من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
خبر لحبابة مع ابن عائشة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
أخبرني الحسن بن يحيى وابن أبي الأزهر، عن حماد بن إسحاق، عن أبيه، عن المدائنيّ، قال: كانت حبابة جارية يزيد بن عبد الملك معجبة بغناء ابن عائشة، وكان ابن عائشة حديث السن، فلما طال عهدها به اشتاقت إلى أن تسمع غناءه، فلم تدر كيف تصنع، فاختلفت هي وسلّامة في صوت لمعبد، فأمر يزيد بإحضاره ووجّه في ذلك رسولا، فبعثت حبابة إلى الرسول سرّا فأمرته أن يأتي ابن عائشة وأمير المدينة في خفاء، ويبلغهما رسالتها بالخروج مع معبد سرّا، وقالت: قل لهما يستران ذلك عن أمير المؤمنين.
فلما قدم الرسول إلى عامل المدينة أبلغه ما قالت حبابة، فأمر ابن عائشة بالرحلة مع معبد، وقال لمعبد: انظر ما تأمرك به حبابة فانتبه إليه، فقال: نعم، فخرجا حتى قدما على يزيد، وبلغ الخبر حبابة فلم تدر كيف تصنع في أمر ابن عائشة. فلما حضر معبد حاكمت سلّامة إليه، فحكم لها، فاندفعت فغنت صوتا لابن عائشة، وفيه لابن سريج لحن، ولحن ابن عائشة أشهرهما، وهو:
أشارت بطرف العين خيفة أهلها
فقال يزيد: يا حبيبتي؛ أنّي لك هذا ولم أسمعه منك، وهو على غاية الحسن؟ إنّ لهذا لشأنا، فقالت: يا أمير المؤمنين، هذا لحن كنت أخذته عن ابن عائشة، قال: ذلك الصبي! قالت: نعم، وهذا أستاذه - وأشارت بيدها إلى معبد - فقال لمعبد: أهذا لحن ابن عائشة أو انتحله؟ فقال معبد: هذا - أصلح اللّه الأمير - له، فقال يزيد: لو كان حاضرا ما كرهنا أن نسمع منه، فقال معبد: هو واللّه معي لا يفارقني، فقال يزيد: ويلك يا معبد! احتملنا الساعة أمرك، فزدتنا ما كرهنا، ثم قال لحبابة: هذا واللّه عملك، قالت: أجل يا سيدي، قال لها: هذه الشام، ولا تحتمل لنا ما تحتمله المدينة. قالت: يا سيدي أنا واللّه أحب أن أسمع من ابن عائشة، فأحضر، فلما دخل قال له: هات صوتا غنته حبابة:
أشارت بطرف العين خيفة أهلها
فغنّاه، فقال: هو واللّه يا حبابة منه أحسن منك، قالت: أجل يا سيدي، ثم قال يزيد: هات يا محمد ما عندك، فغنى:
صوت
قف بالمنازل قبل أن نتفرقاواستنطق الربع المحيل المخلقا
عن علم ما فعل الخليط لعلهبجواب رجع حديثهم أن ينطقا
فيبين من أخبارهم لمتيمّأمسى وأصبح بالرسول معلّقا
كلفا بها أبدا تسحّ دموعهوسط الديار مسائلا مستنطقا
ذرفت له عين يرى إنسانهافي لجّة من مائها مغرورقا
تقري محاجرها الدموع كأنّهادرّ وهي من سلكه مستوسقا
الغناء لابن عائشة، ولحنه من الثقيل الأول بالوسطى، وفيه لشاربة خفيف رمل مطلق في مجرى الوسطى، ويقال:
إن فيه لابن جندب وحنين لحنين، قال: فقال له يزيد: أهلا وسهلا بك يا بن عائشة، فأنت واللّه الحسن الوجه، الحسن الغناء. وأحسن إليه ووصله.
ثم لم يره يزيد بعد هذا المجلس، وبعثت إليه حبابة ببرّ وألطاف واتّبعتها سلامة في ذلك.
صوت
لما سمعت الديك صاح بسحرةوتوسط النسران بطن العقرب
وبدا سهيل في السماء كأنهنور وعارضه هجان الرّبرب
نبّهت ندماني وقلت له اصطبحيا بن الكرام من الشراب الطيب
صفراء تبرق في الزجاج كأنهاحدق الجرادة أو لعاب الجندب
الشعر لأبي الهنديّ، والغناء لإبراهيم الموصليّ، ثاني ثقيل بالبنصر عن عمرو.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع