تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

أخبار محمد بن الحارث

فيه ١٥ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

مولى المنصور، وأصله من الرّي من أولاد المرازبة، وكان الحارث بن بسخنّر أبوه رفيع القدر عند السلطان، ومن وجوه قواده، وولاه الهادي - ويقال الرشيد - الحرب والخراج بكور الأهواز كلّها.

فأخبرني حبيب المهلّبي: قال: حدّثني النّوفليّ عن محمد بن الحارث بن بسخنّر: قال: كنت بالدّير، وكان رجل من أهلها يعرض عليّ الحوائج ويخدمني فيكرمني، ويذكر قديمنا، ويترحّم على أبي، فقال لي رجل من أهل تلك الناحية: أتعرف سبب شكر هذا لأبيك؟ قلت: لا، قال: فإن أباه حدّثني - وكان يعرف بابن بانة - بأن أباك الحارث بن بسخنّر اجتاز بهم يريد الأهواز فتلقاه بدجلة العوراء، وأهدى له صقورا وبواشق صائدة، فقال له: الحق بي بالأهواز، فقال له يوما: إني نظرت في أمور الأعمال بالأهواز، فلم أجد شيئا منها يرتفق منه بما قدّرت أن أبرّك به، وقد ساومني التّجّار بالأهواز بالأرز، وقد جعلته لك بالسعر الذي بذلوه، وسيأتونني، فأعلمهم بذلك، فقلت: نعم، فجاءوا، وخلصوه منه بأربعين ألف دينار، فصرت إلى الحارث فأعلمته، فقال لي: أرضيت بذلك؟

فقلت: نعم، قال: فانصرف.

ولما قفل الحارث من الأهواز مرّ بالمدائن، فلقيه الحسين بن محرز المدائني المغنّي فغنّاه:

قد علم اللّه علا عرشهأنّي إلى الحارث مشتاق

فقال له: دعني من شوقك إليّ، وسلني حاجة فإني مبادر، فقال له: عليّ دين مائة ألف درهم، فقال: هي عليّ، وأمر له بها، وأصعد.

وكان محمد بن الحارث من أصحاب إبراهيم بن المهدي والمتعصبين له على إسحاق، وعن إبراهيم بن المهديّ أخذ الغناء، ومن بحره استقى، وعلى منهاجه جرى.

أخبرني عيسى بن الحسين الورّاق، عن محمد بن هارون الهاشمي، عن هبة اللّه بن إبراهيم بن المهدي: قال:

كان المأمون قد ألزم أبي رجلا ينقل إليه كلّ ما يسمعه من لفظ جدّا وهزلا شعرا وغناء، ثم لم يثق به، فألزمه مكانه محمد بن الحارث بن بسخنّر، فقال له: أيها الأمير، قل ما شئت واصنع ما أحببت، فو اللّه لا بلّغت عنك أبدا إلا ما تحبّ، وطالت صحبته له، حتى أمنه وأنس به، وكان محمد يغني بالمعزفة فنقله أبي إلى العود، وواظب عليه حتى حذقه، ثم قال له محمد بن الحارث يوما: أنا عبدك وخرّيجك وصنيعتك، فاخصصني بأن أروي عنك صنعتك، ففعل، وألقى عليه غناءه أجمع، فأخذه عنه، فما ذهب عليه شيء منه ولا شذّ.

وقال العتّابي: حدّثني محمد بن أحمد بن المكيّ: قال: حدّثني أبي: قال: كان محمد بن الحارث قليل الصنعة، وسمعته يغنّي الواثق في صنعته في شعر له مدحه به وهو:

أمنت بإذن اللّه من كلّ حادثبقربك من خير الورى يا بن حارث

فأمر له بألفي دينار.

وذكر عليّ بن محمد الهشامي، عن حمدون بن إسماعيل، قال: كان محمد بن الحارث قد صنع هزجا في هذا الشعر:

صوت

أصبحت عبدا مسترقاأبكي الألى سكنوا دمشقا
أعطيتهم قلبي فمنيبقى بلا قلب فأبقى

وطرحه على المسدود، فغنّاه، فاستحسنه محمد بن الحارث منه لطيب مسموع المسدود، ثم قال: يا مسدود، أتحبّ أن أهبه لك؟ قال: نعم، قال: قد فعلت، فكان يغنّيه، ويدّعيه، وهو لمحمد بن الحارث.

