من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار صخر بن الجعد ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
صخر بن الجعد الخضريّ، والخضر ولد مالك بن طريف بن محارب بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر، وصخر أحد بني جحاش بن سلمة بن ثعلبة بن مالك بن طريف، قال: وسمّي ولد مالك بن طريف الخضر لسوادهم، وكان مالك شديد الأدمة. وخرج ولده إليه فقيل لهم الخضر، والعرب تسمي الأسود الأخضر.
وهو شاعر فصيح من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية، وقد كان يعرض لابن ميادة لمّا انقضى ما بينه وبين حكم الخضريّ من المهاجاة، ورام أن يهاجيه، فترفّع ابن ميّادة عنه.
أخبرني بخبره عليّ بن سليمان الأخفش، عن هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات، عن الزبير بن بكار مجموعا، وأخبرني بأخبار له متفرقة الحرميّ بن أبي العلاء، عن الزبير بن بكار.
وحدثني بها غيرهما من غير رواية الزبير، فذكرت كلّ شيء من ذلك مفردا، ونسبته إلى راويه.
قال الزبير فيما رواه هارون عنه: حدثني من أثق به عن عبد الرحمن بن الأحول بن الجون قال: كان صخر بن الجعد مغرما بكأس بنت بجير بن جندب، وكان يشبب بها، فلقيه أخوها وقّاص، وكان شجاعا، فقال له: يا صخر، إنك تشبب بابنة عمك، وشهرتها، ولعمري ما بها عنك مذهب؛ ولا لنا عنك مرغب، فإن كانت لك فيها حاجة فهلم أزوّجكها، وإن لم تكن لك فيها حاجة فلا أعلمن ما عرضت لها بذكر، ولا أسمعنّه منك. فأقسم باللّه لئن فعلت ذلك ليخالطنّك سيفي، فقال له: بل واللّه إن لي لأشدّ الحاجة إليها، فوعده موعدا وخرج صخر لموعده، حتى نزل بأبيات القوم، فنزل منزل الضيف، فقام وقّاص فذبح، وجمع أصحابه.
وأبطأ صخر عنهم، فلما رأى ذلك وقّاص بعث إليه: أن هلمّ لحاجتك، فأبطأ، ورجع الرسول فقال مثل قوله، فغضب. وعمد إلى رجل من الحيّ ليس يعدل بصخر، يقال له حصن، وهو مغضب لما صنع، فحمد اللّه وأثنى عليه، وزوّجه كأس، وافترق القوم، ومروا بصخر، فأعلموه تزويج كأس بحصن، فرحل عنهم من تحت الليل، واندفع يهجوها بالأبيات التي قذفها فيها فيما قذفها، وذلك قوله حين يقول:
وأنكحها حصنا ليطمس حملهاوقد حملت من قبل حصن وجرّت
أي زادت على تسعة أشهر، قال: وترافع القوم إلى المدينة، وأميرها يومئذ طارق مولى عثمان، قال: فتنازعوا إليه.
ومعهم يومئذ رجل يقال له حزم، وكان من أشد الناس على صخر شرّا. قال: وفيه يقول صخر:
كفى حزنا لو يعلم النّاس أنّنيأدافع كأسا عند أبواب طارق
أتنسين أياما لنا بسويقةوأيامنا بالجزع جزع الخلائق
ليالي لا نخشى انصداعا من الهوىوأيام حزم عندنا غير لائق
إذا قلت لا تفشي حديثي تعجرفتزيادا لودّ ها هنا غير صادق
قال: فأقاموا عليه البيّنة بقذف كأس، فضرب الحدّ، وعاد إلى قومه، وأسف على ما فاته من تزويج كأس، فطفق يقول فيها الشعر.
قال الزبير: فأنشدني عمّي وغيره لصخر قوله:
لقد عاود النفس الشقيّة عيدهانعم إنّه قد عاد نحسا سعودها
وعاوده من حبّ كأس ضمانةعلى النأي كانت هيضة تستقيدها
وأنى ترجّيها وأصبح وصلهاضعيفا وأمست همّه لا يكيدها
وقد مرّ عصر وهي لا تستزيدنيلما استودعت عندي ولا أستزيدها
فما زلت حتى زلّت النعل زلّةبرجلك في زوراء وعث صعودها
ألا قل لكأس إن عرضت لبيتهافأين بكا عيني وأين قصيدها؟
لعل البكا يا كأس إن نفع البكايقرّب دنيانا لنا فيعيدها
وكانت تناهت لوعة الودّ بيننافقد أصبحت يبسا وأذبل عودها
ويروى: وقد ذاء عودها يقال: ذبل وذأى وذوى بمعنى واحد.
ليالي ذات الرمس لا زال هيجهاجنوبا ولا زالت سحاب تجودها
وعيش لنا في الدهر إذ كان قلبهيطيب لديه بخل كأس وجودها
تذكّرت كأسا إذ سمعت حمامةبكت في ذرا نخل طوال جريدها
دعت ساق حرّ فاستجبت لصوتهامولّهة لم يبق إلا شريدها
فيا نفس صبرا كلّ أسباب واصلستنمي لها أسباب هجر تبيدها
قال أبو الحسن الأخفش: ستنمي لها أسباب صرم تبيدها أجود.
وليل بدت للعين نار كأنهاسنا كوكب للمستبين خمودها
فقلت: عساها نار كأس وعلّهاتشكّى فأمضي نحوها وأعودها
فتسمع قولي قبل حتف يصيدنيتسرّ به أو قبل حتف يصيدها
كأن لم نكن يا كأس إلفى مودةإذ الناس والأيام ترعى عهودها
أخبرني عبد اللّه بن مالك النحوي، قال: حدثنا محمد بن حبيب، قال: لما ضرب صخر بن الجعد الحدّ لكأس، وصارت إلى زوجها ندم على ما فرط منه، واستحيا من الناس للحدّ الذي ضربه، فلحق بالشام، فطالت غيبته بها، ثم عاد فمرّ بنخل كان لأهله ولأهل كأس، فباعوه، وانتقلوا إلى الشام، فمر بها صخر ورأى المبتاعين لها يصرمونها، فبكى عند ذلك بكاء شديدا، وأنشأ يقول:
مررت على خيمات كأس فأسبلتمدامع عيني والرياح تميلها
وفي دارهم قوم سواهم فأسبلتدموع من الأجفان فاض مسيلها
كذاك الليالي ليس فيها بسالمصديق ولا يبقى عليها خليلها
وقال وهو بالشام:
ألا ليت شعري هل تغيّر بعدناعن العهد أم أمسى على حاله نجد؟
وعهدي بنجد منذ عشرين حجّةونحن بدنيا ثمّ لم نلقها بعد
به الخوصة الدهماء تحت ظلالهارياض بها الحوذان والنّفل الجعد
قال: ومرّ على غدير كانت كأس تشرب منه ويحضره أهلها ويجتمعون عليه، فوقف طويلا عليه يبكي وكان يقال لذلك الغدير جنان فقال صخر:
بليت كما يبلى الرّداء ولا أرىجنانا ولا أكناف ذروة تخلق
ألوّى حيازيمي بهنّ صبابةكما تتلوّى الحيّة المتشرّق
أخبرني عبد اللّه بن مالك، عن محمد بن حبيب، قال: قال السّعيديّ: حدثني سبرة مولى يزيد بن العوّام، قال: كان صخر بن الجعد المحاربي خدنا لعوّام بن عقبة، وكان عوّام يهوى امرأة من قومه، يقال لها: سوداء، فماتت، فرثاها، فلما سمع صخر بن الجعد المرثية، قال: وددت أن أعيش حتى تموت كأس، فأرثيها، فماتت كأس، فقال:
على أمّ داود السلام ورحمةمن اللّه يجري كلّ يوم بشيرها
غداة غدا الغادون عنها وغودرتبلمّاعة القيعان يستنّ مورها
وغيّبت عنها يوم ذاك وليتنيشهدت فيحوى منكبيّ سريرها
ويروى: فيعلو منكبي.
نزت كبدي لما أتاني نعيّهافقلت: أدان صدعها فمطيرها؟
أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء، قال: حدثني الزبير، قال: حدثني خالد بن الوضاح قال: قال عبد الأعلى بن عبيد بن محمد بن صفوان الجمحيّ لعبد اللّه بن مصعب: سألني أمير المؤمنين اليوم في موكبه: من الذي يقول:
ألا يا كأس قد أفنيت شعريفلست بقائل إلا رجيعا؟
ولم أدر لمن الشعر؟ فقال عبد اللّه بن مصعب: هو لصخر الخضريّ، وأنشد باقي الأبيات، وهي:
ترجّى أن تلاقي آل كاسكما يرجو أخو السّنة الربيعا
فلست بنائم إلا بحزنولا مستيقظا إلا مروعا
فإنّك لو نظرت إذا التقيناإلى كبدي رأيت بها صدوعا
قال ابن حبيب في رواية عبد اللّه بن مالك: لما زوّجت كأس جزع صخر بن الجعد لما فرط منه وندم وأسف، وقال في ذلك:
هنيئا لكأس قطعها الحبل بعد ماعقدنا لكأس موثقا لا نخونها
وإشماتها الأعداء لمّا تألّبواحواليّ واشتدّت عليّ ضغونها
فإن حراما أن أخونك ما دعابيليل قمريّ الحمام وجونها
وقد أيقنت نفسي لقد حيل دونهاودونك لو يأتي بيأس يقينها
ولكن أبت لا تستفيق ولا ترىعزاء ولا مجلود صبر يعينها
لو انّا إذ الدّنيا لنا مطمئّنةدحا ظلّها ثم ارجحنّت غصونها
لهونا ولكنا بغرّة عيشناعجبنا لدنيانا فكدنا نعينها
وكنا إذا نحن التقينا وما نرىلعينين إلا من حجاب يصونها
أخذنا بأطراف الأحاديث بينناوأوساطها حتى تملّ فنونها
قال ابن حبيب: أرسلت كأس بعد أن زوّجت إلى صخر بن الجعد تخبره أنها رأته فيما يرى النائم: كأنه يلبسها خمارا، وأنّ ذلك جدّد لها شوقا إليه وصبابة، فقال صخر:
أنائل ما رؤيا زعمت رأيتهالنا عجب لو أنّ رؤياك تصدق
أنائل لو لا الودّ ما كان بيننانضا مثل ما ينضو الخضاب فيخلق
أخبرنا حبيب بن نصر، قال: حدثنا عبد اللّه بن شبيب، قال: حدثني محمد بن عبد اللّه البكري، قال: قدم صخر بن الجعد الخضريّ المدينة، فأتى تاجرا من تجارها، يقال له سيّار فابتاع منه برّا وعطرا، وقال: تأتينا غدوة فأقضيك، وركب من تحت ليلته، فخرج إلى البادية، فلما أصبح سيّار سأل عنه؛ فعرف خبره، فركب في جماعة من أصحابه في طلبه، حتى أتوا بئر مطّلب، وهي على سبعة أميال من المدينة، وقد جهدوا من الحرّ، فنزلوا عليها، فأكلوا تمرا كان معهم، وأراحوا دوابّهم وسقوها، حتى إذا برد النهار انصرفوا راجعين، وبلغ الخبر صخر بن الجعد، فقال:
أهون عليّ بسيّار وصفوتهإذا جعلت صرارا دون سيّار
إنّ القضاء سيأتي دونه زمنفاطو الصّحيفة واحفظها من العار
يسائل الناس هل أحسستم جلبامحاربيّا أتى من نحو أظفار
وما جلبت إليهم غير راحلةوغير رحل وسيف جفنة عار
وما أريت لهم إلا لأدفعهمعني ويخرجني نقضي وإمراري
حتى استغاثوا بأروى بئر مطّلبوقد تحرّق منهم كلّ تمّار
وقال أوّلهم نصحا لآخرهم:ألا ارجعوا واتركوا الأعراب في النار
أخبرني عبد اللّه بن مالك، عن محمد بن حبيب، قال: حدثنا ابن الأعرابي، قال: كان الجعد المحاربيّ أبو صخر بن الجعد قد عمّر حتى خرف، وكان يكنى أبا الصّموت؛ وكانت له وليدة يقال لها سمحاء، فقالت له يوما: يا أبا الصّموت، زعم بنوك أنك إن متّ قتلوني، قال: ولم؟ قالت: مالي إليهم ذنب غير حبّي لك، فأعتقها على أن تكون معه، فمكثت يسيرا، ثم قالت له: يا أبا الصّموت، هذا عرابة من أهل المعدن يخطبني، قال: أين هذا مما قلت لي؟ قالت: إنّه ذو مال، وإنما أردت ماله لك، قال: فأتني به، فأتته فزوّجه إياها، فولدت له أولادا، وقوّته بما كانت تصيبه من الجعد، وكانت تأتي الجعد في أيّام، فتخضب رأسه، ثم قطعته، فأنشأ الجعد يقول:
أمسى عرابة ذا مال وذا ولدمن مال جعد وجعد غير محمود
تظل تنشقه الكافور متكئاعلى السرير وتعطيني على العود
قال والجعد هو القائل لامرأته:
تعالجني أمّ الصّموت كأنماتداوي حصانا أوهن العظم كاسره
فلا تعجبي أمّ الصّموت فإنّهلكل جواد معثر هو عاثره
وقد كنت أصطاد الظباء موطّئاوأضرب رأس القرن والرمح شاجره
فأصبحت مثل العشّ طارت فراخهوغودر في رأس الهشيمة سائره
فلما كبر حمله بنوه، فأتوا به مكة، وقالوا له: تعبّد ها هنا، ثم اقتسموا المال، وتركوا له منه ما يصلحه، فقال:
ألا أبلغ بني جعد رسولاوإن حالت جبال الغور دوني
فلم أر معشرا تركوا أباهممن الآفاق حيث تركتموني
فإني والرّوافض حول جمعومحطمهنّ من حصبا الحجون
لو أني ذو مدافعة وحوليكما قد كنت أحيانا كموني
إذا لمنعتكم مالي ونفسيبنصل السّيف أو لقتلتموني
وأخبرني الحرمي بن أبي العلاء، قال: حدثنا الزبير بن بكار، قال: حدثنا محمد بن عبد اللّه بن عثمان البكريّ، عن عروة بن زيد الخضري، عن أبيه، قال: كنت في ركب فيهم صخر بن الجعد، ودرن مولى الخضريين معنا، ونحن نريد خيبر، فنزلنا منزلا تعشّينا فيه، فهيّجنا إبل صخر، فلما ركبنا ساق بنا واندفع يرجز، ويقول:
لقد بعثت حاديا قراصفا
فردّده قطعا من الليل لا ينفده، ولا يقول غيره، ثم قال لنا: إني نسيت عقالا، فرجع يطلبه في المتعشّى، ونزل درن يسوق بالقوم، فارتجز درن ببيت صخر، وقال:
لقد بعثت حاديا قراصفامن منزل رحلت عنه آنفا
يسوق خوصا رجّفا حواجفامثل القسيّ تقذف المقاذفا
حتى ترى الربّاعي العتارفامن شدة السير يزجّى واجفا
قال: فأدركه صخر، وهو في ذلك، فقال له: يا بن الخبيثة أتجترىء على أن تنفذ بيتا أعياني؟ فقاتله، فضربه، حتى نزلنا، ففرقنا بينهما.
صوت
إذا سرّها أمر وفيه مساءتيقضيت لها فيما تحبّ على نفسي
وما مرّ يوم أرتجي منه راحةفأذكره إلا بكيت على أمسي
الشعر لأبي حفص الشّطرنجيّ، والغناء لإبراهيم ثقيل أول بالوسطى عن عمرو.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع