من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار أوس ونسب اليهود النازلين بيثرب وأخبارهم
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
أوس بن ذّبي اليهوديّ رجل من بني قريظة، وبنو قريظة وبنو النضير يقال لهم: الكاهنان، وهم من ولد الكاهن ابن هارون بن عمران أخي موسى بن عمران صلى اللّه على محمد وآله وعليهما، وكانوا نزولا بنواحي يثرب بعد وفاة موسى ابن عمران عليه السلام، وقبل تفرق الأزد عند انفجار سيل العرم ونزول الأوس والخزرج بيثرب.
أخبرني بذلك عليّ بن سليمان الأخفش، عن جعفر بن محمد العاصي عن أبي المنهال عيينة بن المنهال المهلبي، عن أبي سليمان: جعفر بن سعد، عن العماري، قال: كان ساكنو المدينة في أول الدهر قبل بني إسرائيل قوما من الأمم الماضية، يقال لهم: العماليق، وكانوا قد تفرقوا في البلاد، وكانوا أهل عز وبغي شديد، فكان ساكني المدينة منهم بنو هفّ وبنو سعد وبنو الأزرق وبنو مطروق، وكان ملك الحجاز منهم رجل يقال له: الأرقم، ينزل ما بين تيماء إلى فدك، وكانوا قد ملئوا المدينة، ولهم بها نخل كثير وزروع، وكان موسى بن عمران عليه السلام قد بعث الجنود إلى الجبابرة من أهل القرى يغزونهم، فبعث موسى عليه السلام إلى العماليق جيشا من بني إسرائيل، وأمرهم أن يقتلوهم جميعا إذا ظهروا عليهم، ولا يستبقوا منهم أحدا، فقدم الجيش الحجاز، فأظهرهم اللّه عز وجل على العماليق، فقتلوهم أجمعين إلا ابنا للأرقم؛ فإنه كان وضيئا جميلا، فضنّوا به على القتل، وقالوا: نذهب به إلى موسى بن عمران، فيرى فيه رأيه، فرجعوا إلى الشام، فوجدوا موسى - عليه السلام - قد توفي، فقالت لهم بنو اسرائيل: ما صنعتم؟ فقالوا: أظهرنا اللّه جل وعز عليهم، فقتلناهم، ولم يبق منهم أحد غير غلام كان شابا جميلا، فنفسنا به عن القتل، وقلنا: نأتي به موسى عليه السلام، فيرى فيه رأيه، فقالوا لهم: هذه معصية: قد أمرتم ألّا تستبقوا منهم أحدا، واللّه لا تدخلون علينا الشام أبدا.
فلما منعوا ذلك قالوا: ما كان خيرا لنا من منازل القوم الذين قتلناهم بالحجاز؛ نرجع إليهم، فنقيم بها، فرجعوا على حاميتهم، حتى قدموا المدينة، فنزلوها، وكان ذلك الجيش أول سكنى اليهود المدينة، فانتشروا في نواحي المدينة كلها إلى العالية، فاتّخذوا بها الآطام والأموال والمزارع، ولبثوا بالمدينة زمانا طويلا.
ثم ظهرت الروم على بني إسرائيل جميعا بالشام، فوطئوهم، وقتلوهم، ونكحوا نساءهم فخرج بنو النّضير وبنو قريظة وبنو بهدل هاربين منهم إلى من بالحجاز من بني إسرائيل لمّا غلبتهم الروم على الشام، فلما فصلوا عنها بأهليهم بعث ملك الروم في طلبهم؛ ليردهم، فأعجزوه، وكان ما بين الشام والحجاز مفاوز، فلم بلغ طلب الروم التمر انقطعت أعناقهم عطشا، فماتوا، وسمي الموضع تمر الروم، فهو اسمه إلى اليوم، فلما قدم بنو النضير وبنو قريظة وبهدل المدينة نزلوا الغابة، فوجدوها وبيّة فكرهوها، وبعثوا رائدا أمروه أن يلتمس منزلا سواها، فخرج حتى أتى العالية، وهي بطحان ومهزور: واديان من حرّة على تلاع أرض عذبة، بها مياه عذبة تنبت حرّ الشجر، فرجع إليهم، فقال: قد وجدت لكم بلدا طيبا نزها على حرّة يصب فيها واديان على تلاع عذبة ومدرة طيبة في متأخّر الحرة ومدافع الشّرج، قال: فتحوّل القوم إليها من منزلهم ذلك، فنزل بنو النضير ومن معهم على بطحان، وكانت لهم إبل نواعم، فاتخذوها أموالا، ونزلت بنو النضير ومن معهم على بطحان، وكانت لهم إبل نواعم، فاتخذوها أموالا، ونزلت بنو قريظة وبهدل ومن معهم على مهزور، فكانت لهم تلاعه وما سقي من بعاث وسموات، فكان ممن يسكن المدينة - حين نزلها الأوس والخزرج - من قبائل بني إسرائيل بنو عكرمة، وبنو ثعلبة، وبنو محمر، وبنو زغورا، وبنو فينقاع، وبنو زيد، وبنو النضير، وبنو قريظة، وبنو بهدل، وبنو عوف، وبنو الفصيص، فكان يسكن يثرب جماعة من أبناء اليهود، فيهم الشرف والثروة والعز على سائر اليهود، وكان بنو مرانة في موضع بني حارثة، ولهم كان الأطم الذي يقال له: الخال.
وكان معهم من غير بني إسرائيل بطون من العرب منهم: بنو الحرمان: حي من اليمن، وبنو مرثد حي من بليّ، وبنو أنيف من بليّ أيضا، وبنو معاوية حي من بني سليم ثم من بني الحارث بن بهثة، وبنو الشظية: حي من غسّان، وكان يقال لبني قريظة وبني النضير خاصة من اليهود: الكاهنان، نسبوا بذلك إلى جدهم الذي يقال له الكاهن، كما يقال: العمران والحسنان والقمران، قال كعب بن سعد القرظيّ:
بالكاهنين قررتم في دياركمجمّا ثواكم ومن أجلاكم جدبا
وقال العبّاس بن مرداس السّلمي يردّ على خوّات بن جبير لمّا هجاهم:
هجوت صريح الكاهنين وفيكملهم نعم كانت مدى الدهر ترتبا
فلما أرسل اللّه سيل العرم على أهل مأرب، وهم الأزد، قام رائدهم فقال: من كان ذا جمل مفنّ ووطب مدنّ وقربة وشنّ، فلينقلب عن بقرات النعم، فهذا اليوم يوم همّ وليلحق بالثّنى من شنّ - قال وهو بالسراة - فكان الذين نزلوه أزد شنوءة، ثم قال لهم: ومن كان ذا فاقة وفقر، وصبر على أزمات الدهر فليلحق ببطن مرّ، فكان الذين سكنوه خزاعة، ثم قال لهم: من كان منكم يريد الخمر والخمير، والأمر والتأمير، والديباج والحرير، فليلحق ببصري والحفير، وهي من أرض الشام، فكان الذين سكنوه غسّان ثم قال لهم: ومن كان منكم ذا همّ بعيد وجمل شديد، ومزاد جديد، فليلحق بقصر عمان الجديد، فكان الذين نزلوه أزد عمان، ثم قال: ومن كان يريد الرّاسخات في الوحل، المطمعات في المحل، فليلحق بيثرب ذات النخل. فكان الذين نزلوها الأوس والخزرج، فلما توجهوا إلى المدينة ووردوها نزلوا في صرار ثم تفرقوا، وكان منهم من لجأ إلى عفاء من أرض لا ساكن فيه، فنزلوا به، ومنهم من لجأ إلى قرية من قراها، فكانوا مع أهلها، فأقامت الأوس والخزرج في منازلهم التي نزلوها بالمدينة في جهد وضيق في المعاش، ليسوا بأصحاب إبل ولا شاة؛ لأن المدينة ليست بلاد نعم، وليسوا بأصحاب نخل ولا زرع، وليس للرجل منهم إلا الأعذاق اليسيرة، والمزرعة يستخرجها من أرض موات، والأموال لليهود، فلبثت الأوس والخزرج بذلك حينا.
ثم إن مالك بن العجلان وفد إلى أبي جبيلة الغسّاني وهو يومئذ ملك غسان، فسأله عن قومه وعن منزلهم فأخبره بحالهم؛ وضيق معاشهم، فقال له أبو جبيلة: واللّه ما نزل قوم منا بلدا قط إلا غلبوا أهله عليه، فما بالكم؟
ثم أمره بالمضي إلى قومه، وقال له: أعلمهم أني سائر إليهم، فرجع مالك بن العجلان، فأخبرهم بأمر أبي جبيلة؛ ثم قال لليهود: إن الملك يريد زيارتكم فأعدّوا نزلا فأعدّوه، وأقبل أبو جبيلة سائرا من الشام في جمع كثيف، حتى قدم المدينة، فنزل بذي حرض، ثم أرسل إلى الأوس والخزرج، فذكر لهم الذي قدم له، وأجمع أن يمكر باليهود حتى يقتل رؤوسهم وأشرافهم، وخشي إن لم يمكر بهم أن يتحصّنوا في آطامهم، فيمنعوا منه حتى يطول حصاره إياهم، فأمر ببنيان حائر واسع، فبني، ثم أرسل إلى اليهود: أن أبا جبيلة الملك قد أحب أن تأتوه، فلم يبق وجه من وجوه القوم إلا أتاه، وجعل الرجل يأتي معه بخاصّته وحشمه رجاء أن يحبوهم، فلما اجتمعوا ببابه أمر رجالا من جنده أن يدخلوا الحائر، ويدخلوهم رجلا رجلا، فلم يزل الحجّاب يأذنون لهم كذلك، ويقتلهم الجند الذين في الحائر، حتى أتوا على آخرهم
فقالت سارة القريظية ترثي من قتل، منهم أبو جبيلة، تقول:
بنفسي أمّة لم تغن شيئابذي حرض تعفّيها الرياح
كهول من قريظة أتلفتهاسيوف الخزرجيّة والرّماح
رزئنا والرزيّة ذات ثقليمرّ لأهلها الماء القراح
ولو أربو بأمرهم لجالتهنالك دونهم جأوا رداح
وقال الرّمق، وهو عبيد بن سالم بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج يمدح أبا جبيلة الغساني:
لم يقض دينك في الحسان وقد غنيت وقد غنينا
الرّاشقات المرشقات الجازيات بما جزينا
أمثال غزلان الصراثم يأتزرن ويرتدينا
الرّيط والدّيباجوالزّرد المضاعف والبرينا
وأبو جبيلة خير منيمشي وأوفاهم يمينا
وأبرّه برّا وأعلمه بعلم الصالحينا
أبقت لنا الأياموالحرب المهمّة تعترينا
كبشا لنا ذكرا يفلّحسامه الذكر السّنينا
ومعاقلا شمّا وأسيافا يقمن وينحنينا
ومحلّة زوراء ترجف بالرجال المصلتينا
فلما أنشدوا أبا جبيلة ما قال الرمق، أرسل إليه، فجيء به، وكان رجلا ضئيلا غير وضى ء، فلما رآه قال: «عسل طيب ووعاء سوء»، فذهبت مثلا، وقال للأوس والخزرج: إن لم تغلبوا على هذه البلاد بعد من قتلت من أشراف أهلها فلا خير فيكم، ثم رحل إلى الشام.
وقال الصامت بن أصرم النّوفليّ يذكر قتل أبي جبيلة اليهود:
سائل قريظة من يقسّم سبيهايوم العريض ومن أفاء المغنما؟
جاءتهم الملحاء يخفق ظلّهاوكتيبة خشناء تدعو أسلما
عمّي الذي جلب الهمام لقومهحتى أحلّ على اليهود الصّيلما
يعني بقوله: «من يقسّم سبيها» نسوة سباهنّ أبو جبيلة من بني قريظة، وكان رآهن فأعجبنه، وأعطى مالك بن العجلان منهن امرأة.
قال أبو المنهال أحد بني المعلّى: إنهم أقاموا زمنا بعد ما صنع، ويهود تعترض عليهم، وتناوئهم، فقال مالك ابن العجلان لقومه: واللّه ما أثخنّا يهود غلبة كما نريد، فهل لكم أن أصنع لكم طعاما، ثم أرسل في مائة من أشراف من بقي من اليهود، فإذا جاءوني فاقتلوهم جميعا، فقالوا: نفعل، فلما جاءهم رسول مالك قالوا: واللّه لا نأتيهم أبدا، وقد قتل أبو جبيلة منا من قتل، فقال لهم مالك: إن ذلك كان على غير هوى منا، وإنما أردنا أن نمحوه، وتعلموا حالكم عندنا، فأجابوه، فجعل كلما دخل عليه رجل منهم أمر به مالك فقتل، حتى قتل منهم بضعة وثمانين رجلا، ثم إن رجلا منهم أقبل حتى قام على باب مالك، فتسمّع فلم يسمع صوتا فقال: أرى أسرع ورد وأبعد صدر، فرجع وحذّر أصحابه الذين بقوا، فلم يأت منهم أحد، فقال رجل من اليهود لمالك بن العجلان:
فسفّهت قيلة أحلامهاففيمن بقيت وفيمن تسود؟
فقال مالك:
فإنّي امرؤ من بني سالمبن عوف وأنت امرو من يهود
قال: وصوّرت اليهود مالكا في بيعهم وكنائسهم، فكانوا يلعنونه كلما دخلوها، فقال مالك بن العجلان في ذلك قوله:
تحامى اليهود بتلعانهاتحامي الحمير بأبوالها
فماذا عليّ بأن يلعنواوتأتي المنايا بأذلالها
قال: فلما قتل مالك من يهود من قتل ذلّوا؛ وقلّ امتناعهم؛ وخافوا خوفا شديدا؛ وجعلوا كلما هاجهم أحد من الأوس والخزرج بشيء يكرهونه لم يمش بعضهم إلى بعض، كما كانوا يفعلون قبل ذلك، ولكن يذهب اليهوديّ إلى جيرانه الذين هو بين أظهرهم فيقول: إنما نحن جيرانكم ومواليكم، فكان كل قوم من يهود قد لجئوا إلى بطن من الأوس والخزرج، يتعززون بهم.
وذكر أبو عمرو الشيباني أن أوس بن ذبّى القرظي كانت له امرأة من بني قريظة أسلمت وفارقته، ثم نازعتها نفسها إليه، فأتته، وجعلت ترغبه في الإسلام، فقال فيها:
دعتني إلى الإسلام يوم لقيتهافقلت لها: لا بل تعالي تهوّدي
فنحن على توراة موسى ودينهونعم لعمري الدين دين محمد
كلانا يرى أن الرّسالة دينهومن يهد أبواب المراشد يرشد
ومن الأغاني في أشعار اليهود:
صوت
أعاذلتي ألا لا تعذلينيفكم من أمر عاذلة عصيت
دعيني وارشدي إن كنت أغوىولا تغوى زعمت كما غويت
أعاذل قد أطلت الّلوم حتّىلو أنّي منته لقد انتهيت
وحتى لو يكون فتى أناسبكى من عذل عاذلة بكيت
وصفراء المعاصم قد دعتنيإلى وصل فقلت لها: أبيت
وزقّ قد جررت إلى النّدامىوزقّ قد شربت وقد سقيت
الشعر للسموءل بن عاديا - فيما رواه السكري عن الطوسيّ - ورواه أبو خليفة عن محمد بن سلام، والغناء
لابن محرز خفيف ثقيل بالسبّابة في مجرى الوسطى عن إسحاق في الأول والثاني والرابع والخامس من الأبيات؛ وزعم ابن المكي أنه لمعبد، وزعم عمرو ابن بانة أنه لمالك، ولد حمان أيضا في الأول والثاني والخامس والسادس رمل بالوسطى وزعم ابن المكي أن هذا الرمل لابن سريج، وفي الأول والثاني والسادس رمل بالوسطى، لأبي عبيد مولى فائد ثاني ثقيل عن يحيى المكي، وزعم الهشامي أن الرمل لعبد العزيز الدفاف.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع