من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار تأبط شرا ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو ثابت بن جابر بن سفيان بن عميثل بن عدي بن كعب بن حزن. وقيل: حرب بن تميم بن سعد بن فهم بن عمرو بن قيس عيلان بن مضر بن نزار.
وأمّه امرأة يقال لها: أميمة، يقال: إنها من بني القين بطن من، فهم ولدت خمسة نفر: تأبط شرا، وريش بلغب، وريش نسر، وكعب جدر، ولا بواكي له، وقيل: إنها ولدت سادسا اسمه عمرو.
وتأبط شرا لقب لقّب به، ذكر الرواة أنه كان رأى كبشا في الصحراء، فاحتمله تحت إبطه، فجعل يبول عليه طول طريقه، فلما قرب من الحيّ ثقل عليه الكبش، فلم يقلّه فرمى به فإذا هو الغول، فقال له قومه: ما تأبطت يا ثابت؟ قال: الغول، قالوا: لقد تأبطت شرّا فسمّي بذلك.
وقيل: بل قالت له أمه: كل إخوتك يأتيني بشيء إذا راح غيرك، فقال لها: سآتيك الليلة بشيء، ومضى فصاد أفاعي كثيرة من أكبر ما قدر عليه، فلما راح أتى بهن في جراب متأبّطا له، فألقاه بين يديها، ففتحته، فتساعين في بيتها، فوثبت، وخرجت، فقال لها نساء الحي: ماذا أتاك به ثابت؟ فقالت: أتاني بأفاع في جراب، قلن: وكيف حملها؟ قالت: تأبّطها، قلن: لقد تأبط شرا، فلزمه تأبط شرا.
حدثني عمّي قال حدثني علي بن الحسن بن عبد الأعلى عن أبي محلّم بمثل هذه الحكاية وزاد فيها: أنّ أمّه قالت له في زمن الكمأة: ألا ترى غلمان الحي يجتنون لأهليهم الكمأة، فيروحون بها؟ فقال أعطيني جرابك، حتى أجتني لك فيه، فأعطته، فملأه لها أفاعي، وذكر باقي الخبر مثل ما تقدم.
ومن ذكر أنه إنما جاءها بالغول يحتج بكثرة أشعاره في هذا المعنى، فإنه يصف لقاءه إيّاها في شعره كثيرا، فمن ذلك قوله:
فأصبحت الغول لي جارةفيا جارتا لك ما أهولا
فطالبتها بضعها فالتوتعليّ وحاولت أن أفعلا
فمن كان يسأل عن جارتيفإنّ لها بالّلوى منزلا
أخبرني عمّي عن الحزنبل عن عمرو بن أبي عمرو الشيباني قال: نزلت على حي من فهم إخوة بني عدوان من قيس، فسألتهم عن خبر تأبط شرا، فقال لي بعضهم: وما سؤالك عنه، أتريد أن تكون لصا؟ قلت: لا، ولكن أريد أن أعرف أخبار هؤلاء العدّائين، فأتحدّث بها، فقالوا: نحدثك بخبره: إن تأبط شرا كان أعدى ذي رجلين وذي ساقين وذى عينين، وكان إذا جاع لم تقم له قائمة، فكان ينظر إلى الظّباء فينتقي على نظره أسمنها، ثم يجري خلفه فلا يفوته، حتى يأخذه، فيذبحه بسيفه، ثم يشويه فيأكله.
وإنما سمّي تأبط شرا لأنه - فيما حكي لنا - لقي الغول في ليلة ظلماء في موضع يقال له رحى بطسان في بلاد هذيل، فأخذت عليه الطّريق فلم يزل بها، حتى قتلها، وبات عليها فلمّا أصبح حملها تحت إبطه وجاء بها إلى أصحابه، فقالوا له: لقد تأبّطت شرّا، فقال في ذلك:
تأبّط شرّا ثم راح أو اغتدىيوائم غنما أو يشيف على ذحل
- يوائم: يوافق، ويشيف: يقتدر. وقال أيضا في ذلك:
ألا من مبلغ فتيان فهمبما لا قيت عند رحى بطان
وأنّي قد لقيت الغول تهويبسهب كالصحيفة صحصحان
فقلت لها: كلانا نضو أينأخو سفر فخلّي لي مكاني
فشدّت شدّة نحوي فأهوىلها كفّي بمصقول يماني
فأضربها بلا دهش فخرّتصريعا لليدين وللجران
فقالت: عد، فقلت لها: رويدامكانك إنني ثبت الجنان
فلم أنفكّ متّكئا عليهالأنظر مصبحا ماذا أتاني
إذا عينان في رأس قبيحكرأس الهرّ مشقوق اللّسان
وساقا مخدج وشواة كلبوثوب من عباء أو شنان
لم لا تنهشه الحيات؟
أخبرنا الحسين بن يحيى: قال: قرأت على حمّاد: وحدثك أبوك عن حمزة بن عتبة اللّهبي: قال: قيل لتأبط شرّا: هذه الرجال غلبتها، فكيف لا تنهشك الحيّات في سراك؟ فقال: إني لأسرى البردين. يعني أول اللّيل، لأنها تمور خارجة من حجرتها، وآخر الليل تمور مقبلة إليها.
قال حمزة: ولقي تأبّط شرّا ذات يوم رجلا من ثقيف يقال له أبو وهب، كان جبانا أهوج، وعليه حلّة جيّدة، فقال أبو وهب لتأبّط شرّا: بم تغلب الرجال يا ثابت، وأنت كما أرى دميم ضئيل؟ قال: باسمي، إنما أقول ساعة ما ألقى الرّجل: أنا تأبّط شرّا، فينخلع قلبه حتى أنال منه ما أردت، فقال له الثقفي: أقط قال: قطّ، قال: فهل لك أن تبيعني اسمك؟ قال: نعم، فبم تبتاعه؟ قال: بهذه الحلّة وبكنيتك قال له: أفعل، ففعل، وقال له تأبّط شرّا: لك اسمي ولي كنيتك؟، وأخذ حلّته وأعطاه طمرية، ثم انصرف، وقال في ذلك يخاطب زوجة الثّقفيّ:
ألا هل أتى الحسناء أنّ حليلهاتأبّط شرّا واكتنيت أبا وهب
فهبه تسّمى اسمي وسمّيت باسمهفأين له صبري على معظم الخطب؟
وأين له بأس كبأسي وسورتيوأين له في كل فادحة قلبي؟
قال حمزة: وأحبّ تأبّط شرّا جارية من قومه، فطلبها زمانا لا يقدر عليها، ثم لقيته ذات ليلة فأجابته وأرادها، فعجز عنها، فلما رأت جزعه من ذلك تناومت عليه فآنسته وهدأ، ثم جعل يقول:
ما لك من أير سلبت الخلّهعجزت عن جارية رفلّه
تمشي إليك مشية خوزلّهكمشية الأرخ تريد العلّه
الأرخ: الأنثى من البقر التي لم تنتج. العلة تريد أن تعل بعد النهل، أي أنها قد رويت فمشيتها ثقيلة. والعل: الشّرب الثاني.
لو أنها راعية في ثلّهتحمل قلعين لها قبلّه
أخبرني الحسن بن علي عن عبد اللّه بن أبي سعد عن أحمد بن عمر عن أبي بركة الأشجعي قال: أغار تأبط شرّا - وهو ثابت بن العميثل الفهمي، ومعه ابن براق الفهميّ على بجيلة - فأطردا لهم نعما، ونذرت بهما بجيلة، فخرجت في آثارهما ومضيا هاربين في جبال السّراة، وركبا الحزن، وعارضتهما بجيلة في السهل فسبقوهما إلى الوهط - وهو ماء لعمرو بن العاص بالطائف - فدخلوا لهما في قصبة العين، وجاءا، وقد بلغ العطش منهما، إلى العين، فلما وقفا عليها قال تأبط شرّا لابن برّاق: أقلّ من الشّراب فإنها ليلة طرد، قال: وما يدريك؟
قال: والذي أعدو بطيره، إنّي لأسمع وجيب قلوب الرجال تحت قدميّ. وكان من أسمع العرب وأكيدهم. فقال له ابن برّاق: ذلك وجيب قلبك. فقال له تأبّط شرّا: واللّه ما وجب قطّ، ولا كان وجّابا، وضرب بيده عليه، وأصاخ نحو الأرض يستمع فقال: والذي أعدو بطيره، إني لأسمع وجيب قلوب الرّجال، فقال له ابن برّاق: فأنا أنزل قبلك، فنزل فبرك وشرب وكان أكلّ القوم عند بجيلة شوكة، فتركوه وهم في الظّلمة، ونزل ثابت، فلما توسط الماء وثبوا عليه، فأخذوه وأخرجوه من العين مكتوفا، وابن برّاق قريب منهم لا يطمعون فيه لما يعلمون من عدوه، فقال لهم ثابت: إنه من أصلف الناس وأشدّهم عجبا بعدوه، وسأقول له: استأسر معي، فسيدعوه عجبه بعدوه إلى أن يعدو من بين أيديكم، وله ثلاثة أطلاق: أولها كالرّيح الهابّة، والثاني كالفراس الجواد، والثالث يكبو فيه ويعثر، فإذا رأيتم منه ذلك فخذوه فإني أحب أن يصير في أيديكم كما صرت إذ خالفني ولم يقبل رأيي ونصحي له، قالوا: فافعل، فصاح به تأبط شرّا: أنت أخي في الشدّة والرّخاء، وقد وعدني القوم أن يمنّوا عليك وعليّ، فاستأسر، وواسني بنفسك في الشدة، كما كنت أخي في الرخاء، فضحك ابن برّاق، وعلم أنه قد كادهم، وقال: مهلا يا ثابت، أيستأسر من عنده هذا العدو؟ ثم عدا فعدا أول طلق مثل الريح الهابة كما وصف لهم، والثاني كالفرس الجواد، والثالث جعل يكبو ويعثر ويقع على وجهه. فقال ثابت: خذوه، فعدوا بأجمعهم، فلما أن نفّسهم عنه شيئا عدا تأبط شرّا في كتافه، وعارضه ابن برّاق، فقطع كتافه، وأفلتا جميعا، فقال تأبط شرّا قصيدته القافية في ذلك:
يا عيد مالك من شوق وإبراقومرّ طيف على الأهوال طرّاق
يسري على الأين والحيّات محتفيانفسي فداؤك من سار على ساق
طيف ابنة الحرّ إذ كنّا نواصلهاثم اجتنبت بها من بعد تفراق
لتقرعنّ عليّ السّنّ من ندمإذا تذكّرت يوما بعض أخلاقي
تاللّه آمن أنثى بعد ما حلفتأسماء باللّه من عهد وميثاق
ممزوجة الودّ بينا واصلت صرمتالأوّل اللّذ مضى والآخر الباقي
فالأوّل اللّذ مضى قال مودّتهاواللّذّ منها هذاء غير إحقاق
تعطيك وعد أمانيّ تغرّ بهكالقطر مرّ على صخبآن برّاق
إنّي إذا خلّة ضنّت بنائلهاوأمسكت بضعيف الحبل أحذاق
نجوت منها نجائي في بجيلة إذألقيت للقوم يوم الرّوع أرواقي
وذكرها ابن أبي سعيد في الخبر إلى آخرها.
وأما المفضّل الضّبيّ فذكر أن تأبط شرّا وعمرو بن برّاق والشّنفري - وغيره يجعل مكان الشنفري السّليك بن السّلكة - غزوا بجيلة فلم يظفروا منهم بغرّة، وثاروا إليهم فأسروا عمرا، وكتّفوه، وأفلتهم الآخران عدوا، فلم يقدروا عليهما، فلما علما أن ابن برّاق قد أسر قال تأبط شرا لصاحبه: امض فكن قريبا من عمرو، فإني سأتراءى لهم وأطمعهم في نفسي حتى يتباعدوا عنه، فإذا فعلوا ذلك فحلّ كتافه، وانجوا، ففعل ما أمره به، وأقبل تأبط شرّا، حتى تراءى لبجيلة، فلما رأوه طمعوا فيه، فطلبوه، وجعل يطمعهم في نفسه، ويعدو عدوا خفيفا يقرّب فيه، ويسألهم تخفيف الفدية وإعطاءه الأمان، حتى يستأسر لهم، وهم يجيبونه إلى ذلك، ويطلبونه وهو يحضر إحضارا خفيفا، ولا يتباعد، حتى علا تلعة أشرف منها على صاحبيه، فإذا هما قد نجوا، ففطنت لهما بجيلة، فألحقتهما طلبا ففاتاهم، فقال: يا معشر بجيلة أأعجبكم عدو ابن برّاق اليوم، واللّه لأعدونّ لكم عدوا أنسيكم به عدوه، ثم عدا عدوا شديدا، ومضى وذلك قوله:
يا عيد ما لك من شوق وإبراق
وأمّا الأصمعيّ فإنه ذكر فيما أخبرني به ابن أبي الأزهر عن حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن عمه: أنّ بجيلة أمهلتهم حتى وردوا الماء وشربوا وناموا، ثم شدّوا عليهم، فأخذوا تأبّط شرّا، فقال لهم: إن ابن برّاق دلّاني في هذا، وإنه لا يقدر على العدو لعقر في رجليه، فإن تبعتموه أخذتموه، فكتّفوا تأبّط شرّا، ومضوا في أثر ابن براق، فلما بعدوا عنه عدا في كتافه ففاتهم، ورجعوا.
أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء، قال: حدثنا أبو سعيد السكريّ قال: حدثنا ابن الأثرم، عن أبيه. وحدثنا محمد بن حبيب، عن أبي عمرو، قالا: كان تأبّط شرّا يعدو على رجليه، وكان فاتكا شديدا، فبات ليلة ذات ظلمة وبرق ورعد في قاع يقال له رحى بطان، فلقيته الغول فما زال يقاتلها ليلته إلى أن أصبح وهي تطلبه، قال: والغول: سبع من سباع الجنّ، وجعل يراوغها، وهي تطلبه، وتلتمس غرّة منه، فلا تقدر عليه، إلى أن أصبح، فقال تأبط شرّا:
ألا من مبلغ فتيان فهمبما لاقيت عند رحى بطان
بأنّي قد لقيت الغول تهويبسهب كالصحيفة صحصحان
فقلت لها: كلانا نضو أينأخوه سفر فخلّي لي مكاني
فشدّت شدّة نحوي فأهوىلها كفّي بمصقول يماني
فأضربها بلا دهش فخرّتصريعا لليدين وللجران
فقالت عد، فقلت لها: رويدامكانك إنني ثبت الجنان
فلم أنفكّ متّكئا عليهالأنظر مصبحا ماذا أتاني
إذا عينان في رأس قبيحكرأس الهرّ مشقوق اللّسان
وساقا مخدج وشواة كلبوثوب من عباء أو شنان
قالوا: وكان من حديثه أنه خرج غازيا يريد بجيلة هو ورجل معه، وهو يريد أن يغترّهم، فيصيب حاجته، فأتى ناحية منهم، فقتل رجلا، ثم استاق غنما كثيرة، فنذروا به، فتبعه بعضهم على خيل، وبعضهم رجّالة، وهم كثير، فلما رآهم، وكان من أبصر الناس عرف وجوههم، فقال لصاحبه: هؤلاء قوم قد عرفتهم، ولن يفارقونا اليوم حتى يقاتلونا أو يظفروا بحاجتهم، فجعل صاحبه ينظر، فيقول: ما أتبيّن أحدا، حتى إذا دهموهما قال لصاحبه: اشتدّ فإني سأمنعك ما دام في يدي سهم، فاشتد الرجل، ولقيهم تأبّط شرّا، وجعل يرميهم حتى نفدت نبله، ثم إنه اشتدّ فمرّ بصاحبه فلم يطق شدّه، فقتل صاحبه، وهو ابن عمّ لزوجته، فلما رجع تأبّط شرّا وليس صاحبه معه عرفوا أنه قد قتل، فقالت له امرأته: تركت صاحبك وجئت متباطئا، فقال تأبط شرا في ذلك:
ألا تلكما عرسي منيعة ضمّنتمن اللّه إثما مستسرّا وعالنا
تقول: تركت صاحبا لك ضائعاوجئت إلينا فارقا متباطنا
إذا ما تركت صاحبي لثلاثةأو اثنين مثلينا فلا أبت آمنا
وما كنت أبّاه على الخلّ إذ دعاولا المرء يدعوني ممرّا مداهنا
وكرّي إذا أكرهت رهطا وأهلهوأرضا يكون العوص فيها عجاهنا
ولمّا سمعت العوص تدعو تنفّرتعصافير رأسي من غواة فراتنا
ولم أنتظر أن يدهموني كأنهمورائي نحل في الخليّة واكنا
ولا أن تصيب النّافذات مقاتليولم أك بالشدّ الذليق مداينا
فأرسلت مثنيّا عن الشدّ واهناوقلت تزحزح لا تكوننّ حائنا
وحثحثت مشعوف النّجاء كأنههجفّ رأى قصرا سمالا وداجنا
من الحصّ هزروف يطير عفاؤهإذا استدرج الفيفا ومدّ المغابنا
أزج زلوج هزرفيّ زفازفهزفّ يبذّ الناجيات الصّوافنا
فزحزحت عنهم أو تجئني منيّتيبغبراء أو عرفاء تفري الدّفائنا
كأنّي أراها الموت لا درّ درّهاإذا أمكنت أنيابها والبرائنا
وقالت لأخرى خلفها وبناتهاحتوف تنقّي مخّ من كان واهنا
أخاليج ورّاد على ذي محافلإذا نزعوا مدّوا الدّلا والشّواطنا
وقال غيره: بل خرج تأبّط شرا هو وصاحبان له، حتى أغاروا على العوص من بجيلة، فأخذوا نعما لهم، واتبعتهم العوص، فأدركوهم، وقد كانوا استأجروا لهم رجالا كثيرة، فلما رأى تأبّط شرّا ألّا طاقة لهم بهم شمّر وتركهما، فقتل صاحباه، وأخذت النعم، وأفلت، حتى أتى بني القين من فهم، فبات عند امرأة منهم يتحدث إليها، فلما أراد أن يأتي قومه دهنته ورجّلته، فجاء إليهم وهم يبكون، فقالت له امرأته: لعنك اللّه تركت صاحبيك وجئت مدّهنا، وإنه إنما قال هذه القصيدة في هذا الشأن، وقال تأبّط شرّا يرثيهما وكان اسم أحدهما عمرا:
أبعد قتيل العوص آسى على فتىوصاحبه أو يأمل الزّاد طارق؟
أأطرد فهما آخر الليل أبتغيعلالة يوم أن تعوق العوائق
لعمر فتى نلتم كأنّ رداءهعلى سرحة من سرح دومة سامق
لأطرد نهبا أو نرود بفتّيةبأيمانهم سمر القنا والعقائق
مساعرة شعث كأنّ عيونهمحريق الغضا تلفى عليها الشّقائق
فعدّوا شهور الحرم ثم تعرّفواقتيل أناس أو فتاة تعانق
قال الأثرم: قال أبو عمرو في هذه الرواية: وخرج تأبط شرّا يريد أن يغزو هذيلا في رهط، فنزل على الأحلّ بن قنصل - رجل من بجيلة - وكان بينهما حلف، فأنزلهم ورحّب بهم، ثم إنه ابتغى لهم الذّراريح ليسقيهم فيستريح منهم، ففطن له تأبط شرا، فقام إلى أصحابه، فقال: إني أحب ألا يعلم أنا قد فطنّا له، ولكن سابّوه حتى نحلف ألا نأكل من طعامه، ثم أغترّه فأقتله لأنه إن علم حذرني - وقد كان مالأ ابن قنصل رجل منهم يقال له لكيز قتلت فهم أخاه - فاعتلّ عليه وعلى أصحابه فسبّوه وحلفوا ألّا يذوقوا من طعامه ولا من شرابه، ثم خرج في وجهه، وأخذ في بطن واد فيه النّمور، وهي لا يكاد يسلم منها أحد، والعرب تسمي النمر ذا اللونين، وبعضهم يسميه السّبنتى، فنزل في بطنه وقال لأصحابه: انطلقوا جميعا فتصيّدوا، فهذا الوادي كثير الأروى، فخرجوا وصادوا، وتركوه في بطن الوادي فجاءوا فوجدوه قد قتل نمرا وحده، وغزا هذيلا فغنم وأصاب، فقال تأبّط شرّا في ذلك:
أقسمت لا أنسى وإن طال عيشناصنيع لكيز والأحلّ بن قنصل
نزلنا به يوما فساء صباحنافإنك عمري قد ترى أيّ منزل
بكى إذ رآنا نازلين ببابهوكيف بكاء ذى القليل المعيّل
فلا وأبيك ما نزلنا بعامرولا عامر ولا الرئيس ابن قوقل
- عامر بن مالك أبو براء ملاعب الأسنّة، وعامر بن الطّفيل، وابن قوقل: مالك بن ثعلبة أحد بني عوف بن الخزرج -.
ولا بالشّليل ربّ مروان قاعدابأحسن عيش والنّفاثيّ نوفل
- ربّ مروان: جرير بن عبد اللّه البجلي. ونوفل بن معاوية بن عروة بن صخر بن يعمر أحد بني الدّيل بن بكر -.
ولا ابن وهيب كاسب الحمد والعلاولا ابن ضبيع وسط آل المخبّل
ولا ابن حليس قاعدا في لقاحهولا ابن جريّ وسط آل المغفّل
ولا ابن رياح بالزّليفات دارهرياح بن سعد لا رياح بن معقل
أولئك أعطى للولائد خلفةوأدعى إلى شحم السّديف المرعبل
: وقال أيضا في هذه الرواية: كان تأبّط شرّا يشتار عسلا في غار من بلاد هذيل، يأتيه كل عام، وأنّ هذيلا ذكرته، فرصدوه لإبّان ذلك، حتى إذا جاء هو وأصحابه تدلىّ، فدخل الغار، وقد أغاروا عليهم فأنفروهم، فسبقوهم ووقفوا على الغار، فحركوا الحبل، فأطلع تأبّط شرا رأسه، فقالوا: أصعد، فقال: ألا أراكم، قالوا: بلى قد رأيتنا.
فقال: فعلام أصعد، أعلى الطّلاقة أم الفداء؟ قالوا: لا شرط لك، قال: فأراكم قاتليّ وآكلي جناي، لا واللّه لا أفعل، قال: وكان قبل ذلك نقب في الغار نقبا أعدّه للهرب، فجعل يسيل العسل من الغار ويهريقه، ثم عمد إلى الزّق فشده على صدره ثم لصق بالعسل فلم يبرح ينزلق عليه حتى خرج سليما وفاتهم، وبين موضعه الذي وقع فيه وبين القوم مسيرة ثلاث، فقال تأبط شرّا في ذلك:
أقول للحيان وقد صفرت لهموطابي ويومي ضيّق الحجر معور
هما خطّتا إما إسار ومنّةوإما دم والقتل بالحرّ أجدر
وأخرى أصادي النّفس عنها وإنهالمورد حزم إن ظفرت ومصدر
فرشت لها صدري فزلّ عن الصّفابه جؤجؤ صلب ومتن مخصّر
فخالط سهل الأرض لم يكدح الصّفابه كدحة والموت خزيان ينظر
فأبت إلى فهم وما كنت آئباوكم مثلها فارقتها وهي تصفر
إذا المرء لم يحتل وقد جدّ جدّهأضاع وقاسى أمره وهو مدبر
ولكن أخو الحزم الذي ليس نازلابه الأمر إلا وهو للحزم مبصر
فذاك قريع الدّهر ما كان حوّلاإذا سدّ منه منخر جاش منخر
فإنّك لو قايست بالّلصب حيلتيبلقمان لم يقصر بي الدهر مقصر
وقال أيضا في حديث تأبّط شرا: إنه خرج من عدّة من فهم، فيهم عامر بن الأخنس، والشّنفري، والمسيّب، وعمرو بن برّاق، ومرّة بن خليف، حتى بيتوا العوص وهم حيّ من بجيلة، فقتلوا منهم نفرا، وأخذوا لهم إبلا، فساقوها حتى كانوا من بلادهم على يوم وليلة، فاعترضت لهم خثعم وفيهم ابن حاجز، وهو رئيس القوم، وهم يومئذ نحو من أربعين رجلا، فلما نظرت إليهم صعاليك فهم قالوا لعامر بن الأخنس: ما ذا ترى؟ قال: لا أرى لكم إلّا صدق الضّراب، فإن ظفرتم فذاك، وإن قتلتم كنتم قد أخذتم ثأركم، قال تأبط شرّا: بأبي أنت وأميّ، فنعم رئيس القوم أنت إذا جدّ الجدّ، وإذا كان قد أجمع رأيكم على هذا فإني أرى لكم أن تحملوا على القوم حملة واحدة فإنكم قليل والقوم كثير، ومتى افترقتم كثركم القوم، فحملوا عليهم فقتلوا منهم في حملتهم، فحملوا ثانية فانهزمت خثعم وتفرقت، وأقبل ابن حاجز فأسند في الجبل فأعجز، فقال تأبط شرّا في ذلك:
جزى اللّه فتيانا على العوص أمطرتسماؤهم تحت العجاجة بالدّم
وقد لاح ضوء الفجر عرضا كأنهبلمحته إقراب أبلق أدهم
فإنّ شفاء الداء إدراك ذحلةصباحا على آثار حوم عرمرم
وضاربتهم بالسفح إذ عارضتهمقبائل من أبناء قسر وخثعم
ضرابا عدا منه ابن حاجز هارباذرا الصّخر في جوف الوجين المديّم
وقال الشّنفري في ذلك:
دعيني وقولي بعد ما شئت إنّنيسيغدى بنعشي مرة فأغيّب
خرجنا فلم نعهد وقلّت وصاتناثمانية ما بعدها متعتّب
سراحين فتيان كأن وجوههممصابيح أو لون من الماء مذهب
نمرّ برهو الماء صفحا وقد طوتثمائلنا والزّاد ظنّ مغيّب
ثلاثا على الأقدام حتى سما بناعلى العوص شعشاع من القوم محرب
فثاروا إلينا في السواد فهجهجواوصوّت فينا بالصبّاح المثوّب
فشنّ عليهم هزّة السيف ثابتوصمّم فيهم بالحسام المسيّب
وظلت بفتيان معي أتّقيهمبهنّ قليلا ساعة ثم جنّبوا
وقد خرّ منهم راجلان وفارسكميّ صرعناه وحوم مسلّب
يشقّ إليه كلّ ربع وقلعةثمانية والقوم رجل ومقنب
فلما رآنا قومنا قيل أفلحوافقلنا: اسألوا عن قائل لا يكذّب
وقال تأبط شرّا في ذلك:
أرى قدميّ وقعهما خفيفكتحليل الظّليم حدا رئاله
أرى بهما عذابا كلّ يومبخثعم أو بجيلة أو ثماله
ففرّق تأبّط شرّا أصحابه، ولم يزالوا يقاتلونهم حتى انهزمت خثعم، وساق تأبط شرّا وأصحابه الإبل حتى قدم بها عليا مكة.
وقال غيره: إنما سمي تأبط شرّا ببيت قاله: وهو:
تأبط شرّا ثم راح أو اغتدىيوائم غنما أو يشيف على ذحل
قال: وخرج تأبط شرّا يوما يريد الغارة، فلقي لمراد فأطرده، ونذرت به مراد، فخرجوا في طلبه، فسبقهم إلى قومه، وقال في ذلك:
إذا لا قيت يوم الصّدق فاربععليه ولا يهمّك يوم سوّ
على أنّي بسرح بني مرادشجوتهم سباقا أيّ شجو
وآخر مثله لا عيب فيهبصرت به ليوم غير زوّ
خفضت بساحة تجري عليناأباريق الكرامة يوم لهو
أغار تأبط شرّا وحده على خثعم، فبينا هو يطوف إذ مرّ بغلام يتصيّد الأرانب، معه قوسه ونبله، فلما رآه تأبط شرّا أهوى ليأخذه، فرماه الغلام فأصاب يده اليسرى، وضربه تأبط شرّا فقتله، وقال في ذلك:
وكادت وبيت اللّه أطناب ثابتتقوّض عن ليلى وتبكي النّوائح
تمنّى فتى منّا يلاقى ولم يكدغلام نمته المحصنات الصّرائح
غلام نمى فوق الخماسيّ قدرهودون الذي قد ترتجيه النّوّاكح
فإن تك نالته خطاطيف كفّهبأبيض قصّال نمى وهو فادح
فقد شد في إحدى يديه كنانهيداوى لها في أسود القلب قادح
- هذه الأبيات أن تكون لقوم المقتول أشبه منها بتأبط شرّا -.
: قال: وخطب تأبط شرّا امرأة من هذيل من بني سهم فقال لها قائل: لا تنكحيه، فإنه لأول نصل غدا يفقد فقال تأبط شرّا:
وقالوا لها: لا تنكحية فإنّهلأول نصل أن يلاقي مجمعا
فلم تر من رأي فتيلا وحاذرتتأيّمها من لابس الليل أروعا
قليل غرار النّوم أكبر همّهدم الثّأر أو يلقى كميا مقنّعا
قليل ادّخار الزّاد إلّا تعلّةوقد نشز الشّر سوف والتصق المعي
تناضله كلّ يشجّع نفسهوما طبّه في طرقه أن يشجّعا
يبيت بمغنى الوحش حتى ألفنهويصبح لا يحمي لها الدهر مرتعا
رأين فتى لا صيد وحش يهمّهفلو صافحت إنسا لصافحنه معا
ولكنّ أرباب المخاض يشقّهمإذا افتقدوه أو رأوه مشيّعا
وإني - ولا علم - لأعلم أننيسألقى سنان الموت يرشق أضلعا
على غرّة أو جهرة من مكاثرأطال نزال الموت حتى تسعسعا
- تسعسع: فني وذهب. يقال: قد تسعسع الشّهر، ومنه حديث عمر رضي اللّه عنه حين ذكر شهر رمضان فقال: «إن هذا الشهر قد تسعسع» -
وكنت أظن الموت في الحي أو أرىألذّ وأكرى أو أموت مقنّعا
ولست أبيت الدّهر إلا على فتىأسلّبه أو أذعر السرب أجمعا
ومن يضرب الأبطال لا بدّ أنهسيلقى بهم من مصرع الموت مصرعا
قال: وخرج تأبط شرّا ومعه صاحبان له: عمرو بن كلاب أخو المسيّب، وسعد بن الأشرس وهم يريدون العارة على بجيلة فنذروا بهم، وهم في جبل ليس لهم طريق عليهم فأحاطوا بهم وأخذوا عليهم الطّريق، فقاتلوهم فقتل صاحبا تأبّط شرا ونجا، ولم يكد حتى أتى قومه. فقالت له امرأته وهي أخت عمرو بن كلاب إحدى نساء كعب بن علي بن إبراهيم بن رياح: هربت عن أخي وتركته وغررته، أما واللّه لو كنت كريما لما أسلمته، فقال تأبط شرّا في ذلك:
ألا تلكما عرسي منيعة ضمّنتمن اللّه خزيا مستسرّا وعاهنا
وذكر باقي الأبيات.
وإنما دعا امرأته إلى أن عيّرته أنه لمّا رجع بعد مقتل صاحبيه انطلق إلى امرأة كان يتحدث عندها، وهي من بني القين بن فهم، فبات عندها، فلما أصبح غدا إلى امرأته وهو مدّهن مترجّل، فلما رأته في تلك الحال علمت أين بات، فغارت عليه فعيّرته.
وذكروا أن تأبط شرّا أغار على خثعم، فقال كاهن لهم: أروني أثره حتى آخذه لكم فلا يبرح حتى تأخذوه، فكفئوا على أثره جفنة، ثم أرسلوا إلى الكاهن فلما رأى أثره قال: هذا ما لا يجوز في صاحبه الأخذ، فقال تأبط شرا:
ألا أبلغ بني فهم بن عمروعلى طول التّنائي والمقالة
مقال الكاهن الجاميّ لمّارأى أثري وقد أنهبت ماله
رأى قدميّ وقعهما حثيثكتحليل الظليم دعا رئاله
أرى بهما عذابا كلّ عاملخثعم أو بجيلة أو ثماله
وشرّ كان صبّ على هذيلإذا علقت حبالهم حباله
ويوم الأزد منهم شرّ يومإذا بعدوا فقد صدّقت قاله
فزعموا أن ناسا من الأزد ربئوا لتأبط شرا ربيئة وقالوا: هذا مضيق ليس له سبيل إليكم من غيره، فأقيموا فيه حتى يأتيكم، فلما دنا من القوم توجس، ثم انصرف، ثم عاد فنهضوا في أثره حين رأوه لا يجوز، ومر قريبا فطمعوا فيه، وفيهم رجل يقال له حاجز؛ ليث من ليوثهم سريع، فأغروه به فلم يلحقه، فقال تأبط شرّا في ذلك:
تتعتعت حضني حاجز وصحابهوقد نبذوا خلقانهم وتشنّعوا
أظن وأن صادفت وعثا وأن جرىبي السّهل أو متن من الأرض مهيع
أجاري ظلال الطير لو فات واحدولو صدقوا قالوا له هو أسرع
فلو كان من فتيان قيس وخندفأطاف به القنّاص من حيث أفزعوا
وجاب بلادا نصف يوم وليلةلآب إليهم وهو أشوس أروع
فلو كان منكم واحد لكفيتهوما ارتجعوا لو كان في القوم مطمع
فأجابه حاجز:
فإن تك جاريت الظلال فربماسبقت ويوم القرن عريان أسنع
وخلّيت إخوان الصفاء كأنهمذبائح عنز أو فحيل مصرّع
تبكيّهم شجو الحمامة بعد ماأرحت ولم ترفع لهم منك إصبع
فهذي ثلاث قد حويت نجاتهاوإن تنج أخرى فهي عندك أربع
أخبرني عمّي قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال ذكر عليّ بن محمد المدائنيّ، عن ابن دأب قال: سئل تأبط شرّا: أيّ يوم مرّ بك خير؟ قال: خرجت حتى كنت في بلاد بجيلة، أضاءت لي النار رجلا جالسا إلى امرأة. فعمدت إلى سيفي فدفنته قريبا، ثم أقبلت حتى استأنست، فنبحني الكلب، فقال: ما هذا؟ فقلت: بائس. فقال: ادنه، فدنوت، فإذا رجل جلحاب آدم، وإذا أضوى الناس إلى جانبه، فشكوت إليه الجوع والحاجة، فقال: اكشف تلك القصعة، فأتيت قصعة إلى جنب إبله، فإذا فيها تمر ولبن، فأكلت منه حتى شبعت، ثم خررت متناوما، فو اللّه ما شئت أن أضطجع حتى اضطجع هو ورفع رجله على رجله، ثم اندفع يغنّي وهو يقول:
خير اللّيالي إن سألت بليلةليل بخيمة بين بيش وعثّر
لضجيع آنسة كأنّ حديثهاشهد يشاب بمزجة من عنبر
وضجيع لاهية ألاعب مثلهابيضاء واضحة كظيظ المئزر
ولأنت مثلهما وخير منهمابعد الرّقاد وقبل أن لم تسحري
قال: ثم انحرف فنام، ومالت فنامت: فقلت: ما رأيت كاللّيلة في الغرّة، فإذا عشر عشراوات بين أثلاث فيها عبد واحد وأمة، فوثبت فانتضيت سيفي، وانتحيت للعبد فقتلته وهو نائم، ثم انحرفت إلى الرجل فوضعت سيفي على كبده حتى أخرجته من صلبه، ثم ضربت فخذ المرأة فجلست، فلما رأته مقتولا جزعت، فقلت: لا تخافي، أنا خير لك منه. قال: وقمت إلى جلّ متاعها فرحلته على بعض الإبل أنا والأمة فما حللت عقده حتى نزلت بصعدة بني عوف بن فهر. وأعرست بالمرأة هناك وحين اضطجعت فتحت عقيرتي وغنّيت:
بحليلة البجليّ بت من ليلهابين الإزار وكشحها ثم الصق
بأنيسة طويت على مطويّهاطيّ الحمالة أو كطّي المنطق
فإذا تقوم فصعدة في رملةلبدت بريّق ديمة لم تغدق
وإذا تجيء تجىء شحب خلفهاكالأيم أصعد في كثيب يرتقي
كذب الكواهن والسّواحر والهناأن لا وفاء لعاجز لا يتّقي
قال: فهذا خير يوم لقيته.
وشرّ يوم لقيت أنّي خرجت، حتى إذا كنت في بلاد ثمالة أطوف، حتى إذا كنت من القفير عشيّا إذا أنا بسبع خلفات فيهن عبد، فأقبلت نحوه، وكأنّي لا أريده وحذرني فجعل يلوذ بناقة فيها حمراء، فقلت في نفسي: واللّه إنه ليثق بها. فأفوّق له، ووضع رجله في أرجلها وجعل يدور معها، فإذا هو على عجزها. وأرميه حين أشرف فوضعت سهمي في قلبه فخرّ، وندّت الناقة شيئا وأتبعتها فرجعت فسقتهنّ شيئا ثم قلت: واللّه لو ركبت الناقة وطردتهنّ، وأخذت بعثنون الحمراء فوثبت، فساعة استويت عليها كرّت نحو الحيّ تريع وتبعتها الخلفات، وجعلت أسكّنها وذهبت، فلمّا خشيت أن تطرحني في أيدي القوم رميت بنفسي عنها، فانكسرت رجلي، وانطلقت والذّود معها. فخرجت أعرّج، حتى انخنست في طرف كثيب وجازني الطّلب، فمكثت مكاني حتى أظلمت، وشبّت لي ثلاثة أنوار فإذا نار عظيمة ظننت أن لها أهلا كثيرا، ونار دونها، ونويرة صغيرة، فهويت للصّغرى، وأنا أجمر، فلما نبحني الكلب نادى رجل فقال: من هذا؟ فقلت: بائس، فقال: ادنه، فدنوت وجلست وجعل يسائلني، إلى أن قال: واللّه إني لأجد منك ريح دم. فقلت: لا واللّه، ما بي دم. فوثب إليّ فنفضني، ثم نظر في جعبتي فإذا السهم، فقلت: رميت العشيّة أرنبا فقال كذبت، هذا ريح دم إنسان، ثم وثب إليّ ولا أدفع الشّرّ عن نفسي فأوثقني كتافا، ثم علّق جعبتي وقوسي، وطرحني في كسر البيت ونام، فلما أسحرت حرّكت رجلي، فإذا هي صالحة وانفتل الرّباط فحللته، ثم وثبت إلى قوسي وجعبتي فأخذتهما ثم هممت بقتله فقلت: أنا ضمن الرّجل، وأنا أخشى أن أطلب فأدرك ولم أقتل أحدا أحب إلي، فولّيت ومضيت. فو اللّه إني لفي الصّحراء أحدّث نفسي إذا أنا به على ناقة يتبعني، فلمّا رأيته قد دنا مني جلست على قوسي وجعبتي وأمنته، وأقبل فأناخ راحلته ثم عقلها، ثم أقبل إليّ، وعهده بي عهده، فقلت له: ويلك، ما تريد منّي؟ فأقبل يشتمني، حتى إذا أمكنني، وثبت عليه فما ألبثته أن ضربت به الأرض، وبركت عليه أربطه، فجعل يصيح: يا لثمالة، لم أر كاليوم. فجنبته إلى ناقته وركبتها، فما نزعت حتّى أحللته في الحيّ، وقلت:
أغرّك منّي يا بن فعلة علّتيعشيّة أن رابت عليّ روائبي
وموقد نيران ثلاث فشرّهاوألأمها إذ قدتها غير عازب
سلبت سلاحي بائسا وشتمتنيفيا خير مسلوب ويا شرّ سالب
فإن أك لم أخضبك فيها فإنّهانيوب أساويد وشول عقارب
ويا ركبة الحمراء شرّة ركبةوكادت تكون شرّ ركبة راكب
قال: وخرج تأبّط غازيا يريد الغارة على الأزد في بعض ما كان يغير عليهم وحده، فنذرت به الأزد، فأهملوا له إبلا، وأمروا ثلاثة من ذوي بأسهم: حاجز بن أبيّ، وسواد بن عمرو بن مالك، وعوف بن عبد اللّه، أن يتبعوه حتّى ينام فيأخذوه أخذا، فكمنوا له مكمنا، وأقبل تأبّط شرّا فبصر بالإبل، فطردها بعض يومه. ثم تركها ونهض في شعب لينظر: هل يطلبه أحد؟ فكمن القوم حين رأوه ولم يرهم، فلمّا لم ير أحدا في أثره عاود الإبل فشلّها يومه وليلته والغد حتى أمسى، ثم عقلها، وصنع طعاما فأكله، والقوم ينظرون إليه في ظله، ثم هيّأ مضطجعا على النّار، ثم أخمدها وزحف على بطنه ومعه قوسه، حتى دخل بين الإبل، وخشي أن يكون رآه أحد وهو لا يعلم، ويأبى إلا الحذر والأخذ بالحزم، فمكث ساعة وقد هيّأ سهما على كبد قوسه، فلما أحسّوا نومه أقبلوا ثلاثتهم يؤمّون المهاد الذي رأوه هيّأه، فإذا هو يرمي أحدهم فيقتله، وجال الآخران، ورمى آخر فقتله، وأفلت حاجز هاربا، وأخذ سلب الرّجلين، وأطلق عقل الإبل وشلّها حتى جاء بها قومه، وقال تأبّط في ذلك:
ترجّي نساء الأزد طلعة ثابتأسيرا ولم يدرين كيف حويلي
فإنّ الألى أوصيتم بين هاربطريد ومسفوح الدّماء قتيل
وخدت بهم حتى إذا طال وخدهموراب عليهم مضجعي ومقيلي
مهدت لهم حتى إذا طاب روعهمإلى المهد خاتلت الضّيا بختيل
فلما أحسّوا النّوم جاءوا كأنّهمسباع أصابت هجمة بسليل
فقلّدت سوّار بن عمرو بن مالكبأسمر جسر القذّتين طميل
فخرّ كأنّ الفيل ألقى جرانهعليه بريّان القواء أسيل
وظل رعاع المتن من وقع حاجزيخرّ ولو نهنهت غير قليل
لأبت كما آبا ولو كنت قارنالجئت وما مالكت طول ذميلي
فسرّك ندماناك لمّا تتابعاوأنّك لم ترجع بعوص قتيل
ستأتي إلى فهم غنيمة خلسةوفي الأزد نوح ويلة بعويل
فقال حاجز بن أبيّ الأزدي يجيبه:
سألت فلم تكلّمني الرّسوم
وهي في أشعار الأزد.
فأجابه تأبّط شرّا:
لقد قال الخليّ وقال خلسابظهر الليل شدّ به العكوم
لطيف من سعاد عناك منهامراعاة النّجوم ومن يهيم
وتلك لئن عنيت بها رداحمن النّسوان منطقها رخيم
نياق القرط غرّاء الثّناياوريداء الشّباب ونعم خيم
ولكن فات صاحب بطن رهووصاحبه فأنت به زعيم
أؤاخذ خطّة فيها سواءأبيت وليل واترها نؤوم
ثأرت به وما اقترفت يداهفظلّ لها بنا يوم غشوم
نحزّ رقابهم حتى نزعناوأنف الموت منخره رميم
وإن تقع النّسور عليّ يومافلحم المعتفي لحم كريم
وذي رحم أحال الدّهر عنهفليس له لذي رحم حريم
أصاب الدّهر آمن مروتيهفألقاه المصاحب والحميم
مددت له يمينا من جناحيلها وفر وكافية رحوم
أواسيه على الأيّام إنيإذا قعدت به اللّؤما ألوم
ذكروا أنه لما انصرف الناس عن المستغلّ؛ وهي سوق كانت العرب تجتمع بها، قال عمرو بن جابر بن سفيان أخو تأبط شرّا لمن حضر من قومه: لا واللات والعزّى لا أرجع حتى أغير على بني عتير من هذيل، ومعه رجلان من قومه هو ثالثهما، فأطردوا إبلا لبني عتير فأتبعهم أرباب الإبل، فقال عمرو: أنا كارّ على القوم ومنهنهم عنكما، فامضيا بالإبل. فكرّ عليهم فنهنهم طويلا، فجرح في القوم رئيسا، ورماه رجل من بني عتير بسهم فقتله، فقالت بنو عتير: هذا عمرو بن جابر، ما تصنعون أن تلحقوا بأصحابه؟ أبعدها اللّه من إبل، فإنا نخشى أن نلحقهم فيقتل القوم منا، فيكونوا قد أخذوا الثّأر، فرجعوا ولم يجاوزوه. وكانوا يظنّون أن معه أناسا كثيرا، فقال تأبّط لمّا بلغه قتل أخيه:
وحرّمت النساء وإن أحلّتبشور أو بمزج أو لصاب
حياتي أو أزور بني عتيروكاهلها بجمع ذي ضباب
إذا وقعت لكعب أو خثيموسيار يسوغ لها شرابي
أظنّي ميّتا كمدا ولمّاأطالع طلعة أهل الكراب
ودمت مسيّرا أهدي رعيلاأؤم سواد طود ذي نقاب
فأجابه أنس بن حذيفة الهذليّ:
لعلّك أن تجيء بك المناياتساق لفتية منا غضاب
فتنزل في مكرّهم صريعاوتنزل طرقة الضّبع السّغاب
تأبّط سوأة وحملت شرّالعلك أن تكون من المصاب
ثم أن السّمع بن جابر أخا تأبّط شرّا خرج في صعاليك من قومه يريد الغارة على بني عتير ليثأر بأخيه عمرو بن جابر، حتى إذا كان ببلاد هذيل لقي راعيا لهم، فسأله عنهم، فأخبره بأهل بيت من عتير كثير مالهم، فبيّتهم، فلم يفلت منهم مخبر، واستاقوا أموالهم، فقال في ذلك السّمع بن جابر:
بأعلى ذى جماجم أهل دارإذا ظعنت عشيرتهم أقاموا
طرقتهم بفتيان كراممساعير إذا حمي المقام
متى ما أدع من فهم تجبنيوعدوان الحماة لهم نظام
ذكروا أن تأبّط شرّا خرج ومعه مرّة بن خليف يريدان الغارة على الأزد، وقد جعلا الهداية بينهما، فلما كانت هداية مرّة نعس، فجار عن الطريق، ومضيا حتى وقعا بين جبال ليس فيها جبل متقارب، وإذا فيها مياه يصيح الطير عليها؛ وإذا البيض والفراخ بظهور الأكم، فقال تأبّط شرا: هلكنا واللّات يا مرّة، ما وطىء هذا المكان إنس قبلنا، ولو وطئته إنس ما باضت الطّير بالأرض، فاختر أية هاتين القنّتين شئت، وهما أطول شيء يريان من الجبال، فأصعد إحداهما وتصعد أنت الأخرى، فإن رأيت الحياة فألح بالثوب، وإن رأيت والموت فألح بالسيف، فإني فاعل مثل ذلك، فأقاما يومين. ثم إن تأبط شرّا ألاح بالثّوب، وانحدرا حتى التقيا في سفح الجبل، فقال مرّة: ما رأيت يا ثابت؟ قال: دخانا أو جرادا. قال مرّة: إنك إن جزعت منه هلكنا، فقال تأبّط شرّا: أما أنا فإنّي سأخرم بك من حيث تهتدي الريح، فمكثا بذلك يومين وليلتين، ثم تبعا الصّوت، فقال تأبط شرّا: النّعم والنّاس. أما واللّه لئن عرفنا لنقتلنّ، ولئن أغرنا لندركنّ، فأت الحيّ من طرف وأنا من الآخر، ثم كن ضيفا ثلاثا، فإن لم يرجع إليك قلبك فلا رجع، ثم أغر على ما قبلك إذا تدلّت الشمس فكانت قدر قامة، وموعدك الطريق. ففعلا، حتى إذا كان اليوم الثالث أغار كل واحد منهما على ما يليه، فاستاقا النعم والغنم، وطردا يوما وليلة طردا عنيفا حتى أمسيا الليلة الثانية دخلا شعبا، فنحرا قلوصا، فبينا هما يشويان إذا سمعا حسّا على باب الشّعب، فقال تأبط: الطّلب يا مرّة، إن ثبت فلم يدخل فهم مجيزون، وإن دخل فهو الطلب، فلم يلبث أن سمع الحسّ يدخل، فقال مرّة: هلكنا، ووضع تأبط شرّا يده على عضد مرّة، فإذا هي ترعد، فقال: ما أرعدت عضدك إلا من قبل أمك الوابشية من هذيل، خذ بظهري، فإن نجوت نجوت، وإن قتلت وقيتك. فلما دنا القوم أخذ مرّة بظهر تأبط، وحمل تأبط فقتل رجلا، ورموه بسهم فأعلقوه فيه؛ وأفلتا جميعا بأنفسهما، فلما أمنا وكان من آخر الليل، قال مرّة: ما رأيت كاليوم غنيمة أخذت على حين أشرفنا على أهلنا، وعض مرّة عضده، وكان الحي الذين أغاروا عليهم بجيلة، وأتى تأبّط امرأته، فلما رأيت جراحته ولولت، فقال تأبّط في ذلك:
وبالشّعب إذ سدّت بجيلة فجّهومن خلفه هضب صغار وجامل
شددت لنفس المرء مرّة حزمهوقد نصبت دون النّجاء الحبائل
وقلت له: كن خلف ظهري فإننيسأفديك وانظر بعد ما أنت فاعل
فعاذ بحدّ السيف صاحب أمرهموخلّوا عن الشيء الذي لم يحاولوا
وأخطأهم قتلي ورفّعت صاحبيعلى الليل لم تؤخذ عليه المخاتل
واخطأ غنم الحيّ مرّة بعد ماحوته إليه كفّه والأنامل
يعض على أطرافه كيف زولهودون الملا سهل من الأرض ماثل
فقلت له: هذي بتلك وقد يرىلها ثمنا من نفسه ما يزاول
تولول سعدى أن أتيت مجرّحاإليها وقد منّت عليّ المقاتل
وكائن أتاها هاربا قبل هذهومن غانم فأين منك الولاول
فلما انقضت الأشهر الحرم خرج تأبط والمسيّت بن كلاب في ستة نفر يريدون الغارة على بجيلة، والأخذ بثأر صاحبيهم عمرو بن كلاب وسعد بن الأشرس. فخرج تأبط والمسيّب بن كلاب وعامر بن الأخنس وعمرو بن برّاق ومرّة بن خليف والشّنفري بن مالك، والسّمع وكعب حدا رابنا جابر أخوا تأبّط. فمضوا حتى أغاروا على العوص، فقتلوا منهم ثلاثة نفر: فارسين وراجلا، وأطردوا لهم إبلا، وأخذوا منهم امرأتين، فمضوا بما غنموا، حتى إذا كانوا على يوم وليلة من قومهم عرضت لهم خثعم في نحو من أربعين رجلا، فيهم أبيّ بن جابر الخثعميّ، وهو رئيس القوم، فقال تأبّط: يا قوم، لا تسلموا لهم ما في أيديكم حتى تبلوا عذرا، وقال عمر بن الأخنس: عليكم بصدق الضّراب وقد أدركتم بثأركم، وقال المسيّب: اصدقوا القوم الحملة، وإيّاكم والفشل، وقال عمرو بن برّاق: ابذلوا مهجكم ساعة، فإن النّصر عند الصّبر. وقال الشّنفري:
نحن الصّعاليك الحماة البزّلإذا لقينا لا نرى نهلّل
وقال مرّة بن خليف:
يا ثابت الخير ويا بن الأخنسويا بن برّاق الكريم الأشوس
والشّنفري عند حيود الأنفسأنا ابن حامي السّرب في المغمّس
نحن مساعير الحروب الضّرّس
وقال كعب حدار أخو تأبّط:
يا قوم أمّا إذ لقيتم فاصبرواولا تخيموا جزعا فتدبروا
وقال السمع أخو تأبّط:
يا قوم كونوا عندها أحرارالا تسلموا العون ولا البكارا
ولا القناعيس ولا العشارالخثعم وقد دعوا غرارا
ساقوهم الموت معا أحراراوافتخروا الدّهر بها افتخارا
فلما سمع تأبط مقالتهم قال: بأبي أنتم وأمي، نعم الحماة إذا جدّ الجدّ، أما إذا أجمع رأيكم على قتال القوم فاحملوا ولا تتفرّقوا، فإن القوم أكثر منكم، فحملوا عليهم فقتلوا منهم، ثم كرّوا الثانية فقتلوا، ثم كرّوا الثالثة فقتلوا فانهزمت خثعم وتفرقت في رؤوس الجبال، ومضى تأبّط وأصحابه بما غنموا وأسلاب من قتلوا، فقال تأبّط من ذلك:
جزى اللّه فتيانا على العوص أشرقتسيوفهم تحت العجاجة بالدّم
الأبيات
وقال الشّنفري في ذلك:
دعيني وقولي بعد ما شئت إننيسيفدي بنفسي مرّة فأغيّب
الأبيات
وقال الشّنفري أيضا:
ألا هل أتى عنّا سعاد ودونهامهامه بيد تعتلي بالصّعالك
بأنّا صبحنا القوم في حرّ دارهمحمام المنايا بالسّيوف البواتك
قتلنا بعمرو منهم خير فارسيزيد وسعدا، وابن عوف بمالك
ظللنا نفرّي بالسّيوف رؤوسهمونرشقهم بالنّبل بين الدّكادك
قال: وخرج تأبط في سريّة من قومه، فيهم عمرو بن برّاق، ومرّة بن خليف، والمسيّب بن كلاب، وعامر بن الأخنس، وهو رأس القوم، وكعب حدار، وريش كعب، والسّمع وشريس بنو جابر إخوة تأبط شرّا، وسعد ومالك ابنا الأقرع، حتى مروا ببني نفاثة بن الدّيل وهم يريدون الغارة عليهم، فباتوا في جبل مطلّ عليهم، فلما كان في وجه السحر أخذ عامر بن الأخنس قوسه، فوجد وترها مسترخيا، فجعل يوترها ويقول له تأبط: بعض حطيط وترك يا عامر، وسمعه شيخ من بني نفاثة، فقال لبنات له: أنصتن فهذه واللّه غارة لبني ليث - وكان الذي بينهم يومئذ متفاقما في قتل حميصة بن قيس أخي بلعاء، وكانوا أصابوه خطأ - وكانت بنو نفاثة في غزوة والحيّ خلوف وليس عندهم غير أشياخ وغلمان لا طباخ بهم، فقالت امرأة منهم: اجهروا الكلام، والبسوا السّلاح، فإن لنا عدّة، فو اللات ما هم إلا تأبّط وأصحابه. فبرزن مع نوفل وأصحابه، فلما بصر بهم قال: انصرفوا فإن القوم قد نذروا بكم، فأبوا عليه إلا الغارة فسلّ تأبّط سيفه وقال: لئن أغرتم عليهم لأتّكئن على سيفي حتى أنفذه من ظهري، فانصرفوا ولا يحسبون إلا أن النساء رجال، حتى مروا بإبل البلعاء بن قيس بقرب المنازل فأطردوها، فلحقهم غلام من بني جندع بن ليث؟
فقال: يا عامر بن الأخنس، أتهاب نساء بني نفاثة وتغير على رجال بني ليث؟ هذه واللّه إبل لبلعاء بن قيس. فقال له عامر: أو كان رجالهم خلوفا؟ قال: نعم، قال: أقرىء بلعاء منّي السّلام، وأخبره بردّي إبله، وأعلمه أني قد حبست منها بكرا لأصحابي، فإنا قد أرملنا، فقال الغلام: لئن حبست منها هلبة لأعلمنّه، ولا أطرد منها بعيرا أبدا. فحمل عليه تأبّط فقتله، ومضوا بالإبل إلى قومهم؛ فقال في ذلك تأبط:
ألا عجب الفتيان من أمّ مالكتقول: أراك اليوم أشعث أغبرا
تبوعا لآثار السّريّة بعد مارأيتك برّاق المفارق أيسرا
فقلت لها: يومان يوم إقامةأهزّ به غصنا من البان أخضرا
ويوم أهزّ السّيف في جيد أغيدله نسوة لم تلق مثلي أنكرا
يخفن عليه وهو ينزع نفسهلقد كنت أبّاء الظلامة قسورا
وقد صحت في آثار حوم كأنهاعذارى عقيل أو بكارة حميرا
أبعد النّفاثيّين آمل طرقةوآسى على شيء إذا هو أدبرا
أكفكف عنهم صحبتي وإخالهممن الذلّ يعرا بالتّلاعة أعفرا
فلو نالت الكفّان أصحاب نوفلبمهمهة من بطن ظرء فعرعرا
ولمّا أبى الليثيّ إلا تهكّمابعرضي وكان العرض عرضي أو فرا
فقلت له: حقّ الثناء فإننيسأذهب حتى لم أجد متأخّرا
ولما رأيت الجهل زاد لجاجةيقول فلا يألوك أن تنشوّرا
دنوت له حتى كأنّ قميصهتشرّب من نضح الأخادع عصفرا
فمن مبلغ ليث بن بكر بأننّاتركنا أخاهم يوم قرن معفّرا
قال: غزا تأبط بني نفاثة بن الدّيل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة وهم خلوف، ليس في دارهم رجل، وكان الخبر قد أتى تأبط، فأشرف فوق جبل ينظر إلى الحيّ وهم أسفل منه، فرأته امرأة فطرح نفسه، فعلمت المرأة أنه تأبّط، وكانت عاقلة، فأمرت النّساء فلبسن لبسة الرجال، ثم خرجن كأنهن يطلبن الضّالّة، وكان أصحابه يتفلتون ويقولون: أغز، وإنما كان في سرية من بين السّتّة إلى السبعة، فأبى أن يدعهم، وخرج يريد هذيلا، وانصرف عن النّفاثيّين، فبينا هو يتردد في تلك الجبال إذ لقي حليفا له من هذيل، فقال له: العجب لك يا تأبط، قال: وما هو؟
قال: إن رجال بني نفاثة كانوا خلوفا فمكرت بك امرأة، وأنهم قد رجعوا.
ففي ذلك يقول:
ألا عجب الفتيان من أمّ مالكتقول: لقد أصبحت أشعث أغبرا
وذكر باقي الأبيات المتقدّمة.
وقال غيره: لا بل قال هذه القصيدة في عامر بن الأخنس الفهميّ، وكان من حديث عامر بن الأخنس أنه غزا في نفر، بضعة وعشرين رجلا، فيهم عامر بن الأخنس، وكان سيّدا فيهم، وكان إذا خرج في غزو رأسهم، وكان يقال له سيّد الصعاليك، فخرج بهم حتى باتوا على بني نفاثة بن عدي بن الدّيل ممسين، ينتظرون أن ينام الحيّ، حتى إذا كان في سواد الليل مر بهم راع من الحي قد أغدر، فمعه غديرته يسوقها فبصر بهم وبمكانهم، فخلى الغديرة وتبع الضّراء ضراء الوادي، حتى جاء الحي فأخبرهم بمكان القوم وحيث رآهم، فقاموا فاختاروا: فتيان الحي فسلحوهم، وأقبلوا نحوهم، حتى إذا دنوا منهم قال رجل من النّفاثيّين: واللّه ما قوسي بموترة. فقالوا: فأوتر قوسك، فوضع قوسه فأوترها، فقال تأبط لأصحابه: اسكتوا، واستمع فقال: أتيتم واللّه، قالوا: وما ذلك؟ قال: أنا واللّه أسمع حطيط وترقوس. قالوا: واللّه ما نسمع شيئا، قال: بلى واللّه إني لأسمعه، يا قوم النّجاء، قالوا: لا واللّه ما سمعت شيئا، فوثب فانطلق وتركهم، ووثب معه نفر، وبيّتهم بنو نفاثة فلم يفلت منهم إنسان، وخرج هو وأصحابه الذين انطلقوا معه، وقتل تلك الليلة عامر بن الأخنس.
قال ابن عمير: وسألت أهل الحجاز عن عامر بن الأخنس، فزعموا أنه مات على فراشه.
فلما رجع تأبّط قالت له امرأته: تركت أصحابك، فقال حينئذ:
ألا عجب الفتيان من أمّ مالكتقول: لقد أصبحت أشعث أغبرا
فلما رجع تأبّط وبلغه ما لقي أصحابه قال: واللّه ما يمسّ رأسي غسل ولا دهن حتى أثأر بهم. فخرج في نفر من قومه، حتى عرض لهم بيت من هذيل بين صوى جبل، فقال: اغنموا هذا البيت أولا، قالوا: لا واللّه، ما لنا فيه أرب، ولئن كانت فيه غنيمة ما نستطيع أن نسوقها. فقال: إني أتفاءل أن أنزل، ووقف، وأتت به ضبع من يساره، فكرهها، وعاف على غير الذي رأى، فقال: أبشري أشبعك من القوم غدا. فقال له أصحابه: ويحك، انطلق، فو اللّه ما نرى أن نقيم عليها. قال: لا واللّه لا أريم حتى أصبح. وأتت به ضبع عن يساره فقال: أشبعك من القوم غدا. فقال أحد القوم: واللّه إني أرى هاتين غدا بك، فقال: لا واللّه لا أريم حتى أصبح. فبات، حتى إذا كان في وجه الصبح، وقد رأى أهل البيت وعدّهم على النار، وأبصر سواد غلام من القوم دون المحتلم، وغدوا على القوم، فقتلوا شيخا وعجوزا، وحازوا جاريتين وإبلا. ثم قال تأبّط: إني قد رأيت معهم غلاما؛ فأين الغلام الذي كان معهم؟ فأبصر أثره فاتّبعه، فقال له أصحابه: ويلك دعه فإنك لا تريد منه شيئا، فاتّبعه، واستتر الغلام بقتادة إلى جنب صخرة، وأقبل تأبّط يقصّه وفوّق الغلام سهما حين رأى أنه لا ينجيه شيء، وأمهله حتى إذا دنا منه قفز قفزة، فوثب على الصّخرة، وأرسل السهم، فلم يسمع تأبّط إلا الحبضة فرفع رأسه، فانتظم السهم قلبه، وأقبل نحوه وهو يقول: لا بأس، فقال الغلام: لا بأس، واللّه لقد وضعته حيث تكره، وغشية تأبّط بالسيف وجعل الغلام يلوذ بالقتادة، ويضربها تأبط بحشاشته، فيأخذ ما أصابت الضّربة منها، حتى خلص إليه، فقتله، ثم نزل إلى أصحابه يجر رجله، فلما رأوه وثبوا، ولم يدروا ما أصابه، فقالوا: مالك؟ فلم ينطق، ومات في أيديهم، فانطلقوا وتركوه، فجعل لا يأكل منه سبع ولا طائر إلا مات، فاحتملته هذيل، فألقته في غار يقال له غار رخمان، فقالت ريطة أخته وهي يومئذ متزوجة في بني الدّيل:
نعم الفتى غادرتم برخمانثابت بن جابر بن سفيان
وقال مرّة بن خليف يرثيه:
إن العزيمة والعزّاء قد ثوياأكفان ميت غدا في غار رخمان
إلّا يكن كرسف كفّنت جيّدهولا يكن كفن من ثوب كتّان
فإن حرّا من الأنساب ألبسهريش الندى، والنّدى من خير أكفان
وليلة رأس أفعاها إلى حجرويوم أور من الجوزاء رنّان
أمضيت أول رهط عند آخرهفي إثر عادية أو إثر فتيان
وقالت أم تأبط ترثيه:
وابناه وابن اللّيل
قال أبو عمر الشّيباني: لا بل كان من شأن تأبط وهو ثابت بن جابر بن سفيان، وكان جريئا شاعرا فاتكا أنه خرج من أهله بغارة من قومه، يريدون بني صاهلة بن كاهل بن الحارث بن سعيد بن هذيل، وذلك في عقب شهر حرام ممّا كان يحرّم أهل الجاهلية، حتى هبط صدر أدم، وخفض عن جماعة بني صاهلة، فاستقبل التّلاعة، فوجد بها دارا من بني نفاثة بن عدي، ليس فيها إلا النساء، غير رحل واحد، فبصر الرجل بتأبط وخشية، وذلك في الضّحى، فقام الرجل إلى النساء، فأمرهنّ فجعلن رؤوسهن جمما وجعلن دروعهن أردية، وأخذن من بيوتهن عمدا كهيئة السيوف فجعلن لها حمائل، ثم تأبطنها ثم نهض ونهضن معه يغريهن كما يغري القوم، وأمرهن أن لا يبرزن خدّا، وجعل هو يبرز للقوم ليروه، وطفق يغري ويصيح على القوم، حتى أفزع تأبّط شرّا وأصحابه وهو على ذلك يغري. في بقية ليلة أو ليلتين من الشّهر الحرام، فنهضوا في شعب يقال له شعب وشل، وتأبط ينهض في الشعب مع أصحابه، ثم يقف في آخرهم، ثم يقول: يا قوم لكأنما يطردكم النساء، فيصيح عليه أصحابه فيقولون: انج أدركك القوم، وتأبى نفسه، فلم يزل به أصحابه حتى مضى معهم فقال تأبّط في ذلك:
أبعد النّفاثيين أزجر طائراوآسى على شيء إذا هو أدبرا
أنهنه رجلي عنهم وإخالهممن الذّلّ يعرا بالتّلاعة أعفرا
ولو نالت الكفّان أصحاب نوفلبهمهمة من بين ظرء وعرعرا
قال: ثم طلعوا الصدر حين أصبحوا فوجدوا أهل بيت شاذّ من بني قريم ذنب نمار فظل يراقبهم حتى أمسوا، وذلك البيت لساعدة بن سفيان أحد بني حارثة بن قريم، فحصرهم تأبط وأصحابه حتى أمسوا. قال: وقد كانت قالت وليدة لساعدة: إني قد رأيت اليوم القوم أو النفر بهذا الجبل، فبات الشيخ حذرا قائما بسيفه بساحة أهله. وانتظر تأبط وأصحابه أن يغفل الشيخ، وذلك آخر ليلة من الشهر الحرام فلما خشوا أن يفضحهم الصبح، ولم يقدروا على غرّة مشوا إليه وغرّوه ببقية الشهر الحرام، وأعطوه من مواثيقهم ما أقنعه، وشكوا إليه الجوع، فلما اطمأن إليهم وثبوا عليه فقتلوه وابنا له صغيرا حين مشى. قال: ومضى تأبط شرا إلى ابن له ذي ذؤابة، كان أبوه قد أمره فارتبأ من وراء ماله، يقال له: سفيان بن ساعدة. فأقبل إليه تأبط شرّا مستترا بمجنّة، فلما خشي الغلام أن يناله تأبّط بسيفه وليس مع الغلام سيف، وهو مفوّق سهما، رمى مجنّ تأبط بحجر، فظن تأبط أنه قد أرسل سهمه، فرمى مجنّة عن يده، ومشى إليه فأرسل الغلام سهمه فلم يخط لبّته حتى خرج منه السهم، ووقع في البطحاء حذو القوم، وأبوه ممسك، فقال أبو الغلام حين وقع السهم: أخاطئه سفيان؟
فحرد القوم، فذلك حين قتلوا الشيخ وابنه الصغير، ومات تأبط.
فقالت أمّه - وكانت امرأة من بني القين بن جسر بن قضاعة - ترثيه:
قتيل ما قتيل بني قريمإذا ضنّت جمادى بالقطار
فتى فهم جميعا غادروهمقيما بالحريضة من نمار
وقالت أمّه ترثيه أيضا:
ويل أمّ طرف غادروا برخمانبثابت بن جابر بن سفيان
يجدّل القرن ويروي النّدمانذو مأقط يحمي وراء الإخوان
وقالت ترثيه أيضا: وابناه وابن اللّيل، ليس بزمّيل، شروب للقيل، رقود باللّيل، وواد ذي هول، أجزت باللّيل، تضرب بالذّيل، برجل كالثّول.
قال: وكان تأبط شرا يقول قبل ذلك:
ولقد علمت لتعدونّم عليّ شتم كالحساكل
يأكلن أوصالا ولحما كالشّكاعي غير جاذل
يا طير كلن فإننيسمّ لكنّ وذو دغاول
وقال قبل موته:
لعلي ميّت كمدا ولمّاأطالع أهل ضيم فالكراب
وإن لم آت جمع بني خثيموكاهلها برجل كالضّباب
إذا وقعت بكعب أو قريموسيّار فياسوغ الشّراب
فأجابه شاعر من بني قريم:
تأبّط سوأة وحملت شرّالعلك أن تكون من المصاب
لعلك أن تجيء بك المناياتساق لفتية منا غضاب
فتصبح في مكرّهم صريعاوتصبح طرفة الضّبع السّغاب
فزلتم تهربون لو كرهتمتسوقون الحرائم بالنقاب
وزال بأرضكم منّا غلامطليعة فتية غلب الرقاب
ونذكرها هنا بعد أخبار تأبط شرّا أخبار صاحبيه عمرو بن برّاق والشّنفري ونبدأ بما يغنّى فيه من شعريهما، ونتبعه بالأخبار.
فأما عمرو بن برّاق فممّا يغنّى فيه من شعره قوله:
صوت
متى تجمع القلب الذكيّ وصارماوأنفا حميّا تجتنبك المظالم
وكنت إذا قوم غزوني غزوتهمفهل أنا في ذا يا لهمدان ظالم!
كذبتم وبيت اللّه لا تأخذونهامراغمة ما دام للسيف قائم
ولا صلح حتى تعثر الخيل بالقناوتضرب بالبيض الرّقاق الجماجم
عروضه من الطويل، الشعر لابن برّاق وقيل ابن برّاقة. والغناء لمحمد بن إسحاق بن عمرو بن بزيع ثقيل أول مطلق في مجرى الوسطى عن الهشامي.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع