من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار محبوبة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
كانت محبوبة موّلدة من مولدات البصرة، شاعرة شريفة مطبوعة لا تكاد فضل الشاعرة اليمامية أن تتقدمها، وكانت محبوبة أجمل من فضل وأعفّ، وملكها المتوكل وهي بكر، أهداها له عبد اللّه بن طاهر، وبقيت بعده مدة، فما طمع فيها أحد، وكانت أيضا تغني غناء ليس بالفاخر البارع.
أخبرني بذلك جحظة عن أحمد بن حمدون. أخبرني جعفر بن قدامة قال: حدثني عليّ بن يحيى المنجم: كان عليّ بن الجهم يقّرب من أنس المتوكل جدّا، ولا يكتمه شيئا من سره مع حرمه وأحاديث خلواته، فقال له يوما: إني دخلت على قبيحة، فوجدتها قد كتبت اسمي على خدّها بغالية؛ فلا واللّه ما رأيت شيئا أحسن من سواد تلك الغالية على بياض ذلك الخدّ، فقل في هذا شيئا. قال: وكانت محبوبة حاضرة للكلام من وراء السّتر، وكان عبد اللّه بن طاهر أهداها في جملة أربعمائة وصيفة إلى المتوكل، قال: فدعا عليّ بن الجهم بدواة، فإلى أن أتوه بها وابتدأ يفكر، قالت محبوبة على البديهة من غير فكر ولا رويّة:
وكاتبة بالمسك في الخدّ جعفرابنفسي مخطّ المسك من حيث أثّرا
لئن كتبت في الخد سطرا بكفّهالقد أودعت قلبي من الحبّ أسطرا
فيا من لمملوك لملك يمينهمطيع له فيما أسرّ وأظهرا
ويا من مناها في السريرة جعفرسقى اللّه من سقيا ثناياك جعفرا
قال: وبقي عليّ بن الجهم واجما لا ينطق بحرف. وأمر المتوكل بالأبيات، فبعث بها إلى عريب وأمر أن تغنّي فيها، قال علي بن يحيى: قال علي بن الجهم بعد ذلك: تحيّرت واللّه، وتقلّبت خواطري، فو اللّه ما قدرت على حرف واحد أقوله.
أخبرني جعفر بن قدامة قال: حدثني ابن خرداذبة قال حدثني عليّ بن الجهم: قال كنت يوما عند المتوكل وهو يشرب ونحن بين يديه، فدفع إلى محبوبة تفاحة مغلّفة فقبّلتها، وانصرفت عن حضرته إلى الموضع الذي كانت تجلس فيه إذا شرب، ثم خرجت جارية لها ومعها رقعة، فدفعتها إلى المتوكل فقرأها، وضحك ضحكا شديدا، ثم رمى بها إلينا، فقرأناها وإذا فيها:
يا طيب تفاحة خلوت بهاتشعل نار الهوى على كبدي
أبكي أليها وأشتكي دنفيوما ألاقي من شدّة الكمد
لو أن تفاحة بكت لبكتمن رحمتي هذه التي بيدي
إن كنت لا ترحمين ما لقيتنفسي من الجهد فارحمي جسدي
قال: فو اللّه ما بقي أحد إلا استظرفها، واستملحها، وأمر المتوكل فغنىّ في هذا الشعر صوت شرب عليه بقية يومه.
حدثني جعفر بن قدامة قال حدثني علي بن يحيى المنجم.
أن جواري المتوكل تفرّقن بعد قتله، فصار إلى وصيف عدّة منهن، وأخذ محبوبة فيمن أخذ، فاصطبح يوما وأمر بإحضار جواري المتوكل، فأحضرن، عليهنّ الثياب الملونة، والمذهبة والحلىّ، وقد تزّيّن وتعطرّن إلا محبوبة فإنها جاءت مرهاء متسلّبة، عليها ثياب بياض غير فاخرة، حزنا على المتوكل. فغنى الجواري جميعا، وشربن وطرب وصيف وشرب، ثم قال لها: يا محبوبة غنّي فأخذت العود، وغنّت وهي تبكي، وتقول:
أيّ عيش يطيب ليلا أرى فيه جعفرا
ملكا قد رأته عيني قتيلا معفّرا
كلّ من كان ذا هيام وحزن فقد برا
غير محبوبة التيلو ترى الموت يشترى
لاشترته بملكهاكلّ هذا لتقبرا
إن موت الكئيب أصلح من أن يعمّرا
فاشتدّ ذلك على وصيف، وهمّ بقتلها. وكان بغا حاضرا، فاستوهبها منه، فوهبها له، فأعتقها، وأمر بإخراجها، وأن تكون بحيث تختار من البلاد، فخرجت من سرّ من رأى إلى بغداد، وأخملت ذكرها طول عمرها.
أخبرني جعفر بن قدامة، قال: حدثني ملاوّي الهيثمي قال: قال لي عليّ بن الجهم: كانت محبوبة أهديت إلى المتوكل أهداها إليه عبد اللّه بن طاهر في جملة أربعمائة جارية، وكانت بارعة الحسن والظّرف والأدب مغنّية محسنة، فحظيت عند المتوكل، حتى إنه كان يجلسها خلف ستارة وراء ظهره إذا جلس للشرب، فيدخل رأسه إليها، ويحدّثها، ويراها في كل ساعة. فغاضبها يوما، وهجرها ومنع جواريه جميعا من كلامها ثم نازعته نفسه إليها، وأراد ذلك، ثم منعته العزة، وامتنعت من ابتدائه إدلالا عليه بمحلّها منه. قال عليّ بن الجهم: فبكّرت إليه يوما فقال لي: إني رأيت البارحة محبوبة في نومي كأني قد صالحتها، فقلت: أقرّ اللّه عينك يا أمير المؤمنين، وأنامك على خير، وأيقظك على سرور، وأرجو أن يكون هذا الصلح في اليقظة، فبينا هو يحدّثني وأجيبه إذا بوصيفة قد جاءته، فأسرّت إليه شيئا، فقال لي: أتدري ما أسرّت هذه إليّ؟ قلت: لا، قال: حدثتني أنها اجتازت بمحبوبة الساعة وهي في حجرتها تغنّي، أفلا تعجب من هذا؟ إني مغاضبها، وهي متهاونة بذلك، لا تبدؤني بصلح، ثم لا ترضى حتى تغني في حجرتها، قم بنا يا عليّ حتى نسمع ما تغنّي. ثم قام، وتبعته، حتى انتهى إلى حجرتها فإذا هي تغني وتقول:
أدور في القصر لا أرى أحداأشكو إليه ولا يكلّمني
حتى كأني ركبت معصيةليست لها توبة تخلّصني
فهل لنا شافع إلى ملكقد زارني في الكرى فصالحني
حتى إذا ما الصباح لاح لناعاد إلى هجره فصارمني
فطرب المتوكّل، وأحست بمكانه. فأمرت خدمها، فخرجوه إليه، وتنحّينا وخرجت إليه، فحدّثته أنها رأته في منامها، وقد صالحها، فانتبهت، وقالت هذه الأبيات، وغنّت فيها. فحدّثها هو أيضا برؤياه، واصطلحا، وبعث إلى كلّ واحد منا بجائزة وخلعة.
ولما قتل تسلّى عنه جميع جواريه غيرها، فإنها لم تزل حزينة مستلّبة هاجرة لكل لذة حتى ماتت. ولها فيه مراث كثيرة.
صوت
يا ذا الّذي بعذابي ظلّ مفتخراهل أنت إلا مليك جار إذ قدرا
لو لا الهوى لتجازينا على قدروإن أفق منه يوما ما فسوف ترى
الشعر يقال إنه للواثق، قاله في خادم له غضب عليه، ويقال: إن أبا حفص الشّطرنجي قاله له.
والغناء لعبيدة الطنبورية رمل مطلق، وفيه لحن للواثق آخر، قد ذكر في غنائه.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع