تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

أخبار أبي حزابة ونسبه

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

أبو حزابة اسمه الوليد بن حنيفة، أحد بني ربيعة بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم. شاعر من شعراء الدولة الأموية بدويّ حضر وسكن البصرة، ثم اكتتب في الديوان، وضرب عليه البعث إلى سجستان، فكان بها مدة، وعاد إلى البصرة، وخرج مع ابن الأشعث لما خرج على عبد الملك، وأظنّه قتل معه، وكان شاعرا راجزا فصيحا خبيث اللسان هجّاء.

فأخبرنا الحسن بن عليّ قال: حدثنا هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال: حدثنا محمد بن الهيثم الشاميّ قال: حدثني عمّي أبو فراس عن العذريّ قال: دخل أبو حزابة على طلحة الطلحات الخزاعي، وقد استعمله يزيد بن معاوية على سجستان، وكان أبو حزابة قد مدحه، فأبطأت عليه الجائزة من جهته، ورأى ما يعطى غيره من الجوائز، فأنشده:

وأدليت دلوي في دلاء كثيرةفجئن ملاء غير دلوي كما هيا
للشاعر أبو حزابة التميمي، اقرأ القصيدة
وأهلكني ألّا تزال رغيبةتقصّر دوني أو تحلّ ورائيا
أراني إذا استمطرت منك سحابةلتمطرني عادت عجاجا وسافيا

قال: فرماه طلحة بحقّ فيه درّة فأصاب صدره، ووقعت في حجره، ويقال: بل أعطاه أربعة أحجار، وقال له: لا تخدع عنها، فباعها بأربعين ألفا. ومات طلحة بسجستان.

ثم ولى من بعده رجل من بني عبد شمس يقال له عبد اللّه بن عليّ بن عديّ وكان شحيحا فقال له أبو حزابة:

يا بن عليّ برح الخفاءقد علم الجيران والأكفاء
أنك أنت النذل واللّفاءأنت لعين طلحة الفداء
بنو عديّ كلهم سواءكأنهم زينيّة جراء

قال ثم وليها بعد عبد اللّه بن علي عبد العزيز بن عبد اللّه بن عامر بن كريز أيام الفتنة، فاستأذنه أبو حزابة أن يأتي البصرة، فأذن له، فقدمها، وكان الناس يحضرون المربد، ويتناشدون الأشعار، ويتحادثون ساعة من النهار، فشهدهم أبو حزابة، وأنشدهم مرثية له في طلحة الطلحت يضمنها ذمّا لعبد اللّه بن عليّ وهي قوله:

هيهات هيهات الجناب الأخضروالنائل الغمر الذي لا ينزر
للشاعر أبو حزابة التميمي، اقرأ القصيدة
واراه عنا الجدث المغوّرقد علم القوم غداة استعبروا
للشاعر أبو حزابة التميمي، اقرأ القصيدة
والقبر بين الطلحات يحفرأن لن يروا مثلك حتى ينشروا
للشاعر أبو حزابة التميمي، اقرأ القصيدة
أنا أتانا جرز محمّرأنكره سريرنا والمنبر
والمسجد المحتضر المطهّروخلف يا طلح منك أعور
بليّة يا ربّنا لا نسخرأقلّ من شبرين حين يشبر
مثل أبي القعواء لا بل أقصر

قال: وأبو القعواء حاجب لطلحة كان قصيرا.

فقال عون بن عبد الرحمن بن سلامة - وسلامة أمّه - وهو رجل من بني تميم بن مرة قيس: بئسما قلت! أتشاهر الناس بشتم قريش؟ فقال له، إني لم أعمّ، إنما سمّيت رجلا واحدا، فأغلظ له عون حتى انصرف عن ذلك الموضع، ثم أمر عون ابن أخ له، فدعا أبا حزابة فأطعمه، وسقاه، وخلط في شرابه شبر ما فسلّحه، فخرج أبو حزابة وقد أخذه بطنه، فسلح على بابهم وفي طريقه، حتى بلغ أهله، ومرض أشهرا، ثم عوفي، فركب فرسا له، ثم أتى المربد فإذا عون بن سلامة واقف، فصاح به، فوقف، ولو لم يقف كان أخف لهجائه، فقال أبو حزابة:

يا عون قف واستمع الملامةلا سلّم اللّه على سلامة
زنجية تحسبها نعلمهشكّاء شان جسمها دمامه
ذات حر كريشتي حمامهبينهما بظر كرأس الهامه
أعلمتها وعالم العلامهلو أن تحت بظرها صمامه
لدفعت قدما بها أمامه

فكان الناس يصيحون به: أعلمتها وعالم العلامة

أخبرني عمّي قال: حدثنا أحمد بن الهيثم بن فراس قال حدثني عمي أبو فراس، عن الهيثم بن عديّ قال: كان عبد اللّه بن خلف أبو طلحة الطلحات مع عائشة يوم الجمل وقتل معها يومئذ، وعلى بني خلف نزلت عائشة بالبصرة في القصر المعروف بقصر بني خلف، وكان هوى طلحة الطلحات أمويّا، وكانت بنو أميّة مكرمين له.

يا طلح يأبى مجدك الإخلافاوالبخل لا يعترف اعترافا
إن لنا أحمرة عجافايأكلن كلّ ليلة إكافا

فأمر له طلحة بإبل ودراهم، وقال له: هذه مكان أحمرتك.

أخبرني عمي قال حدثنا الكرانيّ قال: حدثني العمريّ، عن لقيط قال: قيل لأبي حزابة: لو أتيت يزيد بن معاوية لفرض لك، وشرّفك، وألحقك بعلية أصحابه، فلست دونهم، وكان أبو حزابة يومئذ غلاما حدثا، وكان معاوية حيّا، ويزيد أميرا يومئذ، فلما أكثر قومه عليه في ذلك وفي قولهم: إنك ستشرف بمصيرك إليه قال:

يشرّفني سيفي وقلب مجانبلكل لئيم باخل ومعلهج
وكرّي على الأبطال طرفا كأنهظليم وضربي فوق رأس المدجّج
وقولي إذا ما النفس جاشت وأجهشتمخافة يوم شرّه متأجّج
عليك غمار الموت يا نفس إننيجريء على درء الشجاع المهجهج

فلما أكثر عليه قومه، وعنّفوه في تأخره أتى يزيد بن معاوية، فأقام ببابه شهرا لا يصل إليه فرجع، وقال: واللّه لا يراني ما حملت عيناي الماء إلا أسيرا أو قتيلا، وأنشأ يقول:

فو اللّه لا آتي يزيد ولو حوتأنامله ما بين شرق إلى غرب
لأنّ يزيدا غيّر اللّه ما بهجنوح إلى السّوءى مصرّ على الذنب
للشاعر أبو حزابة التميمي، اقرأ القصيدة
فقل لبني حرب تقوا اللّه وحدهولا تسعدوه في البطالة واللعب
للشاعر أبو حزابة التميمي، اقرأ القصيدة
ولا تأمنوا التغيير إن دام فعلهولم ينهه عن ذاك شيخ بني حرب
للشاعر أبو حزابة التميمي، اقرأ القصيدة
أيشربها صرفا إذا الليل جنّهمعتّقة كالمسك تختال في العلب
للشاعر أبو حزابة التميمي، اقرأ القصيدة
ويلحى عليها شاربيها وقلبهيهيم بها إن غاب يوما عن الشّرب
للشاعر أبو حزابة التميمي، اقرأ القصيدة

أخبرني حبيب بن نصر المهلبيّ قال: حدثنا عمر بن شبّة، عن المدائني قال: لما خرج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث على الحجّاج، وكان معه أبو حزابة فمروا بدستبى وبها مستراد الصّنّاجة، وكانت لا يبيت بها أحد إلا بمائة درهم، فبات بها أبو حزابة ورهن عندها سرجه، فلما أصبح وقف لعبد الرحمن، فلما أقبل صاح به وقال:

أمر عضال نابني في العجّكأنني مطالب بخرج
ومستراد ذهبت بالسّرجفي فتنة الناس وهذا الهرج

فعرف ابن الأشعث القصّة، وضحك، وأمر بأن يفتكّ له سرجه، ويعطى معه ألف درهم، وبلغت القصة الحجاج فقال: أيجاهر في عسكره بالفجور فيضحك، ولا ينكر! ظفرت به إن شاء اللّه.

أخبرني عمّي، قال حدثنا الكرانيّ عن العمريّ، عن العتبي قال: مدح أبو حزابة عبد اللّه بن علي العيشميّ وهو على سجستان فلم يثبه فقال يهجوه:

هبّت تعاتبني أمامة في السماحة والفضال
للشاعر أبو حزابة التميمي، اقرأ القصيدة
وأبيت عند عتابهاإلا خلائق ذي النّوال
للشاعر أبو حزابة التميمي، اقرأ القصيدة
أعطي أخي وأحوطهجهدي وأبذل جلّ مالي
للشاعر أبو حزابة التميمي، اقرأ القصيدة
وأقيه عند تشاجر الأبطال بالأسل النّهال
للشاعر أبو حزابة التميمي، اقرأ القصيدة
حفظا له ورعايةللخاليات من الليالي
للشاعر أبو حزابة التميمي، اقرأ القصيدة
إذ نحن نشرب قهوةدرياقة كدم الغزال
حمراء يذهب ريحهاما في الرؤوس من الخبال
للشاعر أبو حزابة التميمي، اقرأ القصيدة
وإذا تشعشع في الإناء رمت أخاها باغتيال
للشاعر أبو حزابة التميمي، اقرأ القصيدة
وعلا الحباب فخلتهعقدا ينظّم من لآلي
للشاعر أبو حزابة التميمي، اقرأ القصيدة
تشفي السقيم بريحهاوتميته قبل الإجال
للشاعر أبو حزابة التميمي، اقرأ القصيدة
تلك التي تركت فؤاد أبي حزابة في ضلال
للشاعر أبو حزابة التميمي، اقرأ القصيدة
لا يستفيق ولا يفيق نزيفها في كلّ حال
وإذا الكماة تنازلواومشى الرجال إلى الرجال
للشاعر أبو حزابة التميمي، اقرأ القصيدة
وبدت كتائب تمتريمهج الكتائب بالعوالي
للشاعر أبو حزابة التميمي، اقرأ القصيدة
فأبو حزابة عند ذاك أخو الكريهة والنّزال
يمشي الهويني معلمابالسيف مشيا غير آل
كالليث يترك قرنهمتجدّلا بين الرّمال
إني نذير بني تميم من أخي قيل وقال
للشاعر أبو حزابة التميمي، اقرأ القصيدة
من لا يجود ولا يسود ولا يجير من الهزال
للشاعر أبو حزابة التميمي، اقرأ القصيدة
وتراه حين يجيئه السؤّال يولع بالسّعال
للشاعر أبو حزابة التميمي، اقرأ القصيدة
متشاغلا متنحنحاكالكلب جمجم للعظال
للشاعر أبو حزابة التميمي، اقرأ القصيدة
فارفض قريشا كلّهامن أجل ذي الداء العضال
للشاعر أبو حزابة التميمي، اقرأ القصيدة

- يعني عبد اللّه بن علي العبشميّ.

أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدثنا هارون بن محمد بن عبد الملك قال: حدثني محمد بن الهيثم الشاميّ قال: حدثني عمي أبو فراس، عن العذريّ قال: دخل أبو حزابة على عمارة بن تميم ومحمد بن الحجاج، وقد قدما سجستان لحرب عبد الرحمن بن محمد ابن الأشعث، وكان عبد الرحمن لما قدماها هرب، ولم يبق بسجستان من أصحابه إلا سبعمائة رجل من بني تميم كانوا مقيمين بها، فقال لهما أبو حزابة: إنّ الرجل قد هرب منكما، ولم يبق من أصحابه أحد، وإنما بسجستان من كان بها من بني تميم قبل قدومه فقالا له: ما لهم عندنا أمان، لأنهم قد كانوا مع ابن الأشعث، وخلعوا الطاعة، فقال: ما خلعوها، ولكنه ورد عليهم في جمع عظيم لم يكن لهم بدفعه طاقة. فلم يجيباه إلى ما أراد، وعاد إلى قومه، وحاصرهم أهل الشام، فاستقتلت بنو تميم، فكانوا يخرجوا في كل يوم إليهم، فيواقعونهم، ويكبسهونهم بالليل، وينهبون أطرافهم، حتى ضجروا بذلك، فلما رأى عمارة فعلهم صالحهم، وخرجوا إليه، فلما رأى قلّتهم قال: أما كنتم إلا ما أرى! قالوا: نعم، فإن شئت أن نقيلك الصلح أقلناك، وعدنا للحرب، فقال: أنا غنيّ عن ذلك، وآمنهم، فقال أبو حزابة في ذلك:

للّه عينا من رأى من فوارسأكرّ على المكروه منهم وأصبرا
وأكرم لو لاقوا سوادا مقارباولكن لقوا طمّا من البحر أخضرا
فما برحوا حتى أعضّوا سيوفهمذرى الهام منهم والحديد المسمّرا
وحتى حسبناهم فوارس كهمسحيوا بعد ما ماتوا من الدّهر أعصرا

صوت

إذا اللّه لم يسق إلا الكرامفسقّى وجوه بني حنبل
وسقّى ديارهم باكرامن الغيث في الزمن الممحل
تكفكفه بالعشيّ الجنوبوتفرغه هزة الشّمأل
كأنّ الرّباب دوين السحابنعام تعلّق بالأرجل
للشاعر زهير بن جلهمة السكب، من قصيدة «إذا لله لم يسق إلا الكرام»

الشعر لزهير السكب التميمي المازني، والغناء لإبراهيم خفيف رمل بالبنصر عن الهشامي وحبش.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»