تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

خبر إسحاق مع غلامه زياد

فيه ١٨ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

هذا الشعر يقوله إسحاق في غلام له مملوك خلاسيّ، يقال له: زياد. كان مولّدا من مولّدي المدينة، فصيحا ظريفا، فجعله ساقيه، وذكره هو وغيره في شعره. فممّن ذكره من الشعراء دعبل، وله يقول: أخبرني بذلك عليّ بن سليمان الأخفش، عن أبي سعيد السّكريّ قال: كان زياد الّذي يذكره إسحاق في عدة مواضع، منها قوله:

وقولا لساقينا زياد يرقّها

- وكان نظيف السّقي لبقا، فقال فيه دعبل:

يقول زياد قف بصحبك مرةعلى الرّبع، مالي والوقوف على الربع!
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «يقول زياد قف بصحبك مرة»

صوت

أدرها على فقد الحبيب فربّماشربت على نأى الأحبة والفجع
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «يقول زياد قف بصحبك مرة»
فما بلغتني الكأس إلّا شربتهاوإلّا سقيت الأرض كأسا من الدمع
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «يقول زياد قف بصحبك مرة»

غنى في البيت الثاني والثالث من هذه الأبيات محمد بن العباس بن عبد اللّه بن طاهر لحنا من خفيف الثقيل الأول بالبنصر.

نسبة الصوت إلى غير إسحاق:

قال أبو الحسن: وقد قيل: إن هذين البيتين - يعني:

خليليّ هبّا نصطبح بسواد

- للأخطل.

أخبرني عليّ بن سليمان، قال: حدّثني أبي، قال: قال لي جعفر بن معروف الكاتب - وكان قد جاوز مائة سنة: لقد شهدت إسحاق يوما في مجلس أنس وهو يتغنّى هذا الصوت:

خليليّ هبّا نصطبح بسواد

وغلامه زياد جالس على مسورة يسقي، وهو يومئذ غلام أمرد أصفر، رقيق البدن حلو الوجه. ثم أخذ يراجعه ولا أحد يستطيع يقول له: زدني ولا انقصني.

أخبرني عليّ بن صالح بن الهيثم الأنباريّ، قال: حدّثني أحمد بن الهيثم، يعني جدّ أبي - رحمه اللّه - قال: كنت ذات يوم جالسا في منزلي بسرّ من رأى وعندي إخوان لي، وكان طريق إسحاق في مضيّه إلى دار الخليفة ورجوعه منها على منزلي، فجاءني الغلام يوما وعندي أصدقاء لي فقال لي: إسحاق بن إبراهيم الموصلي بالباب، فقلت له: ويلك! يدخل، أوفى الخلق أحد يستأذن عليه لإسحاق!.

فذهب الغلام وبادرت أسعى في أثره حتى تلقيته، فدخل وجلس منبسطا آنسا، فعرضنا عليه ما عندنا، فأجاب إلى الشّرب، فأحضرناه نبيذا مشمّسا فشرب منه، ثم قال: أتحبون أن أغنّيكم؟ قلنا: إي واللّه أطال اللّه بقاءك، إنا نحب ذلك. قال: فلم لم تسألوني؟ قلنا: هبناك واللّه، قال: فلا تفعلوا، ثم دعا بعود فأحضرناه، فاندفع فغنانا، فشربنا وطربنا. فلما فرغ قال: أحسنت أم لا؟ فقلنا: بلى واللّه، جعلنا اللّه فداءك لقد أحسنت. قال: فما منعكم أن تقولوا لي: أحسنت!.

قلنا: الهيبة واللّه لك، قال: فلا تفعلوا هذا فيما تستأنفون، فإنّ المغنّي يحب أن يقال له: غنّ، ويحبّ أن يقال له إذا غنّى: أحسنت، ثم غنانا صوته:

خليليّ هبّا نصطبح بسواد

فقلنا له: يا أبا محمد، من هو زياد الّذي عنيته؟ قال: هو غلامي الواقف بالباب، ادعوه يا غلمان، فأدخل إلينا، فإذا غلام خلاسيّ، قيمته عشرون دينارا أو نحوها. فأمسكنا عنه، فقال: أتسألوني عنه فأعرّفكم إياه ويخرج كما دخل، وقد سمعتم شعري فيه وغنائي؟ أشهدكم أنه حرّ لوجه اللّه، وأنّي زوّجته أمتي فلانة، فأعينوه على أمره.

قال: فلم يخرج حتى أوصلنا إليه عشرين ألف درهم، أخرجناها له من أموالنا.

أخبرني يحيى بن عليّ بن يحيى قال: حدّثني أبي، قال: توفي زياد غلام إسحاق الّذي يقول فيه:

وقولا لساقينا زياد يرقها

فقال إسحاق يرثيه:

فقدنا زيادا بعد طول صحابةفلا زال يسقي الغيث قبر زياد
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة
ستبكيك كأس لم تجد من يديرهاوظمآن يستبطي الزجاجة صاد
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة

أخبرني عمي، قال: حدّثني ابن المكي عن أبيه، قال: اصطبح محمد الأمين ذات يوم، وأمر بالتوجيه إلى إسحاق، فوجّه إليه عدّة رسل، كلهم لا يصادفه، حتى جاء أحدهم به، فدخل منتشيا ومحمد مغضب. فقال له: أين كنت ويلك! قال: أصبحت يا أمير المؤمنين نشيطا، فركبت إلى بعض المتنزهات، فاستطبت الموضع وأقمت فيه وسقاني زياد، فذكرت أبياتا للأخطل وهو يسقيني، فدار لي فيها لحن حسن فصنعته فيها، وقد جئتك به. فتبسّم، ثم قال: هات، فما تزال تأتي بما يرضي عنك عند السخط، فغناه:

صوت

إذا ما زياد علني ثم علّنيثلاث زجاجات لهنّ هدير
خرجت أجرّ الذيل زهوا كأننيعليك أمير المؤمنين أمير

قال: بل على أبيك، قبح اللّه فعلك، فما يزال إحسانك في غنائك يمحو إساءتك في فعلك، وأمر له بألف دينار.

الشعر في هذين البيتين للأخطل، والغناء لإسحاق، رمل بالبنصر. ورواية شعر الأخطل:

إذا ما نديمي علّني ثم علّني

وإنما غيّره إسحاق فقال: «إذا ما زياد».

أخبرني عليّ بن سليمان عن محمد بن يزيد النحويّ: أن عبد الملك بن مروان قال للأخطل: ما يدعوك إلى الخمر؟ فو اللّه إن أولها لمرّ، وإنّ آخرها لسكر! قال: أجل، ولكن بينهما حالة، ما ملكك عندها بشيء، وقد قلت في ذلك:

إذا ما نديمي علّني ثم علّنيثلاث زجاجات لهنّ هدير
خرجت أجرّ الذيل زهوا كأننيعليك أمير المؤمنين أمير

قال: فجعل عبد الملك يضحك.

صوت

أشارت بطرف العين خيفة أهلهاإشارة مخزون ولم تتكلم
للشاعر يزيد بن معاوية، من قصيدة «خذوا بدمي ذات الوشاح فإنني»
فأيقنت أن الطرف قد قال مرحباوأهلا وسهلا بالحبيب المسلّم
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «ألا قل لهند إحرجي وتأثمي»
هنيئا لكم حبّي وصفو مودّتيفقد سيط من لحمي هواك ومن دمي

الشعر لعمر بن أبي ربيعة، والغناء لابن عائشة ثاني ثقيل بالبنصر، وفيه لدحمان ثقيل أول بالبنصر. ويقال: إنه لابن سريج، وقيل: إن الثقيل الأول لابن عائشة، والثقيل الثاني لابن سريج، وفيه خفيف ثقيل أول، ينسب إلى ابن سريج وإلى علي بن الجواريّ.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»