تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

متمم العبدي والجويرية

أخبرني الحسين بن يحيى المراديّ عن حماد بن إسحاق عن أبيه قال: حدثني متمم العبديّ قال: خرجت من مكة زائرا لقبر النبي صلّى اللّه عليه وسلم، فإنى لبسوق الجحفة إذا جويرية تسوق بعيرا، وتترنّم بصوت مليح طيّب حلو في هذا الشعر:

ألا أيها البيت الذي حيل دونهبنا أنت من بيت وأهلك من أهل
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «لقد فرح الواشون أن صرمت حبلي»
بنا أنت من بيت وحولك لذّةوظلّك لو يسطاع بالبارد السهل
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «لقد فرح الواشون أن صرمت حبلي»
ثلاثة أبيات فبيت أحبّهوبيتان ليسا من هواي ولا شكلي
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «لقد فرح الواشون أن صرمت حبلي»

فقلت: لمن هذا الشعر يا جويرية؟ قالت: أما ترى تلك الكوّة الموقّاة بالكلّة الحمراء؟ قلت: أراها، قالت: من هناك نهض هذا الشعر، قلت: أو قائله في الأحياء؟ قالت: هيهات، لو أنّ لميّت أن يرجع لطول غيبته لكان ذلك، فأعجبني فصاحة لسانها ورقة ألفاظها، فقلت لها: ألك أبوان؟ فقالت: فقدت خيرهما وأجلّهما، ولي أم، قلت: وأين أمّك؟ قالت: منك بمرأى ومسمع، قال: فإذا امرأة تبيع الخرز على ظهر الطريق بالجحفة، فأتيتها، فقلت: يا أمّتاه، استمعي مني، فقالت لها: يا أمّه، فاستمعي من عمّي ما يلقيه إليك، فقالت: حيّاك اللّه، هيه، هل من جائية خبر؟ قلت: أهذه ابنتك؟ قالت: كذا كان يقول أبوها، قلت: أفتزوّجينها؟ قالت: ألعلّة رغبت فيها؟

فما هي واللّه من عندها جمال، ولا لها مال، قلت: لحلاوة لسانها وحسن عقلها، فقالت: أيّنا أملك بها؟ أنا أم هي بنفسها؟ قلت: بل هي بنفسها، قالت: فإياها فخاطب، فقلت: لعلها أن تستحي من الجواب في مثل هذا، فقالت: ما ذاك عندها، أنا أخبر بها، فقلت: يا جارية، أما تستمعين ما تقول أمّك؟ قالت: قد سمعت، قلت: فما عندك؟ قالت: أوليس حسبك أن قلت: يا جارية، أما تستمعين ما تقول أمّك؟ قالت: قد سمعت، قلت: فما عندك؟ قالت: أوليس حسبك أن قتلت: إني أستحي من الجواب في مثل هذا، فإن كنت أستحي في شيء فلم أفعله؟ أتريد أن تكون الأعلى وأكون بساطك، لا واللّه لا يشدّ عليّ رجل حواءه وأنا أجد مذقة لبن أو بقلة ألين بها معاي، قال: فورد واللّه عليّ أعجب كلام على وجه الأرض، فقلت: أو أتزوجك والإذن فيه إليك، وأعطى اللّه عهدا أني لا أقربك أبدا إلا عن إرادتك؟ قالت: إذا واللّه لا تكون لي في هذا إرادة أبدا، ولا بعد الأبد إن كان بعده بعد، فقلت: فقد رضيت بذلك، فتزوّجتها، وحملتها وأمّها معي إلى العراق، وأقامت معي نحوا من ثلاثين سنة ما ضممت عليها حواى قطّ، وكانت قد علقت من أغاني المدينة أصواتا كثيرة، فكانت ربما ترنّمت بها، فأشتهيها، فقلت: دعيني من أغانيك هذه فإنها تبعثني على الدنوّ منك. قال: فما سمعتها رافعة صوتها بغناء بعد ذلك، حتى فارقت الدنيا، وإن أمها عندي حتى الساعة، فقلت: ما أدري متى دار في سمعي حديث امرأة أعجب من حديث هذه.

صوت

أيها الناس إن رأيي يريني- وهو الرأي - طوفة في البلاد
بالعوالي وبالقنابل تردىبالبطاريق مشية العوّاد
وبجيش عرمرم عربيّجحفل يستجيب صوت المنادي
من تميم وخندف وإيادوالبهاليل حمير ومراد
فإذا سرت سارت الناس خلفيومعي كالجبال في كلّ واد
سقّني ثم سقّ حمير قوميكأس خمر أولى النّهي والعماد

الشعر لحسّان بن تبّع، والغناء لأحمد النصيبي خفيف ثقيل أول بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق وفيه ليونس لحن من كتابه.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

من «كتاب الأغاني»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.