من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار عبد اللّه بن العجلان
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو عبد اللّه بن العجلان بن عبد الأحبّ بن عامر بن كعب بن صباح بن نهد بن زيد بن ليث بن أسود بن أسلم ابن الحاف بن قضاعة. شاعر جاهلي أحد المتيمين من الشعراء ومن قتله الحب منهم.
وكانت له زوجة يقال لها هند، فطلقها، ثم ندم على ذلك، فتزوجت زوجا غيره، فمات أسفا عليها.
أخبرني محمد بن مزبد قال: حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن الهيثم بن عديّ قال: كان عبد اللّه بن العجلان النهديّ سيدا في قومه وابن سيد من ساداتهم، وكان أبوه أكثر بني نهد مالا، وكانت هند امرأة عبد اللّه بن العجلان التي يذكرها في شعره امرأة من قومه من بني نهد، وكانت أحبّ الناس إليه، وأحظاهم عنده، فمكثت معه سنين سبعا أو ثمانيا لم تلد، فقال له أبوه: إنه لا ولد لي غيرك، ولا ولد لك، وهذه المرأة عاقر، فطلّقها، وتزوج غيرها، فأبى ذلك عليه، فآلى ألّا يكلمه أبدا حتى يطلّقها. فأقام على أمره، ثمّ عمد إليه يوما، وقد شرب الخمر حتى سكر، وهو جالس مع هند، فأرسل إليه أن صر إليّ، فقالت له هند: لا تمض إليه، فو اللّه ما يريدك لخير، وإنما يريدك لأنه بلغه أنك سكران، فطمع فيك أن يقسم عليك، فتطلّقني، فنم مكانك، ولا تمض إليه. فأبى، وعصاها، فتعلّقت بثوبه، فضربها بمسواك، فأرسلته، وكان في يدها زعفران، فأثّر في ثوبه مكان يدها، ومضى إلى أبيه، فعاوده في أمرها، وأنّبه، وضعّفه، وجمع عليه مشيخة الحيّ وفتيانهم، فتناولوه بألسنتهم، وعيّروه بشغفه بها وضعف حزمه، ولم يزالوا به حتى طلّقها. فلما أصبح خبّر بذلك، وقد علمت به هند، فاحتجبت عنه، وعادت إلى أبيها، فأسف عليها أسفا شديدا، فلما رجعت إلى أبيها خطبها رجل من بني نمير، فزوّجها أبوها منه، فبنى بها عندهم، وأخرجها إلى بلده. فلم يزل عبد اللّه بن العجلان دنفا سقيما، يقول فيها الشعر، ويبكيها حتى مات أسفا عليها، وعرضوا عليه فتيات الحي جميعا فلم يقبل واحدة منهنّ، وقال في طلاقه إياها:
فارقت هندا طائعافندمت عند فراقها
فالعين تذري دمعةكالدّر من آماقها
متحلّيا فوق الرداء يجول من رقراقها
خود رداح طفلةما الفحش من أخلاقها
ولقد ألدّ حديثهماوأسرّ عند عناقها
وفي هذه القصيدة يقول:
إن كنت ساقية ببزل الادم أو بحقاقها
فاسقي بني نهد إذاشربوا خيار زقاقها
فالخيل تعلم كيف نلحقها غداة لحاقها
بأسنّة زرق صبحنا القوم حدّ رقاقها
حتى ترى قصد القناوالبيض في أعناقها
قال أبو عمرو الشيباني: لما طلق عبد اللّه بن العجلان هندا أنكحت في بني عامر، وكانت بينهم وبين نهد مغاورات، فجمعت نهد لبني عامر جمعا، فأغاروا على طوائف منهم، فيهم بنو العجلان وبنو الوحيد وبنو الحريش وبنو قشير، ونذروا بهم، فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم انهزمت بنو عامر، وغنمت نهد أموالهم، وقتل في المعركة ابن لمعاوية بن قشير بن كعب وسبعة بنين له، وقرط وجدعان ابنا سلمة بن قشير ومرداس بن جزعة بن كعب وحسين بن عمرو بن معاوية ومسحقة بن المجمّع الجعفي، فقال عبد اللّه بن العجلان في ذلك:
ألا أبلغ بني العجلان عنيفلا ينبيك بالحدثان غيري
بأنا قد قتلنا الخير قرطاوجرنا في سراة بني قشير
وأفلتنا بنو شكل رجالاحفاة يربئون على سمير
وقالت امرأة من بني قيس ترثي قتلاهم:
أصبتم يا بني نهد بن زيدقروما عند قعقعة السلاح
إذا اشتد الزمان وكان محلاوحاذر فيه أخوان السماح
أهانوا المال في الّلزبات صبراوجادوا بالمتالي واللقاح
وابكي مالكا وابكى بجيراوشدّادا لمشتجر الرماح
وكعبا فاندبيه معا وقرطاأولئك معشري هدّوا جناحي
وبكيّ إن بكيت على حسيلومرداس قتيل بني صباح
قال: وأسر عبد اللّه بن العجلان رجلا من بني الوحيد، فمنّ عليه، وأطلقه، ووعده الوحيديّ الثواب فلم يف فقال عبد اللّه:
وقالوا لن تنال الدهر فقراإذا شكرتك نعمتك الوحيد
فيا ندما ندمت على رزامومخلفه كما خلع العتود
قال أبو عمرو: ثم إن بني عامر جمعوا لبني نهد، فقالت هند امرأة عبد اللّه بن العجلان التي كانت ناكحا فيهم لغلام منهم يتيم فقير من بني عامر: لك خمس عشرة ناقة على أن تأتي قومي فتنذرهم قبل أن يأتيهم بنو عامر، فقال: أفعل، فحملته على ناقة لزوجها ناجية، وزودته تمرا ووطبا من لبن، فركب فجدّ في السير؛ وفني اللبن، فأتاهم والحي خلوف في غزو وميرة، فنزل بهم، وقد يبس لسانه، فلما كلموه لم يقدر على أن يجيبهم، وأومأ لهم إلى لسانه، فأمر خراش بن عبد اللّه بلبن وسمن، فأسخن، وسقاه إياه، فابتلّ لسانه، وتكلّم، وقال لهم: أتيتم، أنا رسول هند إليكم تنذركم، فاجتمعت بنو نهد واستعدّت ووافتهم بنو عامر فلحقوهم على الخيل، فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزمت بنو عامر، فقال عبد اللّه بن العجلان في ذلك:
عاود عيني نصبها وغرورهاأهمّ عناها أم قذاها يعورها؟
أم الدار أمست قد تعفّت كأنهازبور يمان رقشته سطورها؟
ذكرت بها هندا وأترابها الألىبها يكذب الواشي ويعصي أميرها
فما معول تبكي لفقد أليفهاإذا ذكرته لا يكفّ زفيرها
بأغزر مني عبرة إذ رأيتهابحث بها قبل الصباح بعيرها
ألم يأت هندا كيفما صنع قومهابني عامر إذ جاء يسعى نذيرها
فقالوا لنا إنّا نحبّ لقاءكموإنا نحيّى أرضكم ونزورها
فقلنا: إذا لا ننكل الدهر عنكمبصمّ القنا اللائي الدماء تميرها
فلا غرو أنّ الخيل تنحط في القناتمطّر من تحت العوالي ذكورها
تأوّه مما مسّها من كريهةوتصفى الخدود والرماح تصورها
وأربابها صرعى ببرقة أخربتجرّرهم صبعانها ونسورها
فأبلغ أبا الحجاج عني رسالةمغلغلة لا يغلبنك بسورها
فأنت منعت السلم يوم لقيتنابكفيّك تسدي غيّة وتنيرها
فذوقوا على ما كان من فرط إحنةحلائبنا إذ غاب عنا نصيرها
قال أبو عمرو: فلما اشتدّ ما بعبد اللّه بن العجلان من السقم خرج سرّا من أبيه مخاطرا بنفسه حتى أتى أرض بني عامر لا يرهب ما بينهم من الشرّ والتّرات، حتى نزل ببني نمير، وقصد خباء هند، فلما قارب دارها رآها وهي جالسة على الحوض، وزوجها يسقي، ويذود الإبل عن مائه، فلما نظر إليها ونظرت إليه رمى بنفسه عن بعيره، وأقبل يشتدّ إليها، وأقبلت تشتد إليه، فاعتنق كل واحد منهما صاحبه، وجعلا يبكيان وينشجان ويشهقان، حتى سقطا على وجوههما، وأقبل زوج هند ينظر ما حالهما، فوجدهما ميتين.
قال أبو عمرو: وأخبرني بعض بني نهد أنّ عبد اللّه بن العجلان أراد المضيّ إلى بلادهم، فمنعه أبوه وخوّفه الثارات وقال: نجتمع معهم في الشهر الحرام بعكاظ أو بمكة، ولم يزل يدافعه بذلك حتى جاء الوقت، فحج، وحج أبوه معه، فنظر الى زوج هند وهو يطوف بالبيت وأثر كفّها في ثوبه بخلوق، فرجع إلى أبيه في منزله، وأخبره بما رأى ثم سقط على وجهه فمات. هذه رواية أبي عمرو.
وقد أخبرني محمد بن خلف وكيع، قال حدثني عبد اللّه بن عليّ بن الحسن قال: حدثنا نصر بن عليّ عن الأصمعيّ عن عبد العزيز بن أبي سلمة عن أيوب عن ابن سيرين قال: خرج عبد اللّه بن العجلان في الجاهلية فقال:
ألا إنّ هندا أصبحت منك محرماوأصبحت من أدنى حموّتها حما
وأصبحت كالمقمور جفن سلاحهيقلّب بالكفين قوسا وأسهما
ثم مد بها صوته فمات.
الشعر له أم لمسافر
قال ابن سيرين: فما سمعت أن أحدا مات عشقا غير هذا. وهذا الخبر عندي خطأ لأن أكثر الرواة يروي هذين البيتين لمسافر بن أبي عمرو بن أمية، قالهما لما خرج إلى النعمان بن المنذر يستعينه في مهر هند بنت عتبة بن ربيعة، فقدم أبو سفيان بن حرب، فسأله عن أخبار مكة، وهل حدث بعده شيء، فقال: لا، إلّا أنّي تزوجت هندا بنت عتبة، فمات مسافر أسفا عليها، ويدل على صحّة ذلك قوله:
وأصبحت من أدنى حموّتها حما
لأنه ابن عم أبي سفيان بن حرب لحّا وليس النميري المتزوج هندا النهدية ابن عم عبد اللّه بن العجلان فيكون من أحمائها، والقول الأول على هذا أصحّ.
ومن مختار ما قاله ابن العجلان في هند:
ألا أبلغا هندا سلامي فإن نأتفقلبي مذ شطّت بها الدار مدنف
ولم أر هندا بعد موقف ساعةبأنعم في أهل الديار تطوّف
أتت بين أتراب تمايس إذ مشتدبيب القطا أوهنّ منهنّ أقطف
يباكرن مرآة جليّا وتارةذكيّا وبالأيدي مداك ومسوف
أشارت إلينا في خفاة وراعهاومراة الضّحى مني على الحيّ موقف
وقالت: تباعد يا بن عمي فإنّنيمنيت بذي صول يغار ويعنف
أخبرني الحسن بن عليّ قال: أنشدنا فضل اليزيديّ عن إسحاق لعبد اللّه بن العجلان النهديّ قال إسحاق وفيه غناء:
خليليّ زورا قبل شحط النوى هنداولا تأمنا من دار ذي لطف بعدا
ولا تعجلا، لم يدر صاحب حاجةأغيّا يلاقي في التعجّل أم رشّدا
ومرّا عليها بارك اللّه فيكماوإن لم تكن هند لوجهيكما قصدا
وقولا لها ليس الضلال أجازناولكنّنا جزنا لنلقاكم عمدا
صوت
ألا يا ظبية البلدبراني طول ذا الكمد
فردّي يا معذّبتيفؤادي أو خذي جسدي
بليت لشقوتي بكمغلاما ظاهر الجلد
فشيّب حبّكم رأسيوبيّض هجركم كبدي
الشعر للمؤمّل بن أميل، والغناء لإبراهيم ثقيل أول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع