من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
ذكر الخبر في حروب الفجار وحروب عكاظ ونسب أميمة بنت عبد شمس
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
أميمة بنت عبد شمس بن عبد مناف، وأمها تفخر بنت عبيد بن رواس بن كلاب، وكانت عند حارثة بن الأوقص بن مرة بن هلال بن فالح بن ذكوان السلمى، فولدت له أمية بن حارثة.
وكانت هذه الحرب بين قريش وقيس عيلان في أربعة أعوام متواليات، ولم يكن لقريش في أولها مدخل، ثم التحقت بها.
فأما الفجار الأول فكانت الحرب فيه ثلاثة أيام، ولم تسمّ باسم لشهرتها.
وأما الفجار الثاني فإنه كان أعظمهما؛ لأنهم استحلوا فيه الحرم، وكانت أيامه يوم نخلة، وهو الذي لم يشهده رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم منها، وشهد سائرها، وكان الرؤساء فيه حرب بن أمية في القلب، وعبد اللّه بن جدعان، وهشام بن المغيرة في المجنبتين ثم يوم شمطة، ثم يوم العبلاء، ثم يوم عكاظ، ثم يوم الحرة.
قال أبو عبيدة: كان أول أمر الفجار أنّ بدر بن معشر الغفاري أحد بني غفار بن مالك بن ضمرة بن بكر بن عبد مناه بن كنانة كان رجلا منيعا مستطيلا بمنعته على من ورد عكاظ، فاتخذ مجلسا بسوق عكاظ، وقعد فيه وجعل يبذخ على الناس ويقول:
نحن بنو مدركة بن خندفمن يطعنوا في عينه لا يطرف
ومن يكونوا قومه يغطرفكأنهم لجّة بحر مسدف
وبدر بن معشر باسط رجليه يقول: أنا أعزّ العرب، فمن زعم أنه أعزّ مني فليضرب هذه بالسيف، فهو أعز مني، فوثب رجل من بني نصر بن معاوية، يقال له الأحمر بن مازن بن أوس بن النابغة، فضربه بالسيف على ركبته، فأندرها، ثم قال: خذها إليك أيها المخندف، وهو ماسك سيفه، وقام أيضا رجل من هوازن، فقال:
أنا ابن همدان ذوي التّغطرفبحر بحور زاخر لم ينزف
نحن ضربنا ركبة المخندفإذ مدّها في أشهر المعرّف
وفي هذه الضربة أشعار لقيس كثيرة لا معنى لذكرها.
ثم كان اليوم الثاني من أيام الفجار الأول، وكان السبب في ذلك أن شبابا من قريش وبني كنانة كانوا ذوي غرام، فرأوا امرأة من بني عامر جميلة وسيمة، وهي جالسة بسوق عكاظ في درع وهي فضل عليها برقع لها، وقد اكتنفها شباب من العرب، وهي تحدثهم، فجاء الشباب من بني كنانة وقريش، فأطافوا بها، وسألوها أن تسفر، فأبت، فقام أحدهم، فجلس خلفها، وحل طرف ردائها، وشدّه إلى فوق حجزتها بشوكة، وهي لا تعلم، فلما قامت انكشف درعها عن دبرها، فضحكوا، وقالوا: منعتنا النظر إلى وجهك، وجدت لنا بالنظر إلى دبرك، فنادت: يا آل عامر! فثاروا، وحملوا السلاح، وحملته كنانة، واقتتلوا قتالا شديدا، ووقعت بينهم دماء، فتوسط حرب بن أمية، واحتمل دماء القوم، وأرضى بني عامر من مثلة صاحبتهم.
ثم كان اليوم الثالث من الفجار الأول، وكان سببه أنّه كان لرجل من بني جشم بن بكر بن هوازن دين على رجل من بني كنانة فلواه به، وطال اقتضاؤه إياه، فلم يعطه شيئا، فلما أعياه، وافاه الجشمي في سوق عكاظ بقرد، ثم جعل ينادي: من يبيعني مثل هذا الرّبّاح بما لي على فلان بن فلان الكناني؟ من يعطيني مثل هذا بما لي على فلان بن فلان الكناني؟ رافعا صوته بذلك، فلما طال نداؤه بذلك وتعبيره به كنانة مرّ به رجل منهم، فضرب القرد بسيفه، فقتله، فهتف به الجشميّ: يا آل هوازن، وهتف الكنانيّ: يا آل كنانة، فتجمع الحيان فاقتتلوا، حتى تحاجزوا، ولم يكن بينهم قتلى، ثم كفوا، وقالوا: أفي ربّاح تريقون دماءكم، وتقتلون أنفسكم؟ وحمل ابن جدعان ذلك في ماله بين الفريقين.
قال: ثم كان يوم الفجار الثاني، وأول يوم حروبه يوم نخلة، وبينه وبين مبعث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ست وعشرون سنة، وشهد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ذلك اليوم مع قومه، وله أربع عشرة سنة، وكان يناول عمومته النّبل، هذا قول أبي عبيدة. وقال غيره: بل شهدها، وهو ابن ثمان وعشرين سنة.
قال أبو عبيدة: كان الذي هاج هذه الحرب يوم الفجار الآخر، أن البراض بن قيس بن رافع، أحد بني ضمرة ابن بكر بن عبد مناة بن كنانة كان سكّيرا فاسقا، خلعه قومه، وتبرءوا منه فشرب في بني الدّيل، فخلعوه، فأتى مكة، وأتى قريشا، فنزل على حرب بن أمية، فحالفه فأحسن حرب جواره، وشرب بمكة، حتى همّ حرب أن يخلعه، فقال لحرب: إنه لم يبق أحد، ممن يعرفني إلّا خلعني سواك، وإنك إن خلعتني لم ينظر إليّ أحد بعدك، فدعني على حلفك، وأنا خارج عنك، فتركه. وخرج، فلحق بالنعمان بن المنذر بالحيرة.
وكان النعمان يبعث إلى سوق عكاظ في وقتها بلطيمة يجيزها له سيّد مضر، فتباع، ويشترى له بثمنها الأدم والحرير والوكاء والحذاء والبرود من العصب والوشي والمسيّر والعدني، وكانت سوق عكاظ في أول ذي القعدة، فلا تزال قائمة يباع فيها ويشترى إلى حضور الحج، وكان قيامها فيما بين النخلة والطائف عشرة أميال، وبها نخل وأموال لثقيف، فجهز النعمان لطيمة له، وقال: من يجيزها فقال البرّاض: أنا أجيزها على بني كنانة، فقال النعمان: إنما أريد رجلا يجيزها على أهل نجد، فقال عروة الرحال بن عتبة بن جعفر بن كلاب، وهو يومئذ رجل من هوازن: أنا أجيزها - أبيت اللعن - فقال له البراض: من بني كنانة تجيزها يا عرورة؟ قال: نعم، وعلى الناس جميعا أفكلب خليع يجيزها!.
قال: ثم شخص بها، وشخص البرّاض، وعروة يرى مكانه، لا يخشاه على ما صنع، حتى إذا كان بين ظهري غطفان إلى جانب فدك، بأرض يقال لها أوارة قريب من الوادي الذي يقال له تيمن نام عروة في ظلّ شجرة، ووجد البرّاض غفلته، فقتله وهرب في عضاريط الركاب، فاستاق الركاب، وقال البراض في ذلك:
وداهية يهال الناس منهاشددت لها بني بكر ضلوعي
هتكت بها بيوت بني كلابوأرضعت الموالي بالضروع
جمعت لها يديّ بنصل سيفأفّل فخرّ كالجذع الصّريع
وقال أيضا في ذلك:
نقمت على المرء الكلابيّ فخرهوكنت قديما لا أقرّ فخارا
علوت بحدّ السيف مفرق رأسهفأسمع أهل الواديين خوارا
قال: وأمّ عروة الرحّال نفيرة بنت أبي ربيعة بن نهيك بن هلال بن عامر بن صعصعة، فقال لبيد بن ربيعة يحض على الطلب بدمه:
فأبلغ إن عرضت بني نميروأخوال القتيل بني هلال
بأنّ الوافد الرحّال أضحىمقيما عند تيمن ذي الظّلال
قال أبو عبيدة: فحدثني أبو عمرو بن العلاء، قال: لقي البرّاض بشر بن أبي خازم، فقال له: هذه القلائص لك على أن تأتي حرب بن أمية وعبد اللّه بن جدعان وهشاما والوليد ابني المغيرة، فتخبرهم أن البرّاض قتل عروة، فإني أخاف أن يسبق الخبر إلى قيس أن يكتموه. حتى يقتلوا به رجلا من قومك عظيما. فقال له: وما يؤمنك أن تكون أنت ذلك القتيل؟ قال: إنّ هوازن لا ترضى أن تقتل بسيدها رجلا خليعا طريدا من بني ضمرة، قال: ومرّ بهما الحليس بن يزيد أحد بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة، وهو يومئذ سيد الأحابيش من بني كنانة.
والأحابيش من بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة، وهو نفاثة بن الدّيل، وبنو لحيان من خزاعة، والقارة، وهو أثيع ابن الهون بن خزيمة، وعضل بن دمس بن محلّم بن عائذ بن أثيع بن الهون كانوا تحالفوا على سائر بني بكر بن عبد مناة، فقال لهم الحليس: مالي أراكم نجيّا؟ فأخبروه الخبر، ثم ارتحلوا، وكتموا الخبر على اتفاق منهم.
قال: وكانت العرب إذا قدمت عكاظ دفعت أسلحتها إلى ابن جدعان، حتى يفرغوا من أسواقهم وحجهم ثم يردّها عليهم إذا ظعنوا، وكان سيدا حكيما مثريا من المال. فجاءه القوم، فأخبروه خبر البرّاض وقتله عروة، وأخبروا حرب بن أمية وهشاما والوليد ابني المغيرة، فجاء حرب إلى عبد اللّه بن جدعان، فقال له: احتبس قبلك سلاح هوازن، فقال له ابن جدعان: أبا الغدر تأمرني يا حرب؟ واللّه لو أعلم أنه لا يبقى منها سيف إلا ضربت به، ولا رمح إلا طعنت به ما أمسكت منها شيئا، ولكن لكم مائة درع، ومائة رمح، ومائة سيف في مالي تستعينون بها، ثم صاح ابن جدعان في الناس: من كان له قبلي سلاح فليأت، وليأخذه، فأخذ الناس أسلحتهم.
وبعث ابن جدعان وحرب بن أميّة وهشام والوليد إلى أبي براء: إنه قد كان بعد خروجنا حرب، وقد خفنا تفاقم الأمر، فلا تنكروا خروجنا، وساروا راجعين إلى مكة، فلما كان آخر النهار بلغ أبا براء قتل البراض عروة، فقال: خدعني حرب وابن جدعان، وركب فيمن حضر عكاظ من هوازن في أثر القوم، فأدركوهم بنخلة، فاقتتلوا حتى دخلت قريش الحرم، وجنّ عليهم الليل، فكفّوا، ونادى الأدرم بن شعيب، أحد بني عامر بن ربيعة بن صعصعة: يا معشر قريش، ميعاد ما بيننا هذه الليلة من العام المقبل بعكاظ، وكان يومئذ رؤساء قريش حرب بن أميّة في القلب، وابن جدعان في إحدى المجنبتين، وهشام بن المغيرة في الأخرى، وكان سؤساء قيس عامر بن مالك، ملاعب الأسنّة على بني عامر، وكدّام بن عمير على فهم وعدوان، ومسعود بن سهم على ثقيف، وسبيع بن ربيعة النصري على بني نصر بن معاوية، والصّمّة بن الحارث، وهو أبو دريد بن الصمة على بني جشم، وكانت الراية مع حرب بن أميّة، وهي راية قصيّ التي يقال لها العقاب.
فقال في ذلك خداش بن زهير:
يا شدّة ما شددنا غير كاذبةعلى سخينة لو لا الليل والحرم
إذ يتّقينا هشام بالوليد ولوأنّا ثقفنا هشاما شالت الخدم
بين الأراك وبين المرج تبطحهمزرق الأسنّة في أطرافها السّهم
فإن سمعتم بجيش سالك سرفاوبطن مرّ فأخفوا الجرس واكتتموا
وزعموا أن عبد الملك بن مروان استنشد رجلا من قيس هذه الكلمة، فجعل يحيد عن قوله: «سخينة»، فقال عبد الملك: إنا قوم لم يزل يعجبنا السّخن، فهات، فلما فرغ قال: يا أخا قيس، ما أرى صاحبك زاد على التمني والاستنشاء.
قال: وقدم البرّاض باللطيمة مكّة، وكان يأكلها، وكان عامر بن يزيد بن الملوّح بن يعمر الكنانيّ نازلا في أخواله من بني نمير بن عامر، وكان ناكحا فيهم، فهمت بنو كلاب بقتله، فمنعته بنو نمير، ثم شخصوا به حتى نزل في قومه، واستغوت كنانة بني أسد وبني نمير واستغاثوا بهم، فلم تغثهم، ولم يشهد الفجار أحد من هذين الحيّين.
ثم كان اليوم الثاني من الفجار الثاني؛ وهو يوم شمطة، فتجمعت كنانة وقريش بأسرها وبنو عبد مناة، والأحابيش، وأعطت قريش رؤوس القبائل أسلحة تامة وأعطى عبد اللّه بن جدعان خاصة من ماله مائة رجل من كنانة أسلحة تامة وأداة، وجمعت هوازن، وخرجت، فلم تخرج معهم كلاب ولا كعب، ولا شهد هذان البطنان من أيام الفجار إلا يوم نخلة مع أبي براء عامر بن مالك، وكان القوم جميعا متساندين، على كل قبيلة سيّدهم.
فكان على بني هاشم وبني المطلب ولفّهم الزبير بن عبد المطلب، ومعهم النبي صلّى اللّه عليه وسلم، إلا أن بني المطلب - وإن كانوا مع بني هاشم - كان يرأسهم الزبير بن عبد المطلب بن هاشم ورجل منهم، وهو عبد يزيد ابن هاشم بن المطلب بن عبد مناف، وأم الزّبير الشّفّاء بنت هاشم بن عبد مناف، وكان على بني عبد شمس ولفّها حرب بن أمية ومعه أخواه أبو سفين وسفيان، ومعهم بنو نوفل بن عبد مناف، يرأسهم بعد حرب مطعم بن عديّ ابن نوفل، وكان على بني عبد الدار ولفّها خويلد بن أسد وعثمان بن الحويرث، وكان على بني زهرة ولفّها مخرمة ابن نوفل بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة وأخوه صفوان، وكان على بني تيم بن مرة ولفّها عبد اللّه بن جدعان، وعلى بني مخزوم هشام بن المغيرة، وعلى بني سهم العاصي بن وائل، وعلى بني جمح ولفّها أميّة بن خلف، وعلى بني عديّ زيد بن عمرو بن نفيل، والخطاب بن نفيل عمّه، وعلى بني عامر بن لؤي عمرو بن عبد شمس بن عبد ودّ أبو سهل ابن عمرو، وعلى بني الحارث بن فهر عبد اللّه بن الجرّاح أبو أبي عبيدة عامر بن عبيد اللّه بن الجراح، وعلى بني بكر بلعاء بن قيس، ومات في تلك الأيام، وكان جثّامة بن قيس أخوه مكانه، وعلى الأحابيش الحليس بن يزيد.
وكانت هوازن متساندين كذلك، وكان عطية بن عفيف النّصريّ على بني نصر بن معاوية، وقيل: بل كان عليهم أبو أسماء بن الضّريبة، وكان الخنيسق الجشمي على بني جشم وسعد ابني بكر، وكان وهب بن معتب على ثقيف، ومعه أخوه مسعود، وكان على بني عامر بن ربيعة وحلفائهم من بني جسر بن محارب سلمة ابن إسماعيل: أحد بني البكّاء، ومعه خالد بن هوذة: أحد بني الحارث بن ربيعة، وعلى بني هلال بن عامر بن صعصعة ربيعة بن أبي ظبيان بن ربيعة بن أبي ربيعة بن نهيك بن هلال بن عامر.
قال: فسبقت هوازن قريشا، فنزلت شمطة من عكاظ، وظنوا أن كنانة لم توافهم، وأقبلت قريش، فنزلت من دون المسيل، وجعل حرب بني كنانة في بطن الوادي، وقال لهم: لا تبرحوا مكانكم، ولو أبيحت قريش، فكانت هوازن من وراء المسيل.
قال أبو عبيدة: فحدثني أبو عمرو بن العلاء: قال: كان ابن جدعان في إحدى المجنبتين، وفي الأخرى هشام بن المغيرة، وحرب في القلب، وكانت الدائرة في أول النهار لكنانة، فلما كان آخر النّهار تداعت هوازن، وصبروا واستحرّ القتل في قريش، فلما رأى ذلك بنو الحارث بن كنانة - وهم في بطن الوادي - مالوا إلى قريش، وتركوا مكانهم، فلما استحرّ القتل بهم قال أبو مساحق بلعاء بن قيس لقومه: ألحقوا برخم - وهو جبل - ففعلوا، وانهزم الناس.
وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لا يصير في فئة إلا انهزم من يحاذيها، فقال حرب بن أمية وعبد اللّه بن جدعان: ألا ترون إلى هذا الغلام ما يحمل على فئة إلا انهزمت؟
وفي ذلك يقول خداش بن زهير في كلمة له:
فأبلغ أن عرضت بنا هشاماوعبد اللّه أبلغ والوليدا
أولئك إن يكن في الناس خيرفإن لديهم حسبا وجودا
هم خير المعاشر من قريشوأوراها إذا قدحت زنودا
بأنّا يوم شمطة قد أقمناعمود المجد إنّ له عمودا
جلبنا الخيل ساهمة إليهمعوابس يدّرعن النقع قودا
فبتنا نعقد السّيما وباتواوقلنا: صبّحوا الأنس الحديدا
فجاءوا عارضا بردا وجئناكما أضرمت في الغاب الوقودا
ونادوا: يا لعمرو لا تفرّوافقلنا: لا فرار ولا صدودا
قوله: نعقد السيّما أي العلامات:
فعاركنا الكماة وعاركوناعراك النّمر عاركت الأسودا
فولّوا نضرب الهامات منهمبما انتهكوا المحارم والحدودا
تركنا بطن شمطة من علاءكأنّ خلالها معزا شريدا
ولم أر مثلهم هزموا وفلّواولا كذيادنا عنقا مذودا
قوله: يا لعمرو، يعني عمرو بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة.
ثم كان اليوم الثالث من أيام الفجار، وهو يوم العبلاء، فجمع القوم بعضهم لبعض، والتقوا على قرن الحول بالعبلاء - وهو موضع قريب من عكاظ - ورؤساؤهم يومئذ على ما كانوا عليه يوم شمطة، وكذلك من كان على المجنبتين، فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزمت كنانة، فقال خداش بن زهير في ذلك:
ألم يبلغك بالعبلاء أنّاضربنا خندقا حتى استقادوا
نبنّي بالمنازل عزّ قيسوودّوا لو تسيخ بنا البلاد
وقال أيضا:
ألم يبلغك ما لاقت قريشوحيّ بني كنانة إذ أثيروا
دهمناهم بأرعن مكفهرّفظلّ لنا بعقوتهم زئير
نقوم مارن الخطّيّ فيهميجيء على أسنّتنا الجزير
ثم كان اليوم الرابع من أيامهم، يوم عكاظ، فالتقوا في هذه المواضع على رأس الحول، وقد جمع بعضهم لبعض، واحتشدوا، والرؤساء بحالهم، وحمل عبد اللّه بن جدعان يومئذ ألف رجل من بني كنانة على ألف بعير. وخشيت قريش أن يجري عليها مثل ما جرى يوم العبلاء، فقيدّ حرب وسفيان وأبو سفيان بنو أمية بن عبد شمس أنفسهم، وقالوا: لا نبرح حتى نموت مكاننا، وعلى أبي سفيان يومئذ درعان قد ظاهر بينهما، وزعم أبو عمرو بن العلاء أنّ أبا سفيان بن أمية خاصة قيّد نفسه، فسمّي هؤلاء الثلاثة يومئذ: العنابس - وهي الأسود واحدها عنبسة - فاقتتل الناس قتالا شديدا، وثبت الفريقان، حتى همّت بنو بكر بن عبد مناة وسائر بطون كنانة بالهرب، وكانت بنو مخزوم تلي كنانة، فحافظت حفاظا شديدا، وكان أشدّهم يومئذ بنوا المغيرة، فإنهم صبروا، وأبلوا بلاء حسنا، فلما رأت ذلك بنو عبد مناة من كنانة تذامروا فرجعوا وحمل بلعاء بن قيس وهو يقول:
إنّ عكاظ مأوانا فخلّوهوذا المجاز بعد أن تحلوه
وخرج الحليس بن يزيد: أحد بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة - وهو رئيس الأحابيش يومئذ - فدعا إلى المبارزة فبرز إليه الحدثان بن سعد النصري، فطعنه الحدثان، فدق عضده وتحاجزا.
واقتتل القوم قتالا شديدا، وحملت قريش وكنانة على قيس من كل وجه، فانهزمت قيس كلها إلا بني نصر فإنهم صبروا، ثم هربت بنو نصر وثبت بنو دهمان، فلم يغنوا شيئا، فانهزموا، وكان عليهم سبيع بن أبي ربيعة - أحد بني دهمان، فعقل نفسه ونادى: يا آل هوازن، يا آل هوازن، يا آل نصر! فلم يعرج عليه أحد، وأجفلوا منهزمين، فكرّ بنو أمية خاصة في بني دهمان ومعهم الخنيسق وقشعة الجشميّان، فقاتلوا فلم يغنوا شيئا، فانهزموا.
وكان مسعود بن معتّب الثقفيّ قد ضرب على امرأته سبيعة بنت عبد شمس بن عبد مناف خباء، وقال لها: من دخله من قريش فهو آمن، فجعلت توصل في خبائها؛ ليتسع، فقال لها: لا يتجاوزني خباؤك فإني لا أمضي لك إلا من أحاط به الخباء، فأحفظها فقالت: أما واللّه إني لأظن أنك ستودّ أن لو زدت في توسعته، فلما انهزمت قيس دخلوا خباءها مستجيرين بها فأجار لها حرب بن أمية جيرانها، وقال لها: يا عمة، من تمسّك بأطناب خبائك، أودار حوله فهو آمن، فنادت بذلك، فاستدارت قيس بخبائها، حتى كثروا جدا، فلم يبق أحد لا نجاة عنده إلا دار بخبائها فقيل لذلك الموضع: مدار قيس، وكان يضرب به المثل، فتغضب قيس منه، وكان زوجها مسعود بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن قيس - وهو من ثقيف - قد أخرج معه يومئذ بنيه من سبيعة، وهم عروة ولوحة، ونويرة، والأسود، فكانوا يدورون - وهم غلمان - في قيس يأخذون بأيديهم إلى خباء أمهم، ليجيروهم، فيسودوا، بذلك أمرتهم أمهم أن يفعلوا.
فأخبرني الحرمي والطوسي: قالا: حدثنا الزبير بن بكار، قال: حدثني محمد بن الحسن، عن المحرز بن جعفر وغيره: أنّ كنانة وقيسا لما توافوا من العام المقبل من مقتل عروة بن عتبة بن جعفر بن كلاب ضرب مسعود الثقفيّ على امرأته سبيعة بنت عبد شمس أمّ بنيه خباء، فرآها تبكي حين تدانى الناس، فقال لها: ما يبكيك؟ فقالت: لما يصاب غدا من قومي، فقال لها: من دخل خباءك فهو آمن، فجعلت توصل فيه القطعة بعد القطعة والخرقة والشيء ليتسع، فخرج وهب بن معتب حتى وقف عليها، وقال لها: لا يبقى طنب من أطناب هذا البيت إلا ربطت به رجلا من بني كنانة، فلما صفّ القوم بعضهم لبعض خرجت سبيعة فنادت بأعلى صوتها: إن وهبا يأتلي ويحلف ألّا يبقى طنب من أطناب هذا البيت إلا ربط به رجلا من كنانة، فالجدّ الجدّ، فلما هزمت قيس لجأ نفر منهم إلى خباء سبيعة بنت عبد شمس، فأجارهم حرب بن أميّة.
أخبرني هاشم بن محمد قال: حدثنا أبو غسّان دماذ، عن أبي عبيدة، قال: لما هزمت قيس لجأت إلى خباء سبيعة، حتى أخرجوها منه، فخرجت، فنادت: من تعلّق بطنب من أطناب بيتي فهو آمن في ذمتي، فداروا بخبائها، حتى صاروا حلقة، فأمضى ذلك كلّه حرب بن أمية لعمّته، فكان يضرب في الجاهلية بمدار قيس المثل، ويعيّرون بمدارهم يومئذ بخباء سبيعة بنت عبد شمس، قال:
وقال ضرار بن الخطاب الفهري قوله:
ألم تسأل الناس عن شأنناولم يثبت الأمر كالخابر
غداة عكاظ إذ استكملتهوازن في كفّها الحاضر
وجاءت سليم تهزّ القناعلى كل سلهبة ضامر
وجئنا إليهم على المضمراتبأرعن ذي لجب زاخر
فلما التقينا أذقناهمطعانا بسمر القنا العائر
ففرّت سليم ولم يصبرواوطارت شعاعا بنو عامر
وفرت ثقيف إلى لاتهابمنقلب الخائب الخاسر
وقاتلت العنس شطر النهارثم تولّت مع الصادر
على أن دهمانها حافظتأخيرا لدى دارة الدائر
وقال خداش بن زهير:
أتتنا قريش حافلين بجمعهمعليهم من الرحمن واق وناصر
فلما دنونا للقباب وأهلهاأتيح لنا ريب مع الليل ناجر
أتيحت لنا بكر وحول لوائهاكتائب يخشاها العزيز المكاثر
جثت دونهم بكر فلم تستطعهمكأنهم بالمشرفيّة سامر
وما برحت خيل تثور وتدّعىويلحق منهم أولون وآخر
لدن غدوة حتى أتى وانجلى لناعماية يوم شرّه متظاهر
وما زال ذاك الدأب حتى تخاذلتهوازن وارفضّت سليم وعامر
وكانت قريش يفلق الصخر حدّهاإذا أوهن الناس الجدود العواثر
ثم كان اليوم الخامس، وهو يوم الحريرة، وهي حرّة إلى جانب عكاظ، والرؤساء بحالهم إلا بلعاء بن قيس؛ فإنه قد مات فصار أخوه مكانه على عشيرته، فاقتتلوا، فانهزمت كنانة وقتل يومئذ أبو سفيان بن أميّة وثمانية رهط من بني كنانة، قتلهم عثمان بن أسد من بني عمرو بن عامر بن ربيعة، وقتل ورقاء بن الحارث: أحد بني عمرو بن عامر من بني كنانة وخمسة نفر.
وقال خداش بن زهير، في ذلك:
لقد بلوكم فأبلوكم بلاءهميوم الحريرة ضربا غير تكذيب
إن توعدوني فإني لابن عمّكموقد أصابوكم منه بشؤبوب
وإن ورقاء قد أردى أبا كنفوابني إياس وعمرا وابن أيّوب
وإن عثمان قد أردى ثمانيةمنكم وأنتم على خبر وتجريب
ثم كان الرجل منهم بعد ذلك يلقى الرجل، والرجلان يلقيان الرجلين، فيقتل بعضهم بعضا. فلقي ابن محمية ابن عبد اللّه الدّبليّ زهير بن ربيعة أبا خداش، فقال زهير: إني حرام جئت معتمرا، فقال له: ما تلقى طوال الدهر إلا قلت: أنا معتمر، ثم قتله، فقال الشويعر الليثي، واسمه ربيعة بن علس:
تركنا ثاويا يزقو صداهزهيرا بالعوالي والصّفاح
أتيح له ابن محمية بن عبدفأعجله التسؤم بالبطاح
ثم تداعوا إلى الصلح على أن يدي من عليه فضل في القتلى، الفضل إلى أهله، فأبى ذلك وهب بن معتّب، وخالف قومه، واندسّ إلى هوازن، حتى أغارت على بني كنانة، فكان منهم بنو عمرو بن عامر بن ربيعة، عليهم سلمة بن سعدى البكائي، وبنو هلال عليهم ربيعة بن أبي ظبيان الهلالي، وبنو نصر بن معاوية، عليهم مالك بن عوف، وهو يومئذ أمرد، فأغاروا على بني ليث بن بكر بصحراء الغميم، فكانت لبني ليث أول النهار، فقتلوا عبيد بن عوف البكائي، قتله بنو مدلج وسبيع بن المؤمل الجسري حليف بني عامر، ثم كانت على بني ليث آخر النهار، فانهزموا، واستحّر القتل في بني الملوّح بن يعمر بن ليث، وأصابوا نعما ونساء حينئذ، فكان ممن قتل في حروب الفجار من قريش العوّام بن خويلد، قتله مرّة بن معتّب، وقتل حزام بن خويلد، وأحيحة بن أبي أحيحة، ومعمر ابن حبيب الجمحي، وجرح حرب بن أمية، وقتل من قيس الصّمّة أبو دريد بن الصمّة، قتله جعفر بن الأحنف.
ثم تراضوا بأن يعدّوا القتلى، فيدوا من فضل، فكان الفضل لقيس على قريش وكنانة، فاجتمعت القبائل على الصلح، وتعاقدوا ألا يعرض بعضهم لبعض، فرهن حرب بن أميّة ابنه أبا سفيان بن حرب، ورهن الحارث بن كلدة العبديّ ابنه النضر، ورهن سفيان بن عوف أحد بني الحارث بن عبد مناة ابنه الحارث، حتى وديت الفضول، ويقال: إن عتبة بن ربيعة تقدم يومئذ، فقال: يا معشر قريش، هلمّوا إلى صلة الأرحام والصلح، قالوا: وما صلحكم هنا، فإنّا موتورون؟ فقال: على أن ندي قتلاكم، ونتصدق عليكم بقتلانا فرضوا بذلك، وساد عتبة مذ يومئذ، قال: فلما رأت هوازن رهائن قريش بأيديهم رغبوا في العفو، فأطلقوهم.
قال أبو عبيدة: ولم يشهد الفجار من بني هاشم غير الزبير بن عبد المطلب، وشهد النبي صلّى اللّه عليه وسلم وآله سائر الأيام إلا يوم نخلة، وكان يناول عمّه وأهله النّبل، قال: وشهدها صلى اللّه عليه وسلم وهو ابن عشرين سنة، وطعن النبي صلّى اللّه عليه وسلم وآله أبا براء ملاعب الأسنة، وسئل صلّى اللّه عليه وآله عن مشهده يومئذ، فقال: ما سرني أني لم أشهده، إنهم تعدّوا على قومي، عرضوا عليهم أن يدفعوا إليهم البرّاض صاحبهم، فأبوا.
قال: وكان الفضل عشرين قتيلا من هوازن، فوادهم حرب بن أمية فيما تروي قريش، وبنو كنانة تزعم أن القتلى الفاضلين قتلاهم، وأنهم هم ودوهم.
وزعم قوم من قريش أن أبا طالب وحمزة والعباس بني عبد المطلب - عليهما السلام - شهدوا هذه الحروب، ولم يردّ ذلك أهل العلم بأخبار العرب.
قال أبو عبيدة: ولما انهزمت قيس خرج مسعود بن معتّب لا يعرّج على شيء حتى أتى سبيعة بنت عبد شمس زوجته، فجعل أنفه بين ثدييها، وقال: أنا باللّه وبك، فقالت: كلا، زعمت أنك ستملأ بيتي من أسرى قومي، اجلس فأنت آمن.
وقالت أميمة بنت عبد شمس ترثي ابن أخيها أبا سفيان بن أمية ومن قتل من قومها، والأبيات التي فيها الغناء منها:
أبي ليلك لا يذهبونيط الطّرف بالكوكب
ونجم دونه الأهوال بين الدّلو والعقرب
وهذا الصبح لا يأتيولا يدنو ولا يقرب
بعقر عشيرة منّاكرام الخيم والمنصب
أحال عليهم دهرحديد النّاب والمخلب
فحلّ بهم وقد أمنواولم يقصر ولم يشطب
وما عنه إذا ما حلّمن منجّى ولا مهرب
ألا يا عين فابكيهمبدمع منك مستغرب
فإن أبك فهم عزّيوهم ركني وهم منكب
وهم أصلي وهم فرعيوهم نسبي إذا أنسب
وهم مجدي وهم شرفيوهم حصني إذا أرهب
وهم رمحي وهم ترسيوهم سيفي إذا أغضب
فكم من قائل منهمإذا ما قال لم يكذب
وكم من ناطق فيهمخطيب مصقع معرب
وكم من فارس فيهمكميّ معلم محرب
وكم من مدرة فيهمأريب حوّل قلّب
وكم من جحفل فيهمعظيم النّار والموكب
وكم من خضرم فيهمنجيب ماجد منجب
صوت
أحبّ هبوط الواديين وإننيلمشتهر بالواديين غريب
أحقّا عباد اللّه أن لست خارجاولا والجا إلا عليّ رقيب
ولا زائرا فردا ولا في جماعةمن الناس إلا قيل: أنت مريب
وهل ريبة في أن تحنّ نجيبةإلى إلفها أو أن يحنّ نجيب
الشعر فيما ذكره أبو عمرو الشيباني في أشعار بني جعدة، وذكره أبو الحسن المدائني في أخبار رواها لمالك ابن الصّمصامة الجعدي، ومن الناس من يرويه لابن الدّمينة ويدخله في قصيدته التي على هذه القافية، والروي والغناء لإسحاق هزج بالبنصر عن عمرو.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع