من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار عتيبة ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
عتيبة بن مرداس أحد بني كعب بن عمرو بن تميم، لم يقع إليّ من نسبه غير هذا، وهو شاعر مقلّ غير معدود في الفحول، مخضرم ممّن أدرك الجاهلية والإسلام هجّاء خبيث اللسان بذيّ.
لماذا لقب بابن فسوة؟
وابن فسوة لقب لزمه في نفسه، ولم يكن أبوه يلقّب بفسوة، إنما لقب هو بهذا، وقد اختلف في سبب تلقيبه بذلك، فذكر إسحاق الموصليّ عن أبي عمرو الشّيباني: نسخت ذلك من كتاب إسحاق بخطه.
أن عتيبة بن مرداس كان فاحشا كثير الشرّ قد أدرك الجاهليّة، فأقبل ابن عمّ له من الحجّ، وكان من أهل بيت منهم يقال لهم: بن فسوة، فقال لهم عتيبة: كيف كنت يا بن فسوة؟ فوثب مغضبا، فركب راحلته وقال: بئس لعمر اللّه ما حيّيت به ابن عمّك، قدم عليك من سفر، ونزل دارك! فقام إليه عتيبة مستحييا، وقال له؛ لا تغضب يا بن عمّ، فإنما مازحتك! فأبى أن ينزل، فقال له: انزل وأنا أشتري منك هذا الاسم فأتسمّى به، وظن أن ذلك لا يضرّه، قال: لا أفعل أو تشتريه مني بمحضر من العشيرة. قال: نعم فجمعهم وأعطاه بردا وجملا وكبشين، وقال لهم عتيبة:
اشهدوا أني قد قبلت هذا النّبز
من جمال، وكانت تعجبه ويهيم بها، فكان أحداث بني تميم، إذا ذكروا العبديّ، قالوا: قال ابن فسوة، وفعل ابن فسوة، فأكثروا عليه من ذلك حتى ملّ فعمل على التحوّل عنهم، وبلغ ذلك عتيبة، فأتاه فطلب إليه أن يقيم، وأن يحتمل اسمه، ويشريه منه ببعير، فلم يفعل، قال: العبديّ: فتحولت عنهم وشاع في الناس أنه قد ابتاع مني وغلب عليه، فأنشأ عتيبة يقول من كلمة له:
وحوّل مولانا علينا اسم أمهألا ربّ مولى ناقص غير زائد
أخبرني جعفر بن قدامة قال: حدثنا أحمد بن الحارث قال: حدثنا المدائنيّ عن أبي بكر الهذلي وابن دأب وابن جعدبة، قالوا: أتى عتيبة بن مرداس - وهو ابن فسوة - عبد اللّه بن العباس عليهما السلام وهو عامل لعليّ بن أبي طالب صلوات اللّه عليه على البصرة، وتحته يومئذ شميلة بنت جنادة بن بنت أبي أزهر الزهرانية، وكانت قبله تحت مجاشع ابن مسعود السّلميّ، فأستأذن عليه، فأذن له، وكان لا يزال يأتي أمراء البصرة فيمدحهم، فيعطونه، ويخافون لسانه، فلما دخل على ابن عباس قال له: ما جاء بك إليّ يا بن فسوة؟ فقال له: وهل عنك مقصر أو وراءك معديّ؟
جئتك لتعينني على مروءتي، وتصل قرابتي، فقال له ابن عباس: وما مروءة من يعصي الرحمن ويقول البهتان ويقطع ما أمر اللّه به أن يوصل؟ واللّه لئن أعطيتك لأعيننّك على الكفر والعصيان، انطلق فأنا أقسهم باللّه لئن بلغني أنك هجوت أحدا من العرب لأقطعنّ لسانك. فأراد الكلام، فمنعه من حضر، وحبسه يومه ذلك، ثم أخرجه عن البصرة.
فوفد إلى المدينة بعد مقتل عليّ عليه السلام، فلقي الحسن بن عليّ عليهما السلام، وعبد اللّه بن جعفر عليهما السلام، فسألاه عن خبره مع ابن عباس عليه السلام فأخبرهما، فاشتريا عرضه بما أرضاه، فقال عتيبة يمدح الحسن وابن جعفر عليهما السلام ويلوم ابن عباس رضي اللّه عنهما؛
أتيت ابن عباس فلم يقض حاجتيولم يرج معروفي ولم يخشى منكري
حبست فلم أنطق بعذر لحاجةوسدّ خصاص البيت من كل منظر
وجئت وأصوات الخصوم وراءهكصوت الحمام في القليب المغوّر
وما أنا إذا زاحمت مصراع بابهبذي صولة ضار، ولا بحزوّر
فلو كنت من زهران لم ينس حاجتيولكنني مولى جميل بن معمر
- وكان حليفا لجميل بن معمر القرشيّ -:
وباتت لعبد اللّه من دون حاجتيشميلة تلهو بالحديث المفتّر
ولم يقترب من ضوء نار تحثّهاشميلة إلا أن تصلّى بمجمر
تطالع أهل السوق والباب دونهابمستفلك الذّفري أسيل المدثّر
إذا هي همّت بالخروج يردّهاعن الباب مصراعا منيف مجيّر
- وجدت بخط إسحق الموصلي مجيّر: محير. والمحير: المصهرج. والحيار: الصهروج -
فليت قلوصي عرّيت أو رحلتهاإلى حسن في داره وابن جعفر
إلى ابن رسول اللّه يأمر بالتقىوللدين يدعو والكتاب المطهّر
إلى معشر لا يخصفون نعالهمولا يلبسون السّبت، ما لم يخصّر
فلما عرفت البأس منه وقد بدتأيادي سبا الحاجات للمتذكّر
تسنّمت حرجوجا كأن بغامهاأحيح ابن ماء في يراع مفجّر
فما زلت في التّسيار حتى أنحتهاإلى ابن رسول الأمّة المتخيّر
فلا تدعنّي إذ رحلت إليكمبني هاشم أن تصدروني بمصدر
وهي قصيدة طويلة، هذا ذكر في الخبر منها.
وأخبرني بهذا الخبر أحمد بن عبد العزيز الجوهري وأحمد بن عبيد اللّه بن عمار، عن عمر بن شبّة، عن المدائنيّ مثل ما مضى أو قريبا منه، ولم يتجاوز عمر بن شبة المدائني في إسناده.
أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال: حدثني محمد بن الحسن بن الحرون قال: قال ابن الأعرابي: كان عتيبة بن مرداس السّلميّ شاعرا خبيث اللسان مخوف المعرّة في جاهليته وإسلامه، وكان يقدم على أمراء العراق وأشراف الناس، فيصيب منهم بشعره، فقدم على ابن عامر بن كريز - وكان جوادا - فلما استؤذن له عليه أرسل إليه: إنك واللّه ما تسأل بحسب ولا دين ولا منزلة، وما أرى لرجل من قريش أن يعطيك شيئا، وأمر به فلكز وأهين فقال ابن فسوة:
وكائن تخطّت ناقتي وزميلهاإلى ابن كريز من نحوس وأسعد
وأغبر مسحول التراب ترى لهحيا طردته الريح من كل مطرد
لعمرك إني عند باب ابن عامرلكالظبّي عند الرّمية المتردّد
فلم أر يوما مثله إذ تكشّفتضبابته عنّي ولمّا أقيّد
فبلغ قوله ابن عامر، فخاف لسانه وما يأتي به بعد هذا ورجع له، وأحسن القوم رفده، وقالوا: هذا شاعر فارس وشيخ من شيوخ قومه واليسير يرضيه، فقال: ردّوه فردّ، فقال له: إيه يا عتيبة، أردد عليّ ما قلت، فقال: ما قلت إلا خيرا قال: هاته فقال: قلت:
أتعرف رسم الدار من أم معبدنعم فرماك الشوق قبل التجلّد
فيا لك من شوق ويا لك عبرةسوابقها مثل الجمان المبدّد
وكائن تخطت ناقتي وزميلهاإلى ابن كريز من نحوس وأسعد
فتى يشتري حسن الثنّاء بمالهويعلم أنّ المرء غير مخلّد
إذا ما ملمّات الأمور اعترينهتجلّى الدّجى عن كوكب متوقّد
فتبسم ابن عامر وقال: لعمري ما هكذا قلت، ولكنه قول مستأنف، وأعطاه حتى رضي وانصرف.
قال: وأنشدنا ابن الأعرابيّ له بعقب هذا الخبر، وكان يستحسن هذه الأبيات ويستجيدها:
منعّمة لم يغذها أهل بلدةولا أهل مصر فهي هيفاء ناهد
فريعت فلم تخبا ولكن تأوّدتكما انتصّ مكحول المدامع فارد
وأهوت لتنتاش الرّواق فلم تقمإليه ولكن طأطأته الولائد
قليلة لحم الناظرين يزينهاشباب ومخفوض من العيش بارد
تناهى إلى لهو الحديث كأنهاأخو سقم قد أسلمته العوائد
ترى القرط منها في قناة كأنهابمهلكة لو لا البرا والمعاقد
وقال أبو عمرو والشيباني: أغار رجل من بني تغلب يقال له الهذيل بعقب مقتل عثمان على بني تميم، فأصاب نعما كثيرا، فورد بها ماء لبني مازن بن مالك بن عمرو بن تميم يقال له سفار، فإذا عليه الأسود وخالد ابنا نعيم بن قعنب بن الحارث ابن عمرو بن همام بن رياح في إبل لهما قد أورداها، فأراد الهذيل أخذها، فتفرّقت، فتفرق أصحابه في طلبها، وهو قائم على رأس ركيّة من سفار، فرماه أحدهما فقتله فوقع في الرّكيّة فكانت قبره. ويقال: بل رماه عبد أسود لمالك ابن عروة المازنيّ، فقال عتيبة بن مرداس الذي يقال له ابن فسوة في ذلك:
من مبلغ فتيان تغلب أنهخلال للهذيل من سفار قليب؟
إذا صوّت الأصداء وسطهافتى تغلبيّ في القليب غريب
فأعددت يربوعا لتغلب إنهمأناس غذتهم فتنة وحروب
حويت لقاح ابني نعيم بن قعنبوإنك إن أحرزتها لكسوب
وقال أبو عمرو أيضا: كان عبد اللّه بن عامر بن كريز قد تزوّج أخت بشر بن كهف أحد بني خزاعة بن مازن، فكان أثيرا عنده، واستعمله على الحمى، فسأله ابن فسوة أن يرعيه فأبى، ومنعه، وطرد إبله، فقال في ذلك:
من يك أرعاه الحمى أخواتهفما لي من أخت عوان ولا بكر
وما ضرّها أن لم تكن رعت الحمىولم تطلب الخير الممنّع من بشر
متى يجيء يوما إلى المال وارثييجد قبض كفّ غير ملأى ولا صفر
يجد مهرة مثل القناة طمرّةوعضب إذا ما هزّ لم يرض بالهبر
فإن تمنعوا منها حماكم فإنهمباح لها ما بين إنبط فالكدر
إذا ما أمرؤ أثنى بفضل ابن عمهفلعنة ربّ العالمين على بشر
وقال أبو عمرو الشيباني، ونسخته أيضا من خط إسحاق الموصلي، وجمعت الروايتين: إن ابن فسوة نزل ببني سعد بن مالك من بني قيس بن ثعلبة، وبات بهم، ومعه جارية له يقال لها جوزاء، فسرقوا عيبة له فيها ثيابه وثياب جاريته، فرحل عنهم، فلما عاد إلى قومه أعلمهم ما فعله به بنو سعد بن مالك.
فركب معه فرسان منهم حتى أغاروا على إبل لبني سعد فأخذوا منها صرمة، واستاقوها فدفعوها إليه، فقال يمدح قومه ويهجو بني سعد بقوله:
جزى اللّه قومي من شفيع وشاهدجزاء سليمان النّبيّ المكرّم
هم القوم لا قوم ابن دارة سالمولا ضابىء إذ أسلما شرّ مسلم
وما عيبة الجوزاء إذ غدرت بهاسراة بني قيس بسرّ مكتّم
إذا ما لقيت الحيّ سعد بن مالكعلى زمّ فانزل خائفا أو تقدّم
أناس أجارونا فكان جوارهمشعاعا كلحم الجازر المتقسّم
لقد دنست أعراض سعد بن مالككما دنست رجل البغيّ من الدّم
لهم نسوة طلس الثياب مواجنينادين من يبتاع عودا بدرهم
إذا أيّم قيسيّة مات بعلهاوكان لها جار فليست بأيّم
يمشّي ابن بشر بينهنّ مقابلابأير كإير الأرجحيّ المخرّم
إذا راح من أبياتهنّ كأنّماطليت بتنّوّم قفاه وخمخم
وفيه رواية إسحاق:
تسوق الجواري منخراه كأنّمادلكن بتنّوم قفاه وخمخم
صوت
قال طال شوقي وعادني طربيمن ذكر خود كريمة النسب
غرّاء مثل الهلال صورتهاأو مثل تمثال صورة الذهب
ويروى: «بيعة الرّهب» الشعر لعبد اللّه بن العجلان النّهدي، والغناء لمالك ولحنه من القدر الأوسط من الثقيل الأول بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق، وله فيه أيضا خفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو، وذكر الهشامي أنه لابن مسحج.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع