من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار البحتري ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو الوليد بن عبيد اللّه بن يحيى بن عبيد بن شملال بن جابر بن سلمة بن مسهر بن الحارث بن خيثم ابن أبي حارثة بن جدي بن تدول بن بحتر بن عتود بن عثمة بن سلامان بن ثعل بن عمرو بن الغوث بن جلهمة وهو طيّىء بن أدد بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.
ويكنى أبا عبادة، شاعر فاضل فصيح حسن المذهب، نقيّ الكلام، مطبوع، كان مشايخنا رحمة اللّه عليهم يختمون به الشعراء، وله تصرّف حسن فاضل نقيّ في ضروف الشعر، سوى الهجاء، فإن بضاعته فيه نزرة، وجيّده منه قليل. وكان ابنه أبو الغوث يزعم أن السبب في قلة بضاعته في هذا الفن أنه لمّا حضره الموت دعابه، وقال له: اجمع كلّ شيء قلته في الهجاء. ففعل، فأمره بإحراقه، ثم قال له: يا بني، هذا شيء قلته في وقت، فشفيت به غيظي، وكافأت به قبيحا فعل بي، وقد انقضى أربي في ذلك، وإن بقي روي، وللناس أعقاب يورثونهم العداء والمودة، وأخشى أن يعود عليك من هذا شيء في نفسك أو معاشك لا فائدة لك ولي فيه، قال: فعلمت أنه قد نصحني وأشفق عليّ، فأحرقته.
أخبرني بذلك عليّ بن سليمان الأخفش عن أبي الغوث.
وهذا - كما قال أبو الغوث - لا فائدة لك ولا لي فيه، لأن الذي وجدناه وبقي في أيدي الناس من هجائه أكثره ساقط، مثل قوله في ابن شير زاد:
نفقت نفوق الحمار الذّكروبان ضراطك عنا فمر
ومثل قوله في عليّ بن الجهم:
ولو أعطاك ربّك ما تمنّىلزادك منه في غلظ الأيور
علام طفقت تهجوني مليّابما لفّقت من كذب وزور
وأشباه لهذه الأبيات، ومثلها لا يشاكل طبعه، ولا تليق بمذهبه، وتنبىء بركاكتها وغثاثة ألفاظها عن قلّة حظّه في الهجاء، وما يعرف له هجاء جيّد إلا قصيدتان إحداهما قوله في ابن أبي قماش:
مرّت على عزمها ولم تقفمبدية للشّنان والشّنف
يقول فيها لابن أبي قماش:
قد كان في الواجب المحقّق أنتعرف ما في ضميرها النّطف
بما تعاطيت في العيوب وماأوتيت من حكمة ومن لطف
أما رأيت المرّيخ قد مازج الزّهرة في الجدّ منه والشّرف
وأخبرتك النّحوس أنكمافي حالتي ثابت ومنصرف
من أين أعملت ذا وأنت علىالتّقويم والزّيج جدّ منعكف
أما زجرت الطيّر العلا أو تعيّفت المها أو نظرت في الكتف
رذلت في هذه الصناعة أوأكديت أو رمتها على الخرف
لم تخط باب الدّهليز منصرفاإلا وخلخالها مع الشّنف
وهي طويلة، ولم يكن مذهبي ذكرها إلا للإخبار عن مذهبه في هذا الجنس، وقصيدته في يعقوب بن الفرج النّصرانيّ، فإنها - وإن لم تكن في أسلوب هذه وطريقتها - تجري مجرى التّهكّم باللفظ الطيّب الخبيث المعاني، وهي:
تظنّ شجوني لم تعتلجوقد خلج البين من قد خلج
وكان البحتريّ يتشبّه بأبي تمّام من شعره، ويحذو مذهبه، وينحو نحوه في البديع الذي كان أبو تمام يستعمله، ويراه صاحبا وإماما، ويقدّمه على نفسه، ويقول في الفرق بينه وبينه قول منصف: إنّ جيّد أبي تمّام خير من جيّده، ووسطه ورديئه خير من وسط أبي تمّام ورديئه، وكذا حكم هو على نفسه.
أخبرني محمد بن يحيى الصولي: قال: حدثني الحسين بن علي الياقظانيّ: قال: قلت للبحتريّ: أيّما أشعر أنت أو أبو تمام؟ فقال: جيّده خير من جيّدي، ورديئي خير من رديئه.
حدثني محمد بن يحيى قال: حدثني أبو الغوث يحيى بن البحتري: قال: كان أبي يكنّى أبا الحسن، وأبا عبادة، فأشير عليّ في أيام المتوكل بأن أقتصر على أبي عبادة، فإنها أشهر، فاقتصرت عليها.
حدثني محمد قال: سمعت عبد اللّه بن الحسين بن سعد يقول للبحتريّ - وقد اجتعمنا في دار عبد اللّه بالخلد، وعنده المبرّد في سنة ست وسبعين ومائتين، وقد أنشد البحتريّ شعرا لنفسه قد كان أبو تمام قال في مثله -: أنت واللّه أشعر من أبي تمّام في هذا الشعر، قال: كلّا واللّه، إن أبا تمام للرّئيس والأستاذ، واللّه ما أكلت الخبر إلّا به، فقال له المبرّد: للّه درّك يا أبا الحسن، فإنك تأبى إلا شرفا من جميع جوانبك.
حدثني محمد: قال: حدثني الحسين بن إسحاق: قال: قلت للبحتريّ: إن الناس يزعمون أنك أشعر من أبي تمام، فقال: واللّه ما ينفعني هذا القول، ولا يضرّ أبا تمّام، واللّه ما أكلت الخبز إلا به، ولوددت أنّ الأمر كان كما قالوا، ولكني واللّه تابع له آخذ منه لائذ به، نسيمي يركد عند هوائه، وأرضي تنخفض عند سمائه.
حدثني محمد بن يحيى: قال: حدثني سوّار بن أبي شراعة، عن البحتري: قال: وحدثني أبو عبد اللّه الألوسيّ، عن علي بن يوسف، عن البحتري: قال: كان أوّل أمري في الشعر ونباهتي أنّي صرت إلى أبي تمّام، وهو بحمص، فعرضت عليه شعري، وكان الشّعراء يعرضون عليه أشعارهم، فأقبل عليّ، وترك سائر من حضر، فلما تفرّقوا قال لي: أنت أشعر من أنشدني، فكيف باللّه حالك؟ فشكوت خلّة فكتب إلى أهل معرّة النّعمان، وشهد لي بالحذق بالشعر، وشفع لي إليهم وقال: امتدحهم، فصرت إليهم، فأكرموني بكتابه، ووظّفوا لي أربعة آلاف درهم، فكانت أول مال أصبته. وقال عليّ بن يوسف في خبره: فكانت نسخة كتابه: «يصل كتابي هذا على يد الوليد أبي عبادة الطائيّ، وهو - على بذاذته - شاعر، فأكرموه».
حدثني جحظة: قال: سمعت البحتريّ يقول: كنت أتعشق غلاما من أهل منبج يقال له شقران، واتّفق لي سفر، فخرجت فيه، فأطلت الغيبة، ثم عدت، وقد التحى، فقلت فيه، وكان أول شعر قلته:
نبتت لحية شقران شقيق النّفس بعدي
حلقت، كيف أتتهقبل أن ينجز وعدي!
وقد روى في غير هذه الحكاية أن اسم الغلام شندان.
حدثني عليّ بن سليمان: قال: حدثني أبو الغوث بن البحتريّ عن أبيه، وحدثني عمي: قال: حدثني علي بن العباس النّوبختيّ، عن البحتريّ، وقد جمعت الحكايتين، وهما قريبتان: قال: أول ما رأيت أبا تمّام أنّي دخلت على أبي سعيد محمد بن يوسف، وقد مدحته بقصيدتي:
أأفاق صبّ من هوى فأفيقاأو خان عهدا أو أطاع شفيقا؟
فسر بها أبو سعيد، وقال: أحسنت واللّه يا فتى وأجدت، قال: وكان في مجلسه رجل نبيل رفيع المجلس منه، فوق كل من حضر عنده، تكاد تمسّ ركبته ركبته، فأقبل عليّ ثم قال: يا فتى، أما تستحي منّي! هذا شعر لي تنتحله، وتنشده بحضرتي! فقال له أبو سعيد: أحقّا تقول! قال: نعم، وإنما علقه مني، فسبقني به إليك، وزاد فيه، ثم اندفع فأنشد أكثر هذه القصيدة، حتى شكّكني - علم اللّه - في نفسي، وبقيت متحيّرا، فأقبل عليّ أبو سعيد، فقال: يا فتى، قد كان في قرابتك منّا وودّك لنا ما يغنيك عن هذا، فجعلت أحلف له بكل محرجة من الأيمان أنّ الشّعر لي ما سبقني إليه أحد، ولا سمعته منه، ولا انتحلته، فلم ينفع ذلك شيئا، وأطرق أبو سعيد، وقطع بي، حتى تمنّيت أني سخت في الأرض، فقمت منكسر البال أجرّ رجليّ، فخرجت، فما هو إلا أن بلغت باب الدّار حتى خرج الغلمان فردّوني، فأقبل عليّ الرّجل، فقال: الشعر لك يا بني، واللّه ما قلته قطّ، ولا سمعته إلا منك، ولكنني ظننت أنّك تهاونت بموضعي، فأقدمت على الإنشاد بحضرتي من غير معرفة كانت بيننا، تريد بذلك مضاهاتي ومكاثرتي، حتى عرّفني الأمير نسبك وموضعك، ولوددت ألّا تلد أبدا طائيّة إلا مثلك، وجعل أبو سعيد يضحك، ودعاني أبو تمام، وضمّني إليه، وعانقني، وأقبل يقرّظني، ولزمته بعد ذلك، وأخذت عنه، واقتديت به، هذه رواية من ذكرت.
وقد حدثني عليّ بن سليمان الأخفش أيضا قال: حدثني عبد اللّه بن الحسين بن سند القطربليّ: أن البحتريّ حدثه أنّه دخل على أبي سعيد محمد بن يوسف الثّغريّ، وقد مدحه بقصيدة، وقصده بها، فألقى عنده أبا تمام وقد أنشده قصيدة له فيه، فاستأذنه البحتريّ في الإنشاد وهو يومئذ حديث السّنّ، فقال له: يا غلام أتنشدني بحضرة أبي تمّام؟ فقال: تأذن ويستمع، فقام، فأنشده إياها، وأبو تمام يسمع ويهتزّ من قرنه إلى قدمه استحسانا فلما فرغ منها قال: أحسنت واللّه يا غلام، فممّن أنت؟ قال: من طيّى ء، فطرب أبو تمّام وقال: من طيّ ء، الحمد للّه على ذلك، لوددت أن كل طائية تلد مثلك، وقبّل بين عينيه، وضمّه إليه وقال لمحمد بن يوسف: قد جعلت له جائزتي، فأمر محمد بها، فضمّت إلى مثلها، ودفعت إلى البحتريّ، وأعطى أبا تمّام مثلها، وخصّ به، وكان مدّاحا له طول أيامه ولابنه بعده، ورثاهما بعد مقتليهما، فأجاد، ومراثيه فيهما أجود من مدائحه، وروى أنه قيل له في ذلك فقال: من تمام الوفاء أن تفضل المراثي المدائح لا كما قال الآخر - وقد سئل عن ضعف مراثيه فقال -: كنا نعمل للرّجاء، نحن نعمل اليوم للوفاء. وبينهما بعد.
حدثني حكم بن يحيى الكنتحي قال: كان البحتريّ من أوسخ خلق اللّه ثوبا وآلة وأبخلهم على كل شيء، وكان له أخ وغلام معه في داره، فكان يقتلهما جوعا، فإذا بلغ منهما الجوع أتياه يبكيان، فيرمي إليهما بثمن أقواتهما مضيّقا مقتّرا، ويقول: كلا، أجاع اللّه أكبادكما وأعرى أجلادكما وأطال إجهادكما.
قال حكم بن يحيى: وأنشدته يوما من شعر أبي سهل بن نوبخت، فجعل يحرّك رأسه، فقلت له: ما تقول فيه؟ فقال: هو يشبه مضغ الماء ليس له طعم ولا معنى.
وحدثني أبو مسلم محمد بن بحر الأصبهانيّ الكاتب، قال: دخلت على البحتريّ يوما فاحتبسني عنده، ودعا بطعام له، ودعاني إليه، فامتنعت من أكله، وعنده شيخ شاميّ لا أعرفه، فدعاه إلى الطعّام، فتقدّم، وأكل معه أكلا عنيفا، فغاظه ذلك، والتفت إليّ، فقال لي: أتعرف هذا الشيخ؟ فقلت: لا، قال: هذا شيخ من بني الهجيم الذين يقول فيهم الشاعر:
وبنو الهجيم قبيلة ملعونةحصّ اللّحى متشابهو الألوان
لو يسمعون بأكلة أو شربةبعمان أصبح جمعهم بعمان
قال: فجعل الشيخ يشتمه، ونحن نضحك.
وحدثني جحظة: قال: حدثني عليّ بن يحيى المنجّم: قال: اجتازت جارية بالمتوكّل معها كوز ماء، وهي أحسن من القمر، فقال لها: ما اسمك؟
قالت: برهان، قال: ولمن هذا الماء؟ قالت: لستيّ قبيحة، قال: صبيّه في حلقي، فشربه عن آخره، ثم قال للبحتريّ: قل في هذا شيئا، فقال البحتريّ:
ما شربة من رحيق كأسها ذهبجاءت بها الحور من جنّات رضوان
يوما بأطيب من ماء بلا عطششربته عبثا من كف برهان
أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش، وأحمد بن جعفر جحظة: قالا: حدثنا أبو الغوث بن البحتري: قال: كتبت إلى أبي يوما أطلب منه نبيذا، فبعث إليّ بنصف قنّينة درديّ، وكتب إليّ: دونكها يا بنيّ، فإنها تكشف القحط، وتضبط الرّهط. قال الأخفش، وتقيت الرّهط.
حدثني أبو الفضل عباس بن أحمد بن ثوابة قال: قدم البحتريّ النّيل على أحمد بن عليّ الإسكافيّ مادحا له، فلم يثبه ثوابا يرضاه بعد أن طالت مدّته عنده، فهجاه بقصيدته التي يقول فيها:
ما كسبنا من أحمد بن عليّومن النّيل غير حمّى النّيل
وهجاه بقصيدة أخرى أولها:
قصّة النّيل فاسمعوها عجابه
فجمع إلى هجائه إياه هجاء أبي ثوابة، وبلغ ذلك أبي، فبعث إليه بألف درهم وثياب ودابّة بسرجها ولجامها، فردّه إليه، وقال: قد أسلفتكم إساءة لا يجوز معها قبول رفدكم، فكتب إليه أبي: أمّا الإساءة فمغفورة وأما المعذرة فمشكورة، والحسنات يذهبن السيئات، وما يأسو جراحك مثل يدك. وقد رددت إليك ما رددته عليّ، وأضعفته، فإن تلافيت ما فرط منك أثبنا وشكرنا، وإن لم تفعل احتملنا وصبرنا. فقبل ما بعث به، وكتب إليه: كلامك واللّه أحسن من شعري، وقد أسلفتني ما أخجلني، وحمّلتني ما أثقلني، وسيأتيك ثنائي. ثم غدا إليه بقصيدة أولها:
ضلال لها ماذا أرادت إلى الصّد
وقال فيه بعد ذلك:
برق أضاء العقيق من ضرمه
وقال فيه أيضا:
دان دعا داعي الصّبا فأجابه
قال: ولم يزل أبي يصله بعد ذلك، ويتابع برّه لديه حتى افترقا.
أخبرني جحظة قال: كان نسيم غلام البحتريّ الذي يقول فيه:
دعا عبرتي تجري على الجور والقصدأظنّ نسيما قارف الهمّ من بعدي
خلا ناظري من طيفه بعد شخصهفيا عجبا للدّهر فقد على فقد
غلاما روميّا ليس بحسن الوجه، وكان قد جعله بابا من أبواب الحيل على النّاس، فكان يبيعه ويعتمد أن يصيّره إلى ملك بعض أهل المروءات ومن ينفق عنده الأدب، فإذا حصل في ملكه شبّب به، وتشوّقه، ومدح مولاه، حتى يهبه له، فلم يزل ذلك دأبه حتى مات نسيم، فكفي النّاس أمره.
أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال: كتب البحتريّ إلى أبي محمد بن عليّ القمّيّ يستهديه نبيذا، فبعث إليه نبيذا مع غلام له أمرد، فجمّشه البحتريّ، فغضب الغلام غضبا شديدا، دلّ البحتريّ على أنه سيخبر مولاه بما جرى، فكتب إليه:
أبا جعفر كان تجميشناغلامك إحدى الهنات الدّنيّه
بعثت إلينا بشمس المدامتضيء لنا مع شمس البريّه
فليت الهديّة كان الرّسولوليت الرسول إلينا الهديّة
فبعث إليه محمد بن عليّ الغلام هديّة، فانقطع البحتريّ عنه بعد ذلك مدة، خجلا مما جرى، فكتب إليه محمد بن عليّ:
هجرت كأنّ البرّ أعقب حشمةولم أر وصلا قبل ذا أعقب الهجرا
فقال فيه قصيدته التي أولها:
فتى مذحج عفوا فتى مذحج غفرا
وهي طويلة. وقال فيه أيضا:
أمواهب هاتيك أم أنواءهطل وأخذ ذاك أم إعطاء
إن دام ذا أو بعض ذا من فعل ذاذهب السخاء فلا يعدّ سخاء
ليس الذي حلّت تميم وسطهالدّهناء، لكن صدرك الدهناء
ملك أغر لآل طلحة مجدهكفّاه بحر سماحة وسماء
وشريف أشراف إذا احتكّت بهمجرب القبائل أحسنوا وأساءوا
أمحمد بن عليّ أسمع عذرةفيها شفاء للمسيء وداء
مالي إذ ذكر الكرام رأيتنيمالي مع النّفر الكرام وفاء؟
يضفو عليّ العذل وهو مقاربويضيق عني العذر وهو فضاء
إنّي هجرتك إذ هجرتك حشمةلا العود يذهبها ولا الإبداء
أخجلتني بندى يديك فسّودتما بيننا تلك اليد البيضاء
وقطعتني بالبرّ حتى إننيمتوهّم أن لا يكون لقاء
صلة غدت في الناس وهي قطيعةعجبا وبرّ راح وهو جفاء
ليواصلنّك ركب شعري سائراتهدى به في مدحك الأعداء
حتى يتمّ لك الثّناء مخلّداأبدا كما دامت لك النّعماء
فتظلّ تحسدك الملوك الصيد بيوأظلّ يحسدني بك الشّعراء
أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش: قال: سألني القاسم بن عبيد اللّه عن خبر البحتريّ، وقد كان أسكت، ومات من تلك العلّة، فأخبرته بوفاته، وأنه مات في تلك السّكتة، فقال: ويحه رمي في أحسنه.
أخبرني محمد بن يحيى: قال: حدثني محمد بن عليّ الأنباريّ: قال: سمعت البحتريّ يقول: أنشدني أبو تمام يوما لنفسه:
وسابح هطل التّعداء هتّانعلى الجراء أمين غير خوّان
أظمي الفصوص ولم تظمأ قوائمهفخلّ عينيك في ظمآن ريّان
فلو تراه مشيحا والحصى زيمبين السّنابك من مثنّى ووحدان
أيقنت إن لم تثبّت أنّ حافرهمن صخر تدمر أو من وجه عثمان
ثم قال لي: ما هذا الشعر؟ قلت: لا أدري، قال: هذا هو المستطرد، أو قال الاستطراد. قلت: وما معنى ذلك؟ قال: يريك أنه يريد وصف الفرس وهو يريد هجاء عثمان، وقد فعل البحتري ذلك، فقال في صفة الفرس:
ما إن يعاف قذى ولو أوردتهيوما خلائق حمدويه الأحول
وكان حمدويه الأحول عدوّا لمحمد بن علي القمّي الممتدح بهذه القصيدة فهجاه في عرض مدحه محمدا.
واللّه أعلم.
حدثني عليّ بن سليمان الأخفش: قال: حدّثني أبو الغوث بن البحتريّ: قال: حدثني أبي: قال: قال لي أبو تمام: بلغني أنّ بني حميد أعطوك مالا جليلا فيما مدحتهم به، فأنشدني شيئا منه، فأنشدته بعض ما قلته فيهم، فقال لي: كم أعطوك؟ فقلت: كذا وكذا، فقال: ظلموك، واللّه ما وفوك حقّك، فلم استكثرت ما دفعوه إليك؟ واللّه لبيت منها خير مما أخذت، ثم أطرق قليلا، ثم قال: لعمري لقد استكثرت ذلك، واستكثر لك لمّا مات الناس وذهب الكرام، وغاضت المكارم، فكسدت سوق الأدب، أنت واللّه يا بنيّ أمير الشعراء غدا بعدي، فقمت فقبّلت رأسه ويديه ورجليه، وقلت له: واللّه لهذا القول أسرّ إلى قلبي وأقوى لنفسي مما وصل إليّ من القوم.
حدثني محمد بن يحيى عن الحسن بن علي الكاتب: قال: قال لي البحتريّ: أنشدت أبا تمام يوما شيئا من شعري، فتمثّل ببيت أوس بن حجر:
إذا مقرم منا ذرا حدّ نابهتخمّط فينا ناب آخر مقرم
ثم قال لي: نعيت واللّه إليّ نفسي، فقلت: أعيدك باللّه من هذا القول، فقال: إنّ عمري لن يطول، وقد نشأ في طيء مثلك، أما علمت أنّ خالد بن صفوان رأى شبيب بن شيبة، وهو من رهطة يتكلم، فقال: يا بنيّ، لقد نعى إليّ نفسي إحسانك في كلامك،، لأنّا أهل بيت ما نشأ فينا خطيب قطّ إلّا مات من قبله، فقلت له: بل يبقيك اللّه، ويجعنلي فداءك. قال: ومات أبو تمام بعد سنة.
حدثني أحمد بن جعفر جحظة: قال: حدثني أبو العنبس الصّميريّ قال: كنت عند المتوكل والبحتريّ ينشده:
عن أيّ ثغر تبتسموبأيّ طرف تحتكم؟
حتى بلغ إلى قوله:
قل للخليفة جعفر المتوكّل بن المعتصم
المبتدي للمجتديوالمنعم بن المنتقم
أسلم لدين محمدفإذا سلمت فقد سلم
قال: وكان البحتريّ من أبغض الناس إنشادا، يتشادق ويتزاور في مشيه مرة جانبا، ومرّة القهقري، ويهزّ رأسه مرّة، ومنكبيه أخرى، ويشير بكمّه، ويقف عند كل بيت، ويقول: أحسنت واللّه، ثم يقبل على المستمعين، فيقول: ما لكم لا تقولون أحسنت؟ هذا واللّه ما لا يحسن أحد أن يقول مثله: فضجر المتوكل من ذلك وأقبل عليّ، وقال: أما تسمع يا صيمريّ ما يقول؟ فقلت: بلى يا سيّدي، فمرني فيه بما أحببت، فقال: بحياتي أهجه على هذا الرّويّ الذي أنشدنيه، فقلت: تأمر ابن حمدون أن يكتب ما أقول، فدعا بداوة وقرطاس، وحضرني على البديهة أن قلت:
أدخلت رأسك في الرّحموعلمت أنّك تنهزم
يا بحتريّ حذار ويحكمن قضاقضة ضغم
فلقد أسلت بوادييك من الهجا سيل العرم
فبأيّ عرض تعتصموبهتكه جفّ القلم؟
واللّه حلفة صادقوبقبر أحمد والحرم
وبحقّ جعفر الإمام ابن الإمام المعتصم
لأصيّرنّك شهرةبين المسيل إلى العلم
حيّ الطّلول بذي سلمحيث الأراكة والخيم
يا بن الثّقيلة والثقيل على قلوب ذوي النّعم
وعلى الصغير مع الكبير من الموالي والحشم
في أي سلح ترتطموبأيّ كفّ تلتقم؟
يا بن المباحة للورىأمن العفاف أم التّهم
إذ رحل أختك للعجموفراش أمّك في الظّلم
وبباب دارك حانةفي بيته يؤتى الحكم
قال: فغضب، وخرج يعدو، وجعلت أصيح به:
أدخلت رأسك في الرّحموعلمت أنّك تنهزم
والمتوكل يضحك، ويصفّق حتى غاب عن عينه.
هكذا حدثني جحظة عن أبي العنبس.
ووجدت هذه الحكاية بعينها بخط الشاهيني حكاية عن أبي العنبس، فرأيتها قريبة اللفظ، موافقة المعنى لما ذكره جحظة، والذي يتعارفه الناس أن أبا العنبس قال هذه الأبيات ارتجالا، وكان واقفا خلف البحتريّ، فلما ابتدأ وأنشد قصيدته:
عن أيّ ثغر تبتسموبأيّ طرف تحتكم
صاح به أبو العنبس من خلفه:
في أيّ سلح ترتطموبأيّ كفّ تلتقم
أدخلت رأسك في الرّحموعلمت أنك تنهزم
فغضب البحتريّ، وخرج، فضحك المتوكّل حتى أكثر، وأمر لأبي العنبس بعشرة آلاف درهم واللّه أعلم.
وأخبرني بهذا الخبر محمد بن يحيى الصّوليّ، وحدثني عبد اللّه بن أحمد بن حمدون عن أبيه: قال: وحدثني يحيى بن علي عن أبيه: إن البحتريّ أنشد المتوكّل - وأبو العنبس الصّيمريّ حاضر - قصيدته:
عن أيّ ثغر تبتسموبأيّ طرف تحتكم؟
إلى آخرها، وكان إذا أنشد يختال، ويعجب بما يأتي به، فإذا فرغ من القصيدة ردّ البيت الأول، فلما رده بعد فراغه منها. وقال:
عن أيّ ثغر تبتسموبأيّ طرف تحتكم
قال أبو العنبس وقد غمزه المتوكل أن يولع به:
في أي سلح ترتطموبأي كفّ تلتقم
أدخلت رأسك في الرّحموعلمت أنّك تنهزم
فقال نصف البيت الثاني، فلما سمع البحتريّ قوله ولّى مغضبا، فجعل أبو العنبس يصيح به:
وعلمت أنك تنهزم
فضحك المتوكل من ذلك حتى غلب، وأمر لأبي العنبس بالصّلة التي أعدّت للبحتري.
قال أحمد بن زياد: فحدّثني أبيّ قال: جاءني البحتريّ، فقال لي: يا أبا خالد أنت عشيرتي وابن عمّي وصديقي، وقد رأيت ما جرى عليّ، أفتأذن لي أن أخرج إلى منبج بغير إذن، فقد ضاع العلم، وهلك الأدب؟ فقلت: لا تفعل من هذا شيئا، فإن الملوك تمزح بأعظم مما جرى، ومضيت معه إلى الفتح، فشكا إليه ذلك، فقال له نحوا من قولي، ووصله، وخلع عليه، فسكن إلى ذلك.
حدثني جحظة عن عليّ بن يحيى المنجّم: قال: لمّا قتل المتوكّل قال أبو العنبس الصيّمريّ:
يا وحشة الدنيا على جعفرعلى الهمام الملك الأزهر
على قتيل من بني هاشمبين سرير الملك والمنبر
واللّه ربّ البيت والمشعرواللّه أن لو قتل البحتري
لثار بالشّام له ثائرفي ألف نغل من بني عض خرى
يقدمهم كلّ أخي ذلّةعلى حمار دابر أعور
فشاعت الأبيات حتى بلغت البحتريّ، فضحك، ثم قال: هذا الأحمق يرى أنّي أجيبه على مثل هذا، فلو عاش امرؤ القيس. فقال، من كان يجيبه؟.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع