يملكها يحبر
فخافي اللّه يا بربرفقد أفتنت ذا العسكر
بحسن الدّلّ والشكلوريح المسك والعنبر
ووجه يثبه البدروعيني جؤذر أحور
فيه لحكم ثلاثة ألحان: رمل مطلق في مجرى الوسطى عن إسحاق، وخفيف رمل عن هارون بن الزيات، وهزج عن أبي أيوب المدني.
أخبرني إسماعيل بن يونس، قال: حدثنا عمر بن شبة، قال بربر جارية آل سليمان أعتقت، وكان لها جوار مغنيات، فيهن جارية اسمها جوهر، وكان في البصرة فتى يعرف بالصحّاف، حسن الوجه، فبلغ مطيع بن إياس أنه بات مع جوهر جارية بربر، فغاظه ذلك، فقال:
ناك واللّه جوهر الصحّافوعليها قميصها الأفواف
شام فيها أيرا له ذا صلاعلم يخنه نقص ولا إخطاف
زعموها قالت وقد غاب فيهاقائما في قيامه استحصاف
وهو في جارة استها يتلظّىوبها شهوة له والتهاف
بعض هذا مهلا ترفق قليلاما كذا يا فتى تناك الظّراف
قال: وقال فيها، وقد وجّهت بجواريها إلى عسكر المهدي:
خافي اللّه يا بربرفقد أفسدت ذا العسكر
أفضت الفسق في الناسفصار الفسق لا ينكر
ومن ذا يملك الناسإذا ما أقبلت بربر؟
وأعطاف جواريهاكريح المسك والعنبر
وجوهر درّة الغواص من يملكها يحبر
ألا يا جوهر القلبلقد زدت على الجوهر
وقد أكملك اللّهبحسن الدلّ والمنظر
إذا غنّيت يا أحسنخلق اللّه بالمزهر
فهذا حزنا يبكيوهذا طربا يكفر
وهذا يشرب الكأسوذا من فرح ينعر
ولا واللّه ما المهديّأولى منك بالمنبر
فما عشت ففي كفيكخلع ابن أبي جعفر
قال: فبلغ ذلك المهدي، فضحك وأمر لمطيع بصلة، وقال: أنفق هذا عليها، وسلها ألا تخلعنا ما عاشت.
قال: وفي جوهر يقول مطيع:
جارية أحسن من حليهاوفيه فضل الدّر والجوهر
وجرمها أطيب من طيبهاوالطّيب فيه المسك والعنبر
جاءت بها بربر ممكورةيا حبذا ما جلبت بربر
قال: وقال فيها:
أنت يا جوهر عندي جوهرهفي بياض الدّرة المشتهره
وإذا غنّت فنار أضرمتقدحت في كلّ قلب شرره
صوت
يا عمود الإسلام خير عمودوالّذي صيغ من حياء وجود
إن يوما أراك فيه ليومطلعت شمسه بسعد السعود
الشعر لأبي العتاهية يمدح محمد الأمين، والغناء لإسحاق، ثقيل أول بالبنصر عن عمرو بن بانة وإسحاق.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع