تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

أخبار مالك بن الريب ونسبه

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

هو مالك بن الريب بن حوط بن قرط بن حسل بن ربيعة بن كابية بن حرقوص بن مازن بن مالك بن عمرو ابن تميم.

وكان شاعرا فاتكا لصّا، ومنشؤه في بادية بني تميم بالبصرة من شعراء الإسلام في أول أيام بني أمية.

أخبرني بخبره عليّ بن سليمان الأخفش قال: أخبرنا أبو سعيد السكّريّ عن محمد بن حبيب عن ابن الأعرابي وعن هشام بن الكلبي وعن الفضل بن محمد وإسحاق بن الجصّاص وحمّاد الراوية وكلّهم قد حكى من خبره نحوا مما حكاه الآخرون قالوا: استعمل معاوية بن أبي سفيان سعيد بن عثمان بن عفان على خراسان، فمضى سعيد بجنده في طريق فارس، فلقيه بها مالك بن الريب المازني، وكان من أجمل الناس وجها، وأحسنهم ثيابا فلما رآه سعيد أعجبه، وقال له: مالك، ويحك تفسد نفسك بقطع الطريق! وما يدعوك إلى ما يبلغني عنك من العبث والفساد، وفيك هذا الفضل! قال: يدعوني إليه العجز عن المعالي، ومساواة ذوي المروءات ومكافأة الإخوان، قال: فإن أنا أغنيتك، واستصحبتك، أتكفّ عما كنت تفعل؟ قال: إي واللّه أيها الأمير، أكفّ كفّا لم يكفّ أحد أحسن منه، قال: فاستصحبه، وأجرى له خمسمائة درهم في كل شهر.

قالوا: وكان السبب الذي من أجله وقع مالك بن الريب إلى ناحية فارس أنه كان يقطع الطريق هو وأصحاب له، منهم شظاظ - وهو مولى لبني تميم، وكان أخبثهم - وأبو حردبة، أحد بني أثالة بن مازن، وغويث، أحد بني كعب ابن مالك بن حنظلة، وفيهم يقول الراجز:

اللّه نجاك من القصيموبطن فلج وبني تميم
للشاعر شَظاظ الضُبّي، اقرأ القصيدة
ومن بني حردبة الأثيمومالك وسيفه المسموم
ومن شظاظ الأحمر الزّنيمومن غويث فاتح العكوم
للشاعر شَظاظ الضُبّي، اقرأ القصيدة

فساموا الناس شرّا، وطلبهم مروان بن الحكم، وهو عامل على المدينة، فهربوا فكتب إلى الحارث بن حاطب الجمحيّ، وهو عامله على بني عمرو بن حنظلة يطلبهم، فهربوا منه.

وبلغ مالك بن الريب أن الحارث بن حاطب يتوعده فقال:

تألّى حلفة في غير جرمأميري حارث شبه الصّرار
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
عليّ لأجلدن في غير جرمولا أدني فينفعني اعتذاري
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
وقلت وقد ضممت إليّ جأشيتحلّل لا تألّ عليّ جاري
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
فإني سوف يكفينيك عزميونصّ العيس بالبلد القفار
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
وعنس ذات معجمة أمونعلنداة موثّقة الفقار
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
تزيف إذا تواهقت المطايا كما زاف المشرّف للخطار
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
وإن ضربت بلحييها وعامتتفصّم عنهما حلق السّفار
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
مراحا غير ما ضغن ولكنلجاجا حين تشتبه الصحاري
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
إذا ما استقبلت جونا بهيماتفرّج عن مخيّسة حضار
إذا ما حال روض رباب دونيوتثليت فشأنك بالبكاري
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
وأنياب سيخلفهنّ سيفيوشدّات الكميّ على التّجار
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
فإن أسطع أرح منه أناسيبضربة فانك غير اعتذار
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
وإن يفلت فإني سوف أبغيبنيه بالمدينة أو صرار
إلا من مبلغ مروان عنيفإني ليس دهري بالفرار
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
ولا جزع من الحدثان يوماولكني أرود لكم وبار
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة

- وبار: أرض لم يطأ أحد ثراها -

بهزمار تراد العيس فيهاإذا أشفقن من قلق الصّفار
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
وهنّ يحشن بالأعناق حوشاكأن عظامهنّ قداح بار
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
كأنّ الرحل أسأر من قراهاهلال عشية بعد السّرار
رأيت وقد أتى بحران دونيلليلى بالغميم ضوء نار
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
إذا ما قلت: قد خمدت زهاهاعصيّ الرند والعصف السواري
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
يشبّ وقودها ويلوح وهياكما لاح الشّبوب من الصّوار
كأن النّار إذ شبت لليلىأضاءت جيد مغزلة نوار
وتصطاد القلوب على مطاهابلا جعد القرون ولا قصار
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
وتبسم عن نقيّ اللون عذبكما شيف الأقاحي بالقطار
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
أتجزع أن عرفت ببطن قوّوصحراء الأديهم رسم دار
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
وإن حلّ الخليط ولست فيهممرابع بين دحل إلى سرار
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
إذا حّلوا بعائجة خلاءيقطّف نور حنوتها العذاري

فبعث إليه الحارث رجلا من الأنصار فأخذه، وأخذ أبا حردبة، فبعث بأبي حردبة وتخلّف الأنصاري مع القوم الذين كان مالك فيهم، وأمر غلاما له، فجعل يسوق مالكا. فتغفّل مالك غلام الأنصاري، وعليه السيف، فانتزعه منه، وقتله به، وشدّ على الأنصاريّ، فضربه بالسيف حتّى قتله، وجعل يقتل من كان معه يمينا وشمالا.

ثم لحق بأبي حردبة، فتخلّصه، وركبا إبل الأنصاري، وخرجا فرارا من ذلك هاربين، حتى أتيا البحرين، واجتمع إليهما أصحابهما، ثم قطعوا إلى فارس فرارا من ذلك الحدث الذي أحدثه مالك، فلم يزل بفارس، حتى قدم عليه سعيد بن عثمان، فاستصحبه.

فقال مالك في مهربه ذلك:

أحقّا على السلطان أمّا الذي لهفيعطى وأما ما يراد فيمنع
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
إذا ما جعلت الرمل بيني وبينهوأعرض سهب بين يبرين بلقع
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
من الأدمى لا يستجمّ بها القطاتكلّ الرياح دونه فتقطّع
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
فشأنكم يا آل مروان فاطلبواسقاطي فما فيه لباغيه مطمع
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
وما أنا كالغير المقيم لأهلهعلى القيد في بحبوحة الضيّم يرتع
ولو لا رسول اللّه أن كان منكمتبيّن من بالنّصف يرضى ويقنع

وقال أيضا:

لو كنتم تنكرون العذر قلت لكميا آل مروان جاري منكم الحكم
وأتّقكم يمين اللّه ضاحيةعند الشهود وقد توفي به الذمم
لا كنت أحدث سوءا في إمارتكمولا الذي فات مني قبل ينتقم
نحن الذين إذا خفتم مجلّلةقلتم لنا: إنّنا منكم لتعتصموا
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
حتى إذا انفرجت عنكم دجنّتهاصرتم كجرم فلا إلّ ولا رحم
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة

وقال مالك حين قتل غلام الأنصاريّ الذي كان يقوده:

غلام يقول السيف يثقل عاتقيإذا قادني وسط الرجال المجحدل
فلو لا ذباب السيف ظلّ يقودنيبنسعته ششن البنان حزنبل

قالوا: وبينا مالك بن الريب ذات ليلة في بعض هناته وهو نائم - وكان لا ينام إلا متوشّحا بالسيف - إذ هو بشيء قد جثم عليه لا يدري ما هو، فانتفض به مالك، فسقط عنه، ثم انتحى له بالسيف فقدّه نصفين، ثم نظر إليه فإذا هو رجل أسود كان يقطع الطريق في تلك الناحية، فقال مالك في ذلك:

أدلجت في مهمة ما إن أرى أحداحتى إذا حان تعريس لمن نزلا
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
وضعت جنبي وقلت: اللّه يكلؤنيمهماتنم عنك من عين فما غفلا
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
والسيف بيني وبين الثوب مشعرهأخشى الحوادث إني لم أكن وكلا
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
ما نمت إلا قليلا نمته شئزاحتى وجدت على جثماني الثّقلا
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
داهية من دواهي الليل بيّتنيمجاهدا يبتغي نفسي وما ختلا
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
أهويت نفحا له والليل ساترهإلا توخيته والجرس فانخزلا
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
لما ثنى اللّه عني شرّ عدوتهرقدت لا مثبتا ذعرا ولا بعلا
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
أما ترى الدار قفرا لا أنيس بهاإلا الوحوش وأمسى أهلها احتملا
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
بين المنيفة حيث استنّ مدفعهاوبين فردة من وحشيّها قبلا
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
وقد تقول وما تخفي لجارتهاإني أرى مالك بن الريب قد نحلا
من يشهد الحرب يصلاها ويسعرهاتراه مما كسته شاحبا وجلا
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
خذها فإني لضرّاب إذا اختلفتأيدي الرجال بضرب يختل البطلا

وقال مالك في ذلك أيضا:

يا عاملا تحت الظلام مطيّةمتخايلا لابل وغير مخاتل
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
أنيّ أنخت لشابك أنيابهمستأنس بدجى الظلام منازل
لا يستريع عظيمة يرمى بهاحصبا يحفز عن عظام الكاهل
حربا تنصّبه بنبت هواجرعاري الأشاجع كالحسام الناصل
لم يدر ما غرف القصور وفيؤهاطاو بنخل سوداها المتمايل
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
يقظ الفؤاد إذا القلوب تآنستجزعا ونبّه كلّ أروع باسل
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
حيث الدّجى متطلّعا لغفولهكالذئب في غلس الظلام الخاتل
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
فوجدته ثبت الجنان مشيّعاركّاب منسج كلّ أمر هائل
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
فقراك أبيض كالعقيقة صارماذا رونق يعني الضريبة فاصل
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
فركبت ردعك بين ثني فائزيعلو به أثر الدماء وشائل

قال: وانطلق مالك بن الريب مع سعيد بن عثمان إلى خراسان، حتى إذا كانوا في بعض مسيرهم احتاجو إلى لبن، فطلبوا صاحب إبلهم، فلم يجدوه، فقال مالك لغلام من غلمان سعيد: أدن مني فلانة - لناقة كانت لسعيد عزيزة - فأدناها منه، فمسحها وأبسّ بها حتى درّت، ثم حلبها، فإذا أحسن حلب حلبه الناس وأغزره درّة، فانطلق الغلام إلى سعيد، فأخبره، فقال سعيد لمالك: هل لك أن تقوم بأمر إبلي، فتكون فيها، وأجزل لك الرزق إلى ما أرزقك، وأضع عنك الغزو؟ فقال مالك في ذلك:

أني لأستحيي الفوارس أن أرىبأرض العدا بوّ المخاض الروائم
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
وإني لأستحيي إذا الحرب شمّرتأن ارخي دون الحرب ثوب المسالم
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
وما أنا بالنائي الحفيظة في الوغىولا المتقى في السلم جرّ الجرائم
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
ولا المتأني في العواقب للذيأهمّ به من فاتكات العزائم
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
ولكنني مستوحد العزم مقدمعلى غمرات الحادث المتفاقم
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
قليل اختلاف الرأي في الحرب باسلجميع الفؤاد عند حلّ العظائم
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة

فلما سمع ذلك منه سعيد بن عثمان، علم أنه ليس بصاحب إبل، وأنه صاحب حرب، فانطلق به معه.

قالوا: وبينما مالك بن الريب ليلة نائم في بعض مفازاته إذ بيّته ذئب، فزجره فلم يزدجر، فأعاد، فلم يبرح، فوثب إليه بالسيف، فضربه، فقتله، وقال مالك في ذلك:

أذئب الغضا قد صرت للناس ضحكةتغادى بك الركبان شرقا إلى غرب
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
فأنت وإن كنت الجرىء جنانهمنيت بضرغام من الأسد الغلب
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
بمن لا ينام الليل إلا وسيفهرهينة أقوام سراع إلى الشّغب
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
ألم ترني يا ذئب إذا جئت طارقاتخاتلني أني أمرؤ وافر الّلبّ
زجرتك مرات فلما غلبتنيولم تنزجر نهنهت غربك بالضرب
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
فصرت لقى لمّا علاك ابن حرّةبأبيض قطّاع ينجّي من الكرب
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
ألا ربّ يوم ريب لو كنت شاهدالهالك ذكرى عند معمعمة الحرب
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
ولست ترى إلا كميّا مجدلايداه جميعا تثبتان من التّرب
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
وآخر يهوى طائر القلب هارباوكنت امرأ في الهيج مجتمع القلب
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
أصول بذي الزرّين أمشي عرضنةإلى الموت والأقران كالإبل الجرب
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
أرى الموت لا أنحاش عنه تكرّماولو شئت لم أركب على المركب الصعب
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
ولكن أبت نفسي وكانت أبيّةتقاعس أو ينصاع قوم من الرعب
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة

قال أبو عبيدة: لما خرج مالك بن الريب مع سعيد بن عثمان تعلّقت ابنته بثوبه، وبكت، وقالت له: أخشى أن يطول سفرك أو يحول الموت بيننا فلا نلتقي، فبكى وأنشأ يقول:

ولقد قلت لا بنتي وهي تبكيبدخيل الهموم قلبا كئيبا
وهي تذري من الدموع على الخدّين من لوعة الفراق غروبا
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
عبرات يكدن يجرحن ماجزن به أو يدعن فيه ندوبا
حذر الحتف أن يصيب أباهاويلاقي في غير أهل شعوبا
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
اسكتي قد حززت بالدمع قلبيطالما حزّ دمعكنّ القلوبا
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
فعسى اللّه ان يدفع عنّيريب ما تحذرين حتى أءوبا
ليس شيء يشاؤه ذو المعاليبعزيز عليه فادعي المجيبا
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
ودعي أن تقطّعي الآن قلبيأو تريني في رحلتي تعذيبا
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
أنا في قبضة الإله إذا كنت بعيدا أو كنت منك قريبا
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
كم رأينا امرأ أتى من بعيدومقيما على الفراش أصيبا
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة
فدعيني من انتحابك إنيلا أبالي إذا اعتزمت النّحيبا
حسبي اللّه ثم قرّبت للسّير علاة أنجب بها مركوبا
للشاعر مالك بن الريب، اقرأ القصيدة

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال: حدثنا دماذ عن أبي عبيدة قال: كان سبب خروج مالك بن الريب إلى خراسان واكتتابه مع سعيد بن عثمان، هربا من ضرطة، فسألته كيف كان ذلك؟ قال: مرّ مالك بليلى الأخيليلة، فجلس إليها يحادثها طويلا، وأنشدها. فأقبلت عليه، وأعجبت به حتى طمع في وصلها، ثم إذا هو بفتى قد جاء إليها، كأنه نصل سيف، فجلس إليها، فأعرضت عن مالك وتهاونت به، حتى كأنه عندها عصفور، وأقبلت على صاحبها مليّا من نهارها، فغاظه ذلك من فعلها، وأقبل على الرجل، فقال: من أنت؟ فقال: توبة بن الحميّر، فقال: هل لك في المصارعة؟ قال: وما دعاك إلى ذلك وأنت ضيفنا وجارنا؟ قال: لا بدّ منه، فظنّ أن ذلك لخوفه منه، فازداد لجاجا، فقام توبة فصارعه، فلما سقط مالك إلى الأرض ضرط ضرطة هائلة، فضحكت ليلى منه. واستحيا مالك، فاكتتب بخراسان وقال: لا أقيم في بلد العرب أبدا، وقد تحدّثت عني بهذا الحديث، فلم يزل بخراسان حتى مات، فقبره هناك معروف.

وقال المدائنيّ، وحدثني أبو الهيثم: قال: اجتمع مالك بن الريب وأبو حردبة وشظاظ يوما، فقالوا: تعالوا نتحدّث بأعجب ما عملناه في سرقتنا، فقال أبو حردبة: أعجب ما صنعت، وأعجب ما سرقت أني صحبت رفقة فيها رجل على رحل، فأعجبني، فقلت لصاحبي، واللّه لأسرقنّ رحله، ثم لا رضيت أو آخذ عليه جعالة، فرمقته، حتى رأيته قد خفق برأسه، فأخذت بخطام جمله، فقدته، وعدلت به عن الطريق، حتى إذا صيّرته في مكان لا يغاث فيه إن استغاث، أنخت البعير وصرعته، فأوثقت يده ورجله، وقدت الجمل، فغيّبته ثم رجعت إلى الرّفقة، وقد فقدوا صاحبهم، فهم يسترجعون، فقلت: مالكم؟ فقالوا: صاحب لنا فقدناه، فقلت: أنا أعلم الناس بأثره، فجعلوا لي جعالة، فخرجت بهم أتبع الأثر، حتى وقفوا عليه، فقالوا: مالك؟ قال: لا أدري، نعست، فانتبهت لخمسين فارسا قد أخذوني، فقاتلتهم، فغلبوني.

قال أبو حردبة؛ فجعلت أضحك من كذبه، وأعطوني جعالتي، وذهبوا بصاحبهم.

وأعجب ما سرقت أنه مرّ بي رجل معه ناقة وجمل، وهو على الناقة، فقلت: لآخذنّهما جميعا، فجعلت أعارضه وقد رأيته قد خفق برأسه، فدرت، فأخذت الجمل، فحللته، وسقته، فغيبته في القصيم - وهو الموضع الذي كانوا يسرقون فيه - ثم انتبه، فالتفت، فلم ير جمله، فنزل وعقل راحلته، ومضى في طلب الجمل، ودرت فحللت عقال ناقته، وسقتها.

فقالوا لأبي حردبة: ويحك! فحتّام تكون هكذا! قال: اسكتوا، فكأنكم بي وقد تبت، واشتريت فرسا، وخرجت مجاهدا، فبينا أنا واقف إذ جاءني سهم كأنه قطعة رشاء، فوقع في نحري، فمتّ شهيدا. قال: فكان كذلك: تاب، وقدم البصرة، فاشترى فرسا، وغزا الروم، فأصابه سهم في نحره فاستشهد.

ثم قالوا لشظاظ: أخبرنا أنت بأعجب ما أخذت في لصوصيتك، ورأيت فيها، فقال: نعم كان فلان (رجل من أهل البصرة) له ينت عم ذات مال كثير، وهو وليّها، وكانت له نسوة، فأبت أن تتزوّجه، فحلف ألا يزوّجها من أحد ضرارا لها، وكان يخطبها رجل غني من أهل البصرة، فحرصت عليه، وأبى الآخر أن يزوّجها منه، ثم إنّ وليّ الأمر حجّ، حتى إذا كان بالدوّ - على مرحلة من البصرة حذاءها، قريب منه جبل يقال له سنام، وهو منزل الرفاق إذا صدرت أو وردت - مات الوليّ، فدفن برابية، وشيّد على قبره، فتزوجت الرجل الذي كان يخطبها. قال شظاظ: وخرجت رفقة من البصرة معهم بزّ ومتاع، فتبصرتهم وما معهم وأتبعتهم حتى نزلوا، فلما ناموا بيّتهم، وأخذت من متاعهم. ثم إن القوم أخذوني، وضربوني ضربا شديدا، وجرّدوني - قال: وذلك في ليلة قرّة - وسلبوني كلّ قليل وكثير، فتركوني عريانا، وتماوتّ لهم، وارتحل القوم، فقلت: كيف أصنع؟ ثم ذكرت قبر الرجل، فأتيته، فنزعت لوحه، ثم احتفرت فيه سربا، فدخلت فيه، ثم سددت عليّ باللوح، وقلت: لعلي الآن أدفأ فأتبعهم.

قال: ومرّ الرجل الذي تزوج بالمرأة في الرّفقة، فمرّ بالقبر الذي أنا فيه، فوقف عليه، وقال لرفيقه: واللّه لأنزلنّ إلى قبر فلان، حتى أنظر هل يحمى الآن بضع فلانة؟ قال شظاظ: فعرفت صوته فقعلت اللوح، ثم خرجت عليه بالسيف من القبر، وقلت: بلى ورب الكعبة لأحمينّها، فوقع واللّه على وجهه مغشيّا عليه، لا يتحرّك ولا يعقل. فسقط من يده خطام الراحلة، فأخذت وعهد اللّه بخطامها فجلست عليها، وعليها كلّ أداة وثياب ونقد كان معه، ثم وجّهتها قصد مطلع الشمس هاربا من الناس، فنجوت بها، فكنت بعد ذلك أسمعه يحدّث الناس بالبصرة، ويحلف لهم أن الميّت الذي كان منعه من تزويج المرأة خرج عليه من قبره بسلبه وكفنه. فبقي يومه، ثم هرب منه، والناس يعجبون منه فعاقلهم يكذّبه، والأحمق منهم يصدقه، وأنا أعرف القصة، فأضحك منهم كالمتعجب.

قالوا: فزدنا، قال: فأنا أزيدكم أعجب من هذا وأحمق من هذا؛ إني لأمشي في الطريق أبتغي شيئا أسرقه، قال: فلا واللّه ما وجدت شيئا، قال: وكان هناك شجرة ينام من تحتها الركبان بمكان ليس فيه ظلّ غيرها، وإذا أنا برجل يسير على حمار له، فقلت له: أتسمع؟ قال: نعم، قلت: إن المقيل الذي تريد أن تقيله يخسف بالدوابّ فيه، فاحذره، فلم يلتفت إلى قولي. قال: ورمقته، حتى إذا نام أقبلت على حماره، فاستقته، حتى إذا برزت به، قطعت طرف ذنبه وأذنيه، وأخذت الحمار، فخبأته وأبصرته حين استيقظ من نومه، فقام يطلب الحمار، ويقفوا أثره، فبينا هو كذلك إذ نظر إلى طرف ذنبه وأذنيه، فقال: لعمري لقد حذّرت لو نفعني الحذر، واستمرّ هاربا خوف أن يخسف به، فأخذت جميع ما بقي من رحله فحملته على الحمار، واستمرّ فألحق بأهلي.

قال أبو الهيثم: ثم صلب الحجاج رجلا من الشّراة بالبصرة، وراح عشيّا، لينظر إليه، فإذا برجل بإزائه مقبل بوجهه عليه، فدنا منه، فسمعه يقول للمصلوب: طال ما ركبت فأعقب، فقال الحجاج: من هذا؟ قالوا: هذا شظاظ الّلص قال: لا جرم! واللّه ليعقبنّك، ثم وقف، وأمر بالمصلوب، فأنزل وصلب شظاظ مكانه.

قال ابن الأعرابي: مرض مالك بن الريب عند قفول سعيد بن عثمان من خراسان في طريقه؛ فلما أشرف على الموت تخلّف معه مرّة الكاتب ورجل آخر من قومه من بني تميم وهما اللذان يقول فيهما:

أيا صاحبي رحلي دنا الموت فانزلابرابية إني مقيم لياليا

ومات في منزله ذلك، فدفناه، وقبره هناك معروف إلى الآن، وقال قبل موته قصيدته هذه يرثي بها نفسه.

قال أبو عبيدة: الذي قاله ثلاثة عشر بيتا، والباقي منحول، ولّده الناس عليه.

صوت

فما بيضة بات الظليم يحفّهاويرفع عنها جؤجؤا متجافيا
للشاعر سحيم، اقرأ القصيدة
بأحسن منها يوم قالت: أظاعنمع الرّكب أم ثاو لدينا لياليا؟
وهبّت شمال آخر الليل قرّةولا ثوب إلّا بردها وردائيا
وما زال بردى طيّبا من ثيابهاإلى الحول حتى أنهج الثوب باليا

الشعر لعبد بني الحسحاس، والغناء لابن سريج في الأول والثاني من الأبيات ثاني ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق، وفي الثالث والرابع لمخارق خفيف ثقيل عمله على صنعة إسحاق في:

أماويّ إن المال غاد ورائح

وكاده بذلك ليقال إن لحنه أخذه منه، وألقاه على عجوز عمير، فألقته على الناس، حتى بلغ الرشيد خبره، ثم كشفه فعلم حقيقته، ومن لا يعلم بنسبه إلى غيره، وقد ذكر حبش إنه لإبراهيم، وذكر غيره أنه لابن المكي.

وقد شرحت هذا الخبر في أخبار إسحاق.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»