من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار عبيدة الطنبورية
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
كانت عبيدة من المحسنات المتقدّمات في الصنعة والآداب يشهد لها بذلك إسحاق وحسبها بشهادته. وكان أبو حشيشة، يعظّمها، ويعترف لها بالرياسة والأستاذية، وكانت من أحسن الناس وجها، وأطيبهم صوتا.
ذكرها جحظة في كتاب الطّنبوريين والطّنبوريات، وقرأت عليه خبرها فيه فقال: كانت من المحسنات، وكانت لا تخلو من عشق، ولم يعرف في الدنيا امرأة أعظم منها في الطنبور، وكانت لها صنعة عجيبة، فمنها في الرمل:
كن لي شفيعا إليكاإن خفّ ذاك عليكا
وأعفني من سؤالىسواك ما في يديكا
يا من أعزّ وأهوىمالي أهون عليكا؟
أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال: حدثنا حماد بن إسحاق قال: قال، لي عليّ بن الهيثم اليزيديّ: كان أبو محمد - يعني أبي رحمه اللّه إسحاق بن إبراهيم الموصليّ - يألفني ويدعوني، ويعاشرني، فجاء يوما إلى أبي الحسن إسحاق بن إبراهيم فلم يصادفه، فرجع ومرّ بي، وأنا مشرف من جناح لي، فوقف وسلّم عليّ.
وأخبرني بقصته، وقال؛ هل تنشط اليوم للمسير إليّ؟ فقلت له: ما على الأرض شيء أحبّ إليّ من ذلك، ولكني أخبرك بقصتي، ولا أكتمك. فقال: هاتها، فقلت: عندي اليوم محمد بن عمرو بن مسعدة وهارون بن أحمد ابن هشام، وقد دعونا عبيدة الطّنبورية، وهي حاضرة، والساعة يجيء الرجلان، فامض في حفظ اللّه، فإني أجلس معهم حتى تنتظم أمورهم، وأروح إليك، فقال لي: فهلّا عرضت عليّ المقام عندك؟ فقلت له: لو علمت أن ذلك مما تنشط له واللّه لرغبت إليك فيه، فإن تفضلّت بذلك كان أعظم لمنّتك، فقال: أفعل، فإني قد كنت أشتهي أن أسمع عبيدة، ولكن لي عليك شريطة، قلت: هاتها، قال: إنها إن عرفتني وسألتموني أن أغنّي بحضرتها لم يخف عليها أمري وانقطعت فلم تصنع شيئا، فدعوها على جبلّتها، فقلت: أفعل ما أمرت به، فنزل وردّ دابته وعرّفت صاحبيّ ما جرى، فكتماها أمره وأكلنا ما حضر، وقدّم النبيذ، فغنت لحنا لها تقول:
قريب غير مقتربومؤتلف كمجتنب
له ودّي ولي منهدواعي الهم والكرب
أواصله على سببويهجرني بلا سبب
ويظلمني على ثقةبأنّ إليه منقلبي
فطرب إسحاق، وشرب نصفا، ثم غنّت وشرب نصفا، ولم يزل كذلك حتى والى بين عشرة أنصاف، وشربناها معه؛ وقام ليصلّي، فقال لها هارون بن أحمد بن هشام: ويحك يا عبيدة! ما تبالين واللّه متى مت، قالت: ولم؟ قال: أتدرين من المستحسن غناءك والشارب عليه ما شرب؟ قالت: لا واللّه، قال: إسحاق بن إبراهيم الموصليّ، فلا تعرّفيه أنك قد عرفته. فلما جاء إسحاق ابتدأت تغنّي، فلحقتها هيبة له، واختلاط، فنقصت نقصانا بيّنا، فقال لنا: أعرّفتموها من أنا؟ فقلنا له: نعم. عرّفها إيّاك هارون بن أحمد، فقال إسحاق: نقوم إذا، فننصرف، فإنه لا خير في عشرتكم الليلة ولا فائدة لي ولا لكم، فقام فانصرف.
حدثني بهذا الخبر جحظة عن جماعة منهم العباس بن أبي العبيس، فذكر مثله وقال فيه: إن الصوت الذي غنّته.
يا ذا الذي بعذابي ظلّ مفتخرا
حدثني جحظة قال: حدثني محمد بن سعيد الحاجب قال: حدثني ملاحظ غلام أبي العباس بن الرشيد. وكان في خدمة سعيد الحاجب، قال: اجتمع الطّنبوريّون عند أبي العباس بن الرشيد يوما، وفيهم المسدود وعبيدة، فقالوا للمسدود: غنّ، فقال: لا واللّه، لا تقدّمت، عبيدة، وهي الأستاذة، فما غنّى حتى غنّت.
وحدثني جحظة، قال: حدثني شرائح الخزاعيّ صاحب ساباط شرائح بسويقة نصر وساباط شرائح مشهور قال: كانت عبيدة تعشقني فتزوّجت فمرت بي يوما فسألتها الدّخول إليّ فقالت يا كشخان، كيف أدخل إليك وقد أقعدت في بيتك صاحب مصلحة! ولم تدخل.
وحدثني جحظة قال: وهب لي جعفر بن المأمون طنبورها فإذا عليه مكتوب بأبنوس:
كل شيء سوى الخيانة في الحبّ يحتمل
وحدثني جحظة وجعفر بن قدامة، وخبر جعفر أتم، إلا أني قرأته على جحظة، فعرفه، وذكر لي أنه سمعه، قالا جميعا: حدثنا أحمد بن الطيب السرخسيّ قال: كان عليّ بن أحمد بن بسطام المروزيّ - وهو ابن بنت شبيب بن واج، وشبيب أحد النفر الذي سترهم المنصور خلف قبّته يوم قتل أبا مسلم؛ وقال لهم: إذا صفّقت فاخرجوا فاضربوه بسيوفكم. ففعل وفعلوا - فكان عليّ بن أحمد هذا يتعشق عبيدة الطنبورية وهو شاب وأنفق عليها مالا جليلا، فكتبت إليه أسأله عن خبرها ومن هي؟
ومن أين خرجت؟ فكتب إليّ: كانت عبيدة بنت رجل يقال له صباح مولى أبي السمراء الغسّانيّ، نديم عبد اللّه بن طاهر - وأبو السمراء أحد العدّة الذين وصلهم عبد اللّه بن طاهر في يوم واحد لكل رجل منهم مائة ألف دينار - وكان الزّبيديّ الطّنبوريّ أخو نظم العمياء، يختلف إلى أبي السمراء، وكان صباح صاحب أبي السمراء، فكان الزبيدي إذا سار إلى أبي السمراء فلم يصادفه أقام عند صباح والد عبيدة وبات، وشرب، وغنى وأنس، وكان لعبيدة صوت حسن وطبع جيّد، فسمعت غناء الزّبيدي، فوقع في قلبها واشتهته، وسمع الزّبيدي صوتها، وعرف طبعها فعلّمها، وواظب عليها، ومات أبوها، ورقّت حالها، وقد حذفت الغناء على الطّنبور، فخرجت تغنّي، وتقنع باليسير، وكانت مليحة مقبولة خفيفة الروح، فلم يزل أمرها يزيد، حتى تقدّمت وكبر حظها، واشتهاها الناس. وحلّت تكّتها، وسمحت، ورغب فيها الفتيان، فكان أول من تعشقّها على بن الفرج الرّخجيّ أخو عمر، وكان حسن الوجه كثير المال، فكنت أراها عنده، وكنّا نتعاشر على الفروسيّة، ثم ولدت من عليّ بن الفرج بنتا، فحجبها لأجل ذلك، فكانت تحتال في الأوقات بعلة الحمّام وغيره، فتلمّ بمن كانت تودّه ويودّها، فكنت ممن تلمّ به، وأنا حينئذ شاب قد ورثت عن أبي مالا عظيما وضياعا جليلة، ثم ماتت بنتها من عليّ بن الفرج، وصادف ذلك نكبتهم واختلال حال عليّ بن الفرج، فطلّقها فخرجت، فكانت تخرج بدينارين للنهار ودينارين لليل، واعترت بأبي السمراء، ونزلت في بعض دوره.
وتزوجت أمها بوكيل له، فتعشّقت غلاما من آل حمزة بن مالك يقال له شرائح وهو صاحب ساباط شرائح ببغداد، وكان يغنّي بالمعزفة غناء مليحا، وكان حسن الوجه، لا عيب في جماله إلا أنه كان متغيّر النّكهة، وكانت شديدة الغلمة لا تحرم أحدا ولا تكرهه، من حدّ الكهول إلى الطفل، حتى تعلّقت شابّا يعرف بأبي كرب بن أبي الخطاب، مشرط الوجه أفطس قبيحا شديد الأدمة، فقيل لها: أيّ شيء رأيت في أبي كرب؟ فقالت: قد تمتعت بكل جنس من الرجال إلا السودان، فإن نفسي تبشعهم، وهذا بين الاسود والأبيض، وبينه فارغ لما أريد، وهو صفعاني إذا أردت ووكيلي إذا أردت. قال: وكان لها غلام يضرب عليها يقال له عليّ ويلقب ظئر عبيدة، فكانت إذا خلت في البيت وشبقت اعتمدت عليه، وقالت: هو بمنزلة بغل الطحّان يصلح للحمل والطّحن والركوب.
وكان عمرو بن بانة إذا حصل عنده إخوان له يدعوها لهم تغنّيهم مع جواريه، وإنما عرفها من داري، لأنه بعث يدعوني، فدخل غلامه، فرآها عندي، فوصفها له فكتب إليّ يسألني أن أجيئه بها معي. ففعلت، وكان عنده محمد بن عمرو بن مسعدة والحارث بن جمعة والحسن بن سليمان البرقي وهارون بن أحمد بن هشام، فعدلوا كلّهم إلى استماع غنائها والاقتراح له والإقبال عليه، ومال إليها جواريه، وما خرجت إلا وقد عقدت بين الجماعة مودة، وكان جواري عمرو بن بانة يشتقن إليها، فيسألنه أن يدعوها، فيقول لهنّ: ابعثن إلى عليّ حتى يبعث بها إليكنّ، فإنه يميل إليها، وهو صديقي وأخشى أن يظن أني قد أفسدتها عليه - ولم يكن به هذا إنما كان به الدّيناران اللذان يريد أن يحدرها بهما - وكان عمرو من أبخل الناس، وكان صوت إسحاق بن إبراهيم عليها:
يا ذا الذي بعذابي ظل مفتخرا
وكانت صوت علّوية ومخارق عليها:
قريب غير مقترب
وهذان الصوتان جميعا من صنعتها.
وكان إسحاق بن إبراهيم بن مصعب يشتهي أن يسمعها، ويمنع نفسه ذلك لتيهه ولبر مكته وتوفّيه أن يبلغ المعتصم عنه شيء يعيبه، وماتت عبيدة من نزف أصابها، فأفرط حتى أتلفها.
وفي عبيدة يقول بعض الشعراء، ومن الناس من ينسبه إلى إسحاق:
أمست عبيدة في الإحسان واحدةفاللّه جار لها من كل محذور
من أحسن الناس وجها حين تبصرهاوأحذق الناس إن غنّت بطنبور
أخبرني جعفر بن قدامة قال حدثني محمد بن عبد اللّه بن مالك الخزاعي قال: سمعت إسحاق يقول: الطنبور إذا تجاوز عبيدة هذيان.
صوت
سقمت حتى ملّني العائدوذبت حتى شمت الحاسد
وكنت خلوا من رسيس الهوىحتى رماني طرفك الصائد
الشعر فيما أخبرني به جحظة لخالد الكاتب ووجدته في شعر محمد بن أميّة له، والغناء لأحمد بن صدقة الطنبوريّ، رمل مطلق.
وقد مضت أخبار خالد الكاتب ومحمد بن أمية ونذكرها هنا أخبار أحمد بن صدقه.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع