من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار أبي حفص الشطرنجي ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
أبو حفص: عمر بن عبد العزيز، مولى بني العباس، وكان أبوه من موالي المنصور فيما يقال، وكان اسمه اسما أعجميّا، فلما نشأ أبو حفص وتأدب، غيّره وسمّاه عبد العزيز.
أخبرني بذلك عمّي، عن أحمد بن الطّيب، عن جاعة من موالي المهدي.
ونشأ أبو حفص في دار المهديّ ومع أولاد مواليه، وكان كأحدهم، وتأدّب، وكان لاعبا بالشّطرنج مشغوفا به، فلقّب به لغلبته عليه.
فلما مات المهدي انقطع إلى علية، وخرج معها لما زوجت، وعاد معها لما عادت إلى القصر، وكان يقول لها الأشعار فيما تريده من الأمور بينها وبين إخوتها وبني أخيها من الخلفاء، فتنتحل بعض ذلك، وتترك بعضه، ومما ينسب إليها من شعره ولها فيه غناء، وقد ذكرنا ذلك في أغانيها وأخبارها:
تحبّب فإن الحبّ داعية الحب
وهو صوت مشهور لها.
حدثني الحسن بن علي الخفاف، قال: حدثني أحمد بن الطيب السّرخسي قال: حدثني الكنديّ، عن محمد ابن الجهم البرمكيّ، قال: رأيت أبا حفص الشّطرنجيّ الشاعر، فرأيت منه إنسانا يلهيك حضوره عن كل غائب وتسليك مجالسته عن هموم المصائب، قربه عرس، وحديثه أنس، جدّه لعب، ولعبه جد، ديّن ماجد، إن لبسته على ظاهره لبست موموقا لا تملّه، وإن تتبّعته لتستبطن خبرته وقفت على مروّة لا تطير الفواحش بجنباتها، وكان فيما علمته أقل ما فيه الشعر، وهو الذي يقول:
صوت
تحبّب فإن الحبّ داعية الحبّوكم من بعيد الدار مستوجب القرب
إذا لم يكن في الحب عتب ولا رضافأين حلاوات الرسائل والكتب؟
تفكّر فإن حدّثت أنّ أخا هوىنجا سالما فارج النّجاة من الكرب
وأطيب أيام الهوى يومك الذيتروّع بالتّحريش فيه وبالعتب
قال: وفي هذه الأبيات غناء لعليّة بنت المهديّ، وكانت تأمره أن يقول الشعر في المعاني التي تريدها، فيقولها، وتغني فيها.
قال: وأنشدني لأبي حفص أيضا.
صوت
عرّضن للذي تحبّ بحبّثم دعه يروضه إبليس
فلعلّ الزّمان يدنيك منهإن هذا الهوى جليل نفيس
صابر الحبّ لا يصرّفك فيهمن حبيب تجهّم وعبوس
وأقلّ الّلجاج واصبر على الجهد فإن الهوى نعيم وبوس
في هذه الأبيات للمسدود هزج ذكره لي جحظة وغيره عنه.
وأما قوله:
تحبّب فإن الحبّ داعية الحبّ
فقد مضت نسبته في أخبار عليّة.
أخبرني الحسن بن علي، قال: حدثنا عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدثني محمد بن عبد اللّه بن مالك، وأخبرني به محمد بن خلف بن المرزبان، قال: حدثني أبو العباس الكاتب قال: كان الرشيد يحبّ ماردة جاريته، وكان خلّفها بالرّقّة، فلما قدم إلى المدينة السلام اشتاقها، فكتب إليها:
صوت
سلام على النازح المغتربتحية صبّ به مكتئب
غزال مراتعه بالبليخإلى دير زكّي فقصر الخشب
أيا من أعان على نفسهبتخليفه طائعا من أحب
سأستر والسّتر من شيمتيهوى من أحبّ بمن لا أحب
فلما ورد كتابه عليها أمرت أبا حفص الشّطرنجيّ صاحب عليّة، فأجاب الرشيد عنها بهذه الأبيات، فقال:
أتاني كتابك يا سيديوفيه العجائب كلّ العجب
أتزعم أنّك لي عاشقوأنك بي مستهام وصبّ
فلو كان هذا كذا لم تكنلتتركني نهزة للكرب
وأنت ببغداد ترعى بهانبات اللّذاذة مع من تحبّ
فيا من جفاني ولم أجفهويا من شجاني بما في الكتب
كتابك قد زادني صبوةوأسعر قلبي بحرّ اللّهب
فهبني نعم قد كتمت الهوىفكيف بكتمان دمع سرب
ولو لا اتقاؤك يا سيديلو افتك بي النّاجيات النّجب
فلما قرأ الرشيد كتابها أنفذ من وقته خادما على البريد، حتى حدرها إلى بغداد في الفرات، وأمر المغنين جميعا، فغنّوا في شعره.
قال الأصبهاني: فممّن غنّى فيه إبراهيم الموصلّي؛ غنى فيه لحنين، أحدهما ما خوريّ، والآخر ثاني ثقيل عن الهشامي. وغنى يحيى بن سعد بن بكر بن صغير العين فيه رملا. ولابن جامع فيه رمل بالبنصر، ولفليح بن العوراء ثاني ثقيل بالوسطى، وللمعّلي خفيف رمل بالوسطى، ولحسين بن محرز هزج بالوسطى، ولأبي زكار الأعمى هزج بالبنصر، هذه الحكايات كلها عن الهشامي، وقال: كان المختار من هذه الألحان كلها عند الرشيد الذي اشتهاه منها وارتضاه لحن سليم.
أخبرني جعفر بن قدامة بن زياد الكاتب، قال: حدثني محمد بن يزيد النحوي، قال: حدثني جماعة من كتّاب السلطان: أن الرشيد غضب على عليّة بنت المهدي، فأمرت أبا حفص الشّطرنجيّ شاعرها أن يقول شعرا يعتذر فيه عنها إلى الرشيد، ويسأله الرضا عنها، فيستعطفه لها فقال:
صوت
لو كان يمنع حسن العقل صاحبهمن أن يكون له ذنب إلى أحد
كانت عليّة أبرا الناس كلّهممن أن تكافا بسوء آخر الابد
مالي إذا غبت لم أذكر بواحدةوإن سقمت فطال السّقم لم أعد
ما أعجب الشيء ترجوه فتحرمهقد كنت أحسب أنّي قد ملأت يدي
فأتاها بالأبيات، فساتحسنتها، وغنت فيها، وألقت الغناء على جماعة من جواري الرشيد، فغنّينه إيّاه في أول مجلس جلس فيه معهن، فطرب طربا شديدا، وسألهن عن القصة، فأخبرنه بها، فبعث إليها، فحضرت، فقبّل رأسها، واعتذرت، فقبل عذرها، وسألها إعادة الصوت، فأعادته عليه، فبكى، وقال: لا جرم أني لا أغضب أبدا عليك ما عشت.
حدثني محمد بن يحيى الصولي، قال: حدثنا الحسين بن يحيى، عن عمرو بن بانة، قال: دخل أبو حفص الشّطرنجيّ على يحيى بن خالد، وعنده ابن جامع، وهو يلقي على دنانير صوتا أمره يحيى بإلقائه عليها، وقال لأبي حفص: قل في دنانير بيتين يغنيّ فيهما ابن جامع، ولك بكل بيت مائة دينار إن جاءت كما أريد، فقال أبو حفص:
صوت
أشبهك المسك وأشبهتهقائمة في لونه قاعده
لا شكّ إذ لونكما واحدأنكما من طينة واحدة
قال: فأمر له يحيى بمائة دينار، وغنى فيهما ابن جامع.
قال الأصبهاني: لحن ابن جامع في هذين البيتين هزج.
أخبرني جعفر بن قدامة، قال: حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: كان أبو حفص الشّطرنجيّ ينادم أبا عيسى بن الرشيد، ويقول له الشعر، فينتحله، ويفعل مثل ذلك بأخيه صالح وأخته، وكذلك بعليّة عمتهم، وكان بنو الرشيد جميعا يزورونه ويأنسون به، فمرض، فعادوه جميعا سوى أبي عيسى فكتب إليه:
إخاء أبي عيسى إخاء ابن ضرّةوودّي ودّ لابن أمّ ووالد
ألم يأته أنّ التأدّب نسبةتلاصق أهواء الرجال الأباعد
فما باله مستعذبا من جفائناموارد لم تعذب لنا من موارد
أقمت ثلاثا حلف حمّى مضرّةفلم أره في أهل ودّي وعائدي
سلام هي الدنيا قروض وإنماأخوك مديم الوصل عند الشدائد
حدثني جعفر بن الحسين، قال: حدثني ميمون بن هارون، قال: حدثنا أبي عن أبي حفص الشّطرنجيّ: قال: قال لي الرشيد يوما: يا حبيبي، لقد أحسنت ما شئت في بيتين قلتهما، قلت: ما هما يا سيدي؟ فمن شرفهما استحسانك لهما، فقال: قولك:
صوت
لم ألق ذا شجن يبوح بحبّهإلا حسبتك ذلك المحبوبا
حذرا عليك وإنني بك واثقألّا ينال سواي منك نصيبا
فقلت: يا أمير المؤمنين، ليسا لي، هما للعباس بن الأحنف، فقال: صدقك واللّه أعجب إليّ، وأحسن منهما بيتاك حيث تقول:
إذا سرّها أمر وفيه مساءتيقضيت لها فيما تريد على نفسي
وما مرّ يوم أرتجي فيه راحةفأذكره إلا بكيت على أمسي
في البيتين الأولين اللذين للعباس بن الأحنف ثقيل لإبراهيم الموصلي، وفيهما لابن جامع رمل عن الهشامي، الروايتان جميعا لعبد الرحمن، وفي أبيات أبي حفص الأخيرة لحن من كتاب إبراهيم غير مجنّس.
أخبرني محمد بن يحيى الصولي، قال: حدثني الحسين بن يحيى، قال: حدثني عبد اللّه بن الفضل، قال: دخلت على أبي حفص الشّطرنجي شاعر عليّة بنت المهديّ أعوده في علّته التي مات فيها، قال: فجلست عنده فأنشدني لنفسه:
صوت
نعى لك ظلّ الشّباب المشيبونادتك باسم سواك الخطوب
فكن مستعدّا لداعي الفناءفإن الذي هو آت قريب
ألسنا نرى شهوات النفوس تفنى وتبقى عليها الذنوب
وقبلك داوى المريض الطبيبفعاش المريض ومات الطبيب
يخاف على نفسه من يتوبفكيف ترى حال من لا يتوب؟
غنى في الأول والثاني إبراهيم هزجا.
انقضت أخباره.
صوت
أبى ليلي أن يذهبونيط الطرف بالكوكب
ونجم دونه النّسران بين الدّلو والعقرب
وهذا الصّبح لا يأتيولا يدنو ولا يقرب
الشعر لأميمة بنت عبد شمس بن عبد مناف، والغناء لإسحاق هزج بالوسطى.
أخبرنا محمد بن يحيى ومحمد بن جعفر النحوي، قالا: حدثنا محمد بن حماد، قال: التقيت مع دمن جارية إسحاق بن إبراهيم الموصلي يوما، فقلت لها: أسمعيني شيئا أخذته من إسحاق، فقالت: واللّه ما أحد من جواريه أخذ منه صوتا قط ولا ألقى علينا شيئا قط وإنما كان يأمر من أخذ منه من الرجال مثل مخارق وعلّويه ووجه القرعة الخزاعيّ وجواري الحارث بن بسخنّر أن يلقوا علينا ما يختارون من أغانيهم، وأما عنه فما أخذت شيئا قط إلا ليلة، فإنه انصرف من عند المعتصم، وهو سكران، فقال للخادم القيّم على حرمه: جئني بدمن، فجاءني الخادم، فدعاني، فخرجت معه، فإذا هو في البيت الذي ينام فيه، وهو يصنع في هذا الشعر:
أبى ليلي أن يذهبونيط الطّرف بالكوكب
وهو يتزايد فيه، ويقومه، حتى استوى له، ثم قام إلى عود مصلح معلّق كان يكون في بيت منامه، فأخذه، فغنى الصوت، حتى صحّ له، واستقام عليه، وأخذته عنه، فلما فرغ منه قال: أين دمن؟ فقلت: هو ذا أنا ها هنا، فارتاع، وقال: مذكم أنت ها هنا؟ قلت: مذ بدأت بالصوت وقد أخذته بغير حمدك، فقال: خذي العود، فغنيه، فأخذته، فغنيته، حتى فرغت منه، وهو يكاد أن يتميّز غيظا، ثم قال: قد بقي عليك فيه شيء كثير، وأنا أصلحه لك، فقلت: أنا مستغنية عن إصلاحك، فأصلحه لنفسك، فاضطجع في فراشه ونام، وانصرفت، فمكث أياما إذا رآني قطّب وجهه.
وهذا الشعر تقوله أميمة بنت عبد شمس بن عبد مناف ترثي به من قتل في حروب الفجار من قريش.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع