تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

أخبار إبراهيم بن المدّبر

فيه ٢٥٤ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

أبو إسحاق بن المدبّر شاعر كاتب متقدم من وجوه كتاب أهل العراق ومتقدميهم وذوي الجاه والمتصرّفين في كبار الأعمال ومذكور الولايات، وكان المتوكل يقدّمه ويؤثره، ويفضله، وكانت بينه وبين عريب حال مشهورة، كان يهواها، وتهواه، ولهما في ذلك أخبار كثيرة، قد ذكرت بعضها في أخبار عريب، وأذكر باقيها هاهنا.

أخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال: حدثني إبراهيم بن المدبر قال: مرض المتوكل مرضة خيف عليه منها ثم عوفي، وأذن للناس في الوصول إليه، فدخلوا على طبقاتهم كافة ودخلت معهم، فلما رآني استدناني، حتى قمت وراء الفتح، ونظر إليّ مستنطقا فأنشدته:

يوم أتانا بالسرورفالحمد للّه الكبير
أخلصت فيه شكرهووفيت فيه بالنّذور
لما اعتللت تصدّعتشعب القلوب من الصدور
من بين ملتهب الفؤادو بين مكتئب الضمير
يا عدّتي للدّين والدّنيا وللخطب الخطير
كانت جفوني ثرّة الآماق بالدّمع الغزير
لو لم أمت جزعا لعمرك إنني عين الصبور
يومي هنالك كالسّنين وساعتي مثل الشّهور
يا جعفر المتوكل العالي على البدر المنير
اليوم عاد الدين غضّالعود ذا ورق نضير
واليوم أصبحت الخلافة وهي أرسى من ثبير
قد حالفتك وعاقدتك على مطاولة الدّهور
يا رحمة للعالمين ويا ضياء المستنير
يا حجة اللّه الّتيظهرت له بهدى ونور
للّه أنت فما نشاهد منك من كرم وخير
حتى نقول ومن بقربك من وليّ أو نصير
البدر ينطق بينناأم جعفر فوق السرير!
فإذا تواترت العظاثم كنت منقطع النّظير
وإذا تعذّرت العطايا كنت فيّاض البحور
تمضي الصواب بلا وزير أو ظهير أو مشير

فقال المتوكل للفتح: إن إبراهيم لينطق عن نية خالصة، وودّ محض، وما قضينا حقّه، فتقدم بأن يحمل إليه الساعة خمسون ألف درهم، وتقدم إلى عبيد اللّه بن يحيى بأن يولّييه عملا سريّا ينتفع به.

حدثني عمّي قال: حدثني محمد بن داود بن الجرّاح قال: كان أحمد بن المدبّر ولي لعبيد اللّه بن يحيى بن خاقان عملا، فلم يحمد أثره فيه، وعمل على أن ينكبه. وبلغ أحمد ذلك فهرب، وكان عبيد اللّه منحرفا عن إبراهيم، شديد النّفاسة عليه برأي المتوكل فيه، فأغراه به، وعرّفه خبر أخيه، وأدّعى عليه مالا جليلا، وذكر أنه عند إبراهيم أخيه، وأوغر صدره عليه حتى أذن له في حبسه، فقال وهو محبوس:

تسلي ليس طول الحبس عاراوفيه لنا من اللّه اختيار
فلو لا الحبس ما بلي اصطبارولو لا الليل ما عرف النهار
وما الأيام إلا معقباتولا السلطان إلا مستعار
وعن قدر حبست فلا نقيضوفيما قدّر اللّه الخيار
سيفرج ما ترين إلى قليلمقدره وإن طال الإسار

ولإبراهيم في حبسه أشعار كثيرة حسان مختارة، منها قوله في قصيدة أولها:

أدموعها أم لؤلؤ متناثريندى به ورد جنيّ ناضر

يقول فيها:

لا تؤيسنّك من كريم نبوةفالسيف ينبو وهو عضب باتر
هذا الزمان تسومني أيامهخسفا وهأنذا عليه صابر
إن طال ليلى في الأسار فطالماأفنيت دهرا ليله متقاصر
والحبس يحجبني وفي أكنافهمنّي على الضرّاء ليث خادر
عجبا له كيف التقت أبوابهوالجود فيه والغمام الباكر؟
هلا تقطّع أو تصدّع أو وهىفعذرته؛ لكنّه بي فاخر

ومنها قوله في قصيدة أولها:

ألا طرقت سلمى لدى وقعة السّاريفريدا وحيدا موثقا نازح الدار
هو الحبس ما فيه عليّ غضاضةوهل كان في حبس الخليفة من عار!

يقول فيها:

ألست ترين الخمر يظهر حسنهاوبهجتها بالحبس في الطين والقار!
وما أنا إلا كالجواد يصونهمقوّمه للسّبق في طيّ مضمار
أو الدّرة الزهراء في قعر لجّةفلا تجتلى إلا بهول وأخطار
وهل هو إلا منزل مثل منزليوبيت ودار مثل بيتي أو داري؟
فلا تنكري طول المدى وأذى العدىفانّ نهايات الأمور لإقصار
لعلّ وراء الغيب أمرا يسرّنايقدّره في علمه الخالق الباري
وإني لأرجو أن أصول بجعفرفأهضم أعدائي وأدرك بالثّار

فأخبرني عمي عن محمد بن داود: أن حبسه طال، فلم يكن لأحد في خلاصه منه حيلة مع عضل عبيد اللّه وقصده إياه، حتى تخلّصه محمد بن عبد اللّه بن طاهر، وجوّد المسألة في أمره، ولم يلتفت إلى عبيد اللّه، وبذل أن يحتمل في ماله كلّ ما يطالب به، فأعفاه المتوكل من ذلك، ووهبه له، وكان إبراهيم استغاث به ومدحه، فقال:

دعوتك من كرب فلبّيت دعوتيولم تعترضّني إذ دعوت المعاذر
إليك وقد حلّئت أوردت همّتيوقد أعجزتني عن همومي المصادر
نمي بك عبد اللّه في العزّ والعلاوحاز لك المجد المؤثّل طاهر
فأنتم بنو الدنيا وأملاك جوّهاوساستها والأعظمون الأكابر
مآثر كانت للحسين ومصعبوطلحة لا تحوي مداها المفاخر
إذا بذلوا قيل الغيوث البواكروإن غضبوا قيل الليوث الهواصر
تطيعكم يوم اللقاء البواتروتزهو بكم يوم المقام المنابر
وما لكم غير الأسرّة مجلسولا لكم غير السيوف مخاصر
ولي حاجة إن شئت أحرزت مجدهاوسرّك منها أول ثم آخر
كلام أمير المؤمنين وعطفهفمالي بعد اللّه غيرك ناصر
وإن ساعد المقدور فالنّجح واقعوإلا فإني مخلص الودّ شاكر

حدثني جعفر بن قدامة قال: كتبت عريب من سرّ من رأى إلى إبراهيم بن المدبر كتابا تتشوّقه فيه، وتخبره باستيحاشها له، واهتمامها بأمره، وأنها قد سألت الخليفة في أمره، فوعدها بما تحبّ، فأجابها عن كتابها، وكتب في آخر الكتاب:

لعمرك ما صوت بديع لمعبدبأحسن عندي من كتاب عريب
تأمّلت في أثنائه خطّ كاتبورقّة مشتاق ولفظ خطيب
وراجعني من وصلها ما استرقّنيوزهّدني في وصل كلّ حبيب
فصرت لها عبدا مقرّا بملكهاومستمسكا من ودها بنصيب

أخبرني جعفر بن قدامة قال: كان عليّ بن يحيى المنجّم وإبراهيم بن المدبر مجتمعين في منزل بعض الوجوه بسرّ من رأى على حال أنس، وكانت تغنّيهم جارية يقال لها نبت جارية البكرية المغنية من جواري القيان، فأقبل عليها إبراهيم بن المدبّر بنظره ومزحه وتجميشه، وهي مقبلة على فتى كان أمرد من أولاد الموالي يقال له مظفّر، كانت تهواه، وكان أحسن الناس وجها، ولم يزل ذلك دأبهم إلى أن افترقوا، فكتب إليه عليّ بن يحيى يقول:

لقد فتنت نبت فتى الظّرف والنّدىبمقلة ريم فاتر الطّرف أحور
وشدو يروق السامعين ويملأ القلوب سرورا مونق متخيّر
للشاعر علي بن يحيى المنجم، اقرأ القصيدة
فأصبح في فخّ الهوى متقنّصاعزيز على إخوانه ابن المدبّر
للشاعر علي بن يحيى المنجم، اقرأ القصيدة
ولم تدر ما يلقى بها ولو أنّهادرت روّحت من حرّه المتسعّر
للشاعر علي بن يحيى المنجم، اقرأ القصيدة
وذاك بها صبّ ونبت خليّةومشغولة عنه بوجه مظفّر
ولو أنصفت نبت لما عدلت بهسواه وحازت حسن مرأى ومخبر
للشاعر علي بن يحيى المنجم، اقرأ القصيدة

فكتب إليه إبراهيم بن المدبر:

طربت إلى قطربّل وبلشكروراجعت غيّا ليس عني بمقصر
وذكّرني شعر أتاني مونقحبائب قلبي في أوائل أعصري
فنهنهت نفسي عن تذكّر ما مضىوقلت: أفيقي لات حين تذكّر
أبا حسن ما كنت تعرف بالخناولا بعلوّ في المكان المؤخّر
وما زلت محمود الشمائل مرتضى الخلائق معروفا بعرف ومنكر
أترمي بنبت من جفاها تخيّراوباعدها عنه برأي موقّر؟
ودافعها عن سرّها وهي تشتكيإليه تباريح الهوى المتسعّر
ولو كان تبّاعا دواعي نفسهإذا لقضى أو طاره ابن المدبّر
على أنه لو حصحص الحقّ باعهاولو كان مشغوفا بها بمظفّر
بلؤلؤة زهراء يشرق ضوءهاوغرّة وجه كالصباح المشهّر
إلى اللّه أشكو أنّ هذا وهذهغزالا كثيب ذي أقاح منوّر
وأنت فقد طالبتها فوجدتهالها خلق لا يرغوي ذو توعّر
وحاولت منها سلوة عن مظفّرفما لان منها العطف عند التّخيّر
نصحتك عن ودّ ولم أك جاهدافإن شئت فاقبل قول ذي النصح أوذر

فكتب إليه عليّ بن يحيى المنجم:

لعمري لقد أحسنت يا بن المدبّروما زلت في الإحسان عين المشهّر
ظرفت ومن يجمع من العلم مثل ماجمعت أبا إسحاق يظرف ويشهر
للشاعر علي بن يحيى المنجم، اقرأ القصيدة

ولإبراهيم في نبت هذه أشعار كثيرة منها قوله:

نبت إذا سكتت كان السكوت لهازينا وإن نطقت فالدرّ ينتشر
وإنما أقصدت قلبي بمقلتهاما كان سهم ولا قوس ولا وتر

وقوله:

يا نبت يا نبت قد هام الفؤاد بكموأنت واللّه أحلى الخلق أنسانا
ألا صليني فإنّي قد شغفت بكمإن شئت سرّا وإن أحببت إعلانا

أخبرني جعفر بن قدامة قال: كان في إصبع إبراهيم بن المدبر خاتمان وهبتهما له عريب، وكانا مشهورين لها، فاجتمع مع أبي العبيس بن حمدون في اليوم التاسع والعشرين من شعبان على شرب، فلما سكرا اتفقا على أن يصير إبراهيم إلى أبى العبيس، ويقيم عنده من غد إن لم ير الهلال، وأخذ الخاتمين منه رهنا. ورئي الهلال في تلك الليلة، وأصبح الناس صياما، فكتب إبراهيم إلى أبي العبيس يطالبه بالخاتمين، فدافعه، وعبث به، فكتب إليه من غد:

كيف أصبحت يا جعلت فداكاإنني أشتكي إليك جفاكا
قد تمادى بك الجفاء وما كنت حقيقا ولا حريّا بذاكا
كن شبيها بمن مضى جعل الله لك العمر دائما ورعاكا
إنّ شهر الصيام شهر فكاكأنت فيه ونحن نرجو الفكاكا
فاردد الخاتمين ردّا جميلاقد تنعّمت فيهما ما كفاكا
يا أبا عبد اللّه دعوة داعيرتجي نجح أمره إذ دعاكا

- يعني أبا عبد اللّه بن حمدون والد أبي العبيس المخاطب بهذا الشعر -

خاتماي اللذان عند أبي العباس قد شارفا لديه الهلاكا
وهو حرّ وقد حكاك كماأنك قد المكرمات تحكي أباكا

فبعث بالخاتمين إليه.

وأخبرني جعفر قال: زارت عريب إبراهيم بن المدبر وهو في داره على الشاطىء في المطيرة واقترحت عليه حضور أبي العبيس فكتب إليه إبراهيم:

قل لابن حمدون ذاك الأريبوذاك الظريف وذاك الحسيب
كتابي إليك بشكوى عريبلوجد شديد وشوق عجيب
وشوقي إليك كشوق الغريبإلى أرضه بعد طول المغيب
ويومي إن أنت تمّمتهبقربك ذو كلّ حسن وطيب
حباني الزمان كما أشتهيبقرب الحبيب وبعد الرقيب
فما زلت أشرب من كفّهوأسقيه سقي اللطيف الأديب
ويشكو إليّ وأشكو إليهبقول عفيف وقول مريب
إلى أن بدا لي وجه الصباحكوجهك ذاك العجيب الغريب
فلا تخلنا يا نظام السرور منك فأنت شفاء الكئيب
وغنّ لنا هزجا ممسكاتخفّ له حركات اللبيب
فإنك قد حزت حسن الغناءوقد فزت منه بأوفى نصيب
وكن بأبي أنت رجع الجوابفداؤك أنفسنا من مجيب

أخبرني جعفر قال: غنّى أبو العبيس بن حمدون يوما عند إبراهيم:

صوت

إني سألتك بالذيأدنى إليك من الوريد
إلّا وصلت حبالناوكفيتنا شرّ الوعيد

فزاد فيه إبراهيم قوله:

الهجر لا مستحسنبعد المواثق والعهود
وأراك مغراة بهأفما غرضت من الصدود؟
إني أجدّد لذّتيما لاح لي يوم جديد
شربى معتّقة الكروم ونزهتي ورد الخدود

فغنى هذه الأبيات أبو العبيس متصلة باللحن الأول في البيتين وصار الجميع صوتا واحدا إلى الآن، والأبيات الأخيرة لإبراهيم بن المدبر والأوّلان ليسا له.

نسبة هذا الصوت

الغناء في البيتين الأولين خفيف ثقيل مزموم لأبي العبيس، وفيهما لبنان خفيف ثقيل آخر مطلق وفيهما لعريب ثاني ثقيل بالوسطى.

قال جعفر: وغنته يوما كراعة بسرّ من رأى ونحن حضور عنده.

