من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار تويت ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
تويت لقب، واسمه عبد الملك بن عبد العزيز السّلولي من أهل اليمامة، لم يقع لي غير هذا وجدته بخط أبي العبّاس بن ثوابة، عن عبد اللّه بن شبيب من أخبار رواها عنه.
وتويت أحد الشعراء اليماميين من طبقة يحيى بن طالب وبني أبي حفصة وذويهم، ولم يفد إلى خليفة، ولا وجدت له مديحا في الأكابر والرؤساء فأخمل ذلك ذكره، وكان شاعرا فصيحا نشأ باليمامة وتوفّي بها.
قال عبد اللّه بن شبيب: كان تويت يهوى امرأة من أهل اليمامة يقال لها: سعدى بنت أزهر، وكان يقول فيها الشعر، فبلغها شعره من وراء وراء، ولم تره، فمرّ بها يوما، وهي مع أتراب لها، فقلن: هذا صاحبك، وكان دميما، فقامت إليه وقمن معها، فضربنه، وخرّقن ثيابه، فاستعدى عليهنّ فلم يعده الوالي، فأنشأ يقول:
إنّ الغواني جرحن في جسديمن بعد ما قد فرغن من كبدي
وقد شققن الرّداء ثمّت لميعد عليهن صاحب البلد
لم يعدني الأحول المشوم وقدأبصر ما قد صنعن في جسدي
قال: فلما جرى هذا بينه وبينها عقد له في قلبها رقّة، وكانت تتعرّض له إذا مرّ بها، واجتاز يوما بفنائها فلم تتوار عنه، وأرته أنها لم تره، فلما وقف مليّا سترت وجهها بخمارها، فقال تويت:
ألا أيها الثار الذي ليس نائماعلى ترة إن متّ من حبّها غدا
خذوا بدمي سعدى فسعدى منيتهاغداة النّقا صادت فؤادا مقصّدا
بآية ما ردّت غداة لقيتهاعلى طرف عينيها الرداء المورّدا
قال ابن شبيب: ولقيها راحلة نحو مكة حاجّة، فأخذ بخطام بعيرها وقال:
قل للتي بكرت تريد رحيلاللحجّ إذ وجدت إليه سبيلا
ما تصنعين بحجّة أو عمرةلا تقبلان وقد قتلت قتيلا
أحيي قتيلك ثم حجّي وانسكيفيكون حجّك طاهرا مقبولا
فقالت له: أرسل الخطام، خيّبك اللّه وقبحك، فأرسله، وسارت.
قال عبد اللّه بن شبيب: ثم تزوجها أبو الجنوب يحيى بن أبي حفصة، فحجبها، وانقطع ما كان بينها وبين تويت، فطفق يهجو يحيى فقال:
عناء سيق للقلب الطروبفقد حجبت معذّبة القلوب
أقول وقد عرفت لها محلّاففاضت عبرة العين السّكوب
ألا يا دار سعدى كلّميناوما في دار سعدى من مجيب
ولما ضمّها وحوى عليهاتركت له بعاقبة نصيبي
وقلت: زحام مثلك مثل يحيىلعمرك ليس بالرأي المصيب
فما لك مثل لمّته تدرّىومالك مثل بخل أبي الجنوب
إذا فقد الرغيف بكى عليهوأتبع ذاك تشقيق الجيوب
يعذّب أهله في القرص حتىيظلوا منه في يوم عصيب
وقال أيضا:
ألا في سبيل اللّه نفس تقسّمتشعاعا وقلب للحسان صديق
أفاقت قلوب كنّ عذّبن بالهوىزمانا وقلبي ما أراه يفيق
سرقت فؤادي ثم لا ترجعينهوبعض الغواني للقلوب سروق
عروف الهوى بالوعد حتى إذا جرتببينك غربان لهن نعيق
وردّت جمال الحي وانشقّت العصاوآذن بالبين المشتّ صدوق
ندمت على ألا تكوني جزيتنيزعمت وكلّ الغانيات مذوق
لعلك أن ننأى جميعا بغلّةتذوقين من حرّ الهوى وأذوق
عصيت بك الناهين حتى لو أنّنيأموت لما أرعى عليّ شفيق
ومن مختار قول تويت في سعدى هذه مما أخذته من رواية عبد اللّه بن شبيب من قصيدة أولها:
سنرضي في سعيدى عاذلينابعاقبة وإن كرمت علينا
يقول فيها:
لقيت سعيد تمشي في جواربجرعاء النّقا فلقيت حينا
سلبن القلب ثم مضين عنّيوقد ناديتهنّ فما لوينا
فقلت وقد بقيت بغير قلببقلبي يا سعيدى أين أينا!
فما تجزين يا سعدى محبّابهيم بكم ولا تقضين دينا
فقالوا إذ شكوت المطل منهالعمرك من سمعت له قضينا
ومن هذا الذي إن جاء يشكوإلينا الحبّ من سقم شفينا
فهنّ فواعل بي غير شكّكما قلبي فعلن بصاحبينا
بعروة والذي بسهام هندأصيب، فما أقدن ولا ودينا
ومن مختار قوله فيها:
سل الأطلال إن نفع السّؤالوإن لم يربع الركب العجال
عن الخود التي قتلتك ظلماوليس بها إذا بطشت قتال
أصابك مقلتان لها وجيدوأشنب بارد عذب زلال
أعارك ما تبلت به فؤاديمن العينين والجيد الغزال
أيا ثارات من قتلته سعدىدمي - لا تطلبوه - لها حلال
أرقّ لها وأشفق بعد قتليعلى سعدى وإن قلّ النّوال
وما جادت لنا يوما ببذليمين من سعاد ولا شمال
ومن قوله فيها أيضا:
يا بنت أزهر إنّ ثأري طالببدمي غدا والثأر أجهد طالب
فإذا سمعت براكب متعصّبينعى قتيلك فافزعي للراكب
فلأنت من بين الأنام رميتنيعن قوس متلفة بسهم صائب
لا تأمني شمّ الأنوف وترتهموتركت صاحبهم كأمس الذاهب
من كان أصبح غالبا لهوى التييهوى فإن هواك أصبح غالبي
قلت وأسبلت الدموع لتربهالما اغتررت وأومأت بالحاجب
قولي له: باللّه يطلق رحلهحتى يزوّد أو يروح بصاحب
وقال فيها أيضا:
أرّق العين من الشوق السّهروصبا القلب إلى أمّ عمر
واعترتني فكرة من حبّهاويح هذا القلب من طول الفكر
قدر سيق فمن يملكهأين من يملك أسباب القدر!
كلّ شيء نالني من حبّها- إن نجت نفسي من الموت - هدر
وقال أيضا:
يا للرّجال لقلبك المتطرّفوالعين إن تر برق نجد تذرف
ولحاجة يوم العبير تعرّضتكبرت فردّ رسولها لم يسعف
يا بنت أزهر ما أراك مثيبتيخيرا على ودّي لكم وتلطّفي
إني وإن خبّرت أنّ حياتنافي طرف عينك هكذا لم تطرف
ليظلّ قلبي من مخافة بينكممثل الجناح معلّقا في نفنف
وليظلّ في هجر الأحبّة طالبالرضاك مما جار إن لم تسعف
كأخي الفلاة يغرّه من مائهاقطع السراب جرى بقاع صفصف
أهراق نطفته فلما جاءهاوجد المنيّة عندها لم تخلف
صوت
أمنت بإذن اللّه من كلّ حادثبقربك من خير الورى يا بن حارث
إمام حوى إرث النبي محمدفأكرم به من ابن عمّ ووارث
الشعر والغناء لمحمد بن الحارث بن بسخنّر، خفيف رمل بالبنصر مطلق من جامع أغانيه وعن الهشامي.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع