تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

ذكر أبي خراش الهذلي وأخباره

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

أبو خراش اسمه خويلد بن مرّة، أحد بني قرد، واسم قرد عمرو بن معاوية بن سعد بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار.

شاعر فحل من شعراء المذكورين الفصحاء، مخضرم، أدرك الجاهلية والإسلام فأسلم وعاش بعد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مدة، ومات في خلافة عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، نهشته أفعى فمات، وكان ممن يعدو فيسبق الخيل في غارات قومه وحروبهم.

أخبرني حبيب بن نصر المهلبي وعمّي والحسن بن عليّ قالوا: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال: حدثنا أحمد بن عمير بن إسماعيل بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف قال: حدثني أبو بركة الأشجعيّ من أنفسهم قال: خرج أبو خراش الهذليّ من أرض هذيل يريد مكّة، فقال لزوجته أمّ خراش: ويحك إني أريد مكّة لبعض الحاجة، وإنك من أفك النساء، وإنّ بني الدّيل يطلبونني بتراث فإيّاك وأن تذكريني لأحد من أهل مكة حتى نصدر منها! قالت: معاذ اللّه أن أذكرك لأهل مكة وأنا أعرف السبب.

قال: فخرج بأم خراش وكمن لحاجته وخرجت إلى السوق لتشتري عطرا أو بعض ما تشتريه النساء من حوائجهن، فجلست إلى عطّار فمر بها فتيان من بني الدّيل، فقال أحدهما لصاحبه: أمّ خراش وربّ الكعبة وإنّها لمن أفكّ النساء وإن كان أبو خراش معها فستدلّنا عليه، قال: فوقفا عليها فسلما وأحفيا المسألة والسلام، فقالت: من أنتما بأبي أنتما؟ فقالا: رجلان من أهلك من هذيل، قالت: بأبي أنتما. فإن أبا خراش معي ولا تذكراه لأحد، ونحن رائحون العشيّة، فخرج الرجلان فجمعا جماعة من فتيانهم وأخذوا مولى لهم يقال له مخلد وكان من أجود الرجال عدوا، فكمنوا في عقبة على طريقه، فلما رآهم قد لاقوه في عين الشمس قال لها: قتلتني وربّ الكعبة لمن ذكرتني؟ فقالت: واللّه ما ذكرتك لأحد إلا لفتيين من هذيل، فقال لها: واللّه ما هما من هذيل ولكنهما من بني الدّيل وقد جلسا لي وجمعا عليّ جماعة من قومهم فاذهبي أنت فإذا جزت عليهم فإنهم لن يعرضوا لك لئلا أستوحش فأفوتهم، فاركضي بعيرك، وضعي عليه العصا، والنجاء النجاء.

قال: وهي على قعود عقيلي يسابق الريح، فلما دنا منهم وقد تلثّموا ووضعوا تمرا على طريقه على كساء، فوقف قليلا كأنه يصلح شيئا، وجازت بهم أم خراش فلم يعرضوا لها لئلا ينفر منهم، ووضعت العصاء على قعودها، وتواثبوا إليه ووثب يعدو.

قال: فزاحمه على المحجّة التي يسلك فيها على العقبة ظبي، فسبقه أبو خراش، وتصايح القوم: يا مخلد أخذا أخذا.

قال: ففات الأخذ. فقالوا: ضربا ضربا، فسبق الضرب، فصاحوا: رميا رميا فسبق الرمي، وسبقت أمّ خراش إلى الحيّ فنادت: ألا إنّ أبا خراش قد قتل، فقام أهل الحيّ إليها، وقام أبوه وقال: ويحك ما كانت قصّته، فقالت: إن بني الدّيل عرضوا له الساعة في العقبة، قال: فما رأيت، أو ما سمعت،؟ قالت: سمعتهم يقولون: يا مخلد أخذا أخذا، قال: ثم سمعت ما ذا؟ قالت: ثم سمعتهم يقولون: ضربا ضربا، قال: ثم سمعت ما ذا؟ قالت: سمعتهم يقولون: رميا رميا، قال: فإن كنت سمعت رميا رميا فقد أفلت، وهو منا قريب، ثم صاح: يا أبا خراش، فقال أبو خراش: يا لبّيك، وإذا هو قد وافاهم على أثرها. وقال أبو خراش في ذلك:

رفوني وقالوا يا خويلد لم ترعفقلت وأنكرت الوجوه هم هم

رفوني بالفاء: سكّنوني وقالوا: لا بأس عليك.

فغاررت شيئا والدّريس كأنمايزعزعه وعك من الموم مردم

غاررت: تلبثت. والدّريس: الخلق من الثياب، ومثله الجرد والسّحق والحشيف. ومردم: لازم.

تذكرت ما أين المفرّ وإننيبحبل الذي ينجي من الموت معصم
فو اللّه ما ربداء أو علج عانةأقبّ وما إن تيس رمل مصمّم
بأسرع منّي إذ عرفت عديّهمكأني لأولاهم من القرب توأم
وأجود منّي حين وافيت ساعياوأخطأني خلف الثّنيّة أسهم
أوائل بالشّدّ الذّليق وحثّنيلدى المتن مشبوح الذراعين خلجم
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة
تذكّر ذحلا عندنا وهو فاتكمن القوم يعروه اجتراء ومأثم
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة
تقول ابنتي لما رأتني عشيّة:سلمت وما إن كدت بالأمس تسلم
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة
فقلت وقد جاوزت صارى عشية:أجاوزت أولى القوم أم أنا أحلم
فلو لا دراك الشدّ آضت حليلتيتخيّر في خطّابها وهي أيّم
فتسخط أو ترضى مكاني خليفةوكاد خراش عند ذلك ييتم

أخبرني هاشم بن محمد الخراعيّ ومحمد بن الحسين الكنديّ خطيب المسجد الجامع بالقادسية قالا: حدثنا الرياشيّ قال: حدثنا الأصمعيّ قال: حدثني رجل من هذيل قال: دخل أبو خراش الهذليّ مكّة وللوليد بن المغيرة المخزوميّ فرسان يريد أن يرسلهما في الحلبة، فقال للوليد: ما تجعل لي إن سبقتهما؟ قال: إن فعلت، فهما لك، فأرسلا، وعدا بينهما فسبقهما فأخذهما.

قال الأصمعيّ: إذا فاتك الهذليّ أن يكون شاعرا أو ساعيا أو راميا فلا خير فيه.

وأخبرني بما أذكره من مجموع أخبار أبي خراش عليّ بن سليمان الأخفش، عن أبي سعيد السكريّ، وأخبرني بما أذكره من مجموع أشعارهم وأخبارهم فذكره أبو سعيد، عن محمد بن حبيب، عن ابن الأعرابي، عن أبي حاتم، عن أبي عبيدة، وعن ابن حبيب عن أبي عمرو.

وأخبرني ببعضه محمد بن العباس اليزيديّ قال: حدّثنا الرياشيّ، عن الأصمعيّ، وقد ذكرت ما رواه في أشعار هذيل وأخبارها كل واحد منهم عن أصحابه في مواضعه، قال السكريّ: فيما رواه عن ابن حبيب عن أبي عمرو قال: نزل أبو خراش الهذلي على دبيّة السّلميّ - وكان صاحب العزّى التي في غطفان وكان يسدنها، وهي التي هدمها خالد بن الوليد لما بعثه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إليها فهدمها وكسرها وقتل دبيّة السّلميّ - قال: فلما نزل عليه أبو خراش أحسن ضيافته. ورأى في رجله نعلين قد أخلقتا، فأعطاه نعلين من حذاء السّبت فقال أبو خراش يمدحه:

حذاني بعد ما خذمت نعاليدبيّة إنّه نعم الخليل
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة
مقابلتين من صلوي مشبّمن الثيران وصلهما جميل
بمثلهما يروح المرء لهواويقضي الهمّ ذو الأرب الرّجيل
فنعم معرّس الأضياف تذحيرحالهم شآمية بليل
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة
يقاتل جوعهم بمكلّلاتمن الفرنيّ يرعبها الجميل
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة

ولما بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خالد بن الوليد فهدم عزّى غطفان، وكانت ببطن نخلة، نصبها ظالم بن أسعد بن عامر بن مرة وقتل دبيّة فقال أبو خراش الهذلي يرثيه:

ما لدبيّة منذ اليوم لم أرهوسط الشّروب ولم يلمم ولم يطف
لو كان حيّا لغاداهم بمترعةفيها الرّواويق من شيزى بني الهطف
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة

بنو الهطف: قوم من بني أسد يعملون الجفان.

كابي الرماد عظيم القدر جفنتهحين الشتاء كحوض المنهل اللّقف
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة

- المنهل: الذي إبله عطاش. واللقف: الذي يضرب الماء أسفله فيتساقط وهو ملآن -

أمسى سقام خلاء لا أنيس بهإلا السّباع ومرّ الريح بالغرف
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة

وقال الأصمعيّ وأبو عمرو في روايتهما جميعا: أخذ أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في يوم حنين أسارى، وكان فيهم زهير بن العجوة أخو بني عمرو بن الحارث، فمرّ به جميل بن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح، وهو مربوط في الأسرى، وكانت بينهما إحنة في الجاهلية، فضرب عنقه، فقال أبو خراش يرثيه:

فجّع أصحابى جميل بن معمربذي فجر تأوي إليه الأرامل
طويل نجاد السيف ليس بحيدرإذا قام واستنّت عليه الحمائل
إلى بيته يأوي الغريب إذا شتاومهتلك بالي الدّريسين عائل
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة
تروّح مقرورا وراحت عشيّةلها حدب تحتثّه فيوائل
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة
تكاد يداه تسلمان رداءهمن القرّ لمّا استقبلته الشمائل
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة
فما بال أهل الدّار لم يتصدّعواوقد خفّ منها المّوذعيّ الحلاحل
فأقسم لو لاقيته غير موثقلآبك بالجزع الضّباع النّواهل
لظلّ جميل أسوأ القوم تلّةولكنّ ظهر القرن للمرء شاغل
فليس كعهد الدار يا أمّ مالكولكن أحاطت بالرقاب السلاسل
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة
وعاد الفتى كالكهل ليس بقائلسوى الحقّ شيئا فاستراح العواذل
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة
ولم أنس أياما لنا ولياليابحلية إذ نلقى بها ما نحاول
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة

وقال أيضا يرثيه:

أفي كلّ ممسى ليلة أنا قائلمن الدهر لا يبعد قتيل جميل
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة
فما كنت أخشى أن تصيب دماءناقريش ولما يقتلوا بقتيل
فأبرح ما أمّرتم وعمرتممدى الدهر حتى تقتلوا بغليل

وقال أبو عمرو في خبره خاصة: أقبل أبو خراش وأخوه عروة وصهيب القرديّ في بضعة عشر رجلا من بني قرد يطلبون الصيد فبينا هم بالمجمعة من نخلة لم يرعهم إلا قوم قريب من عدتهم فظنهم القرديّون قوما من بني ذؤيبة أحد بني سعد بن بكر بن هوازن أو من بني حبيب أحد بني نصر، فعدا الهذليّون إليهم يطلبونهم وطمعوا فيهم حتى خالطوهم وأسروهم جميعا، وإذا هم قوم من بني ليث بن بكر، فيهم ابنا شعوب أسرهما صهيب القردي، فهمّ بقتلهما، وعرفهم أبو خراش فاستنقذهم جميعا من أصحابه وأطلقهم، فقال أبو خراش في ذلك يمنّ على ابني شعوب أحد بني شجع بن عامر بن ليث فعله بهما:

عدونا عدوة لا شكّ فيهاوخلناهم ذؤيبة أو حبيبا
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة
فنغري الثائرين بهم وقلناشفاء النفس أن بعثوا الحروبا
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة
منعنا من عديّ بني حنيفصحاب مضرّس وابنى شعوبا
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة
فأثنوا يا بني شجع عليناوحقّ ابنى شعوب أن يثيبا
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة
وسائل سبرة الشّجعيّ عناغداة نخالهم نجوا جنيبا
بأنّ السّابق القرديّ ألقىعليه الثوب إذ ولّى دبيبا
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة
ولو لا ذاك أرهقه صهيبحسام الحدّ مطرورا خشيبا

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال: حدثنا الرياشي: قال: حدثنا الأصمعيّ قال: أقفر أبو خراش الهذليّ من الزّاد أياما، ثم مرّ بامرأة من هذيل جزلة شريفة، فأمرت له بشاة فذبحت وشويت، فلما وجد بطنه ريح الطعام قرقر، فضرب بيده على بطنه وقال: إنك لتقرقر لرائحة الطعام، واللّه لأطعمت منه شيئا ثم قال: يا ربّة البيت، هل عندك شيء من صبر أو مرّ؟ قالت: تصنع به ما ذا؟ قال: أريده، فأتته منه بشيء فاقتمحه، ثم أهوى إلى بعيره فركبه، فناشدته المرأة فأبى، فقالت له: يا هذا، هل رأيت بأسا أو أنكرت شيئا؟ قال: لا واللّه، ثم مضى وأنشأ يقول:

وإني لأثوي الجوع حتى يملّنيفأحيا ولم تدنس ثيابي ولا جرمي
وأصطبح الماء القراح فأكتفيإذا الزاد أضحى للمزلّج ذا طعم
أردّ شجاع البطن قد تعلمينهوأوثر غيري من عيالك بالطّعم
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة
مخافة أن أحيا برغم وذلّةفللموت خير من حياة على رغم
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة

وأخبرني عمّي عن هارون بن محمد الزيات، عن أحمد بن الحارث، عن المدائني بنحو مما رواه الأصمعيّ.

وقال أبو عمرو: أسرت فهم عروة بن مرة أخا أبيّ خراش - وقال غيره: بل بنو كنانة أسرته - فلما دخلت الأشهر الحرم، مضى أبو خراش إليهم ومعه ابنه خراش، فنزل بسيّد من ساداتهم ولم يعرّفه نفسه ولكنه استضافه فأنزله وأحسن قراه، فلما تحرّم به انتسب له، وأخبره خبر أخيه، وسأله معاونته حتى يشتريه منهم، فوعده بذلك، وغدا على القوم مع ذلك الرجل، فسألهم في الأسير أن يهبوه له، فما فعلوا، فقال لهم: فبيعونيه، فقالوا: أما هذا فنعم، فلم يزل يساومهم حتى رضوا بما بذله لهم، فدفع أبو خراش إليهم ابنه خراشا رهينة، وأطلق أخاه عروة ومضيا، حتى أخذ أبو خراش فكاك أخيه، وعاد به إلى القوم حتى أعطاهم إيّاه وأخذ ابنه. فبينما أبو خراش ذات يوم في بيته إذ جاءه عبد له فقال: إن أخاك عروة جاءني وأخذ شاة من غنمك، فذبحها، ولطمني لمّا منعته منها، فقال له: دعه، فلما كان بعد أيام عاد، فقال له: قد أخذ أخرى، فذبحها، فقال: دعه، فلما أمسى قال له: إن أخاك اجتمع مع شرب من قومه، فلما انتشى جاء إلينا وأخذ ناقة من إبلك، لينحرها لهم فعاجله، فوثب أبو خراش إليه، فوجده قد أخذ الناقة، لينحرها، فطردها أبو خراش، فوثب أخوه عروة إليه فلطم وجهه، وأخذ الناقة، فعقرها، وانصرف أبو خراش، فلما كان من غد لامه قومه، وقالوا له: بئست لعمر اللّه المكافأة، كانت منك لأخيك؛ رهن ابنه فيك، وفداك بماله، ففعلت به ما فعلت، فجاء عروة يعتذر إليه، فقال أبو خراش:

لعلّك نافعي يا عرو يوماإذا جاورت من تحت القبور
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة
أخذت خفارتي ولطمت عينيوكيف تثيب بالمنّ الكبير
ويوم قد صبرت عليك نفسيلدى الأشهاد مرتدي الحرور
إذا ما كان كسّ القوم روقاوجالت مقلتا الرجل البصير
بما يممته وتركت بكريوما أطعمت من لحم الجزور
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة

قال معنى قوله بكري أي بكر ولدي أي أولهم.

وقال الأصمعيّ وأبو عبيدة وأبو عمرو وابن الأعرابي: كان بنو مرة عشرة: أبو خراش، وأبو جندب، وعروة، والأبحّ، والأسود، وأبو الأسود، وعمرو، وزهير، وجنّاد، وسفيان، وكانوا جميعا شعراء دهاة سراعا لا يدركون عدوا، فأما الأسود بن مرة فإنه كان على ماء من داءة وهو غلام شاب، فوردت عليه إبل رئاب بن ناضرة بن المؤمّل من بني لحيان، ورئاب شيخ كبير، فرمى تله، وكان أشدّهم أبو جندب، فعرف خبر أخيه، فغضب غضبا شديدا، وأسف، فاجتمعت رجال هذيل إليه يكلمونه وقالوا: خذ عقل أخيك، واستبق ابن عمك، فلم يزالوا به حتى قال: نعم، اجمعوا العقل، فجاءوه به في مرّة واحدة، فلما أراحوه عليه صمت فطال صمته فقالوا له: أرحنا: اقبضه منا، فقال: إني أريد أن أعتمر فاحبسوه حتى أرجع، فإن هلكت فلأمّ ما أنتم - هذه لغة هذيل يقولون: إمّ بالكسر، ولا يستعلمون الضم - وإن عشت فسوف ترون أمري، وولّى ذاهبا نحو الحرم، فدعا عليه رجال من هذيل، وقالوا: اللهم لا تردّه، فخرج فقدم مكة فواعد كلّ خليع وفاتك في الحرم أن يأتوه يوم كذا وكذا، فيصيب بهم قومه، فخرج صادرا، حتى أخذته الذّبحة في جانب الحرم، فمات قبل أن يرجع، فكان ذلك خبره.

قالوا: وأما زهير بن مرة فخرج معتمرا قد جعل على جسده من لحاء الحرم، حتى ورد ذات الأقير من نعمان، فبينا هو يسقي إبلا له إذ ورد عليه قوم من ثمالة، فقتلوه، فله يقول أبو خراش، وقد انبعث يغزو ثمالة ويغير عليهم، حتى قتل منهم بأخيه أهل دارين، أي حلّتين من ثمالة.

خذوا ذلكم بالصّلح إني رأيتكمقتلتم زهيرا وهو مهد ومهمل

مهد أي أهدى هديا للكعبة. ومهمل: قد أهمل إبله في مراعيها.

قتلتم فتى لا يفجر اللّه عامداولا يجتويه جاره عام يمحل

ولهم يقول أبو خراش:

إنّي امرؤ أسأل كيما أعلمامن شرّ رهط يشهدون الموسما؟
وجدتهم ثمالة بن أسلما

وكان أبو خراش إذا لقيهم في حروبه أوقع بهم ويقول:

إليك أمّ ذبّانما ذاك من حلب الضّان
لكن مصاع الفتيانبكل لين حرّان

قال: وأما عروة بن مرة وخراش بن أبي خراش فأخذهما بطنان من ثمالة يقال لهما بنو رزام وبنو بلال، وكانوا متجاورين، فخرج عروة بن مرة وابن أبي خراش أخيه مغيرين عليهم طمعا في أن يظفروا من أموالهم بشيء، فظفر بهما الثماليون، فأما بنو رزام فنهوا عن قتلهما وأبت بنو بلال إلا قتلهما، حتى كاد يكون بينهم شر، فألقى رجل من القوم ثوبه على خراش حين شغل القوم بقتل عروة، ثم قال له: انج، وانحرف القوم بعد قتلهم عروة إلى الرجل، وكانوا أسلموه إليه، فقالوا: أين خراش؟ فقال: أفلت مني، فذهب، فسعى القوم في أثره، فأعجزهم، فقال أبو خراش في ذلك يرثي أخاه عروة، ويذكر خلاص ابنه:

حمدت إلهي بعد عروة إذ نجاخراش وبعض الشر أهون من بعض
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «قليل إلى غير اكتساب العلى نهضي»
فو اللّه لا أنسى قتيلا رزيتهبجانب قوسى ما حييت على الأرض
بلى إنها تعفو الكلوم وإنمانوكّل بالأدنى وإن جلّ ما يمضي
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة
ولم أدر من ألقى عليه رداءهسوى أنه قد سلّ عن ماجد محض
للشاعر أبو الحسن أحمد بن علي البتِّيُّ، اقرأ القصيدة
ولم يك مثلوج الفؤاد مهبّلاأضاع الشباب في الرّبيلة والخفض
ولكنه قد نازعته مجاوععلى أنه ذو مرة صادق النهض

قال: ثم إن أبا خراش وأخاه عروة استنفرا حيّا من هذيل يقال لهم بنو زليفة بن صبيح ليغزوا ثمالة بهم طالبين بثأر أخيهما، فلما دنوا من ثمالة أصاب عروة ورد حمّى، وكانت به حمّى الرّبع فجعل عروة يقول:

أصبحت مورودا فقرّبونيإلى سواد الحيّ يدفنوني
إنّ زهيرا وسطهم يدعونيربّ المخاض والّلقاح الجون

فلبثوا إلى أن سكنت الحمّى، ثم بيّتوا ثمالة، فوجدوهم خلوفا ليس فيهم رجال، فقتلوا من وجدوا من الرجال، وساقوا النساء والذراريّ والأموال، وجاء الصائح إلى ثمالة عشاء، فلحقوهم، وانهزم أبو خراش وأصحابه، وانقطعت بنو زليفة، فنظر الأكنع الثّماليّ - وكان مقطوع الأصبع - إلى عروة فقال: يا قوم، ذلك واللّه عروة، وأنا واللّه رام بنفسي عليه، حتى يموت أحدنا، وخرج يمعج نحو عروة، فصاح عروة بأبي خراش أخيه: أي أبا خراش، هذا واللّه الأكنع وهو قاتلي، فقال أبو خراش: أمضه، وقعد له على طريقه، ومر به الأكنع مصمّما على عروة، وهو لا يعلم بموضع أبي خراش، فوثب عليه أبو خراش، فضربه على حبل عاتقه حتى بلغت الضّربة سحره، وانهزمت ثمالة، ونجا أبو خراش وعروة. وقال أبو خراش يرثي أخاه ومن قتلته ثمالة وكنانة من أهله، وكان الأصمعيّ يفضّلها:

فقدت بني لبنى فلما فقدتهمصبرت فلم أقطع عليهم أباجلي
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة

الأبجل: عرق في الرّجل.

رماح من الخطّيّ زرق نصالهاحداد أعاليها شداد الأسافل
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة
فلهفي على عمرو بن مرّة لهفةولهفي على ميت بقوسى المعاقل
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة
حسان الوجوه طيّب حجزاتهمكريم نثاهم غير لفّ معازل
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة
قتلت قتيلا لا يحالف غدرةولا سبّة لا زلت أسفل سافل
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة
وقد أمنوني واطمأنّت نفوسهمولم يعلموا كلّ الذي هو داخلي
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة
فمن كان يرجو الصلح منيّ فإنهكأحمر عاد أو كليب بن وائل
أصيبت هذيل بابن لبنى وجدّعتأنوفهم باللّوذعيّ الحلاحل
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة
رأيت بني العلّات لما تضافروايحوزون سهمي دونهم بالشّمائل
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة

قالوا: وأما أبو الأسود فقتلته فهم بياتا تحت الليل، وأما الأبحّ فكان شاعرا، فأمسى بدار بعرعر من ضيم، فذكر لسارية بن زنيم العبديّ أحد بني عبد بن عديّ بن الدّيل، فخرج بقوم من عشيرته يريده ومن معه، فوجدوهم قد ظعنوا. وكان بين بني عبد بن عدي بن الدّيل وبينهم حرب، فقال الأبحّ في ذلك:

لعمرك ساري بن أبي زنيملأنت بعرعر الثأر المنيم
تركت بني معاوية بن صخروأنت بمربع وهم بضيم
تساقيهم على رصف وظرّكدابغة وقد حلم الأديم

رصف وظرّ: ماءان، ومربع وضيم: موضعان.

فلم نتركهم قصدا ولكنفرقت من المصالت كالنّجوم
رأيتهم فوارس غير عزلإذا شرق المقاتل بالكلوم

فأجابه سارية، فقال:

لعلك يا أبحّ حسبت أنّيقتلت الأسود الحسن الكريما
أخذتم عقله وتركتموهيسوق الظّمي وسط بني تميما

عيّرهم بأخذ دية الأسود بن مرة أخيهم، وأنهم لم يدركوا بثأره، وبنو تميم من هذيل.

قالوا: وأما جنادة وسفيان فماتا، وقتل عمرو، ولم يسمّ قاتله. قالوا: وأمهم جميعا لبنى إلا سفيان بن مرة، فإن أمه أم عمرو القرديّة، وكان أيسر القوم وأكثرهم مالا.

وقال أبو عمرو: وغزا أبو خراش فهما، فأصاب منهم عجوزا، وأتى بها منزل قومه، فدفعها إلى شيخ منهم، وقال: احتفظ بها حتى آتيك، وانطلق لحاجته، فأدخلته بيتا صغيرا، وأغلقت عليه، وانطلقت، فجاء أبو خراش، وقد ذهبت، فقال:

سدّت عليه دولجا يمّمتبني فالج بالليث أهل الخزائم

الدولج: بيت صغير يكون للبهم، والليث: ماء لهم، والخزائم البقر واحدتها خزومة.

وقالت له: دنّخ مكانك إننيسألقاك إن وافيت أهل المواسم

يقال: دنّخ الرجل ودمّخ إذا أكبّ على وجهه ويديه.

وقال أبو عمرو: دخلت أميمة امرأة عروة بن مرة على أبي خراش وهو يلاعب ابنه فقالت له: يا أبا خراش تناسيت عروة، وتركت الطلب بثأرة، ولهوت مع ابنك، أما واللّه لو كنت المقتول ما غفل عنك، ولطلب قاتلك حتى يقتله، فبكى أبو خراش، وأنشأ يقول:

لعمري لقد راعت أميمة طلعتيوإنّ ثوائي عندها لقليل
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة
وقالت: أراه بعد عروة لاهياوذلك رزء لو علمت جليل
فلا تحسبي أني تناسيت فقدهولكنّ صبري يا أميم جميل
ألم تعلمي أن قد تفرّق قبلنانديما صفاء مالك وعقيل
أبى الصبر أنّي لا يزال يهيجنيمبيت لنا فيما خلا ومقيل
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة
وأني إذا ما الصّبح آنست ضوءهيعادوني قطع عليّ ثقيل
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة

قال أبو عمرو: فأما أبو جندب أخو أبي خراش فإنه كان جاور بني نفاثة بن عديّ بن الدّيل حينا من الدهر، ثم إنهم هموا بأن يغدروا به، وكانت له إبل كثيرة فيها أخوه جنادة، فراح عليه أخوه جنادة ذات ليلة، وإذا به كلوم، فقال له أبو جندب: مالك؟ فقال: ضربني رجل من جيرانك، فأقبل أبو جندب، حتى أتى جيرانه من بني نفاثة، فقال لهم: يا قوم، ما هذا الجوار؟ لقد كنت أرجو من جواركم خيرا من هذا، أيتجاور أهل الأعراض بمثل هذا؟.

فقالوا: أو لم يكن بنو لحيان، يقتلوننا، فو اللّه ما قرّت دماؤنا، وما زالت تغلي، واللّه إنك للثّار المنيم، فقال: أما إنه لم يصب أخي إلّا خير، ولكنما هذه معاتبة لكم، وفطن للذي يريد القوم من الغدر به، وكان بأسفل دفاق، فأصبحوا ظاعنين، وتواعدوا ماء ظرّ، فنفذ الرجال إلى الماء، وأخّروا النساء لأن يتبعنهم إذا نزلوا، واتخذوا الحياض للإبل، فأمر أبو جندب أخاه جنادة وقال له: اسرح مع نعم القوم.

ثم توقّف، وتأخّر، حتى تمرّ عليك النّعم كلّها، وأنت في آخرها سارح بإبلك، واتركها متفرقة في المرعى، فإذا غابوا عنك فاجمع إبلك، واطردها نحو أرضنا، وموعدك نجد ألوذثنيّة، في طريق بلاده، وقال لامرأته أمّ زنباع وهي من بني كلب بن عوف: اظعني وتمكّثي، حتى تخرج آخر ظعينة من النساء.

ثم توجّهي، فموعدك ثنيّة يدعان من جانب النخلة، وأخذ أبو جندب دلوه، وورد مع الرجال، فاتّخذ القوم الحياض، واتخذ أبو جندب حوضا، فملأه ماء، ثم قعد عنده، فمرّت به إبل ثمّ إبل، فكلّما وردت إبل سأل عن إبله فيقولون: قد بلغت، تركناها بالضّجن.

ثم قدمت النساء كلما قدمت ظعينة سألها عن أهله، فيقولون: بلغتك، تركناها تظعن، حتى إذا ورد آخر النّعم وآخر الظّعن قال: واللّه لقد حبس أهلي حابس، أبصر يا فلان، حتى أستأنس أهلي وإبلي، وطرح دلوه على الحوض.

ثم ولّى، حتى أدرك القوم بحيث وعدهم، فقال أبو جندب في ذلك:

أقول لأمّ زنباع أقيميصدور العيس شطر بني تميم
وغرّبت الدّعاء وأين منّيأناس بين مرّ وذي يدوم

غربت الدّعاء: دعوت من بعيد.

وحيّ بالمناقب قد حموهالدى قرّان حتى بطن ضيم
وأحياء لدى سعد بن بكربأملاح فظاهرة الأديم
أولئك معشري وهم أروميوبعض القوم ليس بذي أروم
هنالك لو دعوت أتاك منهمرجال مثل أرمية الحميم

الأرمية: السحاب الشديد الوقع، واحدها رميّ، والحميم: مطر القيظ.

أقلّ اللّه خيرهم ألمّايدعهم بعض شرّهم القديم
ألمّا يسلم الجيران منهموقد سال الفجاج من الغميم
غداة كأنّ جنّاد بن لبنىبه نضخ العبير من الكلوم
دعا حولي نفاثة ثم قالوا:لعلك لست بالثّأر المنيم

المنيم: الذي إذا أدرك استراح أهله وناموا.

نعوا من قتّلت لحيان منهمومن يغترّ بالحرب القروم

قالوا جميعا: وكان أبو جندب ذا شرّ وبأس، وكان قومه يسمونه المشئوم، فاشتكى شكوى شديدة، وكان له جار من خزاعة يقال له حاطم، فوقعت به بنو لحيان، فقتلوه قبل أن يستبلّ أبو جندب من مرضه، واستاقوا أمواله، وقتلوا امرأته، وقد كان أبو جندب كلّم قومه، فجمعوا لجاره غنما، فلما أفاق أبو جندب من مرضه خرج من أهله، حتى قدم مكة، ثم جاء يمشي، حتى استلم الركن، وقد شق ثوبه عن استه، فعرف الناس أنه يريد شرا، فجعل يصيح ويقول:

إني امرؤ أبكي على جاريّةأبكي على الكعبيّ والكعبيّه
ولو هلكت بكيا عليهكانا مكان الثوب من حقويّه

فلما فرغ من طوافه، وقضى حاجته من مكة خرج في الخلعاء من بكر وخزاعة، فاستجاشهم على بني لحيان، فقتل منهم قتلى، وسبى من نسائهم وذراريهم سبايا، وقال في ذلك:

لقد أمسى بنو لحيان منّيبحمد اللّه في خزى مبين
للشاعر المشؤوم، من قصيدة «لقد أمسى بنو لحيان مني»
تركتهم على الرّكبات صعرايشيبون الذّوائب بالأنين

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ، قال: حدثني عبد الرحمن ابن أخي الأصمعيّ قال: حدثني عمي قال: هاجر خراش بن أبي خراش الهذليّ في أيام عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، وغزا مع المسلمين، فأوغل في أرض العدو، فقدم أبو خراش المدينة، فجلس بين يدي عمر، وشكا إليه شوقه إلى ابنه، وأنه رجل قد انقرض أهله، وقتل إخوته، ولم يبق له ناصر ولا معين غير ابنه خراش، وقد غزا وتركه، وأنشأ يقول:

ألا من مبلغ عني خراشاوقد يأتيك بالنّبأ البعيد
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة
وقد يأتيك بالأخبار من لاتجهّز بالحذاء ولا تزيد
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة

- تزيد وتزوّد واحد، من الزاد -

يناديه ليغبقه كليبولا يأتي، لقد سفه الوليد
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة
فردّ إناءه لا شيء فيهكأنّ دموع عينيه الفريد
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة
وأصبح دون عابقه وأمسىجبال من حرار الشام سود
ألا فاعلم خراش بأنّ خبر المهاجر بعد هجرته زهيد
رأيتك وابتغاء البرّدونيكمحصور اللّبان ولا يصيد

قال: فكتب عمر رضي اللّه عنه بأن يقبل خراش إلى أبيه، وألا يغزو من كان له أب شيخ إلا بعد أن يأذن له.

أخبرني حبيب بن نصر المهلبيّ، قال: حدثنا عمر بن شبة: قال: حدثنا الأصمعيّ. وأخبرني حبيب بن نصر، قال: حدثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال: حدثنا عليّ بن الصبّاح، عن ابن الكلبيّ، عن أبيه.

وأخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال: حدثنا أبو غسّان دماذ: قال أبو عبيدة: وأخبرني أيضا هاشم، قال: حدثنا عبد الرحمن ابن أخي الأصمعيّ، عن عمه، وذكره أبو سعيد السكري في رواية الأخفش عنه عن أصحابه، قالوا جميعا: أسلم أبو خراش فحسن إسلامه، ثم أتاه نفر من أهل اليمن قدموا حجّاجا، فنزلوا بأبي خراش والماء منهم غير بعيد، فقال: يا بني عمي، ما أمسى عندنا ماء، ولكن هذه شاة وبرمة وقربة، فردوا الماء، وكلوا شاتكم، ثم دعوا برمتنا وقربتنا على الماء، حتى نأخذها، قالوا: واللّه ما نحن بسائرين في ليلتنا هذه، وما نحن ببارحين حيث أمسينا، فلما رأى ذلك أبو خراش أخذ قربته، وسعى نحو الماء تحت الليل حتى استقى، ثم أقبل صادرا، فنهشته حية قبل أن يصل إليهم، فأقبل مسرعا حتى أعطاهم الماء، وقال: اطبخوا شاتكم وكلوا ولم يعلمهم بما أصابه، فباتوا على شاتهم يأكلون حتى أصبحوا، وأصبح أبو خراش في الموت، فلم يبرحوا حتى دفنوه، وقال وهو يعالج الموت:

لعمرك والمنايا غالباتعلى الإنسان تطلع كلّ نجد
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة
لقد أهلكت حيّة بطن أنفعلى الأصحاب ساقا ذات فقد

وقال أيضا:

لقد أهلكت حية بطن أنفعلى الأصحاب ساقا ذات فضل
فما تركت عدوّا بين بصرىإلى صنعاء يطلبه بذحل

قال: فبلغ عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه خبره، فغضب غضبا شديدا، وقال: لو لا أن تكون سبّة لأمرت ألّا يضاف يمان أبدا، ولكتبت بذلك إلى الآفاق. إن الرجل ليضيف أحدهم، فيبذل مجهوده فيسخطه ولا يقبله منه، ويطالبه بما لا يقدر عليه، كأنه يطالبه بدين، أو يتعنّته ليفضحه، فهو يكلفه التكاليف، حتى أهلك ذلك من فعلهم رجلا مسلما، وقتله، ثم كتب إلى عامله باليمن بأن يأخذ النفر الذين نزلوا بأبي خراش فيغرّمهم ديته، ويؤدبهم بعد ذلك بعقوبة تمسهم جزاء لأعمالهم.

صوت

تهيم بها لا الدهر فان ولا المنىسواها ولا ينسيك نأي ولا شغل
كبيضة أدحيّ بميث خميلةيحفّفها جون بجؤجؤة صعل

الشعر لعبد الرحمن بن مسافع بن دارة، والغناء لابن محرز ثقيل أول بالوسطى، عن ابن المكي.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»