من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار ابن دارة ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو عبد الرحمن بن مسافع بن دارة، وقيل: بل هو عبد الرحمن بن ربعيّ بن مسافع بن دارة، وأخوه مسافع بن دارة، وكلاهما شاعر، وفي شعريهما جيعا غناء يذكر هاهنا وأخوهما سالم بن مسافع بن دارة شاعر أيضا وفي بعض شعره غناء يذكر بعد أخبار هذين. فأما سالم فمخضرم قد أدرك الجاهلية والإسلام. وأما هذان فمن شعراء الإسلام، ودارة لقب غلب على جدّهم، ومسافع أبوهم، وهو ابن شريح بن يربوع الملقب بدارة بن كعب بن عديّ بن جشم بن عوف بن بهثة بن عبد اللّه بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان بن مضر. وهذا الشعر يقوله عبد الرحمن في حبس السّمهريّ العكليّ اللص وقتله وكان نديما له وأخا.
أخبرني بخبره هاشم بن محمد الخزاعيّ، قال: حدثنا أبو غسان دماذ، عن أبي عبيدة قال: لما أخذ السمهريّ العكليّ وحبس وقتل، - وكانت بنو أسد أخذته وبعثت به إلى السلطان وكان نديما لعبد الرحمن بن مسافع بن دارة، فقتل بعد طول حبس - فقال عبد الرحمن بن مسافع يهجو بني أسد ويحرّض عليهم عكلا.
صوت
إن يمس بالعينين سقم فقد أتىلعينيك من طول البكاء على جمل
تهيم بها لا الدهر فان ولا المنىسواها ولا تسلى بنأي ولا شغل
كبيضة أدحيّ بميث خميلةيحفّفها جون بجؤجؤة الصّعل
وما الشمس تبدو يوم غيم فأشرقتعلى الشّامة العنقاء فالنّير فالذبل
بدا حاجب منها وضنّت بحاجببأحسن منها يوم زالت على الحمل
يقولون: إزل حبّ جمل وقربهاوقد كذبوا ما في المودة من إزل
إذا شطحت عنّي وجدت حرارةعلى كبدي كادت بها كمدا تغلي
ولم أر محزونين أجمل لوعةعلى نائبات الدهر منّي ومن جمل
كلانا يذود النفس وهي حزينةويضمر وجدا كالنوافذ بالنبل
وإني لمبلي اليأس من حبّ غيرهافأمّا على جمل فإني لا أبلي
وإنّ شفاء النفس لو تسعف المنىذوات الثنايا الغرّ والحدق النّجل
أولئك إن يمنعن فالمنع شيمةلهنّ وإن يعطين يحمدن بالبذل
سأمسك بالوصل الذي كان بينناوهل ترك الواشون والنأي من وصل
ألا سقّياني قهوة فارسيةمن الأوّل المختوم ليست من الفضل
تنسّي ذوي الأحكام واللبّ حلمهمإذا أزبدت في دنّها زبد الفحل
ويا راكبا إمّا عرضت فبلّغنعلى نأيهم مني القبائل من عكل
بأنّ الذي أمست تجمجم فقعسإسار بلا أسر وقتل بلا قتل
وكيف تنام الليل عكل ولم تنلرضى قود بالسمهريّ ولا عقل؟
فلا صلح حتى تنحط الخيل في القناوتوقد نار الحرب بالحطب الجزل
وجرد تعادي بالكماة كأنهاتلاحظ من غيظ بأعينها القبل
عليها رجال جالدوا يوم منعجذوي التاج ضرّبوا الملوك على الوهل
بضرب يزيل الهام عن مستقرّهوطعن كأفواه المفرّجة الهدل
علام تمشّى فقعس بدمائكموما هي بالفرع المنيف ولا الأصل؟
وكنّا حسبنا فقعسا قبل هذهأذلّ على وقع الهوان من النّعل
فقد نظرت نحو السماء وسلّمتعلى الناس واعتاضت بخصب من المحل
رمى اللّه في أكبادكم أن نجت بهاشعاب القنان من ضعيف ومع وغل
وإن أنتم لم تثأروا بأخيكمفكونوا نساء للخلوق وللكحل
وبيعوا الرّدينيات بالحلي واقعدواعلى الذلّ وابتاعوا المغازل بالنّبل
ألا حبّذا من عنده القلب في كبلومن حبّة داء وخبل من الخبل
ومن هو لا ينسى ومن كلّ قولهلدينا كطعم الراح أو كجنى النّحل
ومن إن نأى لم يحدث النأي بغضهومن إن دنا في الدار أرصد بالبذل
وأمّا خبر السمهريّ ومقتله فإن عليّ بن سليمان الأخفش أخبرني به قال: حدثنا أبو سعيد السّكّريّ قال: حدثنا محمد بن حبيب، عن أبي عمرو الشيبانيّ قال: لقي السّمهريّ بن بشر بن أقيش بن مالك بن الحارث بن أقيش العكلي ويكنى أبا الديل هو وبهدل ومروان بن قرفة الطائيان عون بن جعدة بن هبيرة بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب ومعه خاله: أحد بني حارثة بن لأم من طيء بالثعلبية، وهو يريد الحج من الكوفة، أو يريد المدينة، وزعم آخرون أنهم لقوه بين نخل والمدينة، فقالوا له: العراضة، أي مر لنا بشيء فقال: يا غلام، جفّن لهم، فقالوا: لا واللّه ما الطعام نريد، فقال: عرّضهم، فقالوا: ولا ذلك نريد، فارتاب بهم، فأخذ السيف فشدّ عليهم، وهو صائم، وكان بهدل لا يسقط له سهم، فرمى عونا فأقصده، فلما قتلوه ندموا، فهربوا، ولم يأخذوا إبله، فتفرقت إبله، ونجا خاله الطائي، إما عرفوه فكفوا عن قتله، وإما هرب ولم يعرف القتلة، فوجد بعض إبله في يدي شافع بن واتر الأسديّ.
وبلغ عبد الملك بن مروان الخبر فكتب إلى الحجاج بن يوسف، وهو عامله على العراق، وإلى هشام بن إسماعيل، وهو عامله على المدينة، وإلى عامل اليمامة أن يطلبوا قتلة عون، ويبالغوا في ذلك؛ وأن يأخذوا السّعاة به أشد أخذ، ويجعلوا لمن دلّ عليهم جعله، وانشام السمهريّ في بلاد غطفان في بلاد ما شاء اللّه.
ثم مرّ بنخل، فقالت عجوز من بني فزارة: أظن واللّه هذا العكليّ الذي قتل عونا، فوثبوا عليه، فأخذوه، ومر أيوب بن سلمة المخزوميّ بهم، فقالت له بنو فزارة: هذا العكليّ قاتل عون ابن عمك، فأخذه منهم، فأتى به هشام بن إسماعيل المخزومي عامل عبد الملك على المدينة، فجحد وأبى أن يقرّ، فرفعه إلى السجن فحبسه.
وزعم آخرون أن بني عذرة أخذوه فلما عرفت إبل عون في يدي شافع بن واتر اتهموه بقتله، فأخذوه، وقالوا: أنت قرفتنا، قتلت عونا، وحبسوه بصلّ: ماء لبني أسد، وجحد، وقد كان عرف من قتله، إما أن يكون كان معهم، فورّي عنهم، وبرأ نفسه، وإما أن يكون أودعوها إياه، أو باعوها منه، فقال شافع:
فإن سرّكم أن تعلموا أين ثأركمفسلمى معان وابن قرفة ظالم
وفي السجن عكليّ شريك لبهدلفولّوا ذباب السّيف من هو حازم
فو اللّه ما كنا جناة ولا بناتأوّب عونا حتفه وهو صائم
فعرفوا من قتله، فألحّوا على بهدل في الطلب، وضيقوا على السمهريّ في القيود والسجن، وجحد، فلما كان ذلك من إلحاحهم على السمهريّ أيقنت نفسه أنه غير ناج، فجعل يلتمس الخروج من السجن، فلما كان يوم الجمعة والإمام يخطب، وقد شغل الناس بالصلاة فكّ إحدى حلقتي قيده، ورمى بنفسه من فوق السجن، والناس في صلاتهم، فقصد نحو الحرة، فولج غارا من الحرة، وانصرف الإمام من الصلاة فخاف أهل المدينة عامتهم أتباعه، وغلقوا أبوابهم، وقال لهم الأمير: اتّبعوه فقالوا: وكيف نتبعه وحدنا، فقال لهم: أنتم ألفا رجل، فكيف تكونون وحدكم؟ فقالوا: أرسل معنا الأبلّيّين؛ وهم حرس وأعوان من أهل الأبلّة، فأعجزهم الطلب، فلما أمسى كسر الحلقة الأخرى، ثم همس ليلته طلقا، فأصبح وقد قطع أرضا بعيدة، فبينا هو يمضي إذ نعب غراب عن شماله، فتطيّر، فإذا الغراب على شجرة بان ينشنش ريشه، ويلقيه، فاعتاف شيئا في نفسه، فمضى، وفيها ما فيها، فإذا هو قد لقي راعيا في وجهه ذلك، فسأله: من أنت؟ قال: رجل من لهب من أزد شنوءة أنتجع أهلي، فقال له: هل عندك شيء من زجر قومك؟ فقال: إني لآنس من ذلك شيئا أي لأبصر، فقص عليه حاله غير أنه ورّى الذّنب على غيره والعيافة، وخبّره عن الغراب والشجرة، فقال الّلهبيّ: هذا الذي فعل ما فعل، ورأى الغراب على البانة يطرح ريشه سيصلب، فقال السمهريّ: بفيك الحجر، فقال اللهبي: بل بفيك الحجر، استخبرتني فأخبرتك ثم تغضب. ثم مضى حتى اغترز في بلاد قضاعة، وترك بلاد غطفان وذكر بعض الرواة أنه توقف يومه وليلته فيما يعمله؛ وهل يعود من حيث جاء ثم سار. حتى أتى أرض عذرة بن سعد يستجير القوم فجاء إلى القوم متنكرا، ويستحلب الرعيان اللبن، فيحلبون له، ولقيه عبد اللّه الأحدب السعديّ: أحد بني مخزوم من بني عبد شمس، وكان أشدّ منه وألصّ، فجنى جناية، فطلب، فترك بلاد تميم، ولحق ببلاد قضاعة، وهو على نجيبة لا تساير، فبينا السمهري يماشي راعيا لبني عذرة، ويحدثه عن خيار إبلهم، ويسأله السمهريّ عن ذلك - وإنما يسأله عن أنجاهنّ ليركبها. فيهرب بها، لئلا يفارق الأحدب - أشار له إلى ناقة، فقال السمهري: هذه خير من التي تفضلها، هذه لا تجاري، فتحيّن الغفلة، فلما غفل وثب عليها، ثم صاح بها فخرجت تطير به، وذلك في آخر الليل، فلما أصبحوا فقدوها، وفقدوه، فطلبوه في الأثر. وخرجا حتى إذا كان حجر عن يسارهما، وهو واد في جبل، أو شبه الثقب فيه استقبلتهما سعة هي أوسع من الطريق، فظنا أن الطريق فيها، فسارا مليا فيها، ولا نجم يأتمان به، فلما عرفا أنهما حائدان، والتفت عليهما الجبال أمامهما، وجدّ الطلب إثر بعيريهما، ورواه وقد سلك الثقب في غير طريق عرفوا أنه سيرجع، فقعدوا له بفم الثقب ثم كرا راجعين، وجاءت الناقة، وعلى رأسها مثل الكوكب من لغامها، فلما أبصر القوم همّ أن يعقر ناقتهم، فقال له الأحدب: ما هذا جزاؤها. فنزل، نزل الأحدب، فقاتلهما القوم، حتى كادوا يغشون السّمهريّ فهتف بالأحدب، فطرد عنه القوم، حتى توقلا في الجبل، وفي ذلك يقول السّمهريّ يعتذر من ضلاله:
وما كنت - محيارا ولا فزع السّرىولكن حذا حجر بغير دليل
وقال الأحدب في ذلك:
لمّا دعاني السمهريّ أجبتهبأبيض من ماء الحديد صقيل
وما كنت ما اشتدّت على السيف قبضتيلأسلم من حبّ الحياة زميلي
وقال السّمهريّ أيضا:
نجوت ونفسي عند ليلى رهينةوقد غمّني داج من الليل دامس
وغامست عن نفسي بأخلق مقصلولا خير في نفس امرىء لا تغامس
ولو أن ليلى أبصرتني غدوةومطواي والصفّ الذين أمارس
إذا لبكت ليلى عليّ وأعولتوما نالت الثوب الذي أنا لابس
فرجع إلى صحراء منعج، وهي إلى جنب أضاخ، والحلّة قريب منها، وفيها منازل عكل، فكان يتردد ولا يقرب الحلة، وقد كان أكثر الجعل فيه، فمرّ بابني فائد ابن حبيب من بني أسد، ثم من بني فقعس فقال: أجيرا متنكرا، فحلبا له، فشرب ومضى لا يعرفانه، وذهبا، ثم لبث السمهري ساعة، وكرّ راجعا فتحدث إلى أخت ابني فائد، فوجداه منبطحا على بطنه يحدثها، فنظر أحدهما إلى ساقه مكدّحة، إذا كدوح طريّة، فأخبر أخاه بذلك، فنظر، فرأى ما أخبره أخوه، فارتابا به، فقال أحدهما: هذا واللّه السمهريّ الذي جعل فيه ما جعل، فاتفقا على مضابرته، فوثبا عليه، فقعد أحدهما على ظهره، وأخذ الآخر برجليه فوثب السمهري، فألقى الذي على ظهره، وقال: أتلعبان؟ وقد ضبط رأس الذي كان على ظهره تحت إبطه، وعالجه الآخر، فجعل رأسه تحت إبطه أيضا، وجعلا يعالجانه، فناديا أختهما أن تعينهما، فقالت: ألي الشّرك في جعلكما؟ قالا: نعم، فجاءت بجرير فجعلته في عنقه بأنشوطه ثم جذبته، وهو مشغول بالرّجلين يمنعهما، فلما استحكمت العقدة، وراحت من علابيّه خلى عنهما، وشد أحدهما، فجاء بصرار، فألقاه في رجله، وهو يداور الآخر، والأخرى تخنقه؛ فخرّ لوجهه، فربطاه، ثم انطلقا به إلى عثمان بن حيان المرّيّ، وهو في إمارته على المدينة فأخذا ما جعل لأخذه، فكتب فيه إلى الخليفة، فكتب أن أدفعه إلى ابن أخي عون: عدي، فدفع إليه، فقال السمهريّ: أتقتلني وأنت لا تدري أقاتل عمك أنا أم لا؟ ادن أخبرك، فأراد الدّنوّ منه، فنودي: إياك والكلب، وإنما أراد أن يقطع أنفه، فقتله بعمه. ولما حبسه ابن حيّان في السجن تذكر زجر الّلهبيّ وصدقه، فقال:
ألا أيّها البيت الذي أنا هاجرهفلا البيت منسىّ ولا أنا زائره
ألا طرقت ليلى وساقي رهينةبأشهب مشدود عليّ مسامره
فإن أنج يا ليلى فربّ فتى نجاوإن تكن الأخرى فشيء أحاذره
وما أصدق الطير التي برحت لناوما أعيف الّلهبيّ لا عزّ ناصره
رأيت غرابا ساقطا فوق بانةينشنش أعلى ريشه ويطايره
فقال غراب باغتراب من النوىوبان ببين من حبيب تحاذره
فكان اغتراب بالغراب ونيةوبالبان بين بيّن لك طائره
وقال السّمهري في الحبس يحرض أخاه مالكا على ابني فائد:
فمن مبلغ عنّي خليلي مالكارسالة مشدود الوثاق غريب
ومن مبلغ حزما وتيما ومالكاوأرباب حامي الحفر رهط شبيب
ليبكوا التي قالت بصحراء منعجلي الشّرك يا بني فائد بن حبيب
أتضرب في لحمي بسهم ولم يكنلها في سهام المسلمين نصيب
وقال السمهريّ يرقّق بني أسد:
تمنّت سليمى أن أقيل بأرضهاوأنّي لسلمى ويبها ما تمنّت
ألا ليت شعري هل أزورنّ ساجراوقد رويت ماء الغوادي وعلّت
بني أسد هل فيكم من هوادةفتغفر إن كانت بي النعل زلّت
وبنو تميم تزعم أن البيت لمرة بن محكان السعديّ.
وقال السمهريّ في الحبس يذم قومه:
لقد جمع الحدّاد بين عصابةتسائل في الأقياد ما ذا ذنوبها
بمنزلة أمّا اللئيم فشامتبها وكرام القوم باد شحوبها
إذا حرسيّ قعقع الباب أرعدتفرائص أقوام وطارت قلوبها
ألا ليتني من غير عكل قبيلتيولم أدر ما شبّان عكل وشيبها؟
قبيلة «من» لا يقرع الباب وفدهالخير ولا يهدي الصواب خطيبها
نرى الباب لا نستطيع شيئا وراءهكأنّا قنيّ أسلمتها كعوبها
وإن تك عكل سرّها ما أصابنيفقد كنت مصبوبا على ما يريبها
وقال السمهريّ أيضا في الحبس:
ألا حيّ ليلى إذ ألمّ لمامهاوكان مع القوم الأعادي كلامها
تعلّل بليلى إنما أنت هامةمن الغد يدنو كلّ يوم حمامها
وبادر بليلى أوجه الركب إنهممتى يرجعوا يحرم عليك كلامها
وكيف ترجّيها وقد حيل دونهاوأقسم أقوام مخوف قسامها
لأجتنبنها أو ليبتدرنّنيببيض عليها الأثر فعم كلامها
لقد طرقت ليلى ورجلي رهينهفما راعني في السجن إلا لمامها
فلّما انتبهت للخيال الذي سرىإذا الأرض قفر قد علاها قتامها
فإلّا تكن ليلى طوتك فإنهشبية بليلى حسنها وقوامها
ألا ليتنا نحيا جميعا بغبطةوتبلى عظامي حين تبلى عظامها
وقال أيضا:
ألا طرقت ليلى وساقي رهينةبأسمر مشدود عليّ ثقيل
فما البين يا سلمى بأن تشحط النّوىولكنّ بينا ما يريد عقيل
فإن أنج منها أنج من ذى عظيمةوإن تكن الأخرى فتلك سبيل
وقال أيضا وهو طريد:
فلا تيأسا من رحمة اللّه وانظرابوادي جبونا أن تهبّ شمال
ولا تيأسا أن ترزقا أريحيّةكعين المها أعناقهنّ طوال
من الحارثيّين الذين دماؤهمحرام وأما مالهم فحلال
وقال أيضا:
ألم تر أنّي وابن أبيض قد جفتبنا الأرض إلا أن نؤمّ الفيافيا
طريدين من حيّين شتى أشدّنامخافتنا حتى نخلنا التّصافيا
وما لمته في أمر حزم ونجدةولا لامني في مرّتي واحتياليا
وقلت له إذ حلّ يسقي ويستقيوقد كان ضوء الصبح للّيل حاديا:
لعمري لقد لاقت ركابك مشربالئن هي لم تضّبح عليهنّ عاليا
وأخذت طيّىء ببهدل ومروان أخيه أشدّ الأخذ، وحبسوا، فقالوا: إن حبسنا لم نقدر عليهما ونحن محبوسون، ولكن خلّوا عنا، حتى نتجسّس عنهما، فنأتيكم بهما، وكانا تأبدا مع الوحش يرميان الصّيد فهو رزقهما.
ولما طال ذلك على مروان هبط إلى راع، فتحدث إليه فسقاه، وبسطه، حتى اطمأن إليه، ولم يشعره أنه يعرفه، فجعل يأتيه بين الأيام، فلا ينكره، فانطلق الراعي، فأخبره باختلافه إليه، فجاء معه الطلب، وأكمنهم، حتى إذا جاء مروان إلى الراعي كما كان يفعل سقاه، وحدثه فلم يشعر حتى أطافوا به، فأخذوه، وأتوا به عثمان بن حيان أيضا عامل الوليد بن عبد الملك على المدينة، فأعطى الذي دلّ عليه جعله، وقتله.
وأما بهدل فكان يأوي إلى هضبة سلمى، فبلغ ذلك سيّدا من سلمى، من طيء، فقال: قد أخيفت طيّ ء، وشرّدت من السهل من أجل هذا الفاسق الهارب، فجاء حتى حلّ بأهله أسفل تلك الهضبة ومعه أهلات من قومه، فقال لهم: إنكم بعيني الخبيث، فإذا كان النهار فليخرج الرجال من البيوت، وليخلوا النساء، فإنه إذا رأى ذلك انحدر إلى القباب، وطلب الحاجة والعلّ فكانوا يخلون الرجال نهارا فإذا أظلموا ثابوا إلى رحالهم أياما، فظنّ بهدل أنهم يفعلون ذلك لشغل يأتيهم، فانحدر إلى قبة السّيّد، وقد أمر النساء: إن انحدر إليكن رجل فإنه ابن عمكن، فأطعمنه وادهنّ رأسه.
وفي قبة السيد ابنتان له فسألهما: من أنتما؟ فأخبرتاه، وأطعمتاه، ثم انصرف فلما راح أبوهما أخبرتاه، فقال: أحسنتما إلى ابن عمكما، فجعل ينحدر إليهما، حتى اطمأنّ، وغسلتا رأسه، وفلّتاه ودهنتاه، فقال الشيخ لابنتيه: أفلياه، ولا تدهناه إذا أتاكما هذه المرة، واعقدا خصل لمّته إذا نعس رويدا بخمل القطيفة.
ثم إذا شددنا عليه فأقلبا القطيفة على وجهه، وخذا أنتما بشعره من ورائه فمدّا به إليكما، ففعلتا، واجتمع له أصحابه، فكروا إلى رحالهم قبل الوقت الذي كانوا يأتونها، وشدّوا عليه، فربطوه، فدفعوه إلى عثمان بن حيّان، فقتله، فقالت بنت بهدل ترثيه:
فيا ضيعة الفتيان إذ يعتلونهببطن الشّرى مثل الفنيق المسدم
دعا دعوة لما أتى أرض مالكومن لا يجب عند الحفيظة يسلم
أما كان في قيس من ابن حفيظةمن القوم طلّاب التّرات غشمشم
فيقتل جبرا بامرىء لم يكن بهبواء ولكن لا تكايل بالدم
وكان دعا: يا لمالك لينتزعوه، فلم يجبه أحد.
قال: ولما قال عبد الرحمن بن دارة ابن عم سالم بن دارة هذه القصيدة يحضّ عكلا على بني فقعس اعترض الكميت بن معروف الفقعسيّ، فعيره بقتل سالم حين قتله زميل الفزاريّ، فقال قوله:
فلا تكثروا فيه الضّجاج فإنهمحا السيف ما قال ابن دارة أجمعا
فقال عبد الرحمن بن دارة:
فيا راكبا إمّا عرضت فبلّغنمغلغلة عنّي القبائل من عكل
جلت حمما عنها القصاف وما جلتقشير وفي الشّدّات والحرب ما يجلي
فإن بك باع الفقعسيّ دماءهمبوكس فقد كانت دماؤكم تغلي
وكيف تنام الليل عكل ولم يكنلها قود بالسّمهريّ ولا عقل
رمى اللّه في أكبادهم إن نجت بهاحروف القنان من ذليل ومن وغل
وكنا حسبنا فقعسا قبل هذهأذلّ على طول الهوان من النّعل
فإن أنتم لم تثأروا بأخيكمفكونوا بغايا للخلوق وللكحل
وبيعوا الردينيّات بالحلي واقعدواعلى الوتر وابتاعوا المغازل بالنّبل
فإنّ الذي كانت تجمجم فقعسقتيل بلا قتلى وتبل بلا تبل
فلا سلم حتى تنحط الخيل بالقناوتوقد نار الحرب بالحطب الجزل
فلما بلغ قوله مالكا أخا السمهريّ بخراسان، انحطّ من خراسان، حتى قدم بلاد عكل فاستجاش نفرا من قومه، فعلقوا في أرض بني أسد يطلبون الغرّة فوجدوا بثادق رجلا معه امرأة من فقعس، فقتلوه، وحزّوا رأسه، وذهبوا بالرأس، وتركوا جسده، كما قتلوها أيضا، وذكر لي: أن الرجل ابن سعدة والمرأة التي كانت معه هي سعدة أمّه، فقال عبد الرحمن في ذلك:
ما لقتيل فقعس لا رأس لههلّا سألت فقعسا من جدّله
لا يتبعنّ فقعسيّ جملهفردا إذا ما الفقعسيّ أعمله
لا يلقينّ قاتلا فيقتلهبسيفه قد سمّه وصقله
وقال عبد الرحمن أيضا:
لمّا تمالى القوم في رأد الضّحىنظرا وقد لمع السّراب فجالا
نظر ابن سعدة نظرة ويلا لهاكانت لصحبك والمطيّ خبالا
لمحا رأى من فوق طود يافعبعض العداة وجنّة وظلالا
عيّرتني طلب الحمول وقد أرىلم آتهنّ مكفّفا بطّالا
فانظر لنفسك يا بن سعدة هل ترىضبعا تجرّ بثادق أوصالا
أوصال سعدة والكميت وإنماكان الكميت على الكميت عيالا
وقال عبد الرحمن في ذلك:
أصبحتم ثكلى لئاما وأصبحتشياطين عكل قد عراهنّ فقعس
قضى مالك ما قد قضى ثم قلّصتبه في سواد الليل وجناء عرمس
فأضحت بأعلى ثادق وكأنهامحالة غرب تستمرّ وتمرس
وحدثني علي بن سليمان الأخفش أنّ بني أسد ظفرت بعبد الرحمن بن دارة بالجزيرة بعد ما أكثر من سبّهم وهجائهم وتآمروا في قتله، فقال بعضهم: لا تقتلوه، ولتأخذوا عليه أن يمدحنا ونحسن إليه فيمحو بمدحه ما سلف من هجائه، فعزموا على ذلك، ثم إن رجلا منهم كان قد عضّه بهجائه، اغتفله فضربه بسيفه، فقتله وقال في ذلك:
قتل ابن دارة بالجزيرة سبّناوزعمت أن سبابنا لا يقتل
قال علي بن سليمان: وقد روي أن البيت المتقدم:
فلا تكثروا فيه الضّجاج فإنهمحا السيف ما قال ابن دارة أجمعا
لهذا الشاعر الذي قتل ابن دارة، وهو من بني أسد، وهكذا ذكر السكّريّ.
صوت
كلانا يرى الجوزاء يا جمل إذا بدتونجم الثريا والمزار بعيد
فكيف بكم يا جمل أهلا ودونكمبحور يقمّصن السّفين وبيد
إذ قلت: قد حان القفول يصدّناسليمان عن أهوائنا وسعيد
الشعر لمسعود بن خرشة المازنيّ، والغناء لبحر، خفيف ثقيل بالوسطى عن الهشامي.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع