من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار السموءل ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو السموءل بن عريض بن عاديا، بن حباء، ذكر ذلك أبو خليفة عن محمد بن سلام والسكري عن الطوسي وابن حبيب، وذكر أن الناس يدرجون عريضا في النسب، وينسبونه إلى عاديا جده، وقال عمر بن شبة: هو السموءل بن عاديا، ولم يذكر عريضا.
وحكى عبد اللّه بن أبي سعد عن دارم بن عقال - وهو من ولد السموءل - أن عاديا بن رفاعة بن ثعلبة بن كعب ابن عمرو مزبقيا بن عامر ماء السماء، وهذا عندي محال؛ لأن الأعشى أدرك شريح بن السموءل وأدرك الإسلام، وعمرو مزيقيا قديم، لا يجوز أن يكون بينه وبين السموءل ثلاثة آباء ولا عشرة بل أكثر، واللّه أعلم.
وقد قيل: إن أمه كانت من غسان، وكلهم قالوا: إنه كان صاحب الحصن المعروف بالأبلق بتيماء المشهور بالوفاء، وقيل: بل هو من ولد الكاهن بن هارون بن عمران، وكان هذا الحصن لجده عاديا، واحتفر فيه بئرا رويّة عذبة، وقد ذكرته الشعراء في أشعارها، قال السموءل:
فبالأبلق الفرد بيتي بهوبيت النضير سوى الأبلق
وقال السموءل يذكر بناء جدّه الحصن:
بنى لي عاديا حصنا حصيناوماء كلما شئت استقيت
وكانت العرب تنزل به، فيضيفها، وتمتار من حصنه، وتقيم هناك سوقا.
وبه يضرب المثل في الوفاء لإسلامه ابنه حتى قتل، ولم يخن أمانته في أدراع أودعها.
وكان السبب في ذلك - فيما ذكر لنا محمد بن السائب الكلبي - أن امرأ القيس بن حجر لمّا سار إلى الشام يريد قيصر نزل على السموءل بن عاديا يحصنه الأبلق بعد إيقاعه ببني كنانة على أنهم بنو أسد وكراهة أصحابه لفعله، وتفرقهم عنه، حتى بقي وحده، واحتاج إلى الهرب، فطلبه المنذر بن ماء السماء، ووجه في طلبه جيوشا من إياد وبهراء وتنوخ وجيشا من الأساورة أمده بهم أنو شروان، وخذلته حمير، وتفرقوا عنه: فلجأ إلى السموءل ومعه أدراع كانت لأبيه خمسة: الفضفاضة، والضافية، والمحصنة والخريق، وأم الذيول، وكانت الملوك من بني آكل المرار يتوارثونها ملك عن ملك، ومعه بنته هند، وابن عمه يزيد بن الحارث بن معاوية بن الحارث، وسلاح ومال كان بقي معه، ورجل من بني فزارة يقال له: الربيع بن ضبع شاعر، فقال له الفزاريّ: قل في السموءل شعرا تمدحه به، فإن الشعر يعجبه وأنشده الربيع شعرا مدحه به وهو قوله:
ولقد أتيت بني المصاص مفاخراوإلى السموءل زرته بالأبلق
فأتيت أفضل من تحمّل حاجةإن جئته في غارم أو مرهق
عرفت له الأقوام كلّ فضيلةوحوى المكارم سابقا لم يسبق
قال: فقال امرؤ القيس فيه قصيدته:
طرقتك هند بعد طول تجنّبوهنا ولم تك قبل ذلك تطرق
قال: وقال الفزاري: إن السموءل يمنع منك حتى يرى ذات عينك، وهو في حصن حصين ومال كثير، فقدم به على السموءل، وعرفه إياه، وأنشداه الشعر، فعرف لهما حقّهما، وضرب على هند قبّة من أدم، وأنزل القوم في مجلس له براح، فكانت عنده ما شاء اللّه.
ثم إن امرأ القيس سأله أن يكتب له إلى الحارث بن أبي شمر الغسّاني أن يوصله إلى قيصر، ففعل، واستصحب معه رجلا يدله على الطريق، وأودع بنيه وماله وأدراعه السموءل، ورحل إلى الشام، وخلّف ابن عمه يزيد بن الحارث مع ابنته هند، قال: ونزل الحارث بن ظالم في بعض غاراته بالأبلق؛ ويقال: بل الحارث بن أبي شمر الغساني؛ ويقال: بل كان المنذر وجه بالحارث بن ظالم في خيل، وأمره بأخذ مال امرىء القيس من السموءل.
فلما نزل به تحصن منه، وكان له ابن قد يفع وخرج إلى قنص له، فلما رجع أخذه الحارث بن ظالم، ثم قال للسموءل: أتعرف هذا؟ قال: نعم، هذا ابني، قال: أفتسلّم ما قبلك أم أقتله؟ قال: شأنك به، فلست أخفر ذّمتي، ولا أسلم مال جاري، فضرب الحارث وسط الغلام، فقطعه قطعتين، وانصرف عنه؛ فقال السموءل في ذلك:
وفيت بأدرع الكنديّ إنيإذا ما ذمّ أقوام وفيت
وأوصى عاديا يوما بألّاتهدّم يا سموءل ما بنيت
بنى لي عاديا حصنا حصيناوماء كلّما شئت استقيت
وقال الأعشى يمدح السموءل ويستجير بابنه شريح بن السموءل من رجل كلبي كان الأعشى هجاه، ثم ظفر به، فأسره، وهو لا يعرفه، فنزل بشريح بن المسوءل، وأحسن ضيافته، ومرّ بالأسرى، فناداه الأعشى:
شريح لا تسلمنّي اليوم إذا علقتحبالك اليوم بعد القيد أظفاري
قد سرت ما بين بلقاء إلى عدنوطال في العجم تكراري وتسياري
فكان أكرمهم عهدا وأوثقهمعقدا أبوك بعرف غير إنكار
كالغيث ما استمطروه جاد وابلهوفي الشدائد كالمستأسد الضاري
كن كالسّموءل إذ طاف الهمام بهفي جحفل كسواد الليل جرّار
إذ سامه خطّتي خسف فقال له:قل ما تشاء فإني سامع حار
فقال: غدر وثكل أنت بينهمافاختر، وما فيهما حظّ لمختار
فشكّ غير طويل ثم قال له:اقتل أسيرك إنّي مانع جاري
وسوف يعقبنيه إن ظفرت بهربّ كريم وبيض ذات أطهار
لا سرّهنّ لدينا ذاهب هدراوحافظات إذا استودعن أسراري
فاختار أدراعه كيلا يسبّ بهاولم يكن وعده فيها بختّار
فجاء شريح إلى الكلبي فقال له: هب لي هذا الأسير المضرور فقال: هو لك، فأطلقه، وقال له: أقم عندي، حتى أكرمك، وأحبوك، فقال له الأعشى: إن تمام إحسانك إليّ أن تعطيني ناقة ناجية، وتخلّيني الساعة، فأعطاه ناقة ناجية، فركبها ومضى من ساعته. وبلغ الكبيّ أن الذي وهب لشريح هو الأعشى، فأرسل إلى شريح، ابعث إليّ الأسير الذي وهبت لك حتى أحبوه، وأعطيه، فقال: قد مضى، فأرسل الكلبيّ في أثره، فلم يلحقه.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع