من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار الحسن بن وهب
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو الحسن بن وهب بن سعيد، كاتب شاعر مترسّل فصيح أديب، وأخوه سليمان بن وهب فحل من الكتّاب ويكنى أبا عليّ، وهو عريق في الكتابة، ولأولاده نجابة مشهورة تستغني عن وصف ذلك، وكانوا يقولون إنهم من بني الحارث بن كعب، وأصلهم نصارى، وفي بني الحارث نصارى كثير.
وفي الحسن بن وهب يقول البحتريّ:
يا أخا الحارث بن كعب بن عمروأشهورا تصوم أم أيّاما؟
وكان البحتريّ مدّاحا لهم، وله في الحسن، وقد اجتاز بمنزله بعد وفاته:
أناة أيّها الفلك المدارأنهب ما تطرّق أم جبار
نزلنا منزل الحسن بن وهبوقد درست مغانيه القفار
يقول فيها يصف صبوحا كانوا قد اصطبحوه:
أقمنا، أكلنا أكل استلابهناك وشربنا شرب يدار
تنازعنا المدامة وهي صرفوأعجلنا الطبائخ وهي نار
ولم يك ذاك سخفا غير أنّيرأيت الشّرب سخفهم الوقار
أخبرني الصوليّ، وذكر ذلك عن جماعة من الكتاب: أن الحسن بن وهب كان أشدّ تمسكا بالنسب إلى بني الحارث بن كعب من أخيه سليمان، وكان سليمان ينكر ذلك، ويعاتب عليه أخاه الحسن وابنه أحمد بن سليمان. وأصلهم من قرية من سواد واسط في جسر سابور يقال لها «سارقيقا».
أخبرني عمي: قال: حدّثني عمر بن نصر الكاتب، وكان من مشايخ الكتّاب بسرّ من رأى، قال: كنا نتهادى ونحن في الديوان أشعار الحسن بن وهب، ونتباهى بحفظها، قال: وأنشدني له، وكتب بها إلى أخيه سليمان بن وهب من مدينة السّلام وهو محبوس في أيام الواثق:
خطب أبا أيوب جلّ محلّهفإذا جزعت من الخطوب فمن لها؟
إن الذي عقد الذي انعقدت بهعقد المكاره فيك يحسن حلّها
فاصبر لعلّ الصبر يفتق ما ترىوعسى بها أن ينجلي ولعلّها
قال: وكتب إليه أيضا وهو في الحبس بسرّ من رأى:
خليليّ من عبد المدان تروّحاونصّا صدور العيس حسرى وطلّحا
فإنّ سليمان بن وهب ببلدةأصاب صميم القلب منّي فأقرحا
أسائل عنه الحارسين لحبسهإذا ما أتوني: كيف أمسى وأصبحا!
فلا يهنىء الأعداء أسر ابن حرّةيراه العدا أندى يمينا وأسمحا
وأنهض للأمر الجليل بعزمةوأقرع للباب الأصمّ وأفتحا
أخبرني محمد بن يحيى الصوليّ: قال: حدّثني محمد بن موسى بن حماد: قال: وجّه الحسن بن وهب إلى أبي تمام وهو بالموصل خلعا فيها خزّ ووشي، فامتدحه بقصيدة أولها:
أبو عليّ وسميّ منتجعهفاحلل بأعلى واديه أو جرعه
ثم وصف الخلعة فقال:
وقد أتاني الرسول بالملبس الفخم لصيف امرىء ومرتبعه
لو أنها جلّلت أويسا لقدأسرعت الكبرياء في ورعه
رائق خزّ أجيد سابرهسكب تدين الصّبا لمدّرعه
وسرّ وشي كأنّ شعري أحيانا نسيب العيون من بدعه
تركتني ساهر الجفون علىأزلم دهر بحسنها جذعه
- يعني الدهر، والدهر يقال له: الأزلم الجذع، والأزلم: الطويل، والجذع: الجديد: يقول: هو قديم سالف، ويومه جديد، قال لقيط الإياديّ:
يا قوم بيضتكم لا تفضحنّ بهاإني أخاف عليها الأزلم الجذعا
-
أخبرني الصوليّ: قال: حدّثنا محمد بن يزيد المبرد: قال: لما حبس محمد بن عبد الملك الزيات سليمان بن وهب، وطالبه بالأموال وقت نكبته قال الحسن بن وهب:
خليليّ من عبد المدان تروّحاونصّا صدور العيس حسري وطلّحا
فإنّ سليمان بن وهب بمنزلأصاب صميم القلب منّي فأقرحا
أسائل عنه الحارسين لحبسهإذا ما أتوني كيف أمسى وأصبحا
فلا يهنىء الأعداء حبس ابن حرّةيراه العدا أندى يمينا وأسمحا
وقولا لهم صبرا قليلا وأصبحوافما أقرب الليل البهيم من الضّحا
قال: وقيل له وسليمان محبوس: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت واللّه قليل النّشاط، كالّ القريحة، صدىء الذهن، ميّت الخاطر من سوء فعل الزّمان، وتوارد الأحزان، وتغيّر الإخوان، قال: وآلى ألّا يذوق طعاما طيّبا، ولا يشرب ماء باردا، ما دام أخوه محبوسا، فوفّى بذلك.
أخبرني الصوليّ: قال: أخبرني أبو الأسود: قال: كان للحسن بن وهب جار هاشميّ، يلقّب بالطير، فحجّ سنة من السنين، ورجع آخر الناس، فقال فيه الحسن:
أينقص أم يزيد من الرقاعهأخو حمق له الدّنيا مشاعه
يحجّ على الجمال ولو تجلّىلمكة جاءها في بعض ساعه
أخبرني الصوليّ: قال: حدّثنا الطالقاني: قال: حدّثنا أحمد بن سليمان بن وهب. قال: رآني عمي الحسن، وأنا أبكي لفراق بعض ألّافي فقال:
ابك فما أنفع ما في البكالأنّه للوجد تسهيل
وهو إذا أنت تأمّلتهحزن على الخدّين محلول
أخبرني الصوليّ: قال: حدّثنا علي بن الصبّاح: قال: بلغ الحسن بن رجاء أنّ الحسن بن وهب عابه بحبّ الغلمان، وكان الحسن بن وهب أشدّ حبّا لهم منه، فقال: مثلي ومثله كما قال حسان بن ثابت:
وإني لأغنى الناس عن فضل صاحبيرى الناس ضلّالا وليس بمهتد
أخبرنا محمد: قال: حدّثنا الحزنبل: قال: كتب رجل إلى الحسن بن وهب يستميحه، فوقّع في رقعته:
الجود طبعي ولكن ليس لي مالفكيف يحتال من بالرّهن يحتال
أخبرني الحسن بن عليّ: قال: حدّثني محمد بن موسى بن حمّاد: قال: كنت أكتب في حداثتي بين يدي الحسن بن وهب - وكان شديد الشّغف ببنات جارية محمد بن حماد كاتب راشد، فكنّا يوما عنده، وهي تغنّي، وبين أيدينا كانون فحم، فتأذّت به، فأمرت أن يباعد، فقال الحسن:
بأبي كرهت النار حتى أبعدتفعلمت ما معناك في إبعادها
هي ضرة لك بالتماع ضيائهاوبحسن صورتها لدى إيقادها
وأرى صنيعك في القلوب صنيعهافي شوكها وسيالها وقتادها
شركتك في كلّ الجهات بحسنهاوضيائها وصلاحها وفسادها
أخبرني الصّوليّ: قال: حدّثني الحسين بن يحيى: قال: كنا عند الحسن بن وهب، فقال: لو ساعدنا الدهر لجاءتنا بنات، فما تكلّم بشيء حتى دخلت، فقال: إنّي وإياك لكما قال علي بن أمية:
وفاجأتني والقلب نحوك شاخصوذكرك ما بين اللسان إلى القلب
فيا فرحة جاءت على إثر ترحةويا غفلتا عنها وقد نزلت قربي
قرأت في بعض الكتب: دخلت يوما بنات على الحسن بن وهب، وهو مخمور، فسلّمت عليه، وقبلت يده، فأراد تقبيل يدها، فمنعته فرعش، فقال:
أقول وقد حاولت تقبيل كفّهاوبي رعدة أهتزّ منها وأسكن
فديتك إني أشجع الناس كلّهملدى الحرب إلا أنّني عنك أجبن
أخبرني الصّوليّ: قال: حدّثني محمد بن موسى، قال: جاءت بنات تسأل الحسن بن وهب من علّة نالته، فحين رآها دعا برطل، فشربه على وجهها، وقال: قد عوفيت، فأقيمي اليوم عندي، فأبت وقالت: عند مولاي دعوة، فأمر بإحضار مائتي دينار، فأحضرت فقال: هذه مائة لمولاك، فابعثي بها إليه ومائة لك؛ فقالت: أمّا هو فأبعث بمائة إليه؛ وأما أنا فو اللّه لا أخذت المائة الأخرى، ولأتصدقنّ بمثلها لعافيتك ولكن أكتب إليه رقعة تقوم بعذري؛ فأخذ الدواة؛ وكتب إلى مولاها:
ضرّة الشمس والقمرمتّعيني من النّظر
متّعيني بجلسةمنك يا أحسن البشر
أشتريها إن بعتنيها بسمعي وبالبصر
أذهب السقم سقم طرفك ذي الغنج والحور
فأديمي السرور لاتمزجي الصفو بالكدر
ليس يبقي عليّحبّك هذا ولا يذر
وأنا منه فأنعميبمقام على خطر
وتغنّي فداك كلّمغنّ لكي أسرّ
ربع سلمى بذي بقرعرضة الريح والمطر
حدّثني أبو إسحاق بن الضحاك عن أحمد بن سليمان - والحكايتان متفقتان متقاربتان - أخبرني الصولي: قال: حدّثني الحسين بن يحيى: قال: حدّثني أحمد بن سليمان بن وهب قال: قال لي أبي: قد عزمت على معاتبة عمّك في حبه لبنات، فقد شهّر بها وافتضح، فكن معي، وأعنّي عليه، وكان هواي مع عمّي، فمضيت معه فقال له أبي، وقد أطال عتابه: يا أخي، جعلت فداك! الهوى ألذّ وأمتع، والرأي أصوب وأنفع، فقال عمي متمثلا:
إذا أمرتك العاذلات بهجرهاأبت كبد عما يقلن صديع
وكيف أطيع العاذلات وحبّهايؤرّقني والعاذلات هجوع
فالتفت إليّ أبي ينظر ما عندي، فتمثّلت:
وإني ليلحاني على فرط حبّهارجال أطاعتهم قلوب صحائح
فنهض أبي مغضبا وضمّني عمّي إليه، وقبّلني، وانصرفت إلى بنات، فحدّثتها بما جرى وعمّي يسمع، فأخذت العود، فغنّت:
يلومك في مودّتها أناسلو أنّهم برأيك لم يلوموا
فيه ثقيل أوّل.
قال أحمد بن سليمان، وعذلته عجوز لنا، يقال لها: منى، فقال لها: قومي، فانظري إليها، واسمعي غناءها، ثم لوميني، فقامت معه، فرأتها، وسمعت غناءها فقالت له: لست أعاود لومك فيها بعد هذا، فأنشأ يقول:
ويوم سها عنه الزمان فأصبحتنواظره قد حار عنها بصيرها
خلوت بمن أهوى به فتكاملتسعود أدار النحس عنّا مديرها
أما تعذريني يا منى في صبابتيبمن وجهها كالشمس يلمع نورها؟
قال أحمد بن سليمان: كان لعمي كاتب يعرف بإبراهيم: نصرانيّ يأنس به، فسأل بنات مسألتها عمّي أن يجعل رزقه ألف درهم في الشّهر، فلمّا شرب أقداحا، وطرب وثبت قائمة وقالت: يا سيدي لي حاجة، فوثب عمّي، فقام لقيامها، فقالت: تجعل رزق إبراهيم ألف درهم في الشهر، فقال: سمعا وطاعة، فجلست فأنشأ يقول:
قامت فقمت ولم أكن لو لم تقملأجلّ خلقا غيرها فأقوما
شفعت لإبراهيم في أرزاقهفوددت أني كنت إبراهيما
فأجبتها إنّي مطيع أمرهاوأراه فرضا واجبا محتوما
ما كان أطيب يومنا وأسرّهلو لم يكن بفراقها مختوما
قال: ثم إن عمي صار إلى أبي، فأخبره الخبر، فأمر أن يجعل لإبراهيم من ماله ألف درهم أخرى لشفاعتها.
أخبرني الصوليّ: قال: حدّثني إسماعيل بن الخصيب: قال: اعتلّ الحسن بن وهب، فلم تعلم بنات بذلك، وتأخّرت عن عيادته، فكتب إليها:
عليل أنت أعللتهفلو أنّك علّته
بوعد أن تزوريهإذا ما ممكن نلته
قريبا لنفيت الدّاء عنه حين واعدته
وما ضرّك لو جاءرسول منك أرسلته
فيحكي لك ما قالكما يحكي الذي قلته
أما واللّه لو أن الذي يحمل حمّلته
لما احتاج إلى التعليم فيما قد تجاهلته
أخبرني الصّولي: قال أحمد بن إسماعيل: قال: حدّثني أحمد بن عبيد اللّه بن جميل: قال: أهدى الحسن بن وهب إلى بنات في علة اعتلتها هدايا حسنة وأهدى معها قفص شفانين، وكتب إليها:
شفاء أنين بالشفانين أملّتلكم نفس من أهدى الشفانين عامدا
كلوها يكلّ الداء عنكم فإننيأزوركم للشوق لا زرت عائدا
أخبرني عمي: قال: حدّثني ميمون بن هارون: قال: كتب الحسن بن وهب إلى بنات يوم جمعة يستدعيها، فكتبت إليه أن عند مولاها أصدقاء له، وقد منعها من المسير إليه، فكتب إليها ثانيا يقول:
يومنا يوم جمعة بأبي أنت وعند الوضيع لا كان قوم
سفل مثله يسومونه الخسف ويرضاه وهو للوعد سوم
فامنعيهم منك البشاشة حتىيتغشّاهم من البرد نوم
وليكن منك طول يومك للّهصلاة إلى المساء وصوم
وارفعي عنهم الغناء وإن نالك عذل من الوضيع ولوم
واذكري مغرما بحبّك أمسىهمه أن يديله منك يوم
أخبرني عمّي قال حدّثني ميمون بن هارون، قال: كان الحسن بن وهب يشرب عند محمد بن عبد اللّه بن طاهر، فعرضت سحابة، فبرقت ورعدت، وقطرت، فقال الحسن:
هطلتنا السماء هطلا دراكاعارض المرزمان فيها السّماكا
قلت للبرق إذا تألّف فيهايا زناد السماء من أوراكا؟
أحبيبا نأيته فبكاكافهو العارض الّذي استبكاكا
أم تشبهت بالأمير أبي العبّاس في جوده فلست كذاكا؟
أخبرني عمي، قال: حدّثنا أبو العيناء، قال: طلب محمد بن عبد الملك الزيات الحسن بن وهب، وكان قد اصطبح مع بنات فكتب إليه: يا سيدي، أنا في مجلس بهيّ، وطعام هنيّ، وشراب شهيّ، وغناء رضيّ، أفأتحوّل عنه إلى كدّ الشقيّ، ووثبت بنات لتقوم، فردّها وكتب:
ما بان عنك الذي بنت عنه لا عاش بعدك
إن لم يكن عنده الصبر والسّلوّ فعندك
وما وجدته إلاعبد الرجاء وعبدك
فاستلبها الرسول، ومضى بها إلى محمد، فوقّع فيها:
أبا عليّ أراك الإله في الأمر رشدك
إن لم تكن عندي اليوم كنت بالشوق عندك
فاهدم محلّك عنديواجهد لذلك جهدك
فلست أزداد إلارعاية لك ودّك
وانعم بمن قلت فيهاعبد الرجاء وعبدك
أزيل نحسك فيهاوأطلع اللّه سعدك
وردّ الرقعة إلى الحسن، فلما قرأها خجل، وحلف ألا يشرب النبيذ شهرا، ولا يفارق مجلس الوزير.
أخبرني عمي عن إبراهيم بن المدبّر، قال: ولدت بنات من مولاها ولدا وسمته بإبراهيم، فأبغضها الحسن بن وهب، وكتب إليها:
نتج المهرة الهجان هجيناثم سمّى الهجين إبراهيما
بخليل الرحمن سمّيت عبداأم قريع الفتيان ذاك الكريما
وبعث بالبيتين إليها، وكان آخر عهده بها.
أخبرني الصولي قال: حدّثنا محمد بن موسى قال: كان الحسن بن وهب يعشق غلاما روميّا لأبي تمام، وكان أبو تمام يعشق غلاما خزريّا للحسن، فرأى أبو تمام يوما الحسن يعبث بغلامه، فقال له: واللّه لئن أعتقت إلى الروم لنركضنّ إلى الخزر، فقال له الحسن: لو شئت لحكمتنا واحتكمت، فقال له أبو تمام: ما أشبّهك إلا بداود، ولا أشبّه نفسي إلا بخصيمه، فقال له: لو كان هذا منظوما حفظه، فأما المنثور فهو عارض لا حقيقة له، فقال أبو تمّام:
أبا عليّ لصرف الدهر والغيروللحوادث والأيام والعبر
أعندك الشمس لم يحظ المغيب بهاوأنت مضطرب الأحشاء للقمر
أذكرتني أمر داود وكنت فتىمصرّف القلب في الأهواء والذّكر
إن أنت لم تترك السير الحثيث إلىجآذر الرّوم أعنقنا إلى الخزر
إن الغزال له منّي محلّ هوىيحلّ مني محلّ السمع والبصر
وربّ أمنع منه جانبا وحمىأمسى ولكنّه مني على خطر
جرّدت منه جنود العزم فانكشفتمنه غيابتها عن تكّة هدر
سبحان من سبّحته كلّ جارحةما فيك من طمحان الأير والنظر
أنت المقيم فما تعدو رواحلهوأيره أبا منه على سفر
قال الصوليّ: فحدّثني أحمد بن إسحاق، قال: حدّثني محمد بن إسحاق، قال: قلت لأبي تمام: غلامك أطوع للحسن بن وهب من غلام الحسن لك، قال: أجل واللّه؛ لأنّ غلامي يجد عنده ما لا يجده غلامه عندي، وأنا أعطي غلامه قيلا وقالا، وهو يعطي غلامي ثيابا ومالا.
أخبرني الصّوليّ: قال: حدّثني أبو الحسن الأنصاريّ، قال: حدّثني أبي. وحدّثني الفضل الكاتب المعروف بفنجاخ: أنّ الحسن بن وهب كان يكتب لمحمد بن عبد الملك الزيات، وهو وزير الواثق، وكان ابن الزيات قد وقف على ما بين الحسن بن وهب وبين أبي تمام في غلاميهما، فتقدّم إلى بعض ولده - وكانوا يجلسون عند الحسن بن وهب - بأن يعلموه بخبرهما، وما يكون بينهما. قال: وعزم غلام أبي تمام على الحجامة، فكتب إلى الحسن يعلمه بذلك، ويسأله التوجيه إليه بنبيذ مطبوخ، فوجّه إليه بمائة دنّ ومائة دينار، وبخلعة حسنة وبخور كثير، وكتب إليه:
ليت شعري يا أملح الناس عنديهل تداويت بالحجامة بعدي
دفع اللّه عنك لي كلّ سوءباكر رائح وإن خنت عهدي
قد كتمت الهوى بمبلغ جهديفبدا منه غير ما كنت أبدي
وخلعت العذار فليعلم الناس بأني إياك أصفي بودّي
وليقولوا بما أحبّوا إذا كنت وصولا ولم ترعني بصدّ
من عذيري من مقلتيك ومن إشراق وجه من دون حمرة خدّ
قال: ووضع الرّقعة تحت مصلّاه، وبلغ محمد بن عبد الملك خبر الرّقعة، فوجّه إلى الحسن، فشغله بشيء من أمره، وأمر من أخذ الرقعة من تحت مصلّاه، وجاءه بها، فقرأها، وكتب في ظهرها:
ليت شعري عن ليت شعرك هذاأبهزل تقوله أم بجدّ
فلئن كنت في المقال محقّايا بن وهب لقد تغيّرت بعدي
وتشبّهت بي وكنت أرى أنيأنا العاشق المتيّم وحدي
أترك القصد في الأمور ولو لاغمرات الهوى لأبصرت رشدي
وأحب الأخ المشارك في الحبوإن لم يكن به مثل وجدّي
كنديمي أبي عليّ وحاشالنديمي مثل شقوة وجدّي
صوت
إنّ مولاي عبد غيري ولو لاشؤم جدي لكان مولاي عبدي
سيّدي سيدي ومولاي من أورثني ذلّة وأضرع خدّي
في هذين البيتين الأخيرين لحن من الرمل، أظنه لجحظة أو غيره من طبقته.
قال: ثم وضع الرقعة في مكانها، فلما قرأها الحسن قال: إنا للّه! افتضحنا عند الوزير، وحدّث أبا تمام بما كان، ووجّه إليه بالرقعة، فلقيا محمد بن عبد الملك، وقالا له: إنما جعلنا هذين سببا للمكاتبة بالأشعار لا للريبة، فتضاحك وقال: ومن يظنّ بكما غير هذا! فكان قوله أشدّ عليهما من الخبرة.
قرأت في بعض الكتب: كان الحسن بن وهب يعاشر أبا تمام عشرة متّصلة، فندب الحسن بن وهب للنظر في أمر بعض النواحي، فتشاغل عن عشرة أبي تمام، فكتب إليه أبو تمام:
قالوا جفاك فلا عهد ولا حبرما ذا تراه دهاه؟ قلت: أيلول
شهر كأنّ حبال الهجر منه فلاعقد من الوصل إلّا وهو محلول
فأجابه الحسن:
ما عاقني عنك أيلول بلذّتهوطيبه ولنعم الشهر أيلول
لكن توقّع وشك البين عن بلدتحتلّه ووكاء العين محلول
وقرأت فيه: كان بين الحسن بن وهب وبين الهيثم الغنويّ وأحمد بن أبي داود تباعد، فقال يهجوهما:
سألت أبي وكان أبي خبيرابسكّان الجزيرة والسوّاد
فقلت لهم: أهيثم من غنيّ؟فقال كأحمد بن أبي دواد
فإن يك هيثم من جذم قيسفأحمد غير شكّ من إياد
أخبرني عمي: قال: حدّثني عمر بن نصر الكاتب، قال: كتب الحسن بن وهب إلى محمد بن معروف الواسطي يسأله أن يصير إليه فكتب إليه محمد:
وقيتك كلّ مكروه بنفسيوبالأدنين من أهلي وجنسي
أتأذن في التأخّر عنك يوميعلى أن ليس غيرك لي بأنس
فأجابه الحسن بن وهب، فقال:
أقم لا زلت تصبح في سروروفي نعم مواصلة وتمسي
فما لي راحة في حبس من لاأراه يكون محبوسا بحبسي
وكان الحسن يومئذ معتقلا في مطالبة يطالب بها.
وجدت في بعض الكتب بغير إسناد.
كان الحسن بن وهب يعشق بنات، جارية محمد بن حماد الكاتب، وكان له معها أخبار كثيرة، وكان لا يصبر عنها، فقدم الحسن بن إبراهيم بن رباح من البصرة، واتصل به خبرها، ووصفها له الحسن بن وهب، وصار به إليها، فأتمّ ليلته معها، ومرّت بينهما أعاجيب، ثم خالفه الحسن بن إبراهيم بن رباح، وخاتله في أمرها، فكتب إليه الحسن بن وهب:
لا جميل ولا حسنخنت عهدي ولم أخن
كملت إذ فعلتهذا أعاجيب الزّمن
فإلى اللّه أشتكيما بقلبي من الحزن
ربّ شكوى من الصديق إلى غير ذي شجن
بأبي أنت يا حسنيا أخا الطول والمنن
أيّ رأي أراك ختلى في الشاهين الأغن
يتخطّى إليه دوني في حالك الدّجن
فترى منه سنّةتتعالى عن السّنن
مع كشفي لك الحديث الذي عنك لم يصن
واعتمادي زعمت منك على أحصن الجنن
وعلى خير صاحبوعلى خير ما سكن
خجلي من إساءةفضحت حسن كلّ ظنّ
ثم ممّن جرّت إلىمن وفيمن وعند من؟
إن تكن تلك هفوةفهي كالشيء لم يكن
أو تكن بعت خلّتيبمواف من الثمن
درّة البحر من عدنذخر سيف بن ذي يزن
لم يكن قطّ مثلهافي معدّ ولا عدن
فتغافل عن جوابه، وأقام على مواصلتها وسماعها وحظر عليها، فلم يكن الحسن بن وهب يلقاها، فغلظ ذلك عليه، وكتب إليها بهذه الأبيات:
أنكرت معرفتي جعلت لك الفداإنكار سيّدة تلاعب سيّدا
أنا ذو منعت جفونه أن ترقداوتركته ليل التمام مسهّدا
وبريت لحم عظامه فتجرّداوأزرت مضجعه النساء العوّدا
أنا ذا فإن لم تعرفيني بعد ذافأنا ابن وهب ذو السماحة والدّي
أشكو إلى اللّه الفؤاد المقصداوجوى ثوى تحت الحشا متلدّدا
وغريرة ما كنت من إشفاقهايوما وإن بعد التلاقي مسعدا
يا ظبية في روضة موليّةجاد الربيع ترابها فتلبّدا
هل تجزينّ الودّ منّي مثلهأو تصدقين من المواعد موعدا؟
إني وإن جعل القريض يجول بيحتّى يغور بما أقول وينجدا
لعلى يقين أنّ قلبك موجععندي المثال أنا الحمى ولك الفدا
وكما علمت إذا لبست المجسداوثنيت خلف الأذن حاشية الرّدا
وحبوت جيدك من حليّك عسجداونظمت ياقوتا به وزبرجدا
وشكوت وجدك في الغناء شكايةينسي حنينا والغريض ومعبدا
سيما إذا غنّيتني بتعمّدبأبي وأمّي ذاك منك تعمّدا
أثوي فأقصر ليلة ليزوّداومضى وأخلف من قتيلة موعدا
فوقعت الأبيات في يد ابن رباح فقرأها، وعلم أنّه قد بلغ منه. فكتب إليه:
فدى لك آبائي وحقّ بأن تفدّىفدى لك قصدا من ملامك لي قصدا
ولا تلحني في عثرة إن عثرتهافلا والذي أمسيت أدعى له عبدا
وعهدك يا نفسي يقيك من الرّدىفأعظم به عندي وأكرم به عهدا
يمين امرىء برّ صدوق مبرّإمن الإثم ما حاولت هزلا ولا جدّا
سوى ما به أزداد عندك زلفةويكسبني منك المودّة والحمدا
أرى الغيّ إن أومأت للغيّ طاعةلأمرك فضلا عن سوى الغيّ لي رشدا
وأسعى لما تسعى وأتبع ما ترىوفي كلّ ما يرضيك أستغرق الجهدا
إذا أنا لم أمنحك صفو مودّتيفمن ذا الذي أصفي له غيرك الودّا؟
ومن ذا الذي أرعى وأشكر والذييؤمّل خيرا بعد منّي أو رفدا
وأنت ثمالي والمعوّل والذيأشدّ به أزري فيعصمني شدّا
وآثر خلق اللّه عندي ومن لهأياد وودّ لست أحصيهما عدّا
فلا تحسبنّ مائلا عن خليقتيلك الدهر حتى أسكن القبر واللّحدا
معاذ إلهي أن أرى لك خاذلاولكنّ عذري واضح أنّ بي وجدا
بأحسن من أبصرت شخصا وصورةوأملح خلق اللّه كلّهم قدّا
بمالكة أمري وإن كنت مالكالها ففؤادي ليس من حبّها يهدا
إذا سألتهن أن أقيم عشيّةلأونسها لا أستطيع لها ردّا
تراشفني صفو المودّة تارةوأجني إذا ما شئت من خدّها وردا
قنعت بها لمّا وثقت بحبّهافلا زينبا أبغي سواها ولا هندا
ولو بذلت لي جنّة الخلد منزلاوقلت: اجتبها لا حتنبت لها الخلدا
فلما قرأها الحسن بن وهب علم أنه قد ندم فكتب إليه:
حسن يشكو إلى حسنفقد طعم النوم والوسن
وهوى أمست مطالبهقرنت باليأس في قرن
وحبيب في محلّتهمعه في الدار لم يبن
فإذا ما رام زورتهفهو كالغادين في الظّعن
عجبا للشمس لم ترهامقلتي حولا ولم ترني
أتراها بعدنا صرمتحبّنا هذا من اليمن
فقديما كان مطلعهابيدي سيف بن ذي يزن
فكتب إليه ابن رباح:
حسن يفدي بمهجتهحسنا من حادث الزّمن
ويقيه ما تضمّنهمن دخيل الهمّ والحزن
هاك عيني فابك واقيةعينك العبري على الشّجن
وفؤادي فامله حزنامن صروف الهمّ والفتن
إن تكن شمس الضّحا حجبتعن سليل المجد من يمن
فهي حيرى عن مطالعهافي سوى قوم ابن ذي يزن
ثم اعتذر إليه، ورجع إلى معاشرته، وكان لا يحضر دار محمد بن حماد، ولا يسمع غناء بنات جاريته إلا مع الحسن بن وهب لا يستأثر بها عليه.
وقال محمد بن داود الجراح: حدّثني بعض أصحابنا: أنّ الحسن بن وهب، أتى أبا إسحاق إبراهيم بن العباس مستعديا على أبي محمد الحسن بن مخلد في أمر بنات جارية محمد بن حماد، وكان الحسن بن وهب يتعشقها، فأفسدها عليه الحسن بن مخلد، ولم يذكر محمد بن داود من خبرهما غير هذا، وإنما ذكرت هذه القصة على قلة الفائدة فيها ليتّضح خبره مع بنات إذ كان ما مضى ذكره من خبرها لم يقع إليّ بروايته.
أخبرني محمد بن يحيى الصوليّ، قال: حدّثني عبد الرحمن بن أحمد، قال: وجدت بخط محمد بن يزيد: كتب أبو تمام إلى الحسن بن وهب يستسقيه نبيذا:
جعلت فداك عبد اللّه عنديبعقب الهجر منه والبعاد
له لمة من الكتّاب بيضقضوا حقّ الزيارة والوداد
وأحسب يومهم إن لم تجدهممصادف دعوة منهم جماد
فكم يوم من الصهباء ساروآخر منك بالمعروف غاد
فهذا يستهلّ على غليليوهذا يستهلّ على تلادي
فيسقي ذا مذانب كلّ عرقوينزع ذا قرارة كلّ واد
دعوتهم عليك وكنت ممّننعيّنه على العقد الجياد
قال: فوجّه إليه بمائة دينار ومائة دنّ نبيذا.
قال محمد بن داود بن الجراح: زار الحسن بن وهب وأبو تمام أبا نهشل بن حميد، فبدأ أبو تمام، فقال:
أغصّك اللّه أبا نهشل
ثم قال للحسن أجز: فقال:
بخدّ ريم شادن أكحل
ثم قال: أجزيا أبا نهشل، فقال:
نطمع في الوصل فإن رمتهصار مع العيّوق في منزل
أخبرني جعفر بن محمد بن قدامة بن زياد الكاتب: قال: كتب الحسن بن وهب إلى أبي تمام، وقد قدم من سفر: جعلت فداءك ووقاءك وأسعدني اللّه بما أوفى عليّ من مقدمك، وبلغ الوطر كلّ الوطر بانضمام اليد عليك، وإحاطة الملك بك، وأهلا وسهلا، فقرّب اللّه دارا قرّبتك، وأحيا ركابا أدّتك، وسقى بلادا يلتقي ليلها ونهارها عليك، وجعلك اللّه في أحصن معاقله، وأيقظ محارسه وأبعدهما على الحوادث مراما برحمته.
أخبرني الحسن بن علي: قال: حدّثنا محمد بن موسى: قال: قال رجل للحسن بن وهب: إن أبا تمام سرق من رجل يقال له مكنف من ولد زهير بن أبي سلمى، وهو رجل من أهل الجزيرة قصيدته التي يقول فيها:
كأنّ بني القعقاع يوم وفاتهنجوم سماء خرّ من بينها البدر
توفّيت الآمال بعد محمدوأصبح في شغل عن السّفر السّفر
فقال الحسن: هذا دعبل حكاه، وأشاعه في الناس، وقد كذب، وشعر مكنف عندي، ثم أخرجه، وأخرج هذه القصيدة بعينها، فقرأها الرجل فلم يجد فيها شيئا مما قاله أبو تمام في قصيدته: ثم دخل دعبل على الحسن بن وهب، فقال له: يا أبا عليّ، بلغني أنك قلت في أبي تمام كيت وكيت، فهبه سرق هذه القصيدة كلّها، وقبلنا قولك فيه، أسرق شعره كلّه؟ أتحسن أنت أن تقول كما قال:
شهدت لقد أقوت مغانيكم بعديومحّت كما محّت وشائع من برد
وأنجدتم من بعد إتهام داركمفيا دمع أنجدني على ساكني نجد؟
فانخزل دعبل واستحيا، فقال له الحسن: الندم توبة، وهذا الرجل قد توفّي، ولعلك كنت تعاديه في الدنيا حسدا على حظّه منها، وقد مات الآن، فحسبك من ذكره، فقال له: أصدقك يا أبا عليّ، ما كان بيني وبينه شيء قط إلا أني سألته أن ينزل لي عن شيء استحسنته من شعره، فبخل عليّ به، وأما الآن فأمسك عن ذكره، فجعل الحسن يضحك من قوله واعترافه بما اعترف به.
أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء: قال: حدّثنا إسحاق بن محمد النّخعي: قال: كتب إبراهيم بن محمد بن أبي محمد اليزيدي إلى محمد بن حماد الكاتب يهجوه، ويعيره بعشق الحسن بن إبراهيم بن رباح والحسن بن وهب جاريته وتغايرهما عليها:
لي خليطان محكمان يجيدان لما يعملانه حاذقان
واحد يعمل القسيّ فيأتيك بها في استقامة الميزان
وفتى يعمل السكاكين في القرن مقرّ بحذقه الثّقلان
وهما يطلبان قرنا على رأسك فانظر في بعض ما يسألان
قلت: هل يؤلم الفتى قطع مافيه تريدان أيها الفتيان؟
فأجابا بلطف قول وفهمقم فإنّا إذا لنوكي مدان
فاقطع الآن ما برأسك منهاإن فيما ترى لمحض بيان
ذاك خير من أن يسمّى اسم سوءفيقال انظروا إلى القرنان
صوت
قد كان عتبك مرّة مكتومافاليوم أصبح ظاهرا معلوما
نال الأعادي سؤلهم لا هنّئوالمّا رأونا ظاعنا ومقيما
واللّه لو أبصرتني لأديت ليوالدمع يجري كالجمان سجوما
هبني أسأت فعادة لك أن ترىمتجاوزا متطاولا مظلوما
الشعر لأحمد بن يوسف الكاتب، والغناء لعبيد بن الحسن الناطفي اللّطفي، ثاني ثقيل بالوسط، وفيه خفيف رمل يقال: إنه لرذاذ، وفيه ثقيل أول مجهول.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع