تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

أخبار عبد بني الحسحاس

فيه ٤٤ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

اسمه سحيم، وكان عبدا أسود نوبيّا أعجميّا مطبوعا في الشعر، فاشتراه بنو الحسحاس، وهم بطن من بني أسد، قال أبو عبيدة: الحسحاس بن نفاثة بن سعيد بن عمرو بن مالك بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة.

قال أبو عبيدة - فيما أخبرنا هاشم بن محمد الخزاعيّ عن أبي حاتم عنه: كان عبد بني الحسحاس عبدا أسود أعجميا، فكان إذا أنشد الشعر - استحسنه أم استحسنه غيره منه - يقول: أهشنت واللّه - يريد أحسنت واللّه - وأدرك النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم، ويقال: إنه تمثّل بكلمات من شعره غير موزونة.

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثنا أحمد بن منصور قال حدثنا الحسن بن موسى قال حدثنا حمّاد ابن سلمة، عن عليّ بن زيد، عن الحسن أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم تمثّل:

كفى بالإسلام والشيب ناهيا

فقال أبو بكر: يا رسول اللّه:

كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا

فجعل لا يطيقه، فقال أبو بكر: أشهد أنك رسول اللّه وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ

قال محمد بن خلف وحدثني أحمد بن شداد عن أبي سلمة التّبوذ كي عن حماد بن سلمة، عن رجل، عن الحسن مثله، وروي عن أبي بكر الهذليّ أن اسم عبد بني الحسحاس حيّة.

وأخبرنا أبو خليفة عن محمد بن سلّام قال: كان عبد بني الحسحاس حلو الشعر رقيق الحواشي، وفي سواده يقول:

وما ضرّ أثوابي سوادي وإنّنيلكالمسك لا يسلو عن المسك ذائقه
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «كسيت ولم املك سوادا وتحته»
كيست قميصا ذا سواد وتحتهقميص من القوهيّ بيض بنائقه
- ويروى: وتحته قميص من الإحسان -

أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدثنا أحمد بن أبي خيثمة قال: أنشدني مصعب بن عبد اللّه الزبيريّ لعبد بني الحسحاس - وكان يستحسن هذا الشعر ويعجب به - قال:

أشعار عبد بني الحسحاس قمن لهعند الفخار مقام الأصل والورق
للشاعر الأمين العباسي، من قصيدة «أشعار عبد بني الحسحاس قمن له»
إن كنت عبدا فنفسي حرّة كرماأو أسود اللون إني أبيض الخلق
للشاعر سحيم، اقرأ القصيدة

وقال الأثرم: حدثني السّريّ بن صالح بن أبي مسهر قال: أخبرني بعض الأعراب، أن أول ما تكلم به عبد بني الحسحاس من الشعر أنهم أرسلوه رائدا فجاء وهو يقول:

أنعت غيثا حسنا نباتهكالحبشيّ حوله بناته

فقالوا: شاعر واللّه، ثم انطلق بالشعر بعد ذلك.

أخبرنا أبو خليفة عن محمد بن سلّام قال: أنشد سحيم عمر بن الخطاب قوله:

عميرة ودّع إن تجهّزت غادياكفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا
للشاعر سحيم، اقرأ القصيدة

فقال عمر: لو قلت شعرك كلّه مثل هذا لأعطيتك عليه.

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال: حدثنا الزبير بن بكار قال: حدثني عبد الملك بن عبد العزيز قال: حدثني خالي يوسف بن الماجشون قال: كان عبد اللّه بن أبي ربيعة عاملا لعثمان بن عفان على الجند، فكتب إلى عثمان: إني قد اشتريت غلاما حبشيّا يقول الشعر، فكتب إليه عثمان: «لا حاجة لي إليه، فاردده، فإنما حظّ أهل العبد الشاعر منه، إن شبع أن يتشبّب بنسائهم، وإن جاع أن يهجوهم»، فردّه فاشتراه أحد بني الحسحاس.

وروى إبراهيم بن المنذر الحزاميّ هذا الخبر عن ابن الماجشون قال: كان عبد اللّه بن أبي ربيعة - مثل ما رواه الزبير - إلا أنه قال فيه: إن جاع هرّ، وإن شبع فرّ.

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال: حدثني أبو بكر العامري عن الأثرم عن أبي عبيدة. وأخبرنا به أبو خليفة عن محمد بن سلّام قال: أنشد عبد بني الحسحاس عمر قوله:

توسّدني كفّا وتثني بمعصمعليّ وتحوي رجلها من ورائيا
للشاعر سحيم، اقرأ القصيدة

فقال عمر: ويلك إنّك مقتول.

أخبرني محمد بن جعفر الصيلانيّ قال: حدثني أحمد بن القاسم قال: حدثني إسحاق بن محمد النّخعيّ، عن ابن أبي عائشة قال: أنشد عبد بني الحسحاس عمر قوله: كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا الإسلام أولا

فقال له عمر: لو قدّمت الإسلام على الشيب لأجزتك.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز وحبيب بن نصر قالا: حدثنا عمر بن شبّة قال: حدثنا معاذ بن معاذ وأبو عاصم عن ابن عون عن محمد بن سيف، أن عبد بني الحسحاس أنشد عمر هذا وذكر الحديث مثل الذي قبله.

أخبرني محمد بن خلف قال: حدثنا إسحاق بن محمد قال: حدثنا عبد الرحمن، ابن أخي الأصمعي عن عمه قال: كان عبد بني الحسحاس قبيح الوجه، وفي قبحه يقول:

أتيت نساء الحارثييّن غدوةبوجه براه اللّه غير جميل
فشبّهنني كلبا ولست بفوقهولا دونه إن كان غير قليل

أخبرني أبو خليفة، عن محمد بن سلّام، قال: أتي عثمان بن عفان بعبد بني الحسحاس ليشتريه فأعجب به فقالوا: إنه شاعر: وأرادوا أن يرغّبوه فيه: فقال: لا حاجة لي به؛ إذا الشاعر لا حريم له، إن شبع تشبّب بنساء أهله، وإن جاع هجاهم، فاشتراه غيره، فلما رحل قال في طريقه:

أشوقا ولمّا تمض لي غير ليلةفكيف إذا سار المطيّ بنا شهرا؟
وما كنت أخشى مالكا أن يبيعنيبشيء ولو أمست أنامله صفرا
أخوكم ومولى مالكم وحليفكمومن قد ثوى فيكم وعاشركم دهرا

فلما بلغهم شعره هذا رثوا له، فاستردّوه.

فكان يشبب بنسائهم، حتى قال:

ولقد تحدّر من كريمة بعضكمعرق على متن الفراش وطيب

قال: فقتلوه.

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال: حدّثنا الزبير بن بكار قال: حدثني عبد الملك بن عبد العزيز عن خاله يوسف بن الماجشون بمثل هذه الرواية وزاد فيها: فلما استردّوه نشب يقول الشعر في نسائهم، فأخبرني من رآه واضعا إحدى رجليه على الأخرى يقرض الشعر ويشبّب بأخت مولاه وكانت عليلة، ويقول:

ماذا يريد السقام من قمركلّ جمال لوجهه تبع!
للشاعر سحيم، اقرأ القصيدة
ما يرتجى خاب من محاسنهاآماله في القباح متّسع!
غيّر من لونها وصفرهافزيد فيه الجمال والبدع
لو كان يبغي الفداء قلت له:ها أنا دون الحبيب يا وجع
للشاعر سحيم، اقرأ القصيدة

أخبرني محمد بن خلف قال: حدثنا أبو بكر العامريّ، عن عليّ بن المغيرة الأثرم قال: قال أبو عبيدة: الذي تناهى إلينا من حديث سحيم عبد بني الحسحاس أنه جالس نسوة من بني صبير بن يربوع، وكان من شأنهم إذا جلسوا للتغزّل أن يتعابثوا بشقّ الثياب وشدّة المغالبة على إبداء المحاسن، فقال سحيم:

كأن الصّبيريّات يوم لقينناظباء حنت أعناقها في المكانس
للشاعر سحيم، اقرأ القصيدة
فكم قد شققنا من رداء منيّرومن برقع عن طفلة غير ناعس
للشاعر سحيم، اقرأ القصيدة
إذا شقّ برد شقّ بالبرد برقععلى ذاك حتى كلّنا غير لابس

فيقال: إنه لما قال هذا الشعر أتّهمه مولاه، فجلس له في مكان كان إذا رعى نام فيه، فلما اضطجع تنفّس الصّعداء، ثم قال:

يا ذكرة مالك في الحاضرتذكرها وأنت في الصادر
للشاعر سحيم، اقرأ القصيدة
من كل بيضاء لها كفلمثل سنام البكرة المائر

قال: فظهر سيّده من الموضع الذي كان فيه كامنا، وقال له: مالك؟ فلجلج في منطقه، فاستراب به، فأجمع على قتله، فلما ورد الماء خرجت إليه صاحبته، فحادثته، وأخبرته بما يراد به، فقام ينفض ثوبه ويعفى أثره، ويلقط رضّا من مسكها كان كسرها في لعبه معها، وأنشأ يقول:

صوت

أتكتم حييتم على النأي تكتماتحية من أمسى بحبّك مغرما
للشاعر سحيم، اقرأ القصيدة
وما تكتمين إن أتيت دنيّةولا إن ركبنا يا بنة القوم محرما
ومثلك قد أبرزت من خدر أمهاإلى مجلس تجرّ بردا مسّهما

الغناء للغريض ثقيل أول بالوسطى وفيه ليحيى المكي ثاني ثقيل، قال:

وماشية مشى القطاة اتّبعتهامن الستر تخشى أهلها أن تكلّما
للشاعر سحيم، اقرأ القصيدة
فقالت: صه يا ويح غيرك إننيسمعت حديثا بينهم يقطر الدّما
فنفضت ثوبيها ونظّرت حولهاولم أخش هذا الليل أن يتصرّما
أعفّى بآثار الثياب مبيتهاوألقط رضّا من وقوف تحطّما

قال: وغدوا به ليقتلوه، فلما رأته امرأة كانت بينها وبينه مودّة ثم فسدت، ضحكت به شماتة فنظر إليها وقال:

فإن تضحكي مني فيا ربّ ليلةتركتك فيها كالقباء المفرّج

فلما قدّم ليقتل قال:

شدّوا وثاق العبد لا يفلتكمإن الحياة من الممات قريب
للشاعر سحيم، اقرأ القصيدة
فلقد تحدّر من جبين فتاتكمعرق على متن الفراش وطيب

قال: وقدّم فقتل. وذكر ابن دأب أنه حفر له أخدود، وألقي فيه، وألقي عليه الحطب فأحرق.

أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال: حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه، عن المدائني عن أبي بكر الهذليّ قال: كان عبد بني الحسحاس يسمّى حيّة، وكان لسيّده بنت بكر، فأعجبها، فأمرته أن يتمارض، ففعل وعصب رأسه. فقالت للشيخ: أسرح أيها الرجل إبلك، ولا تكلها إلى العبد، فكان فيها أياما، ثم قال له: كيف تجدك؟

قال: صالحا، قال: فرح في إبلك العشيّة، فراح فيها، فقالت الجارية لأبيها: ما أحسبك إلا قد ضيّعت إبلك العشية، أن وكلتها إلى حيّة، فخرج في آثار إبله فوجده مستلقيا في ظل شجرة، وهو يقول:

يا ربّ شجو لك في الحاضرتذكرها وأنت في الصادر
من كل حمراء جماليّةطيّبة القادم والآخر

فقال الشيخ: إن لهذا لشأنا، وانصرف، ولم يره وجهه. وأتى أهل الماء، وقال لهم: تعلّموا واللّه أن هذا العبد قد فضحنا، وأخبرهم الخبر، وأنشدهم ما قال، فقالوا: اقتله، فنحن طوعك، فلما جاءهم وثبوا عليه، فقالوا له: قلت وفعلت، فقال: دعوني إلى غد حتى أعذرها عند أهل الماء، فقالوا: إن هذا صواب فتركوه، فلما كان الغد اجتمعوا فنادى: يا أهل الماء، ما فيكم امرأة إلا قد أصبتها إلا فلانة فإني على موعد منها فأخذوه فقتلوه.

ومما يغنّى فيه من قصيدة سحيم عبد بني الحسحاس، وقال: إن من الناس من يرويها لغيره:

تجمّعن من شتّى ثلاثا وأربعاوواحدة حتى كملن ثمانيا
وأقبلن من أقصى الخيام يعدننيبقيّة ما أبقين نصلا يمانيا
يعدن مريضا هنّ قد هجن داءهألا إنما بعض العوائد دائيا

فيه لحنان كلاهما من الثقيل الأول، والذي ابتداؤه «تجمعن من شتى ثلاث» لبنان.

والذي أوله «وأقبلن من أقصى الخيام». ذكر الهشامي أنه لإسحاق وليس يشبه صنعته ولا أدري لمن هو؟

أخبرني جحظة عن ابن حمدون أن مخارقا عمل لحنا في هذا الشعر:

وهبّت شمالا آخر الليل قرّةولا ثوب إلا بردها وردائيا

على عمل صنعة إسحاق في:

أماويّ إن المال غاد ورائح

ليكيد به إسحاق، وألقاه على عجوز عمير الباذ عيسى، وقال لها: إذا سئلت عنه فقولي: أخذته من عجوز مدنية، ودار الصوت حتى غنّي به الخليفة، فقال لإسحاق: ويلك أخذت لحن هذا الصوت تغنّيه كلّه، فحلف له بكل يمين يرضاه أنه لم يفعل وتضمّن له كشف القصة، ثم أقبل على من غنّاهم الصوت فقال: عمّن أخذته؟ فقال: عن فلان، فلقيه، فسأله عمن أخذه فعرفه، ولم يزل يكشف عن القصة، حتى انتهت من كل وجه إلى عجوز عمير، فسئلت عن ذلك، فقالت: أخذته عن عجوز مدنية، فدخل إسحاق على عمير، فحلف له بالطلاق والعتاق وكلّ محرج من الأيمان ألّا يكلمه أبدا ولا يدخل داره ولا يترك كيده وعداوته أو يصدقه عن حال هذا الصوت وقصته، فصدقه عمير عن القصة، فحدّث بها الواثق بحضرة عمير ومخارق، فلم يكن مخارقا دفع ذلك، وخجل خجلا بان فيه، وبطل ما أراده بإسحاق.

صوت

ثلاثة أبيات فبيت أحبّهوبيتان ليسا من هواي ولا شكلي
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «لقد فرح الواشون أن صرمت حبلي»
ألا أيها البيت الذي حيل دونهبنا أنت من بيت وأهلك من أهل
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «لقد فرح الواشون أن صرمت حبلي»

الشعر لجميل، والغناء لإسحاق ماخوري بالبنصر من جامع أغانيه، وفيه رمل مجهول ذكره حبش لعلّوية ولم أجد طريقته.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»