وقال العتّابي: حدّثني شروين المغني المدادي. أن صنعة محمد بن الحارث بلغت عشرة أصوات، وأنه أخذها كلّها عنه، وأن منها في طريقه الرّمل، قال: وهو أحسن ما صنعه.

صوت

أيا من دعاني فلبيّتهببذل الهوى وهو لا يبذل
يدلّ عليّ بحبّي لهفمن ذاك يفعل ما يفعل

لحن محمد بن الحارث في هذا الصوت رمل مطلق، وفيه ليزيد حوراء ثقيل أول وفيه لسليم لحن وجدته في جميع أغانيه غير مجنّس.

أخبرني الحسن بن عليّ: قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد: قال: حدّثني أبو توبة صالح بن محمد، عن عمرو بن بانة: قال: كنت عند محمد بن الحارث بن بسخنّر في منزله، ونحن مصطبحون في يوم غيم، فبينا نحن كذلك إذ جاءتنا رقعة عبد اللّه بن العباس الربيعيّ، وقد اجتاز بنا مصعدا إلى سرّ من رأى، وهو في سفينة، ففضّها محمد، وقرأها، وإذا فيها:

محمد قد جادت علينا بودقهاسحائب مزن برقها يتهلّل
ونحن من القاطول في شبه مربعله مسرح سهل المحلّة مبقل
للشاعر عبد الله الربيعي، اقرأ القصيدة
فمر فائزا تفديك نفسي يغنّنيأعن ظعن الحيّ الألى كنت تسأل؟
للشاعر عبد الله الربيعي، اقرأ القصيدة
ولا تسقني إلا حلالا فإنّنيأعاف من الأشياء ما لا يحلّل
للشاعر عبد الله الربيعي، اقرأ القصيدة

فقام محمد بن الحارث مستعجلا حافيا، حتى نزل إليه فتلقّاه، وحلف عليه حتى خرج معه، وسار به إلى منزله، فاصطبحا يومئذ، وغنّاه فائز غلامه هذا الصوت، وكان صوته عليه، وغنّاه محمد بن الحارث وجواريه وكل من حضر يومئذ، وغنّانا عبد اللّه بن العباس الربيعي أيضا أصواتا وصنع يومئذ هذا الهزج، فقال:

يا طيب يومي بالمطيرة معملاللكأس عند محمد بن الحارث
في فتية لا يسمعون لعاذلقولا ولا لمسوّف أو رائث

حدّثني وسواسه: قال: حدّثني حماد بن إسحاق: قال: كان أبي يستحسن غناء جواري الحارث بن بسخنّر، ويعتمد على تعليمهنّ لجواريه، وكان إذا اضطرب على واحدة منهنّ أو على غيرهن صوت، أو وقع فيه اختلاف، اعتمد على الرجوع فيه إليهنّ. ولقد غنّى مخارق يوما بين يديه صوتا، فتزايد فيه الزوائد التي كان يستعملها، حتى اضطرب. فضحك أبي، وقال: يا أبا المهنّأ، قد ساء بعدي أدبك في غنائك فالزم عجائز الحارث بن بسخنّر يقوّمن أودك.

صوت

بنان يد تشير إلى بنانتجاوبتا وما يتكلّمان
للشاعر ماني المُوَسوَس، اقرأ القصيدة
جرى الإيماء بينهما رسولافأحكم وحيه المتناجيان
للشاعر ماني المُوَسوَس، اقرأ القصيدة
فلو أبصرته لغضضت طرفاعن المتناجيين بلا لسان
للشاعر ماني المُوَسوَس، اقرأ القصيدة

الشعر لماني الموسوس، والغناء لعمر الميداني هرج، وفيه لعريب لحن من الهزج أيضا.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»