يا معشر الناس أما مسلميشفع عند المذنب العاتب؟
ذاك الذي يهرب من وصلناتعلّقوا باللّه بالهارب

فزاد فيهما قوله:

ملّكته حبلى ولكنّهألقاه من زهد على غاربي
وقال إني في الهوى كاذبفانتقم اللّه من الكاذب

حدثني عمي، قال: حدثني محمد بن داود قال: كتب إبراهيم بن المدبر إلى أبي عبد اللّه بن حمدون في أيام نكبته يسأله إذكار المتوكّل والفتح بأمره:

كم ترى يبقى على ذا بدنيقد بلي من طول همّ وضني!
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة
أنا في أسر وأسباب ردّىوحديد فادح يكلمني
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة
يا بن حمدون فتى الجود الذيأنا منه في جنى ورد جنى
ما الذي ترقبه أم ما ترىفي أخ مضطهد مرتهن!
وأبو عمران موسى حنقحاقد يطلبني بالإحن
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة
وعبيد اللّه أيضا مثلهونجاح بي مجدّ مايني
ليس يشفيه سوى سفك دميأو يراني مدرجا في كفني
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة
والأمير الفتح إن أذكرتهحرمتي قام بأمري وعني
فأل صدق حين أدعو باسمهوسرور حين يعرو حزني
قل له: يا حسن ما أوليتنيمالما أوليتني من ثمن
زاد إحسانك عندي عظماأنّه باد لمن يعرفني
لست أدري كيف أجزيك بهغير أني مثقل بالمنن
ما رأى القوم كذنبي عندهمعظم ذنبي أنّني لم أخن
ذاك فعلي وتراثي عن أبيواقتدائي بأخي في السّنن
سنّة صالحة معروفةهي منّا في قديم الزمن
ظفر الأعداء بي عن حيلةولعل اللّه أن يظفرني
ليت أني وهم في مجلسيظهر الحقّ به للفطن
فترى لي ولهم ملحمةيهلك الخائن فيها والدّني
والذي أسأل أن ينصفنيحاكم يقضي بما يلزمني
قل لحمدون خليلي وابنهولعيسى حرّكوه يا بنى

- يعني يا بني الزانية، فلم يزالوا في أمره حتى خلّصوه -

هل جرب الخمر من فهما؟

حدثني محمد بن يحيى الصولي: قال: كان إبراهيم بن المدبر يحب جارية للمغنية المعروفة بالبكرية بسرّ من رأى فقال فيها:

غادرت قلبي في إسار لديكفويلتا منك وويلي عليك
قد يعلم اللّه على عرشهأني أعاني الموت شوقا إليك
منّي بفكّ الأسر أو فاقتليأيهما أحببت من حسنييك
قد كنت لا أعدى على ظالمفصرت لا أعدي على مقلتيك
الخمر من فيك لمن ذاقهوالورد للناظر من وجنتيك
يا حسرتا إن متّ طوع الهوىولم أنل ما أرتجيه لديك

وأنشدها أبو عبد اللّه بن حمدون هذه الأبيات، وغنّت بها، وجعل يكرّر قوله:

الخمر من فيك لمن ذاقه

ويقول: هذا واللّه قول خبير مجرّب، فاستحيت من ذلك، وسبّت إبراهيم، فبلغه ذلك، فكتب إلى أبي عبد اللّه يقول:

ألم يشقك التماع البرق في السحر؟بلى وهيّج من وجد ومن ذكر
ما زال دمعي غزير القطر منسجماسحّا بأربعة تجري من الدّرر
وقلت للغيث لما جاد وابلهوما شجاني من الأحزان والسّهر
يا عارضا ماطرا أمطر على كبديفإنّها كبد حرّي من الفكر
لشدّ ما نال منّي الدهر واعتلقتيد الزمان وأوهت من قوى مرري
يا واحدي من عباد اللّه كلّهمويا غناي ويا كهفي ويا وزري
أحين أنشدت شعري في معذّبتيأما رثيت لها من شدة الحصر؟
وما شفعت بها شعري وقلت بهفي ريقها البارد السلسال ذي الخصر
لبئس مستنصحا في مثل ذلك يانفسي فداؤك من مستنصح غدر
واليوم يوم كريم ليس يكرمهإلّا كريم من الفتيان ذو خطر
نشدتك اللّه فاصبحه بصحبتهمباكرا فألدّ الشّرب في البكر
وأجمع نداماك فيه واقترح رملاصوتا تغنّيه ذات الدّل والخفر
يرتاح للدّجن قلبي وهو مقتسمبين الهموم ارتياح الأرض للمطر
يا غادرا يا أحبّ الناس كلّهمإليّ واللّه من أنثى ومن ذكر
ويا رجائي ويا سؤلي ويا أمليويا حياتي ويا سمعي ويا بصري
ويا مناي ويا نوري ويا فرحيويا سروري ويا شمسي ويا قمري
لا تقبلي قول حسّادي عليّ ولاواللّه ما صدقوا في القول والخبر
أدالني اللّه من دهر يضعضعنيفقد حجبت عن التسليم والنظر
إن يحجبوا عنك في تقديرهم بصريفكيف لم يحجبوا ذكري ولا فكري؟
يا قوم قلبي ضعيف من تذكّرهاوقلبها فارغ أقسى من الحجر
اللّه يعلم أنّي هائم دنفبغادة ليتها حظّي من البشر

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال: حدثني عبد اللّه بن محمد المروزي، قال: حدثني الفضل بن العباس ابن المأمون، قال: زارتني عريب يوما ومعها عدّة من جواريها، فوافتنا ونحن على شرابنا، فتحدثت معنا ساعة، وسألتها أن تقيم عندنا، فأبت، وقالت: قد وعدت جماعة من أهل الأدب والظّرف أن أصير إليهم، وهم في جزيرة المربد، منهم إبراهيم بن المدبر، وسعيد بن حميد، ويحيى بن عيسى بن منارة، فخلفت عليها، فأقامت. ودعت بدواة وقرطاس وكتبت إليهم سطرا واحدا؛ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

أردت، ولو لا، ولعلي.

ووجهّت الرقعة إليهم، فلما وصلت قرءوها، وعيوا بجوابها، فأخذها إبراهيم بن المدبّر، فكتب تحت أردت «ليت» وتحت لو لا «ماذا»؟ وتحت لعلي «أرجو» ووجّه بالرقعة إليها، فلما قرأتها طربت ونعرت، وقالت: أنا أترك هؤلاء وأقعد عندكم؟ تركني اللّه إذا من يديه، وقامت فمضت وقالت لكم فيمن أتخلّفه عندكم من جواريّ كفاية.

أخبرني محمد بن خلف: قال: حدثني عبد اللّه بن المعتز، قال: قرأت في مكاتبات لعريب فصلا من جواب أجابت به إبراهيم بن المدبّر مكاتبة بديعة بعيادة: قد استبطأت عيادتك - قدّمت قبلك - وعذرتك، فما ذكرت عذرا ضعيفا لا ينبغي أن يفرح به. فأستديم اللّه نعمه عندك.

قال وكتبت إليه أيضا: أستوهب اللّه حياتك، قرأت رقعتك المسكينة التي كلّفتها مسألتك عن أحوالنا، ونحن نرجو من اللّه أحسن عوائده عندنا وندعوه ببقائك، ونسأله الإجابة فلا تعوّد نفسك - جعلني اللّه فداءها - هذا الجفاء، والثقة مني بالاحتمال وسرعة الرجوع.

وكتبت إليه وقد بلغها صومه يوم عاشوراء: قبل اللّه صومك وتلقّاه بتبليغك ما التمست، كيف ترى نفسك؟ - نفسي فداؤك - ولم كدّرت جسمك في آب، أخرجه اللّه عنك في عافية، فإنه فظ غليظ وأنت محرور، وإطعام عشرة مساكين أعظم لأجرك، ولو علمت لصمت لصومك مساعدة لك وكان الثواب في حسناتك دوني، لأن نيتي في الصوم كاذبة.

أخبرني جعفر بن قدامة قال: اتصلت لعريب أشغال دائمة في أيام تركوا رسي، وخدمتها فيما هنالك. فلم يرها إبراهيم بن المدبّر مدة، فكتب إليها:

صوت

إلى اللّه أشكو وحشتي وتفجّعيوبعد المدى بيني وبين عريب
مضى دونها شهران لم أحل فيهمابعيش ولا من قربها بنصيب
فكنت غريبا بين أهلي وجيرتيولست إذا أبصرتها بغريب
وإنّ حبيبا لم ير النّاس مثلهحقيق بأن يفدى بكلّ حبيب

لعريب في هذه الأبيات خفيف ثقيل من رواية ابن المعتز، وهو من مشهور غنائها.

وقال ابن المعتز في ذكره مكاتبات عريب إلى إبراهيم بن المدبر، وقد كتب إليها يشكو علته: كيف أصبحت أنعم اللّه صباحك ومبيتك؟ وأرجو أن يكون صالحا، وإنما أردت إزعاج قلبي فقط.

وكتبت إليه تدعو له في شهر رمضان: أفديك بسمعي وبصري وأهلّ اللّه هذا الشهر عليك باليمن والمغفرة، وأعانك على المفترض فيه والمتنفّل، وبلّغك مثله أعواما، وفرّج عنك وعنّي فيه.

قال وكتبت إليه: فداؤك السمع والبصر والأمّ والأب ومن عرفني وعرفته. كيف ترى نفسك وقّيتها الأذى؟ وأعمى اللّه شائنك، ومقّه؟ اللّه عند هذه الدعوة، وأرجو أن تكون قد أجيبت إن شاء اللّه، وكيف ترى الصوم؟ عرّفك اللّه بركته، وأعانك على طاعته، وأرجو أن تكون سالما من كل مكروه بحول اللّه وقوّته، وواشوقي إليك وواحشتي لك، ردّك اللّه إلى أحسن ما عوّدك، ولا أشمت بي فيك عدوّا ولا حاسدا. وقد وافاني كتابك لا عدمته إلّا بالغنى عنه بك، وذكرت حامله، فوجهت رسولي إليه ليدخله، فأسأله عن خبرك، فوجدته منصرفا، ولو رأيته لفرشت خدّي له، وكان لذلك أهلا.

وكتبت إليه وقد عتبت عليه في شيء بلغها عنه: وهب اللّه لنا بقاءك ممتّعا بالنعم، ما زلت أمسّ في ذكرك، فمرة بمدحك، ومرة بشكرك، ومرة بأكلك وذكرك بما فيك لونا لونا. اجحد ذنبك الآن وهات حجج الكتّاب ونفاقهم، فأما خبرنا أمس فإما شربنا من فضلة نبيذك على تذكارك رطلا رطلا، وقد رفعنا حسباننا إليك، فارفع حسبانك إلينا، وخبّرنا من زارك أمس وألهاك، وأي شيء كانت القصة على جهتها؟ ولا تخطرف، فتحوجنا إلى كشفك والبحث عنك، وعن حالك، وقل الحقّ، فمن صدق نجا، وما أحوجك إلى تأديب، فإنك لا تحسن أن تؤدّبه، والحقّ أقول إنه يعتريك كزاز شديد يجوز حدّ البرد. وكفاك بهذا من قولي عقوبة، وإن عدت سمعت أكثر من هذا، والسلام.

حدثني عمي قال: حدثني محمد بن داود قال: كان عيسى بن إبراهيم النّصراني المكنى أبا الخير كاتب سعيد بن صالح يسعى على إبراهيم بن المدبّر في أيام نكبته، فلما زالت، ومات سعيد نكب عيسى بن إبراهيم وحبس ونهبت داره فقال فيه إبراهيم بن المدبر:

قل لأبي الشرّ إن مررت بهمقالة عريّت من اللّبس
ألبسك اللّه من قوارعهآخذة بالخناق والنّفس
لا زلت يا بن البظراء مرتهنافي شرّ حال وضيق محتبس
أقول لما رأيت منزلهمنتهبا خاليا من الأنس
يا منزلا قد عفا من الطّفسوساحة أخليت من الدّنس

من لاقتراف الفحشاء بعد أبي الشرّ ومن للقبيح والنجس؟

أخبرني جعفر بن قدامة قال: ولي إبراهيم بن المدبر بعقب نكبته وزوالها عنه الثغور الجزرية، فكان أكثر مقامه بمنبج، فخرج في بعض أيام ولايته إلى نواحي دلوك ورعبان، وخلّف بمنبج جارية كان يتحظّاها مغنية يقال لها غادر، فحدثني بعض كتابه أنه كان معه بدلوك، وهو على جبل من جبالها، فيه دير يعرف بدير سليمان من أحسن بلاد اللّه وأنزهها، فنزل عليه ودعا بطعام خفيف فأكل وشرب، ثم دعا بدواة وقرطاس فكتب:

أيا ساقيينا وسط دير سليمانأديرا الكئوس فانهلاني وعلّاني
وخصّا بصافيها أبا جعفر أخيوذا ثقتي بين الأنام وخلصاني
وميلا بها نحو ابن سلّام الذيأودّ وعودا بعد ذاك لنعمان
وعمّا بها الندمان والصحب إننيتنكّرت عيشي بعد صحبي وإخواني
ولا تتركا نفسي تمت بسقامهالذكرى حبيب قد شجاني وعنّاني
ترحّلت عنه عن صدود وهجرةوأقبل نحوي وهو باك فأبكاني
وفارقته واللّه يجمع شملنابلوعة محزون وغلّة حرّان
وليلة عين المرج زار خيالهفهيّج لي شوقا وجدّد أشجاني
فأشرفت أعلى الدّير أنظر طامحابألمح آماق وأنظر إنسان
لعلّي أرى أبيات منبج رؤيةتسكّن من وجدي وتكشف أحزاني
فقصّر طرفي واستهلّ بعبرةوفدّيت من لو كان يدري لفدّاني
ومثّله شوقي إليه مقابليوناجاه قلبي بالضمير وناجاني

قرأت على ظهر دفتر فيه شعر إبراهيم بن المدبر أهداه مجموعا إلى أخيه أحمد، فلما وصل إليه قرأه وكتب عليه بخطه:

أبا إسحاق إن تكن اللياليعطفن عليك بالخطب الجسيم
فلم أر صرف هذا الدهر يجريبمكروه على غير الكريم

أخبرني جعفر بن قدامة قال: حدثني ميمون بن هارون قال: اجتمعت مع عريب في مجلس أنس بسرّ من رأى عند أبي عيسى بن المتوكل، وإبراهيم بن المدبر يومئذ ببغداد، فمرّ لنا أحسن يوم، وذكرته عريب فتشوّقته وأحسنت الثناء عليه والذكر له، فكتبت إليه بذلك من غد، وشرحته له، فأجابني عن كتابي وكتب في آخره:

أتعلم يا ميمون ماذا تهيجهبذكرك أحبابي وحفظهم العهدا
ووصف عريب في كريم وفائهاوإجمالها ذكرى وإخلاصها الودّا؟
عليها سلامي إن تكن دارها نأتفقد قرّب اللّه الذي بيننا جدّا
سقى اللّه دارا بعدنا جمعتكموسكّن ربّ العرش ساكنها الخلدا
وخصّ أبا عيسى الأمير بنعمةوأسعد فيما أرتجيه له الجدّا
فما ثمّ من مجد وطول وسوددورأى أصيل يصدع الحجر الصّلدا

حدثني جحظة قال: حدثني عبد اللّه بن حمدون قال: اجتمعت أنا وإبراهيم بن المدبر وابن منارة والقاسم وابن زرزور في بستان بالمطيرة وفي يوم غيم يهريق رذاذه ويقطر أحسن قطر، ونحن في أطيب عيش وأحسن يوم، فلم نشعر إلا بعريب قد أقبلت من بعيد، فوثب إبراهيم بن المدبر من بيننا، فخرج حافيا، حتى تلقّاها وأخذ بركابها، حتى نزلت وقبّل الأرض بين يديها، وكانت قد هجرته مدّة لشيء أنكرته عليه، فجاءت وجلست وأقبلت عليه مبتسمة، وقالت: إنما جئت إلى من هاهنا لا إليك.

فاعتذر وشيّعنا قوله، وشفعنا له. فرضيت وأقامت عندنا يومئذ وباتت، واصطبحنا من غد، وأقامت عندنا فقال إبراهيم:

صوت

بأبي من حقّق الظن بهفأتانا زائرا مبتديا
كان كالغيث تراخى مدّةوأتى بعد قنوط مرويا
طاب يومان لنا في قربهبعد شهرين لهجر مضيا
فأقرّ اللّه عيني وشفىسقما كان لجسمي مبليا

لعريب في هذا الشعر لحنان: رمل وهزج بالوسطى.

أنشدني الصوليّ رحمه اللّه لإبراهيم بن المدبر في عريب:

زعموا أني أحبّ عريباصدقوا واللّه حبّا عجيبا
حلّ من قلبي هواها محلّالم تدع فيه لخلق نصيبا
ليقل من قد رأى الناس قدما:هل رأى مثل عريب عريبا؟
هي شمس والنساء نجومفإذا لاحت أفلن غيوبا

وأنشدني الصوليّ أيضا له فيها:

ألا يا عريب وقيت الرّدىوجنّبك اللّه صرف الزمن
فإنك أصبحت زين النساءوواحدة الناس في كل فنّ
فقربك يدنى لذيذ الحياةوبعدك ينفي لذيذ الوسن
فنعم الجليس ونعم الأنيسونعم السّمير ونعم السّكن

وأنشدني أيضا له:

إن عريبا حلقت وحدهافي كلّ ما يحسن من امرها
ونعمة للّه في خلقهيقصّر العالم عن شكرها
أشهد في جاريتيها علىأنهما محسنتا دهرها
فبدعة تبدع في شدوهاوتحفة تتحف في زمرها
يا ربّ أمتعها بما خوّلتوامدد لنا يا ربّ في عمرها

أخبرنا أبو الفياض سوار بن أبي شراعة القيسي البصريّ قال: كان إبراهيم بن المدبر يتولّى البصرة، وكان محسنا إلى أهل البلد إحسانا يعمهم، ويشتمل على جماعتهم نفعه، ويخصّنا من ذلك بأوفر حظ وأجزل نصيب، فلما صرف عن البصرة شيّعه أهلها، وتفجّعوا لفراقه، وساءهم صرفه، فجعل يرد الناس من تشييعهم على قدر مراتبهم في الأنس به، حتى لم يبق معه إلّا أبي، فقال له: يا أبا شراعة، إن المشيّع مودّع لا محالة، وقد بلغت أقصى الغايات، فبحقي عليك إلا انصرفت، ثم قال: يا غلام احمل إلى أبي شراعة ما أمرتك له به، فأحضر ثيابا وطيبا ومالا، فودّعه أبي، ثم قال:

يا أبا إسحاق سر في دعةوامض مصحوبا فما منك خلف
للشاعر أبو هفان المهزمي، اقرأ القصيدة
ليت شعري أيّ أرض أجدبتفأغيثت بك من جهد العجف؟
نزل الرّحم من اللّه بهموحرمناك لذنب قد سلف
إنما أنت ربيع باكرحيثما صرّفه اللّه انصرف
للشاعر أبو هفان المهزمي، اقرأ القصيدة

أخبرني عليّ بن العباس بن طلحة الكاتب قال: قرأت جوابا بخط أبراهيم بن المدبر في أضعاف رقعة كتبتها إليه عريب، فوجدته قد كتب تحت فصل من الكتاب تسأله فيه عن خبره.

وساءلتموه بعدكم كيف حالهوذلك أمر بيّن ليس يشكل
فلا تسألوا عن قلبه فهو عندكمولكن عن الجسم المخلّف فاسألوا

أخبرني عليّ بن العباس قال: حدثني أبي قال: كنت عند إبراهيم بن المدبّر، فزارته بدعة وتحفة وأخرجتا إليه رقعة من عريب فقرأناها فإذا فيها: بنفسي أنت وسمعي وبصري، وقلّ ذاك لك، أصبح يومنا هذا طيّبا، طيّب اللّه عيشك، قد احتجبت سماؤه ورقّ هواؤه، وتكامل صفاؤه، فكأنه أنت في رقة شمائلك وطيب محضرك ومخبرك، لا فقدت ذلك أبدا منك، ولم يصادف حسنه وطيبه مني نشاطا ولا طربا لأمور صدّتني عن ذلك، أكره تنغيص ما أشتهيه لك من السرور بنشرها.

وقد بعثت إليك ببدعة وتحفة ليؤنساك وتسرّ بهما. سرّك اللّه وسرّني بك! فكتب إليها يقول:

كيف السرور وأنت نازحةعنّي وكيف يسوغ لي الطرب!
إن غبت غاب العيش وانقطعتأسبابه وألحّت الكرب

وأنفذ الجواب إليها، فلم يلبث أن جاءت، فبادر إليها، وتلقاها حافيا حتى جاء بها على حمار مصري كان تحتها إلى صدر مجلسه، يطأ الحمار على بساطه وما عليه، حتى أخذ بركابها، وأنزلها في صدر مجلسه وجلس بين يديها، ثم قال:

ألا رب يوم قصّر اللّه طولهبقرب عريب حبّذا هو من قرب
بها تحسن الدنيا وينعم عيشهاوتجتمع السرّاء للعين والقلب

حدثني عليّ بن سليمان قال: أنشدني أبي قال: أنشدني إبراهيم بن المدبر، وقد كتب إلى بدعة وتحفة يستدعيهما، فتأخرّتا عنه فكتب إليهما:

قل يا رسول لهذهولهذه بأبي هما
قد كان وصلكما لناحسنا ففيم قطعتما؟
أعريب سيّدة النساء بهجرنا أمرتكما؟
كلّا وبيت اللّه بلهذا جفاء منكما

صوت له غنته عريب

وأنشدني عليّ بن العباس لإبراهيم بن المدبر، وفيه لعريب هزج، وقال:

ألا يا بأبي أنتمنأت دار بنا عنكم
فإن كنتم تبدلتمفما من بدل منكم
وإن كنتم على العهدفأحسنتم وأجملتم
ويا ليت المنى حقّتفنبديها ولا تكتم
فكنتم حيثما كناوكنّا حيثما كنتم

وحدثني عليّ قال: حدثني أبي قال: دخلت ليلة على إبراهيم بن المدبر في أيام نكبته ببغداد في ليلة غيم، فلاح برق من قطب الشمال ونحن نتحدث، فقطع الحديث، وأمسك ساعة مفكرا، ثم أقبل عليّ فقال:

بارق شرّد الكرىلاح من نحو ما ترى
هاج للقلب شجوهفاعترى منه ما اعترى
أيها الشادن الذيصاد قلبي وما درى
كن عليما بشقوتيفيك من بين ذا الورى

وحدثني عن أبيه قال: كنت عند إبراهيم بن المدبر فزارته بدعة وتحفة وأقامتا عنده، فأنشدنا يومئذ:

أيها الزائران حياكما الله ومن أنتما له بالسّلام
ما رأينا في الدهر بدرا وشمساطرقا ثم رجّعا بالكلام
كيف خلّفتما عريبا سقاها اللّهربّ العباد صوب الغمام
هي كالشمس والحسان نجومليس ضوء النهار مثل الظلام
جمعت كلّ ما تفرّق في الناس وصارت فريدة في الأنام

وأنشدني عن أبيه لإبراهيم بن المدبر وهو محبوس:

واني لأستنشي الشّمال إذا جرتحنينا إلى ألّاف قلبي وأحبابي
وأهدي مع الريح الجنوب إليهمسلامي وشكوى طول حزني وأوصابي
فيا ليت شعري هل عريب عليمةبذلك أو نام الأحبة عما بي؟

حدثني عمي، عن محمد بن داود قال: كان إبراهيم بن المدبر صديق أبي الصقر اسمعيل بن بلبل فلم يرض فعله لمّا نكب ولا نيابته عنه فقال فيه:

لا تطل عذلي عناءإن في العذل بلاء
لست أبكي بطن مرّفكديّا فكداء
إنّما أبكي خليلاخان في الود الصفاء
يا أبا الصقر سقاك الله تهتانا رواء
وأدام اللّه نعماك وملّاك البقاء
لم تجاهلت وداديوتناسيت الإخاء؟
كنت برّا فعلى رأسي تعلّمت الجفاء
لا تميلنّ مع الريح إذا هبّت رخاء
ربّما هبّت عقيماتترك الدنيا هباء

أخبرني علي بن العباس قال: حدثني أبي قال: كنت عند إبراهيم بن المدبر وزارته عريب. فقال لها: رأيت البارحة في النوم أبا العبيس وقد غنى في هذا الشعر وأنت تراسلينه فيه:

يا خليليّ أرقنا حزنالسنا برق تبدّى موهنا

وكأني أجزته بهذا البيت وسألتكما أن تضيفاه إلى الأول:

وجلا عن وجه دعد موهناعجبا منه سنا أبدى سنا

فقالت: ما أملح واللّه الابتداء والإجازة! فاجعل ذلك في اليقظة، واكتب إلى أبي العبيس وسله عني وعنك الحضور، فكتب إليه إبراهيم:

يا أبا العباس يا أفتى الورىزارنا طيفك في سكر الكرى
وتغنّى لي صوتا حسنافي سنا برق على الأفق سرى
وعريب عندنا حاصلةزين من يمشي على وجه الثّرى
نحن أضيافك في منزلنانتمنّاك فكن أنت القرى

قال: فسار إليهما أبو العبيس، وحدثه إبراهيم برؤياه، فحفظا الشعر، وغنيّا فيه بقية يومهما:

صوت

ألا حيّ قبل البين من أنت عاشقهومن أنت مشتاق إليه وشائقه
ومن لا تواتى داره غير فينةومن أنت تبكي كلّ يوم تفارقه

الشعر لقيس بن جروة الطائي الأجئيّ، قاله في غارة أغارها عمرو بن هند على إبل لطيّىء فحرّض زرارة بن عدس عمرو بن هند على طيىء وقال له: إنهم يتوعّدونك، فغزاهم واتّصلت الأحوال إلى أن أوقع عمرو ببني تميم في يوم أوارة وخبر ذلك يذكرها هنا؛ لتعلّق بعض أخباره ببعض.

والغناء لإبراهيم الموصلي ثقيل أول بالوسطى عن الهشامي ومن مجموع غناء إبراهيم.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»