من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
الأحوص وبعض أخباره
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
أخبرني بخبر الأحوص في هذا الشعر الحرميّ عن الزبير قال: حدثني عمر بن أبي بكر المؤمّلي، وأخبرنا به الحسين بن يحيى، عن حماد، عن أبيه، عن مصعب الزبيريّ، عن المؤمّلي، عن عمر بن أبي بكر الموصلي، عن عبد اللّه بن أبي عبيدة بن عمار بن ياسر: قال: خرجت أنا والأحوص بن محمد مع عبد اللّه بن الحسن بن الحسن إلى الحج، فلما كنا بقديد قلنا لعبد اللّه بن الحسن: لو أرسلت إلى سليمان بن أبي دباكل، فأنشدنا شيئا من شعره، فأرسل إليه فأتانا، فاستنشدناه، فأنشدنا قصيدته التي يقول فيها:
يا بيت خنساء الذي أتجنّبذهب الشباب وحبّها لا يذهب
أصبحت أمنحك الصدود وإنّنيقسما إليك مع الصّدود لأجنب
ما لي أحنّ إلى جمالك قرّبتوأصدّ عنك وأنت منّي أقرب
للّه درّك هل لديك معوّللمتيّم أم هل لودّك مطلب؟
فلقد رأيتك قبل ذاك وإننيلموكّل بهواك أو متقرّب
إذ نحن في الزمن الرخيّ وأنتممتجاورون كلامكم لا يرقب
تبكي الحمامة شجوها فتهيجنيويروح عازب همّي المتأوّب
وتهبّ جارية الرياح من ارضكمفأرى البلاد لها تطلّ وتخصب
وأرى السّمية باسمكم فيزيدنيشوقا إليك رجاؤك المتنسّب
وأرى العدوّ يودّكم فأودّهإن كان ينسب منك أو لا ينسب
وأخالف الواشين فيك تجمّلاوهم عليّ ذو وضغائن دؤّب
ثم اتخذتهم عليّ وليجةحتى غضبت ومثل ذلك يغضب
قال: فلما كان من قابل حجّ أبو بكر بن عبد العزيز بن مروان، فقدم المدينة، فدخل عليه الأحوص، واستصحبه، فأصحبه، فلما خرج الأحوص قال له بعض من عنده: ماذا تريد بنفسك؟ تقدم بالأحوص الشام، وبها من ينافسك من بني أبيك، وهو من الأفن والسّفه على ما قد علمت فيعيبونك به. فلما رجع أبو بكر من الحج دخل عليه الأحوص متنجّزا لما وعده من الصحابة فدعا له بمائة ديناء وأثواب وقال: يا خال، إني نظرت فيما سألتني من الصحابة فكرهت أن أهجم بك على أمير المؤمنين من غير إذنه، فيجبهك فيشمت بك عدوّي من أهل بيتي، ولكن خذ هذه الثياب والدنانير، وأنا مستأذن لك أمير المؤمنين، فإذا أذن لك كتبت إليك، فقدمت عليّ، فقال له الأحوص: لا ولكن قد سبعت عندك، ولا حاجة لي بعطيّتك، ثم خرج من عنده، فبلغ ذلك عمر بن عبد العزيز، فأرسل إلى الأحوص وهو يومئذ أمير المدينة، فلما دخل عليه أعطاه مائة دينار، وكساه ثيابا فأخذ ذلك، ثم قال له: يا أخي هب لي عرض أبي بكر، قال: هو لك، ثم خرج الأحوص، فقال في عروض قصيدة سليمان بن أبي دباكل قصيدة مدح بها عمر بن عبد العزيز.
وقال حماد: قال أبي: سرق أبيات سلميان بأعيانها، فأدخلها في شعره، وغيّر قوافيها فقط، فقال:
يا بيت عاتكة الذي أتعزّلحذر العدا وبه الفؤاد موكّل
أصبحت أمنحك الصّدود وإنّنيقسما إليك مع الصّدود لأميل
فصددت عنك وما صددت لبغضةأخشى مقالة كاشح لا يعقل
هل عيشنا بك في زمانك راجعفلقد تفاحش بعدك المتعلّل؟
إني إذا قلت استقام يحطّهحلف كما نظر الخلاف الأقبل
لو بالّذي عالجت لين فؤادهفأبى يلان به للان الجندل
وتجنّبي بيت الحبيب أودّهأرضي البغيض به، حديث معضل
ولئن صددت لأنت لو لا رقبتيأهوى من اللائي أزور وأدخل
إنّ الشّباب وعيشنا اللذّ الذيكنّا به زمنا نسرّ ونجذل
ذهبت بشاشته وأصبح ذكرهحزنا يعلّ به الفؤاد وينهل
إلّا تذكّر ما مضى وصبابةمنيت لقلب متيّم لا يذهل
أودى الشباب وأخلقت لذّاتهوأنا الحزين على الشباب المعول
يبكي لما قلب الزمان جديدهخلقا وليس على الزّمان معوّل
والرأس شامله البياض كأنهبعد السّواد به الثّغام المحجل
وسفيهة هبّت عليّ بسحرةجهلا تلوم على الثّواء وتعذل
فأجبتها أن قلت لست مطاعةفذري تنصّحك الذي لا يقبل
إنّي كفاني أن أعالج رحلةعمر ونبوة من يضنّ ويبخل
بنوال ذي فجر تكون سجالهعمما إذا نزل الزّمان الممحل
ماض على حدث الأمور كأنهذو رونق عضب جلاه الصّيقل
تبدي الرجال إذا بدا إعظامهحذر البغاث هوى لهنّ الأجدل
فيرون أنّ له عليهم سورةوفضيلة سبقت له لا تجهل
متحمّل ثقل الأمور حوى لهسبق المكارم سابق متمهّل
وله إذا نسبت قريش منهممجد الأرومة والفعال الأفضل
وله بمكة إذ أميّة أهلهاإرث إذا عدّ القديم مؤثّل
أعيت قرابته وكان لزومهأمرا أبان رشاده من يعقل
وسّموت عن أخلاقهم فتركتهملنداك إنّ الحازم المتحوّل
ولقد بدأت أريد ودّ معاشروعدوا مواعد أخلفت إن حصّلوا
حتى إذا رجع اليقين مطامعيبأسا وأخلفني الذين أؤمّل
زايلت ما صنعوا إليك برحلةعجلي وعندك عنهم متحوّل
ووعدتني في حاجة فصدقتنيووفيت إذ كذبوا الحديث وبدّلوا
وشكوت غرما فادحا فحملتهعنّي وأنت لمثله متحمّل
فلأشكرنّ لك الذي أوليتنيشكرا تحلّ به المطيّ وترحل
مدحا تكون لكم غرائب شعرهامبذولة ولغيركم لا تبذل
فإذا تنحّلت القريض فإنّهلكم يكون خيار ما أتنحّل
ولعمر من حجّ الحجيج لبيتهتهوي به قلص المطيّ الذّمّل
إنّ امرأ قد نال منك قرابةيبغي منافع غيرها لمضلّل
تعفوا إذا جهلوا بحلمك عنهموتنيل إن طلبوا النّوال فتجزل
وتكون معقلهم إذا لم ينجهممن شرّ ما يخشون إلّا المعقل
حتى كأنك يتّقى بك دونهممن أسد بيشة خادر متبسّل
وأراك تفعل ما تقول وبعضهممذق الحديث يقول ما لا يفعل
وأرى المدينة حين صرت أميرهاأمن البريء بها ونام الأعزل
فقال عمر: ما أراك أعفيتني مما استعفيت منه، قال: لأنه مدح عمر وعرّض بأخيه أبي بكر.
نسبة ما مضى في هذه الأخبار من الأغاني
صوت
مالي أحنّ إذا جمالك قرّبتوأصدّ عنك وأنت منّي أقرب؟
وأرى البلاد إذا حللت بغيرهاوحشا وإن كانت تظلّ وتخصب
يا بيت خنساء الذي أتجنّبذهب الشباب وحبّها لا يذهب
تبكي الحمامة شجوها فتهيجنيويروح عازب همّي المتأوّب
الشعر لسليمان بن أبي دباكل، والغناء لمعبد خفيف ثقيل أول بالبنصر، عن عمرو.
وقال ابن المكّي: فيه خفيف ثقيل آخر لابن محرز، وأوله: تبكي الحمامة شجوها فتهيجني
من هي عاتكة؟
أخبرني الحسين بن يحيى قال: قال حماد: قرأت على أبي، وقال محمد بن كناسة: حدثني أبو دكين بن زكريا بن محمد بن عمار بن ياسر: قال: رأيت عاتكة التي يقول فيها الأحوص:
يا بيت عاتكة الذي أتعزل
وهي عجوز كبيرة وقد جعلت بين عينيها هلالا من نيلج تتملّح به.
أخبرني الحرميّ عن الزبير، عن محمد بن محمد العمريّ: قال: عاتكة التي يشبّب بها الأحوص عاتكة بنت عبد اللّه بن يزيد بن معاوية.
أخبرني الحرميّ، عن الزبير، عن إسحاق بن عبد الملك: إن الأحوص كان ليّنا، وأن عاتكة التي ينسب بها ليست عاتكة بنت عبد اللّه بن يزيد بن معاوية، وإنما هو رجل كان ينزل قرى كانت بين الأشراف كنى عنه بعاتكة.
أخبرني الحرميّ عن الزبيريّ عن يعقوب بن حكيم: قال: كان الأحوص ليّنا، وكان يلزم نازلا بالأشراف، فنهاه أخوه عن ذلك، فتركه فرقا من أخيه، وكان يمرّ قريبا من خيمة النازل بالأشراف ويقول:
يا بيت عاتكة الذي أتعزّلحذر العدا وبه الفؤاد موكل
يكنى عنه بعاتكة ولا يقدر أن يدخل عليه.
أخبرني الحرميّ، عن الزبيري، عن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن إبراهيم: قال: حدثني عبد العزيز بن عمران: قال: قدم الفرزدق المدينة، فقال لكثيّر؟ هل لك بنا في الأحوص نأتيه ونتحدث عنده؟ فقال له: وما نصنع به؟ إذا واللّه نجد عنده عبدا حالكا أسود حلوكا يؤثره علينا، ويبيت مضاجعه ليلته حتى يصبح، قال الفرزدق: فقلت: إن هذا من عداوة الشعراء بعضهم لبعض، قال: فانهض بنا إليه إذا - لا أب لغيرك - قال الفرزدق: فأردفت كثيّرا ورائي على بغلتي، وقلت: تلفّف يا أبا صخر، فمثلك لا يكون رديفا، فخمّر رأسه وألصق فيّ وجهه، فجعلت لا أجتاز بمجلس قوم إلا قالوا: من هذا وراءك يا أبا فراس؟ فأقول: جارية وهبها لي الأمير، فلما أكثرت عليه من ذلك، واجتاز على بني زريق، وكان يبغضهم، فقلت لهم ما كنت أقول قبل ذلك، كشف عن رأسه وأومض وقال: كذب، ولكني كرهت أن أكون له رديفا وكان حديثه لي معجبا، فركبت وراءه، ولم تكن لي دابة أركبها إلا دابّته، فقالوا: لا تعجل يا أبا صخر، ههنا دوابّ كثيرة تركب منها ما أردت، فقال: دوابّكم واللّه أبغض إلى من ردفه، فسكتوا عنه. وجعل يتغشّم عليهم، حتى جاوز أبصارهم، فقلت: واللّه ما قالوا لك بأسا، فما الذي أغضبك عليهم؟ فقال: واللّه ما أعلم نفرا أشدّ تعصبا للقرشيين من نفر اجتزت بهم، قال: فقلت له: وما أنت - لا أمّ لك ولقريش - قال: أنا واللّه أحدهم، قلت: إن كنت أحدهم فأنت واللّه دعيّهم، قال: دعيّهم خير من صحيح نسب العرب، وإلا فأنا واللّه من أكرم بيوتهم، أنا أحد بني الصّلت بن النضر، قلت: إنما قريش ولد فهر بن مالك، فقال: كذبت. فقال: ما علمك يا بن الجعراء بقريش؟ هم بنو النّضر بن كنانة، ألم تر إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم انتسب إلى النّضر بن كنانة، ولم يكن ليجاوز أكرم نسبه، قال: فخرجنا حتى أتينا الأحوص، فوجدناه في مشربة له، فقلنا له: أنرقى إليك أم تنزل إلينا؟ قال: لا أقدر على ذلك، عندي أمّ جعفر، ولم أرها منذ أيام، ولي فيها شغل، فقال كثيّر: أم جعفر واللّه بعض عبيد الزّرانيق فقلنا له: فأنشدنا بعض ما أحدثت به، فأنشدنا قوله:
يا بيت عاتكة الذي أتعزّلحذر العدا وبه الفؤاد موكّل
حتى أتى على آخرها، فقلت لكثير: قاتله اللّه، ما أشعره، لو لا ما أفسد به نفسه، قال: ليس هذا إفسادا، هذا خسف إلى التّخوم، فقلت: صدقت، وانصرفنا من عنده، فقال: أين تريد؟ فقلت: إن شئت فمنزلي، وأحملك على البغلة، وأهب لك المطرف، وإن شئت فمنزلك ولا أرزؤك شيئا، فقال: بل منزلي، وأبذل لك ما قدرت عليه، وانصرفنا إلى منزله، فجعل يحدثني وينشدني حتى جاءت الظّهر، فدعا لي بعشرين دينارا وقال: استعن بهذه يا أبا فرس على مقدمك، قلت: هذا أشد من حملان بني زريق، قال: واللّه إنك ما تأنف من أخذ هذا من أحد، غير الخليفة، قال الفرزدق: فجعلت أقول في نفسي: تاللّه إنه لمن قريش، وهممت ألا أقبل منه. فدعتني نفسي - وهي طمعة - إلى أخذها منه، فأخذتها.
من هي الجعراء؟
معنى قول كثيّر للفرزدق: يا بن الجعراء: يعيّره بدغة، وهي أم عمرو بن تميم، وبها يضرب المثل في الحماقة، فيقال: هي أحمق من دغة، وكانت حاملا، فدخلت الخلاء، فولدت، وهي لا تعلم ما الولد، وخرجت وسلاها بين رجليها، وقد استهل ولدها، فقالت: يا جارتا، أيفتح الجعرفاه فقالت جارتها: نعم يا حمقاء، ويدعو أباه، فبنو تميم يعيّرون بذلك، ويقال للمنسوب منهم: يا بن الجعراء.
أخبرني الحرميّ، عن الزبير قال: حدّثني سليمان بن داود المجمعيّ: قال: اجتاز السّريّ بن عبد الرّحمن بن عتبة بن عويمر بن ساعدة الأنصاريّ بالأحوص وهو ينشد قوله:
يا بيت عاتكة الذي أتعزّل
فقال السّريّ:
يا بيت عاتكة المنوّة باسمهاقعد على من تحت سقفك واعجل
فواثبه الأحوص، وقال في ذلك:
فأنت وشتمي في أكاريس مالكوسبّي به كالكلب إذ ينبح النّجما
تداعى إلى زيد وما أنت منهمتحقّ أبا إلّا الولاء ولا أمّا
وإنّك لو عدّدت أحساب مالكوأيامها فيها ولم تنطق الرّجما
أعادتك عبدا أو تنقّلت كاذباتلمّس في حيّ سوى مالك جذما
وما أنا بالمحسوس في جذم مالكولا بالمسمّى ثم يلتزم إلاسما
ولكن أبي لو قد سألت وجدتهتوسّط منها العزّ والحسب الضّخما
فأجابه السّريّ فقال:
سألت جميع هذا الخلق طرّامتى كان الأحيوص من رجالي
وهي أبيات ليست بجيدة ولا مختارة، فألغيت ذكرها.
أخبرني محمد بن أحمد بن الطّلاس أبو الطّيب، عن أحمد بن الحارث الخرّاز، عن المدائني، وأخبرني به الحرميّ، عن الزبير: قال: حدثني عمي - وقد جمعت روايتيهما -.
أنّ المنصور أمر الرّبيع لما حجّ أن يسايره برجل يعرف المدينة وأهلها وطرقها ودورها وحيطانها، فكان رجل من أهلها قد انقطع إلى الربيع زمانا، وهو رجل من الأنصار، فقال له: تهيأ فإني أظن جدّك قد تحرّك، إن أمير المؤمنين قد أمرني أن أسايره برجل يعرف المدينة وأهلها وطرقها وحيطانها ودورها فتحسّس موافقته ولا تبتدئه بشيء حتى يسألك، ولا تكتمه شيئا، ولا تسأله حاجة، فغدا عليه بالرجل، وصلّى المنصور، فقال: يا ربيع، الرجل، فقال: ها هو ذا، فسار معه يخبره عما سأل حتى ندر من أبيات المدينة، فأقبل عليه المنصور، فقال: من أنت أولا؟ فقال: من لا تبلغه معرفتك - هكذا ذكر الخرّاز وليس في رواية الزبير - فقال: ما لك من الأهل والولد؟ فقال: واللّه ما تزوجت، ولا لي خادم، قال: فأين منزلك؟ قال: ليس لي منزل، قال: فإن أمير المؤمنين قد أمر لك بأربعة آلاف درهم، فرمى بنفسه فقبّل رجله، فقال له: اركب، فركب، فلما أراد الانصراف قال للربيع: يا أبا الفضل، قد أمر لي أمير المؤمنين بصلة، قال: إيه، قال: إن رأيت أن تنجّزها لي، قال: هيهات، قال: فأصنع ماذا؟ قال: لا أدري واللّه - وفي رواية الخراز أنه قال: ما أمر لك بشيء، ولو أمر به لدعاني، فقال: أعطه أو وقّع إليّ - فقال الفتى: هذا همّ لم يكن في الحساب، فلبثت أياما، ثم قال المنصور للربيع: ما فعل الرجل؟ قال: حاضر، قال: سايرنا به الغداة، ففعل، وقال له الربيع: إنه خارج بعد غد، فاحتل لنفسك، فإنه واللّه إن فاتك فإنه آخر العهد به، فسار معه، فجعل لا يمكنه شيء حتى انتهى إلى مسيره، ثم رجع وهو كالمعرض عنه، فلما خاف فوته أقبل عليه فقال: يا أمير المؤمنين، هذا بيت عاتكة، قال: وما بيت عاتكة؟ قال: الذي يقول فيه الأحوص.
يا بيت عاتكة الذي أتعزل
قال: فمه، قال: إنه يقول فيها:
إنّ امرأ قد نال منك وسيلةيرجو منافع غيرها لمضلّل
وأراك تفعل ما تقول وبعضهممذق الحديث يقول ما لا يفعل
فقال الزّبير في خبره: فقال له: لقد رأيتك أذكرت بنفسك، يا سليمان بن مخلد، أعطه أربعة آلاف درهم، فأعطاه إياها، وقال الخرّاز في خبره: فضحك المنصور، وقال: قاتلك اللّه، ما أظرفك، يا ربيع أعطه ألف درهم، فقال: يا أمير المؤمنين إنها كانت أربعة آلاف درهم، فقال: ألف يحصّل خير من أربعة آلاف لا تحصّل.
وقال الخراز في خبره: حدّثني المدائني: قال: أخذ قوم من الزنادقة، وفيهم ابن لابن المقفع، فمرّ بهم على أصحاب المدائن، فلما رآهم ابن المقفع خشي أن يسلّم عليهم فيؤخذ، فتمثّل:
يا بيت عاتكة الذي أتعزّلحذر العدا وبه الفؤاد موكّل
الأبيات، ففطنوا لما أراد، فلم يسلّموا عليه، ومضى.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ عن ابن شبّة: قال: بلغني أنّ يزيد بن عبد الملك كتب إلى عامله أن يجهّز إليه الأحوص الشاعر ومعبدا المغنيّ.
فأخبرنا محمد بن خلف وكيع: قال: حدثنا عبد اللّه بن شبيب: قال: حدثني إسماعيل بن أبي أويس: قال: حدثني أبي: قال: حدثنا سلمة بن صفوان الزّرقي، عن الأحوص الشاعر - وذكر إسماعيل بن سعيد الدمشقي -: أنّ الزّبير بن بكّار حدثه عن ابن أبي أويس، عن أبيه، عن مسلمة بن صفوان، عن الأحوص، وأخبرني به الحرمي، عن الزبير، عن عمه، عن جرير المدينيّ المغني، وأبو مسكين: قالوا جميعا: كتب يزيد بن عبد الملك في خلافته إلى أمير المدينة - وهو عبد الواحد بن عبد اللّه النّصريّ - أن يحمل إليه الأحوص الشاعر ومعبدا المغني مولى ابن قطن قال: فجهّزنا وحملنا إليه، فلما نزلنا عمان أبصرنا غديرا وقصورا، فقعدنا على الغدير وتحدثنا وذكرنا المدينة، فخرجت جارية من بعض تلك القصور، ومعها جرة تريد أن تستقي فيها ماء، قال الأحوص: فتغنّت بمدحي في عمر بن عبد العزيز:
يا بيت عاتكة الذي أتعزّل
فتغنت بأحسن صوت ما سمعته قط، ثم طرّبت، فألقت الجرة فكسرتها، فقال معبد: غنائي واللّه، وقلت: شعري واللّه، فوثبنا إليها، وقلنا لها: لمن أنت يا جارية؟ قالت: لآل سعيد بن العاص - وفي خبر جرير المغني: لآل الوليد بن عقبة - ثم اشتراني رجل من آل الوحيد بخمسين ألف درهم، وشغف بي، فغلبته بنت عم له طرأت عليه، فتزوّجها على أمري، فعاقبت منزلتها منزلتي، ثم علا مكانها مكاني، فلم تزدها الأيّام إلا ارتفاعا، ولم تزدني إلا اتضاعا، فلم ترض منه إلا بأن أخدمها، فوكلتني باستقاء الماء، فأنا على ما تريان، أخرج أستقي الماء، فإذا رأيت هذه القصور والغدران ذكرت المدينة، فطربت إليها، فكسرت جرتي، فيعذلني أهلي، ويلومونني، قال: فقلت لها: أنا الأحوص، والشعر لي، وهذا معبد، والغناء له، ونحن ماضيان إلى أمير المؤمنين، وسنذكرك له أحسن ذكر. وقال جرير في خبره ووافقه وكيع، ورواية عمر بن شبة: قالوا: فأنشأت الجارية تقول:
إن تروني الغداة أسعى بجّرأستقي الماء نحو هذا الغدير
فلقد كنت في رخاء من العيش وفي كل نعمة وسرور
ثم قد تبصران ما فيه أمسيت وماذا إليه صار مصيري
فإلى اللّه أشتكي ما ألاقيمن هوان وما يجنّ ضميري
أبلغا عنّي الإمام وما يعرف صدق الحديث غير الخبير
أنني أضرب الخلائق بالعود وأحكاهم ببمّ وزير
فلعلّ الإله ينقذ مماأنا فيه فإنّني كالأسير
ليتني متّ يوم فارقت أهليوبلادي فزرت أهل القبور
فاسمعا ما أقول لقّاكمااللّه نجاحا في أحسن التيسير
فقال الأحوص من وقته:
صوت
إنّ زين الغدير من كسر الجرروغنّى غناء فحل مجيد
قلت: من أنت يا ظعين فقالت:كنت فيما مضى لآل الوليد
وفي رواية الدّمشقي:
قلت: من أين يا خلوب فقالت:كنت فيما مضى لآل سعيد
ثم أصبحت بعد حيّ قريشفي بني خالد لآل الوحيد
فغنائي لمعبد ونشيديلفتى الناس الأحوص الصّنديد
فتباكيت ثم قلت: أنا الأحوص والشيخ معبد فأعيدي
فأعادت لنا بصوت شجيّيترك الشيخ في الصّبا كالوليد
وفي رواية أبي زيد:
فأعادت فأحسنت ثم ولّتتتهادى فقلت قول عميد
يعجز المال عن شراك ولكنأنت في ذمّة الهمام يزيد
ولك اليوم ذمّتي بوفاءوعلى ذاك من عظام العهود
أن سيجري لك الحديث بصوتمعبديّ يردّ حبل الوريد
يفعل اللّه ما يشاء فظنّيكلّ خير بنا هناك وزيدي
قالت القينة الكعاب:
إلى اللّه أموريوأرتجي تسديدي
غنّاه معبد ثاني ثقيل بالبنصر من رواية حبش والهشامي وغيرهما، وهي طريقة هذا الصوت، وأهل العلم بالغناء لا يصححونه لمعبد.
قال الأحوص: وضع فيه معبد لحنا فأجاده، فلما قدمنا على يزيد قال: يا معبد أسمعني أحدث غناء غنّيت وأطراه، فغناه معبد:
إنّ زين الغدير من كسر الجرّوغنى غناء فحل مجيد
فقال يزيد: إن لهذا لقصّة فأخبراني بها، فأخبراه، فكتب لعامله بتلك الناحية: إنّ لآل فلان جارية، من حالها «ذيت وذيت»، فاشترها بما بلغت، فاشتراها بمائة ألف درهم، وبعث بها هديّة، وبعث معها بألطاف كثيرة، فلما قدمت على يزيد رأى فضلا بارعا فأعجب بها، وأجازها، وأخدمها، وأقطعها، وأفرد لها قصرا، قال: فو اللّه ما برحنا حتى جاءتنا منها جوائز وكسا وطرف.
وقال الزبير في خبره عن عمّه: قال: أظن القصة كلّها مصنوعة، وليس يشبه الشّعر الأحوص، ولا هو من طرازه، وكذلك ذكر عمر بن شبّة في خبره.
أخبرني الحرميّ، عن الزّبير قال: سمعت هشام بن عبد اللّه بن عكرمة يحدّث عن عتبة بن عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: قال: كنت مع يزيد بن عمر بن هبيرة ليلة الفرات، فلما انهزم الناس التفت إليّ فقال: يا أبا الحارث، أمسينا واللّه وهم كما قال الأحوص:
أبكي لما قلب الزمان جديدهخلقا وليس على الزمان معوّل
أخبرني الحرميّ عن الزبير عن محمد بن محمد العمري: أنّ عاتكة بنت عبد اللّه بن يزيد بن معاوية رئيت في النّوم قبل ظهور دولة بني العباس على بني أمية كأنّها عريانة ناشرة شعرها تقول:
أين الشّباب وعيشنا الّلذّ الذيكنّا به زمنا نسرّ ونجذل
ذهبت بشاشته وأصبح ذكرهحزنا يعلّ به الفؤاد وينهل
فتأول الناس ذلك بزوال دنيا بني أمية، فكان كما قالوا: أخبرني بهذا الخبر الحسن بن يحيى، عن حماد، عن أبيه، عن الجمحي، عن شيخ من قريش: أنه رأى في النوم امرأة من ولد عثمان بن عفان على منايم على دار عثمان المقبلة على المسجد، وهي حاسرة في يديها عود وهي تضرب به وتغني:
أين الشباب وعيشنا الّلذ الذيكنا به يوما نسرّ ونجذل
ذهبت بشاشته وأصبح ذكرهحزنا يعلّ به الفؤاد وينهل
قال: فما لبثنا إلا يسيرا حتى خرج الأمر عن أيديهم، وقتل مروان.
قال إسحاق: المنامة: الدكان وجمعها منايم.
صوت
يا هند إنّك لو علمت بعاذلين تتابعا
قالا فلم أسمع لماقالا وقلت بل اسمعا
هند أحبّ إليّ منمالي وروحي فارجعا
ولقد عصيت عواذليوأطعت قلبا موجعا
الشعر لعبد اللّه بن الحسن بن الحسن عليهم السلام، والغناء لابن سريح، ولحنه فيه لحنان أحدهما من القدر الأوسط من الثقيل، الأوّل بالسبّابة في مجرى الوسطى عن إسحاق والآخر رمل بالوسطى عن عمرو، وفيه خفيف ثقيل، ذكر أبو العبيس أنه لابن سريح وذكر الهشامي وابن المكيّ أنه للغريض، وذكر حبش أن لإبراهيم فيه رملا آخر بالبنصر، وقال أحمد بن عبيد: الذي صح فيه ثقيل الأول وخفيفه ورمله، وذكر إبراهيم أن فيه لحنا لابن عبّاد.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع