تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

أخبار هدبة بن خشرم ونسبه وقصته في قوله هذا الشعر وخبر مقتله

فيه ١٠٦ أبيات

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

هو هدبة بن خشرم بن كرز بن أبي حيّة بن الكاهن - وهو سلمة - بن أسحم بن عامر بن ثعلبة بن عبد اللّه بن ذبيان بن الحارث بن سعد بن هذيم؛ وسعد بن هذيم شاعر من أسلم بن الحاف بن قضاعة؛ ويقال: بل هو سعد بن أسلم، وهذيم عبد لأبيه رباه، فقيل: سعد بن هذيم، يعني سعدا هذا.

وهدبة شاعر فصيح متقدم من بادية الحجاز، وكان شاعرا راوية، كان يروي للحطيئة، والحطيئة يروي لكعب بن زهير، وكعب بن زهير يروي لأبيه زهير، وكان جميل رواية هدبة، وكثّير رواية جميل، فلذلك قيل: إن آخر فحل اجتمعت له الرواية إلى الشعر كثير.

وكان لهدبة ثلاثة إخوة كلهم شاعر: حوط وسيحان والواسع، أمهم حيّة بنت أبي بكر بن أبي حيّة من رهطهم الأدنين، وكانت شاعرة أيضا.

وهذا الشعر يقوله هدبة في قتله زيادة بن زيد بن مالك بن عامر بن قرّة بن حنش بن عمرو بن عبد اللّه بن ثعلبة بن ذبيان بن الحارث بن سعد بن هذيم.

أخبرني بالخبر في ذلك جماعة من شيوخنا، فجمعت بعض روايتهم إلى بعض، واقتصرت على ما لا بدّ منه من الأشعار، وأتيت بخبرهما على شرح، وألحقت ما نقص من رواية بعضهم عن رواية صاحبه في موضع النقصان.

فممّن حدثني به محمد بن العباس اليزيديّ قال: حدثنا عيسى بن إسماعيل العتكيّ: تينة قال: حدثنا خلف بن المثنى الحدانيّ، عن أبي عمر والمدينيّ.

وأخبرني الحسن بن يحيى، ومحمد بن مزيد بن أبي الأزهر البوشنجيّ، عن حماد بن إسحاق الموصلي عن أبيه.

وأخبرني إبراهيم بن أيوب الصائغ، عن ابن قتيبة.

وأخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار، عن علي بن محمد بن سليمان النوفليّ، عن أبيه عن عمه. وقد نسبت إلى كل واحد منهم ما انفرد به من الرواية، وجمعت ما اتفقوا عليه، قال عيسى بن إسماعيل في خبره خاصة: كان أول ما هاج الحرب بين بني عامر بن عبد اللّه بن ذبيان وبين بني رقاش، وهم بنو قرّة بن حفش بن عمرو بن عبد اللّه بن ثعلبة بن ذبيان، وهم رهط زيادة بن زيد، وبنو عامر رهط هدبة، أن حوط بن خشرم أخا هدبة راهن زيادة بن زيد على جملين من إبلهما، وكان مطلقهما من الغاية على يوم وليلة، وذلك في القيظ، فتزودوا الماء في الروايا والقرب، وكانت أخت حوط سلمى بنت خشرم تحت زيادة بن زيد، فمالت مع أخيها على زوجها، فوهّنت أوعية زيادة، ففنى ماؤه قبل ماء صاحبه، فقال زيادة:

قد جعلت نفسي في أديممحرّم الدّباغ ذي هزوم
للشاعر زيادة بن زيد العذري، اقرأ القصيدة
ثمّ رمت بي عرض الدّيمومفي بارح من وهج السّموم
للشاعر زيادة بن زيد العذري، اقرأ القصيدة
عند اطّلاع وعرة النجوم

- قال اليزيديّ في خبره: المحرّم: الذي لم يدبغ، والهزوم: الشقوق.

- قال: - وقال زيادة أيضا:

قد علمت سلمة بالعميسليلة مرمار ومرمريس
للشاعر زيادة بن زيد العذري، اقرأ القصيدة
أنّ أبا المسور ذو شريسيشفي صداع الأبلج الدّلعيس
للشاعر زيادة بن زيد العذري، اقرأ القصيدة

العميس: موضع، والمرمار والمرمريس: الشّدة والاختلاط، وأبا المسور يعني زيادة نفسه، وكانت كنيته أبا المسور.

قال: فكان ذلك أول ما أثبت الضغائن بينهما، ثم إن هدبة بن خشرم وزيادة بن زيد اصطحبا، وهما مقبلان من الشام، في ركب من قومهما، فكانا يتعاقبان السّوق بالإبل، وكان مع هدبة أخته فاطمة، فنزل زيادة فارتجز فقال:

عوجي علينا واربعي يا فاطماما دون أن يرى البعير قائما
للشاعر زيادة بن زيد العذري، اقرأ القصيدة

- أي ما بين مناخ البعير إلى قيامه -.

ألا ترين الدمع منّي ساجماحذار دار منك لن تلائما
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة
فعرّجت مطّردا عراهمافعما يبذّ القطف الرّواسما
للشاعر زيادة بن زيد العذري، اقرأ القصيدة

- مطّرد: متتابع السير، وعراهم: شديد، وفعم: ضخم، والرسيم: سير فوق العنق، والرّواسم: الإبل التي تسير هذا السير الذي ذكرناه -.

كأنّ في المثناة منه عائماإنّك واللّه لأن تباغما
للشاعر زيادة بن زيد العذري، اقرأ القصيدة

- المثناة: الزمام، وعائم: سائح، تباغم: تكلّم -.

خودا كأنّ البوص والمآكمامنها نقا مخالط صرائما
للشاعر زيادة بن زيد العذري، اقرأ القصيدة

- البوص: العجز، والمأكمتان: ما عن يمين العجز وشماله، والنقا: ما عظم من الرمل. والصرائم: دونه -.

خير من استقبالك السّمائماومن مناد يبتغي معاكما
للشاعر زيادة بن زيد العذري، اقرأ القصيدة

ويروى: ومن نداء، أي رجل تناديه تبتغي أن يعينك على عكمك حتى تشده.

فغضب هدبة حين سمع زيادة يرتجز بأخته، فنزل فرجز بأخت زيادة، وكانت تدعى - فيما روى اليزيديّ - أمّ حازم، وقال الآخرون: أمّ القاسم، فقال هدبة:

لقد أراني والغلام الحازمانزجي المطيّ ضمّرا سواهما
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة
متى تظنّ القلص الرّواسماوالجلّة النّاجية العياهما
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة

العياهم: الشّداد.

يبلغن أمّ حازم وحازماإذا هبطن مستحيرا قاتما
ورجّع الحادي لها الهماهماألا ترين الحزن مني دائما
حذار دار منك لن تلائماواللّه لا يشفي الفؤاد الهائما
تمساحك اللّبّات والمآكماولا اللّمام دون أن تلازما
ولا اللّئام دون أن تفاقماولا الفقام دون أن تفاغما
وتعلو القوائم القوائما

قال: فشتمه زيادة، وشتمه هدبة، وتسابّا طويلا، فصاح بهما القوم: اركبا، لا حملكما اللّه. فإنا قوم حجّاج، وخشوا أن يقع بينهما شر فوعظوهما، حتى أمسك كل واحد منهما على ما في نفسه، وهدبة أشدهما حنقا، لأنه رأى أن زيادة قد ضامه، إذ رجز بأخته وهي تسمع قوله، ورجز هو بأخته، وهي غائبة لا تسمع قوله، فمضيا ولم يتحاورا بكلمة، حتى قضيا حجّهما، ورجعا إلى عشيرتيهما.

قال اليزيديّ خاصة في خبره: ثم التقى نفر من بني عامر، من رهط هدبة، فيهم أبو جبر، وهو رئيسهم الذي لا يعصونه، وخشرم أبو هدبة، وزفر عم هدبة، وهو الذي بعث الشّر، وحجّاج بن سلامة، وهو أبو ناشب، ونفر من بني رفاش رهط زيادة، وفيهم زيادة بن زيد، وإخوته: عبد الرحمن ونفّاع وأدرع بواد من أودية حرّتهم، فكان بينهم كلام، فغضب ابن الغسّانية، وهو أدرع، وكان زفر عم هدبة يعزى إلى رجل من بني رقاش، فقام له أدرع فرجز به فقال:

أدّوا إلينا زفرانعرف منه النّظرا
وعينه والأثرا

قال: فغضب رهط هدبة، وادّعوا حدّا على بني رقاش، فتداعوا إلى السلطان، ثم اصطلحوا على أن يدفع إليهم أدرع، فيخلو به نفر منهم، فما رأوه عليه أمضوه، فلما خلوا به ضربوه الحدّ ضربا مبرّحا، فراح بنو رقاش وقد أضمروا الحرب وغضبوا، فقال عبد الرحمن بن زيد:

ألا أبلغ أبا جبر رسولافما بيني وبينكم عتاب
ألم تعلم بأن القوم راحواعشية فارقوك وهم غضاب

فأجابه الحجاج بن سلامة فقال:

إن كان ما لاقى ابن كنعاء مرغمارقاش فزاد اللّه رغما سبالها
منعنا أخانا إذا ضربنا أخاكموتلك من الأعداء لا مثل مالها

قال اليزيدي في خبره: وجعل هدبة وزيادة يتهاديان الأشعار، ويتفاخران، ويطلب كلّ واحد منهما العلوّ على صاحبه في شعره، وذكر أشعارا كثيرة، فذكرت بعضها، وأتيت بمختار ما فيه، فمن ذلك قول زيادة في قصيدة أولها:

أراك خليلا قد عزمت التّجنباوقطّعت حاجات الفؤاد فأصحبا

اخترت منها قوله:

وأنك للناس الخليل إذا دنتبه الدار، والباكي إذا ما تغيّبا
وقد أعذرت صرف الليالي بأهلهاوشحط النّوى بيني وبينك مطلبا
فلا هي تألو ما نأت وتباعدتولا هو يألو ما دنا وتقرّبا
للشاعر زيادة بن زيد العذري، اقرأ القصيدة
أطعت بها قول الوشاة فلا أرى الوشاة انتهوا عنه ولا الدهر أعتبا
فهلّا صرمت والحبال متينةأميمة إن واش وشى وتكذّبا
للشاعر زيادة بن زيد العذري، اقرأ القصيدة
إذا خفت شكّ الأمر فارم بعزمهغيابته يركب بك الدهر مركبا
للشاعر زيادة بن زيد العذري، اقرأ القصيدة
وإن وجهة سدّت عليك فروجهافإنّك لاق لا محالة مذهبا
للشاعر زيادة بن زيد العذري، اقرأ القصيدة
يلام رجال قبل تجريب غيبهموكيف يلام المرء حتى يجرّبا
وإنّي لمعراض قليل تعرّضيلوجه امرىء يوما إذا ما تجنّبا
للشاعر زيادة بن زيد العذري، اقرأ القصيدة
قليل عثارى حين أذعر، ساكنجناني إذا ما الحرب هرّت لتكلبا
للشاعر زيادة بن زيد العذري، اقرأ القصيدة
بحسبك ما يأتيك فاجمع لنازلقراه ونوّبه إذا ما تنوّبا
للشاعر زيادة بن زيد العذري، اقرأ القصيدة
ولا تنتجع شرّا إذا حيل دونهبستر وهب أسبابه ما تهيّبا
أنا ابن رقاش وابن ثعلبة الذيبني هاديا يعلو الهوادي أغلبا
للشاعر زيادة بن زيد العذري، اقرأ القصيدة
بنى العزّ بنيانا لقومي فما صعوابأسيافهم عنه فأصبح مصعبا
فما إن ترى في الناس أما كأمّناولا كأبينا حين ننسبه أبا
للشاعر زيادة بن زيد العذري، اقرأ القصيدة
أتمّ وأنمي بالبنين إلى العلاوأكرم منا في المناصب منصبا
ملكنا ولم نملك وقدنا ولم نقدكأنّ لنا حقا على الناس ترتبا
للشاعر زيادة بن زيد العذري، اقرأ القصيدة

- قال اليزيديّ: ترتب: ثابت لازم -.

بآية أنّا لا نرى متتوّجامن الناس يعلونا إذا ما تعصّبا
للشاعر زيادة بن زيد العذري، اقرأ القصيدة
ولا ملكا إلا اتّقانا بملكهولا سوقة إلا على الخرج أتعبا
للشاعر زيادة بن زيد العذري، اقرأ القصيدة
ملكنا ملوكا واستبحنا حماهموكنّا لهم في الجاهلية موكبا
للشاعر زيادة بن زيد العذري، اقرأ القصيدة
ندامى وأردافا فلم تر سوقةتوازننا فاسأل إيادا وتغلبا

فأجابه هدبة، وهذا مختار ما فيها فقال:

تذكر شجوا من أميمة منصباتليدا ومنتابا من الشوق مجلبا
تذكّر حبّا كان في ميعة الصّباووجدا بها بعد المشيب معتّبا
إذا كاد ينساها الفؤاد ذكرتهافيا لك ما عنّى الفؤاد وعذّبا
غدا في هواها مستكينا كأنهخليع قداح لم يجد متنشّبا
وقد طال ما علّقت ليلى مغمّراوليدا إلى أن صار رأسك أشيبا

- المغمّر: للغمر أي غير حدث -.

رأيتك في ليلى كذى الدّاء لم يجدطبيبا يداوي ما به فتطبّبا
فلما اشتفى مما به كرّطبّهعلى نفسه من طول ما كان جرّبا

فلم يزل هدبة يطلب غرّة زيادة حتى أصابها فبيّته فقتله، وتنحى مخافة السلطان، وعلى المدينة يومئذ سعيد بن العاص، فأرسل إلى عم هدبة وأهله فحبسهم بالمدينة، فلما بلغ هدبة ذلك أقبل حتى أمكن من نفسه وتخلّص عمّه وأهله، فلم يزل محبوسا حتى شخص عبد الرحمن بن زيد أخو زيادة إلى معاوية، فأورد كتابه إلى سعيد بأن يقيد منه إذا قامت البينة، فأقامها، فمشت عذرة إلى عبد الرحمن، فسألوه قبول الدية فامتنع، وقال:

صوت

أنختم علينا كلكل الحرب مرّةفنحن منيخوها عليكم بكلكل
فلا يدعني قومي لزيد بن مالكلئن لم أعجّل ضربة أو أعجّل
أبعد الذي بالنّعف نعف كويكبرهينة رمس ذي تراب وجندل
كريم أصابته ديات كثيرةفلم يدر حتى حين من كل مدخل
أذكّر بالبقيا على من أصابنيوبقياي أني جاهد غير مؤتلي

غناه ابن سريج رملا بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق، وقيل: إنه لمالك بن أبي المسح وله فيه لحن آخر.

رجع الخبر إلى سياقته

وأما علي بن محمد النوفليّ، فذكر عن أبيه: أنّ سعيد بن العاص كره الحكم بينهما، فحملهما إلى معاوية، فنظر في القصة، ثم ردها إلى سعيد. وأما غيره فذكر أن سعيدا هو الذي حكم بينهما من غير أن يحملهما إلى معاوية.

قال علي بن محمد عن أبيه: فلما صاروا بين يدي معاوية قال عبد الرحمن أخو زيادة له: يا أمير المؤمنين أشكو إليك مظلمتي وما دفعت إليه، وجرى عليّ وعلى أهلي وقرباي وقتل أخي زيادة، وترويع نسوتي، فقال له معاوية: يا هدبة قل.

فقال: إن هذا رجل سجّاعة، فإن شئت أن أقص عليك قصتنا كلاما أو شعرا فعلت، قال: لا بل شعرا، فقال هدبة هذه القصيدة ارتجالا:

ألا يا لقومي للنّوائب والدّهروللمرء يردي نفسه وهو لا يدري
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة
وللأرض كم من صالح قد تأكّمتعليه فوارته بلمّاعة قفر
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة
فلا تتّقي ذا هيبة لجلالهولا ذا ضياع هنّ يتركن للفقر

حتى قال:

رمينا فرامينا فصادف رمينامنايا رجال في كتاب وفي قدر
وأنت أمير المؤمنين فما لناوراءك من معدّى ولا عنك من قصر
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة
فإن تك في أموالنا لم نضق بهاذراعا، وإن صبر فنصبر للصّبر

فقال له معاوية: أراك قد أقررت بقتل صاحبهم، ثم قال لعبد الرحمن: هل لزيادة ولد؟ قال: نعم، المسور، وهو غلام صغير لم يبلغ، وأنا عمه ووليّ دم أبيه، فقال: إنك لا تؤمن على أخذ الدية أو قتل الرجل بغير حق، والمسور أحق بدم أبيه فردّه إلى المدينة فحبس ثلاث سنين حتى بلغ المسور.

أخبرني الحرميّ بن العلاء قال: حدثنا الزبير بن بكار قال: نسخت من كتاب عامر بن صالح قال: دخل جميل بن معمر العذريّ على هدبة بن خشرم السّجن وهو محبوس بدم زيادة بن زيد، وأهدى له بردين من ثياب كساه إياها سعيد بن العاص، وجاءه بنفقة، فلما دخل إليه عرض ذلك عليه، وسأله أن يقبله منه، فقال له هدبة: أأنت يا بن معمر الذي تقول:

بني عامر أنّى انتجعتم وكنتمإذا عدّد الأقوام كالخصية الفرد؟
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «بني عامر أنى انتجعتم وكنتم»

أما واللّه لئن خلّص اللّه لي ساقي لأمدنّ لك مضمارك، خذ برديك ونفقتك، فخرج جميل، فلما بلغ باب السجن خارجا قال: اللهم أغن عنّي أجدع بني عامر، قال: وكانت بنو عامر قد قلّت، فحالفت لإياد.

قال أحمد بن الحارث الخرّاز عن المدائني: فقالت أم هدبة فيه لما شخص إلى المدينة فحبس بها:

أيا إخوتي أهل المدينة أكرمواأسيركم إن الأسير كريم
فربّ كريم قد قراه وضافهوربّ أمور كلّهن عظيم
عصى جلّها يوما عليه فراضهمن القوم عيّاف أشمّ حليم

فأرسل هدبة العشيرة إلى عبد الرحمن في أول سنة فكلموه، فاستمع منهم ثم قال:

أبعد الذي بالنّعف نعف كويكبرهينة رمس ذي تراب وجندل
أذكّر بالبقيا على من أصابنيوبقياي أني جاهد غير مؤتلي

فرجعوا إلى هدبة بالأبيات فقال: لم يوئسني بعد، فلما كانت السنة الثالثة بلغ المسور، فأرسل هدبة إلى عبد الرحمن من كلّمه فأنصت حتى فرغوا، ثم قام عنه مغضبا وأنشأ يقول:

سأكذب أقواما يقولون: إنّنيسآخذ مالا من دم أنا ثائره
فباست امرىء واست التي زحرت بهيسوق سواما من أخ هو واتره

ونهض، فرجعوا إلى هدبة فأخبروه الخبر فقال: الآن أيست منه، وذهب عبد الرحمن بالمسور، وقد بلغ إلى والي المدينة، وهو سعيد بن العاص، وقيل مروان بن الحكم، فأخرج هدبة.

قالوا: فلما كان في الليلة التي قتل في صاحبها أرسل إلى امرأته، وكان يحبها: إيتيني الليل أستمتع بك وأودّعك، فأتته في الّلباس والطيّب، فصارت إلى رجل، قد طال حبسه، وأنتنت في الحديد رائحته، فحادثها، وبكى، وبكت، ثم راودها عن نفسها، وطاوعته، فلما علاها سمعت قعقعة الحديد فاضطربت تحته، فتنحّى عنها وأنشأ يقول:

وأدنيتني حتى إذا ما جعلتنيلدى الخصر أو أدنى استقلّك راجف
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة
فإن شئت واللّه انتهيت وإنّنيلئلا تريني آخر الدهر خائف
رأت ساعدي غول وتحت ثيابهجآجىء يدمى حدّها والحراقف

ثم قال الشعر حتى أتى عليه وهو طويل جدا وفيه يقول:

صوت

فلم ترعيني مثل سرب رأيتهخرجن علينا من زقاق ابن واقف
تضمّخن في الجاديّ حتى كأنّما الأنوف إذا استعرضتهنّ رواعف
خرجن بأعناق الظباء وأعين الجآذر وارتجّت لهن السّوالف
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة
فلو أنّ شيئا صاد شيئا بطرفهلصدن ظباء فوقهنّ المطارف

غنى فيه الغريض رملا بالبنصر من رواية حبش، وفيه لحن خفيف ثقيل، وذكر إسحاق أن فيه لحنا ليونس، ولم يذكر طريقته في مجرده.

أخبرنا الحرميّ قال: حدثنا الزبير عن عمه قال: مرّ أبو الحارث جمّين يوما بسوق المدينة، فخرج عليه رجل من زقاق ابن واقف بيده ثلاث سمكات قد شقّ أجوافها: وقد خرج شحمها، فبكى أبو الحارث، ثم قال: تعس الذي يقول:

فلم ترعيني مثل سرب رأيتهخرجن علينا من زقاق بن واقف

وانتكس ولا انجبر، واللّه لهذه السمكات الثلاث أحسن من السرب الذي وصف.

وأحسب أن هذا الخبر مصنوع لأنه ليس بالمدينة بزقاق ابن واقف، ولا بها سمك، ولكن رويت ما روي.

وقال حماد بن إسحاق عن أبيه أنّ ابن كناسة قال: مرّ بهدبة على حبيّ؛ فقالت: في سبيل اللّه شبابك وجلدك وشعرك وكرمك؛ فقال هدبة:

تعجّب حبيّ من أسير مكبّلصليب العصا باق على الرّسفان
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة
فلا تعجبي منّي حليلة مالككذلك يأتي الدهر بالحدثان
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة

وقال النّوفليّ عن أبيه: فلما مضي به من السجن للقتل، التفت فرأى امرأته؛ وكانت من أجمل النساء فقال:

أقلّي عليّ الّلوم يا أمّ بوزعاولا تجزعي ممّا أصاب فأوجعا
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة
ولا تنكحي إن فرّق الدهر بينناأغمّ القفا والوجه ليس بأنزعا
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة
كليلا سوى ما كان من حدّ ضرسهأكيبد مبطان العشيّات أروعا
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة
ضروبا بلحييه على عظم زورهإذا الناس هشّوا للفعال تقنّعا
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة
وحلّي بذي أكرومة وحميّةوصبر إذا ما الدهر عضّ فأسرعا

وقال حمّاد عن أبيه عن مصعب بن عبد اللّه قال: لما أخرج هدبة من السجن ليقتل، جعل الناس يتعرّضون له ويخبرون صبره، ويستنشدونه، فأدركه عبد الرحمن بن حسّان، فقال له: يا هدبة، أتأمرني أن أتزوج هذه بعدك، يعني زوجته، وهي تمشي خلفه فقال: نعم، إن كنت من شرطها، قال: وما شرطها؟ قال: قد قلت في ذلك:

فلا تنكحي إن فرّق الدهر بينناأغمّ القفا والوجه ليس بأنزعا
وكوني حبيسا أو لأروع ماجدإذا ضنّ أعشاش الرّجال تبرّعا

فمالت زوجته إلى جزّار وأخذت شفرته، فجدعت بها أنفها، وجاءته تدمى مجدوعة فقالت: أتخاف أن يكون بعد هذا نكاح؟ قال: فرسف في قيوده وقال: الآن طاب الموت.

وقال النوفليّ عن أبيه: إنها فعلت ذلك بحضرة مروان وقالت له: إن لهدبة عندي وديعة، فأمهله حتى آتية بها، قال: أسرعي، فإن الناس قد كثروا، وكان جلس لهم بارزا عن داره، فمضت إلى السّوق، فانتهت إلى قصّاب وقالت: أعطني شفرتك، وخذ هذين الدرهمين وأنا أردّها عليك، ففعل، فقربت من حائط، وأرسلت ملحفتها على وجهها، ثم جدعت أنفها من أصله، وقطعت شفتيها، ثم ردّت الشفرة، وأقبلت حتى دخلت بين الناس وقالت: يا هدبة، أتراني متزوجة بعد ما ترى؟ قال: لا، الآن طابت نفسي بعد بالموت، ثم خرج يرسف في قيوده، فإذا هو بأبويه يتوقعان الثّكل، فهما بسوء حال، فأقبل عليهما وقال:

أبلياني اليوم صبرا منكماإنّ حزنا إن بدا بادىء شرّ
لا أراني اليوم إلا ميّتاإنّ بعد الموت دار المستقرّ
اصبرا اليوم فإني صابركلّ حيّ لقضاء وقدر
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة

قال النوفليّ: فحدثني أبي قال: حدثني رجل من عذرة عن أبيه قال: إني لببلادنا يوما في بعض المياه، فإذا أنا بامرأة تمشي أمامي وهي مدبرة، ولها خلق عجيب من عجز وهيئة، وتمام جسم، وكمال قامه، فإذا صبيّان قد اكتنفاها يمشيان، قد ترعرعا، فتقدّمتها، والتفتّ إليها، فإذا هي أقبح منظر، وإذا هي مجدوعة الأنف، مقطوعة الشفتين، فسألت عنها فقيل لي: هذه امرأة هدبة، تزوّجت بعده رجلا، فأولدها هذين الصّبيّين.

قال ابن قتيبة في حديثه: فسأل سعيد بن العاص أخا زيادة أن يقبل الدّية عنه، قال: أعطيك ما لم يعطه أحد من العرب أعطيك مائة ناقة حمراء ليس فيها جدّاء ولا ذات داء، فقال له: واللّه لو نقبت لي قبّتك هذه، ثم ملأتها لي ذهبا، ما رضيت بها من دم هذا الأجدع، فلم يزل سعيد يسأله، ويعرض عليه فيأبى، ثم قال له: واللّه لو أردت قبول الدية لمنعني قوله:

لنجدعنّ بأيدينا أنوفكمويذهب القتل فيما بيننا هدرا
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة

فدفعه حينئذ ليقتله بأخيه.

قال حمّاد: وقرأت على أبي عن مصعب بن عبد اللّه الزبيريّ قال: ومرّ هدبة بحبّى، فقالت له: كنت أعدّك في الفتيان، وقد زهدت فيك اليوم، لأني لا أنكر أن يصبر الرّجال على الموت، لكن كيف تصبر عن هذه؟ فقال: أما واللّه إنّ حبّي لها لشديد، وإن شئت لأصفنّ لك ذلك، ووقف الناس معه، فقال:

وجدت بها ما لم تجد أمّ واحدولا وجد حبّى بابن أمّ كلاب
رأته طويل السّاعدين شمر دلاكما تشتهي من قوة وشباب

فانقمعت داخلة إلى بيتها فأغلقت الباب دونه. قالوا: فدفع إلى أخي زيادة ليقتله، قال: فاستأذن في أن يصلّي ركعتين، فأذن له، فصلاهما وخفّف، ثم التفت إلى من حضر فقال: لو لا أن يظنّ بي الجزع لأطلتهما، فقد كنت محتاجا إلى إطالتهما، ثم قال لأهله: إنه بلغني أنّ القتيل يعقل ساعة بعد سقوط رأسه، فإن عقلت فإني قابض رجلي وباسطها ثلاثا، ففعل ذلك حين قتل، وقال قبل أن يقتل:

إن تقتلوني في الحديد فإنيقتلت أخاكم مطلقا لم يقيّد

فقال عبد الرحمن أخو زيادة: واللّه لا قتلته إلا مطلقا من وثاقه، فأطلق له، فقام إليه وهز السيف ثم قال:

قد علمت نفسي وأنت تعلمهلأقتلنّ اليوم من لا أرحمه

ثم قتله.

فقال حمّاد في روايته: ويقال: إن الذي تولّى قتله ابنه المسور، دفع إليه عمّه السيف وقال له: قم فاقتل قاتل أبيك، فقام، فضربه ضربتين قتله فيهما.

أخبرني الحسين بن يحيى قال: قال حمّاد: قرأت على أبي قال: بلغني أنّ هدبة أول من أقيد منه في الإسلام.

قال أحمد بن الحارث الخرّاز: قال المدائني: مرّت كاهنة بأمّ هدبة وهو وأخوته نيام بين يديها، فقالت: يا هذه، إن الذي معي يخبرني عن بنيك هؤلاء بأمر. قالت: وما هو؟ قالت: أمّا هدبة وحوط فيقتلان صبرا، وأما الواسع وسيحان فيموتان كمدا، فكان كذلك.

أخبرني الحسين بن يحيى قال: قال حمّاد: قرأت على أبي: أخبرك مروان بن أبي حفصة قال: كان هدبة أشعر الناس منذ يوم دخل السجن إلى أن أقيد منه، قال الخرّاز عن المدائنيّ: قال واسع بن خشرم يرثي هدبة لمّا قتل:

يا هدب يا خير فتيان العشيرة منيفجع بمثلك في الدّنيا فقد فجعا
اللّه يعلم أنّي لو خشيتهمأو أوجس القلب من خوف لهم فزعا
لم يقتلوه ولم أسلم أخي لهمحتى نعيش جميعا أو نموت معا

وهذه الأبيات تمثّل بها إبراهيم بن عبد اللّه بن حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب رضي عنهم، لما بلغه قتل أخيه محمد.

أخبرني محمد بن العباس اليزيديّ قال: حدّثنا أحمد بن أبي خيثمة قال: حدثني مصعب الزبيريّ قال: كنّا بالمدينة أهل البيوتات إذا لم يكن عند أحدنا خبر هدبة وزيادة وأشعارهما ازدريناه، وكنّا نرفع من قدر أخبارها وأشعارهما ونعجب بها.

أخبرني محمد بن العبّاس اليزيديّ قال: أخبرني محمد بن الحسن الأحول، عن رواية من الكوفيين قالوا: كان جميل بن معمر العذريّ راوية هدبة، وكان هدبة راوية الحطيئة، وكان الحطيئة راوية كعب بن زهير وأبيه.

حدثني حبيب بن نصر المهلّبيّ قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال:

حدثني أبو المغيرة محمد بن إسحاق قال: حدثني أبو مصعب الزّبيريّ قال: حدّثني المنكدر بن محمد بن المنكدر، عن أبيه قال: بعث هدبة بن خشرم إلى عائشة زوج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقول لها: استغفري لي، فقالت: إن قتلت استغفرت لك.

صوت

ألم تر أنّي يوم جوّ سويقةبكيت فنادتني هنيدة ماليا؟
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ألم تر أني يوم جو سويقة»
فقلت لها: إنّ البكاء لراحةبه يشتفي من ظنّ أن لا تلاقيا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ألم تر أني يوم جو سويقة»
قفي ودّعينا يا هنيد فإنّنيأرى القوم قد شاموا العقيق اليمانيا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ألم تر أني يوم جو سويقة»

- ويروى: أرى الركب قد شاموا -.

إذا اغرورقت عيناي أسبل منهماإلى أن تغيب الشّعريان بكائيا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ألم تر أني يوم جو سويقة»

الشعر للفرزدق من قصيدة يهجو بها جريرا، وهي فيما قيل أول قصيدة هجاه بها، والغناء لابن سريج خفيف ثقيل عن الهشامي، قال الهشامي: وفيه لمالك ثقيل أول، وابتداء اللحنين جميعا.

ألم تر أني يوم جوّ سويقة

ولعلوية فيه لحن من الرمل المطلق ابتداؤه: قفي ودعينا يا هنيد فإنني:

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»