من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار محمد بن عبد الملك الزيات ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو محمد بن عبد الملك الزيات بن أبان بن أبي حمزة الزيات، وأصله من جبّل ويكنى أبا جعفر. وكان أبوه تاجرا من تجار الكرخ المياسير، فكان يحثّه على التجارة وملازمتها، فيأبى إلا الكتابة وطلبها، وقصد المعالي، حتى بلغ منها أن وزر ثلاث دفعات، وهو أوّل من تولى ذلك وتمّ له.
أخبرني الأخفش عليّ بن سليمان قال: حدّثني عمر بن محمد بن عبد الملك قال: كان جدّي موسرا من تجار الكرخ، وكان يريد من أبي أن يتعلّق بالتجارة، ويتشاغل بها، فيمتنع من ذلك ويلزم الأدب وطلبه، ويخالط الكتاب، ويلازم الدّواوين، فقال له ذات يوم: واللّه ما أرى ما أنت ملازمه ينفعك؛ وليضرّنّك؛ لأنك تدع عاجل المنفعة، وما أنت فيه مكفيّ، ولك ولأبيك فيه مال وجاه، وتطلب الآجل الذي لا تدري كيف تكون فيه. فقال: واللّه لتعلمنّ أيّنا ينتفع بما هو فيه؛ أأنا أم أنت؟ ثم شخص إلى الحسن بن سهل بفم الصّلح، فامتدحه بقصيدته التي أولها:
كأنها حين تناءى خطوهاأخنس موشيّ الشّوى يرعى القلل
فأعطاه عشرة آلاف درهم، فعاد بها إلى أبيه، فقال له أبوه: لا ألومك بعدها. على ما أنت فيه.
أخبرني جحظة والصّوليّ، قالا: حدّثنا ميمون بن هارون: قال: لما مدح محمد بن عبد الملك الحسن بن سهل، ووصله بعشرة آلاف درهم مثل بين يديه وقال له:
لم أمتدحك رجاء المال أطلبهلكن لتلبسني التّحجيل والغررا
وليس ذلك إلا أنّني رجللا أطلب الورد حتى أعرف الصّدرا
وكان محمد بن عبد الملك شاعرا مجيدا، لا يقاس به أحد من الكتاب، وإن كان إبراهيم بن العباس مثله في ذلك، فإن إبراهيم مقلّ وصاحب قصار ومقطّعات، وكان محمد شاعرا يطيل فيجيد، ويأتي بالقصار فيجيد، وكان بليغا حسن اللفظ إذا تكلّم وإذا كتب.
فحدّثني عمي رحمه اللّه قال: حدّثني هارون بن محمد بن عبد الملك قال: جلس أبي يوما للمظالم، فلما انقضى المجلس رأى رجلا جالسا، فقال له: ألك حاجة؟ قال: نعم تدنيني إليك؛ فإني مظلوم. فأدناه، فقال: إني مظلوم، وقد أعوزني الإنصاف، قال: ومن ظلمك؟ قال: أنت، ولست أصل إليك؛ فأذكر حاجتي؟ قال: ومن يحجبك عني وقد ترى مجلسي مبذولا؟ قال: يحجبني عنك هيبتي لك وطول لسانك؛ وفصاحتك، واطراد حجتك، قال: ففيم ظلمتك؟ قال: ضيعتي الفلانية أخذها وكيلك غصبا بغير ثمن، فإذا وجب عليها خراج أدّيته باسمي لئلا يثبت لك اسم بملكها، فيبطل ملكي، فوكيلك يأخذ غلّتها، وأنا أؤدي خراجها، وهذا مما لم يسمع في الظلم مثله، فقال محمد: هذا قول تحتاج عليه إلى بيّنة وشهود وأشياء، فقال له الرجل: أيؤمنني الوزير من غضبه، حتى أجيب؟ قال: قد أمّنتك، قال: البينة هم الشهود، وإذا شهدوا فليس يحتاج معهم إلى شيء، فما معنى قولك: بيّنة وشهود وأشياء، أيش هذه الأشياء إلّا العيّ والحصر والتغطرس؟ فضحك، وقال: صدقت، والبلاء موكّل بالمنطق، وإني لأرى فيك مصطنعا، ثم وقّع له بردّ ضيعته وبأن يطلق له كرّ حنطة وكر شعير ومائة دينار يستعين بها على عمارة ضيعته، وصيّره من أصحابه، واصطنعه.
أخبرني الصّوليّ: قال: حدّثني أحمد بن محمد الطالقانيّ قال: حدّثني عبيد اللّه بن محمد بن عبد الملك قال: لمّا وثب إبراهيم بن المهديّ على الخلافة، اقترض من مياسير التّجّار مالا، فأخذ من جدّي عبد الملك عشرة آلاف درهم، وقال له: أنا أردّها إذا جاءني مال، ولم يتم أمره فاستخفى، ثم ظهر ورضي عنه المأمون، فطالبه الناس بأموالهم، فقال: إنما أخذتها للمسلمين، وأردت قضاءها من فيئهم، والأمر الآن إلى غيري، فعمل أبي محمد بن عبد الملك قصيدة يخاطب فيها المأمون، ومضى بها إلى إبراهيم بن المهديّ، فأقرأه إياها وقال: واللّه لئن لم تعطني المال الذي اقترضته من أبي لأوصلنّ هذه القصيدة إلى المأمون، فخاف أن يقرأها المأمون، فيتدبّر ما قاله، فيوقع به، فقال له: خذ مني بعض المال، ونجّم عليّ بضعه، ففعل أبي ذلك بعد أن حلّفه إبراهيم بأوكد الأيمان ألّا يظهر القصيدة في حياة المأمون، فوفّى له أبي بذلك، ووفّى إبراهيم بأداء المال كله.
والقصيدة قوله:
ألم تر أن الشيء للشيء علّةتكون له كالنار تقدح بالزّند
كذلك جرّبت الأمور وإنمايدلّك ما قد كان قبل على البعد
وظنّي بإبراهيم أنّ مكانهسيبعث يوما مثل أيامه النّكد
رأيت حسينا حين صار محمدبغير أمان في يديه ولا عقد
فلو كان أمضى السيف فيه بضربةفصيّره بالقاع منعفر الخدّ
إذا لم تكن للجند فيه بقيةفقد كان ما خبّرت من خبر الجند
هم قتلوه بعد أن قتلوا لهثلاثين ألفا من كهول ومن مرد
وما نصروه عن يد سلفت لهولا قتلوه يوم ذلك عن حقد
ولكنه الغدر الصّراح وخفة الحلوم وبعد الرأي عن سنن القصد
فذلك يوم كان للناس عبرةسيبقى بقاء الوحي في الحجر الصّلد
وما يوم إبراهيم إن طال عمرهبأبعد في المكروه من يومه عندي
تذكّر أمير المؤمنين مقامهوأيمانه في الهزل منه وفي الجدّ
أما والذي أمسيت عبدا خليفةله شرّ أيمان الخليفة والعبد
إذا هزّ أعواد المنابر باستهتغنّى بليلى أو بميّة أو هند
فو اللّه ما من توبة نزعت بهإليك ولا ميل إليك ولا ودّ
ولكنّ إخلاص الضمير مقرّبإلى اللّه زلفى لا تخيب ولا تكدي
أتاك بها طوعا إليك بأنفهعلى رغمه واستأثر اللّه بالحمد
فلا تتركن للناس موضع شبهةفإنك مجزيّ بحسب الذي تسدي
فقد غلطوا للناس في نصب مثلهومن ليس للمنصور بابن ولا المهدي
فكيف بمن قد بايع الناس والتقتببيعته الركبان غورا إلى نجد
ومن سكّ تسليم الخلافة سمعهينادى به بين السّماطين من بعد
وأي امرىء سمّى بها قطّ نفسهففارقها حتى يغيّب في اللّحد
وتزعم هذي النابتيّة أنّهإمام لها فيما تسرّ وما تبدي
يقولون سنّيّ وأيّة سنّةتقوم بجون اللون صعل القفا جعد
وقد جعلوا رخص الطعام بعهدهزعيما له باليمن والكوكب السّعد
إذا ما رأوا يوما غلاء رأيتهميحنّون تحنانا إلى ذلك العهد
وإقباله في العيد يوجف حولهوجيف الجياد واصطفاق القنا الجرد
ورجّالة يمشون بالبيض قبلهوقد تبعوه بالقضيب وبالبرد
فإن قلت قد رام الخلافة غيرهفلم يؤت فيما كان حاول من جدّ
فلم أجزه إذ خيّب اللّه سعيهعلى خطإ إذ كان منه ولا عمد
ولم أرض بعد العفو حتّى رفعتهوللعمّ أولى بالتّعهّد والرّفد
فليس سواء خارجيّ رمى بهإليك سفاه الرأي والرأي قد يردى
تعاوت له من كل أوب عصابةمتى يوردوا لا يصدروه عن الورد
ومن هو في بيت الخلافة تلتقيبه وبك الآباء في ذروة المجد
فمولاك مولاه وجندك جندهوهل يجمع القين الحسامين في غمد؟
وقد رابني من أهل بيتك أنّنيرأيت لهم وجدا به أيّما وجد
يقولون لا تبعد من ابن ملمّةصبور عليها النفس ذي مرّة جلد
فدانا وهانت نفسه دون ملكناعليه لذي الحال التي قلّ من يفدي
على حين أعطى الناس صفق أكفّهمعليّ بن موسى بالولاية والعهد
فما كان فينا من أبى الضّيم غيرهكريم كفى ما في القبول وفي الرّدّ
وجرّد إبراهيم للموت نفسهوأبدى سلاحا فوق ذي ميعة نهد
وأبلى ومن يبلغ من الأمر جهدهفليس بمذموم وإن كان لم يجد
فهذي أمور قد يخاف ذوو النهىمغبّتها واللّه يهديك للرشد
أخبرني الصوليّ، قال: حدّثني عبد اللّه بن الحسين القطربّليّ، عن جعفر بن محمد بن خلف قال: قال لي المعلّى بن أيوب: كيف كان محلّ يحيى بن خاقان عند محمد بن عبد الملك ومقداره؟ فقلت له: سمعت محمدا يذكره، فقال: هو مهزول الألفاظ، عليل المعاني سخيف العقل، ضعيف العقدة، واهي العزم مأفون الرأي.
قال عبد اللّه: ولما تولى محمد بن عبد الملك الوزارة، اشترط ألّا يلبس القباء، وأن يلبس الدّرّاعة ويتقلّد عليها سيفا بحمائل، فأجيب إلى ذلك.
أخبرني الصوليّ، قال: حدّثني أبو ذكوان، قال: حدّثني طمّاس، قال ميمون بن هارون: كان محمد بن عبد الملك، يقول: الرّحمة خور في الطبيعة، وضعف في المنّة، ما رحمت شيئا قط. فكانوا يطعنون عليه في دينه بهذا القول، فلما وضع في الثّقل والحديد قال: ارحموني، فقالوا له: وهل رحمت شيئا قطّ فترحم! هذه شهادتك على نفسك وحكمك عليها.
أخبرني الصوليّ: قال: حدّثني أبو ذكوان، قال: حدّثني طماس، قال: جاء أبو دنقش الحاجب إلى محمد بن عبد الملك برسالة من المعتصم ليحضر، فدخل ليلبس ثيابه، ورأى ابن دنقش الحاجب غلمانا لهم روقة فقال: وهو يظنّ أنه لا يسمع:
وعلى اللواط فلا تلومن كاتباإن اللّواط سجيّة الكتّاب
فقال محمد له:
وكما اللواط سجية الكتّابفكذا الحلاق سجيّة الحجّاب
فاستحيا ابن دنقش، واعتذر إليه، فقال له: إنما يقع العذر لو لم يقع الاقتصاص فأما وقد كافأتك فلا.
أخبرني الصوليّ، قال: حدّثني محمد بن موسى، قال: أنشدني الحسن بن وهب لمحمد بن عبد الملك أبياتا، يرثي بها سكرانة أمّ ابنه عمر، وجعل الحسن يتعجب من جودتها، ويقول:
يقول لي الخلّان لو زرت قبرهافقلت: وهل غير الفؤاد لها قبر
على حين لم أحدث فأجهل قدرهاولم أبلغ السنّ التي معها الصبر
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال: حدّثني عبد الرحمن بن سعيد الأزرقيّ، قال: استبطأ عبد اللّه بن طاهر محمد بن عبد الملك في بعض أموره، واتّهمه بعدوله عن شيء أراده إلى سواه، فكتب إليه محمد بن عبد الملك يعتذر من ذلك، وكتب في آخر كتابه يقول:
أتزعم أنني أهوى خليلاسواك على التّداني والبعاد
جحدت إذا موالاتي عليّاوقلت بأنني مولى زياد
قرأت في بعض الكتب: كان عبد اللّه بن الحسن الأصبهانيّ يخلف عمرو بن مسعدة على ديوان الرسائل، فكتب إلى خالد بن يزيد بن مزيد: إن المعتصم أمير المؤمنين ينفخ منك في غير فحم، ويخاطب امرأ غير ذي فهم، فقال محمد بن عبد الملك: هذا كلام ساقط سخيف؛ جعل أمير المؤمنين ينفخ بالزّق كأنه حدّاد، وأبطل الكتاب ثم كتب محمد بن عبد الملك إلى عبد اللّه بن طاهر: وأنت تجري أمرك على الأربح فالأربح، والأرجح فالأرجح، لا تسعى بنقصان، ولا تميل برجحان، فقال عبد اللّه الأصبهانيّ: الحمد للّه، قد أظهر من سخافة اللفظ ما دل على رجوعه إلى صناعته من التجارة بذكره ربح السّلع، ورجحان الميزان، ونقصان الكيل، والخسران من رأس المال.
فضحك المعتصم، وقال: ما أسرع ما انتصف الأصبهانيّ من محمد، وحقدها عليه ابن الزيات، حتى نكبه.
أخبرني الأخفش عن المبرّد قال: نظر رجل كان يعادى يونس النحوي إليه وهو يهادى بين اثنين من الكبر، فقال له: يا أبا عبد الرحمن، أبلغت ما أرى؟ فعلم يونس أنه قال له ذلك شامتا، فقال: هذا الذي كنت أرجو فلا بلغته، فأخذه محمد بن عبد الملك الزيّات: فجعله في شعر فقال:
وعائب عابني بشيبلم يعد لمّا ألمّ وقته
فقلت إذ عابني بشيبي:يا عائب الشيب لا بلغته
وذكر أبو مروان الخزاعيّ أن أبا دهمان المغنّي سرق من محمد بن عبد الملك منديلا دبقيّا فجعله تحت عمامته، وبلغ محمدا، فقال فيه:
ونديم سارق خاتلنيوهو عندي غير مذموم الخلق
ضاعف الكور على هامتهوطوى منديلنا طيّ الخرق
يا أبا دهمان لو جاملتنالكفيناك مئونات السّرق
أخبرنا أبو مسلم محمد بن بحر الأصبهاني، قال: كنت عند أبي الحسين بن أبي البغل لما انصرف عن بغداد بعد إشخاصه إليها للوزارة وبطلان ما نذره من ذلك ورجوعه، فجعل يحدّثنا بخبره، ثم قال: للّه درّ محمد بن عبد الملك الزيات حيث يقول:
ما أعجب الشيء ترجوه فتحرمهقد كنت أحسب أنّي قد ملأت يدي
ما لي إذا غبت لم أذكر بصالحةوإن مرضت فطال السّقم لم أعد
أخبرني الصوليّ، قال: حدّثني عون بن محمد الكنديّ، قال: حدّثني عبد اللّه بن العباس بن الفضل بن الربيع، قال: وصفني محمد بن عبد الملك للمعتصم، وقال: ما له نظير في ملاحة الشعر والغناء والعلم بأمور الملوك، فلقيته فشكرته، وقلت: جعلت فداءك! أتصف شعري وأنت أشعر الناس؟ ألست القائل:
ألم تعجب لمكتئب حزينخدين صبابة وحليف صبر
يقول - إذا سألت به -: بخيروكيف يكون مهجور بخير؟
قال: وأين هذا، من قولك؟
يقول لي كيف أصبحت كيف يصبح مثلي
ماء ولا كصدّاء، ومرعى ولا كالسّعدان.
أخبرني الصوليّ، قال: حدّثني عون بن محمد: قال: لقي الكنجيّ محمد بن عبد الملك فسلّم عليه فلم يجبه، فقال الكنجيّ:
هذا وأنت ابن زيات تصغّرنافكيف لو كنت يا هذا ابن عطّار؟
فبلغ ذلك محمدا، فقال: كيف ينتصف من ساقط أحمق، وضعه رفعه، وعقابه ثوابه.
أخبرني الصوليّ، قال: أخبرني عبد اللّه بن محمد الأزديّ، قال: حدّثني يعقوب بن التّمار، قال: قال محمد بن عبد الملك لبعض أصحابه: ما أخّرك عنا؟ قال: موت أخي، قال: بأيّ علة؟ قال: عضّت أصبعه فأرة، فضربته الحمرة، فقال محمد: ما يرد القيامة شهيد أخسّ سببا، ولا أنذل قاتلا، ولا أضيع ميتة، ولا أظرف قتلة من أخيك.
أخبرني عمي عن أبي العيناء، قال: كان محمد بن عبد الملك يعادي أحمد بن أبي دواد، ويهجوه، فكان أحمد يجمع الشعراء، ويحرّضهم على هجائه ويصلهم، ثم قال فيه أحمد بيتين، كانا أجود ما هجي به، وهما:
أحسن من خمسين بيتا سدىجمعك إيّاهنّ في بيت
ما أحوج الناس إلى مطرةتذهب عنهم وضر الزيت
وكان ابن أبي دواد يقول: ليس أحد من العرب إلا وهو يقدر على قول الشعر، طبعا ركّب فيهم، قلّ قوله أو كثر.
أخبرنا الصوليّ، قال: حدّثنا محمد بن موسى عن الحسن بن وهب، قال: أنشد أبو تمام محمد بن عبد الملك قصيدته التي يقول فيها:
لهان علينا أن نقول وتفعلا
فأثابه عليها ووقّع عليه:
رأيتك سهل البيع سمحا وإنمايغالى إذا ما ضنّ بالشيء بائعه
فأما الذي هانت بضائع بيعهفيوشك أن تبقى عليه بضائعه
هو الماء إن أجممته طاب وردهويفسد منه أن تباح شرائعه
فأجابه أبو تمام وقال:
أبا جعفر إن كنت أصبحت شاعراأسامح في بيعي له من أبايعه
فقد كنت قبلي شاعرا تاجرا بهتساهل من عادت عليك منافعه
فصرت وزيرا والوزارة مكرعيغصّ به بعد اللذاذة كارعه
وكم من وزير قد رأينا مسلّطافعاد وقد سدّت عليه مطالعه
وللّه قوس لا تطيش سهامهاوللّه سيف لا تفلّ مقاطعه
حدّثني الصّوليّ، قال: حدّثني محمد بن يحيى بن عباد، قال: حدّثني أبي، قال: حجّ محمد بن عبد الملك في آخر أيام المأمون، فلما قدم كتب إليه راشد الكاتب قوله:
لا تنس عهدي ولا مودّتيهواشتق إلى طلعتي ورؤيتيه
إن غبت عنا فلم تغب كثرة الذكر فلا تغفلن هديتيه
التّمر والنقل والمساويك والقسب وخير النعال حسن شيه
فإن تجاوزت ما أقول إلى العصب فذاك المأمول منك ليه
فأجابه محمد بن عبد الملك:
إنك منّي بحيث يطّرد الناظر من تحت ماء دمعتيه
ولا ومن زادني تودّدهعلى صحابي بفضل غيبتيه
ما أحسن الترك والخلاف لماتريد مني وما تقول ليه
يا بأبي أنت ما نسيتك فييوم دعائي ولا هديّتيه
ناجيت بالذكر والدّعاء لك اللّه لدى البيت رافعا يديه
حتى إذا ما ظننت بالملك القادر أن قد أجاب دعوتيه
قمت إلى موضع النعال وقدأقمت عشرين صاحبا معيه
وقلت لي صاحب أريد لهنعلا ولو من جلود راحتيه
فانقطع القول عند واحدةقال الذي اختار يا بشارتيه
فقلت عندي لك البشارةوالشّكر وقلّا في جنب حاجتيه
ثم تخيّرت بعد ذاك من العصب اليماني بفضل خبرتيه
موشيّة لم أزل ببائعهاأرغب حتى زها عليّ بيه
يرفع في سومه وأرغبهحتى التقى زهده ورغبتيه
وقد أتاك الذي أمرت بهفاعذر بكثر الإنعام قلّتيه
أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش، قال: حدّثنا محمد بن يزيد المبرّد، قال: كان لمحمد بن عبد الملك برذون أشهب لم ير مثله فراهة وحسنا، فسعى به محمد بن خالد حيلويه إلى المعتصم، ووصف له فراهته، فبعث المعتصم إليه فأخذه منه، فقال محمد بن عبد الملك يرثيه:
كيف العزاء وقد مضى لسبيلهعنا فودّعنا الأحمّ الأشهب!
دبّ الوشاة فأبعدوك وربّمابعد الفتى وهو الأحبّ الأقرب
للّه يوم نأيت عنّي ظاعناوسلبت قربك أيّ علق أسلب
نفس مفرقة أقام فريقهاومضى لطيّته فريق يجنب
فالآن إذ كملت أداتك كلّهاودعا العيون إليك لون معجب
وأختير من سرّ الحدائد خيرهالك خالصا ومن الحليّ الأغرب
وغدوت طنّان اللّجام كأنمافي كل عضو منك صنج يضرب
وكأنّ سرجك إذ علاك غمامةوكأنما تحت الغمامة كوكب
ورأى عليّ بك الصديق جلالةوغدا العدوّ وصدره يتلهّب
أنساك لا زالت إذا منسيّةنفسي ولا زالت يميني تنكب
أضمرت منك اليأس حين رأيتنيوقوى حبالي من قواك تقضّب
ورجعت حين رجعت منك بحسرةللّه ما فعل الأصمّ الأشيب
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان - رضوان اللّه عليه - قال: حدّثني محمد بن ناصح رحمة اللّه عليه، قال: لحقت غلّات أهل البتّ آفة في أيام محمد بن عبد الملك من جراد وعطش، فتظلّم إليه جماعة منهم، فوجّه ببعض أصحابه ناظرا في أمرهم، وكان في بصره ضعف، فكتب إليه محمد بن عليّ البتّي:
أتيت أمرا يا أبا جعفرلم يأته برّ ولا فاجر
أغثت أهل البتّ إذ أهلكوابناظر ليس له ناظر
فبلغه، فضحك وردّ الناظر ووقّع لهم بما سألوا بغير نظر.
أخبرني الصوليّ رضي اللّه عنه قال: حدّثني محمد بن يحيى بن أبي عبّاد عن أبيه رضي اللّه عنهما قال: قال عليّ بن جبلة يهجو محمد بن عبد الملك الزيات، وكان قد قصد أبا دلف القاسم بن عيسى في بعض أمره:
يا بائع الزيت عرّج غير مرموقلتشغلنّ عن الأرطال والسوق
من رام شتمك لم ينزع إلى كذبفي منتماك وأبداه بتحقيق
أبوك عبد وللأمّ التي فلقتعن أمّ رأسك هنّ غير محلوق
إن أنت عدّدت أصلا لا تسبّ بهيوما فأمّك مني ذات تطليق
ولن تطيق بحول أن تزيل شجاأثبتّه منك في مستنزل الرّيق
اللّه أنشاك من نوك ومن كذبلا تعطفنّ إلى لؤم لمخلوق
ماذا يقول امرؤ غشّاك مدحتهإلا ابن زانية أو فرخ زنديق؟
اشمخ بأنفك يا ذا السيّ ء الأدبما شئت واضرب قذال الأرض بالذنب
وارفع بصوتك تدعو من بذي عدنومن بقالي قلا بالويل والحرب
ما أنت إلا امرؤ أعطى بلاغتهفضل العذار ولم يربع على أدب
فاجمح لعلّك يوما أن تعضّ علىلجم دلاصيّة تثنيك من كثب
إنّي اعتذرت فما أحسنت تسمع منعذري ومن قبل ما أحسنت في الطّلب
صبرا أبا دلف في كل قافيةكالقدر وقفا على الجارات بالعقب
يا ربّ إن كان ما أنشأت من عربشروى أبي دلف فاسخط على العرب
إنّ التعصّب أبدى منك داهيةكانت تحجّب دون الوهم بالحجب
فأجابه علي بن جبلة:
نبّهت عن سنة عينيك فاصطبرواسحب بذيلك هل تقفو على أثر؟
إن يرحض اللّه عني عار مطّلبيإليك رفدا ألا فانجد به وغر
إني ودعواك أن تأتي بمكرمةكمنبض القوس عن سهم بلا وتر
فاردد جفونك حسرى عن أبي دلفولا ملامة أن تعشى عن القمر
لا يسخطنّ امرؤ إن ذلّ من حسبفاللّه أنزله في محكم السّور
لم آت سوءا ولم أسخط على أحدإلّا على طلبي في مجتدى عسر
أقصر أبا جعفر عن سطوة جمحتإن لم تقصّر بها مالت إلى القصر
يأيّها العائبي ولم يرليعيبا أما تنتهي فتزدجر!
هل لك وتر لديّ تطلبهفأنت صلد ما فيك معتصر
فالحمد والمجد والثناء لناوللحسود التّراب والحجر
وهي طويلة يقول فيها:
تعيش فينا ولا تلائمناكما تعيش الحمير والبقر
تغلي علينا الأشعار منك وماعندك نفع يرجّى ولا ضرر
أخبرني عمي - رحمه اللّه - قال: حدّثني عمر بن نصر الكاتب، قال: حدّثني عمي عليّ بن الحسن بن عبد الأعلى، قال محمد: اجتاز بديع غلام عمير المأمونيّ بمحمد بن عبد الملك الزيات، وكان أحسن خلق اللّه وجها، وكان محمّد يحبّه ويجنّ به جنونا فقال:
راح علينا راكبا طرفهأغيد مثل الرشأ الآنس
قد لبس القرطق واستمسكتكفّاه من ذي برق يابس
وقلّد السيف على غنجهكأنه في وقعة الدّاحس
أقول لمّا أن بدا مقبلايا ليتني فارس ذا الفارس
أخبرني الأخفش، قال: حدّثني محمد بن يزيد قال: دامت الأمطار بسرّ من رأى، فتأخّر الحسن بن وهب عن محمد بن عبد الملك الزيات، وهو يومئذ وزير، والحسن يكتب له، فاستبطأه محمد بن عبد الملك، فكتب إليه الحسن يقول:
أوجب العذر في تراخي اللقاءما توالى من هذه الأنواء
لست أدري ماذا أقول وأشكومن سماء تعوقني عن سماء
غير أني أدعو على تلك بالثّكل وأدعو لهذه بالبقاء
فلام الإله أهديه غضّالك مني يا سيّد الوزراء
أخبرني الصّوليّ، قال: حدّثنا محمد بن موسى، قال: اعتلّ الحسن بن وهب، فتأخّر عن محمد بن عبد الملك أياما كثيرة، فلم يأته رسوله، ولا تعرّف خبره، فكتب إليه الحسن قوله:
أيّهذا الوزير أيّدك اللّه وأبقاك لي بقاء طويلا
أجميلا تراه يا أكرم الناس لكيما أراه أيضا جميلا
إنني قد أقمت عشرا عليلاما ترى مرسلا إليّ رسولا
إن يكن موجب التعمّد في الصّحّة منّا عليّ منك طويلا
فهو أولى يا سيد الناس برّاوافتقادا لمن يكون عليلا
فلما ذا تركتني عرضة الظّنّمن الحاسدين جيلا فجيلا؟
ألذنب فما علمت سوى الشكر قرينا لنيّتي ودخيلا؟
أم ملال، فما علمتك للصاحب مثلي على الزمان ملولا؟
قد أتى اللّه بالشفاء فما أعرف مما أنكرت إلا قليلا
وأكلت الدّرّاج وهو غذاءأفلت علّتي عليه أفولا
بعد ما كنت قد حملت من العلّة عبثا على الطّباع ثقيلا
ولعلّي قدمت قبلك آتيك غدا إن وجدت فيه سبيلا
فأجابه محمد بن عبد الملك:
دفع اللّه عنك نائبة الدّهر وحاشاك أن تكون عليلا
أشهد اللّه ما علمت وما ذاك من العذر جائزا مقبولا
ولعمري أن لو علمت فلازمتك حولا لكان عندي قليلا
إنني أرتجي وإن لم يكن ماكان مما نقمت إلا جليلا
أن أكون الذي إذا أضمر الإخلاص لم يلتمس عليه كفيلا
ثم لا يبذل المودّة حتىيجعل الجهد دونها مبذولا
فإذا قال كان ما قال إذ كان بعيدا من طبعه أن يقولا
فاجعلن لي إلى التعلّق بالعذر سبيلا إن لم أجد لي سبيلا
فقديما ما جاد بالصفح والعفوو ما سامح الخليل الخليلا
قال: وكتب محمد بن عبد الملك إلى الحسن بن وهب وقد تأخّر عنه:
قالوا جفاك فلا عهد ولا خبرماذا تراه دهاه قلت: أيلول
شهر تجذّ حبال الوصل فيه فماعقد من الوصل إلا وهو محلول
قال: وكان محمد قد ندبه لأن يخرج في أمر مهمّ فأجابه الحسن فقال:
إني بحول امرىء أعليت رتبتهفحظّه منك تعظيم وتبجيل
وأنت عدّته في نيل همّتهوأنت في كلّ ما يهواه مأمول
ما غالني عنك أيلول بلذّتهوطيبه ولنعم الشهر أيلول
الليل لا قصر فيه ولا طولوالجو صاف وظهر الكأس مرحول
والعود مستنطق عن كلّ معجبةيضحي بها كلّ قلب وهو متبول
لكن توقّع وشك البين عن بلدتحلّه فوكاء العين محلول
مالي إذا شمّرت بي عنك مبتكرادهم البغال أو الهوج المراسيل
إلا رعاياتك اللّاتي يعود بهاحدّ الحوادث عنّي وهو مفلول
قال: وكان الحسن بن وهب يساير محمدا على مسنّاة، فعدل عن المسنّاة لئلا يضيق لمحمد الطريق، فظنّ محمد أنه أشفق على نفسه من المسنّاة، فعدل عنها، ولم يساعده على طريقه، وظنّ بنفسه أن يصيبها ما يصيبه، فقال له محمد:
قد رأيناك إذ تركت المسنّاة وحاذيتني يسار الطريق
ولعمري ما ذاك منك وقد جدّبك الجدّ من فعال الشّفيق
فقال له الحسن:
إن يكن خوفي الحتوف أرانيأن تراني مشبّها بالعقوق
فلقد جارت الظنون على المشفق والظّنّ مولع بالشفيق
غرّر السيد الأجلّ وقد سار على الحرف من يمين الطريق
فأخذت الشّمال بقيا على السىد إذ هالني سلوك المضيق
إنّ عندي مودّة لك حازتما حوى عاشق من المعشوق
طود عزّ خصصت منه ببرّصار قدري به مع العيّوق
وبنفسي وإخوتي وأبيالبرّ وعمّي وأسرتي وصديقي
من إذا ما روّعت أمّن روعيوإذا ما شرقت سوّغ ريقي
أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش والصوليّ، قالا: حدّثنا المبرّد، قال: استسقى الحسن بن وهب من محمد بن عبد الملك نبيذا ببلد الروم، وهو مع المعتصم فسقاه وكتب إليه:
لم تلق مثلي صاحباأبدى يدا وأعمّ جودا
يسقي النديم بقفرةلم يسق فيها الماء عودا
صفراء صافية كأنّبكأسها درّا نضيدا
وأجود حين أجود لاحصرا بذاك ولا بليدا
وإذا استقلّ بشكرهاأوجبت بالشّكر المزيدا
خذها إليك كأنّماكسيت زجاجتها عقودا
واجعل عليك بأن تقوم بشكرها أبدا عهودا
أخبرني الصوليّ، قال: حدّثني أحمد بن محمد الأنصاريّ، قال: حدّثني هارون بن محمد بن عبد الملك، قال: دعا محمد بن عبد الملك قبل وزارته الحسن بن وهب في آخر أيام المأمون، فجاءه ودخلا حمّاما له، وأقاما على لهوهما، ثم طلب الحسن بن وهب لعمل احتيج فيه إليه، فمضى، وبطل يومهم، فكتب الحسن إليه:
سقيا لنضر الوجه بسّامهمهذّب الأخلاق قمقامه
تكسبه شكرا على أنهامطبقة السّنّ للوّامه
زرناه في يوم علا قدرهمن سائر الأيام في عامه
أسعده اللّه وأحظى بهوجاده الغيث بإرهامه
فكان مسرورا بنا باذلالرحله الرحب وحمّامه
نخدمه وهو لنا خادمبفضله من دون خدّامه
ثم سقانا قهوة لم يدعأطيب منها بقرى شامه
صهباء دلّت على دنّهاوحدّثت عن ضعف إسلامه
فأجابه محمد بن عبد الملك رحمه اللّه تعالى:
وزائر لذّلنا يومهلو ساعد الدهر بإتمامه
ماذا لقينا من دواوينهوخطّه فيها بأقلامه؟
أسرّ ما كنّا فمن مازحأو شارب قد عبّ في جامه
فارقنا فالنّفس مطروفةبواكف الدّمع وسجّامه
وعاد بالمدح لنا منعمابه إلى سالف إنعامه
ليت - وأنّي لي بها منية -لو كنت فيه بعض قوّامه
يشكر ما نال على أنهلا يشكر الحرّ لحمّامه
أمسحه فيه وأدنو لهمن خلفه طورا وقدّامه
جعلت نفسي جنّة للصّباوبعت إسلامي بإسلامه
فصار ما يشرب حلالهوصرت مأخوذا بآثامه
أخبرني الحسن بن القاسم الكاتب، قال: سمعت القاسم بن ثابت يحدّث عن أبيه، قال: قال أحمد الأحول: لما قبض على محمد بن عبد الملك الزيات تلطّفت في الوصول إليه، فرأيته في حديد ثقيل، فقلت له: أعزز عليّ ما أرى، فقال:
سل ديار الحي ما غيّرهاومحاها ومحا منظرها؟
وهي اللاتي إذا ما انقلبتصيّرت معروفها منكرها
إنما الدنيا كظلّ زائلنحمد اللّه كذا قدّرها
في هذه الأبيات رمل طنبوري لا أدري لمن هو؟
ومما يغنّى فيه من شعر محمد بن عبد الملك الزيات:
صوت
ظالمي ما علمتهمعتد لا عدمته
مطمعي بالوصال ممتنع حين رمته
مرصد بالخلاف والمنع من حيث سمته
هاجر إن وصلتهصابر إن صرمته
كم وكم قد طويت مابي وكم قد كتمته
ربّ همّ طويت فيك وغيظ كظمته
وحياة سئمتهاوالهوى ما سئمته
رمت شيئا هويتهليس لي ما حرمته
قال إذ صرّح البكاء بما قد سترته
لو بكى طول دهرهبدم ما رحمته
الغناء لأبي العبيس بن حمدون خفيف ثقيل بالبنصر.
صوت
إذا أحببت لم أسلوإن واصلت لم أقطع
وإن عاتبني الناستصاممت فلم أسمع
وقد جرّبت ما ضرّوقد جرّبت ما ينفع
فما مثل الهوى أنهك للجسم ولا أضرع
ولا كالهجر في القربإلى الموت ولا أسرع
وإن أوجعني العذلفنيران الهوى أوجع
وهذا عدم العقلفما أسطيع أن أصنع
ولا واللّه ما عنديلما قد حلّ بي مدفع
ولا فيّ لهجرانك لو لا ظلمكم موضع
الغناء لعريب لحنان: خفيف ثقيل بالبنصر، وهزج بالوسطى.
أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش، قال: حدّثنا محمد بن يزيد المبرّد، قال: حدّثني الحسن بن رجاء، قال: قدم محمد بن عبد الملك على الحسن بن سهل إلى فم الصّلح، وامتدحه بقصيدته التي أولها:
كأنها حين تناءى خطوهأخنس موشيّ الشّوي يرعى القلل
وقال فيها:
إلى الأمير الحسن استنجدتهاأيّ مراد ومناخ ومحلّ
سيف أمير المؤمنين المنتضىوحصن ذي الرياستين المقتبل
آباؤك الغرّ الألى جدّهمكسرى أنوشروان والناس همل
من كلّ ذي تاج إذا قال مضىكلّ الذي قال وإن همّ فعل
فأين لا أين وأنّى مثلكمأنتم الأملاك والناس خول
فأمر له بعشرة آلاف درهم.
قال: ومرض الواثق، فدخل إليه الحسن بن سهل عائدا، ومحمد بن عبد الملك يومئذ وزيره، والحسن بن سهل متعطّل، فجعل الحسن بن سهل يتكلم في العلة وعلاجها وما يصلح للواثق من الدواء والعلاج والغذاء أحسن كلام، قال: فحسده محمد بن عبد الملك، وقال له: من أين لك هذا العلم يا أبا محمد؟ قال: إني كنت أستصحب من أهل كل صنعة رؤساء أهلها، وأتعلم منهم، ثم لا أرضى إلا ببلوغ الغاية، فقال له محمد - وكان حسودا: ومتى كان ذلك؟ قال: في زمان قلت فيّ:
فأين لا أين وأنّى مثلكمأنتم الأملاك والناس خول
فخجل محمد بن عبد الملك، وأطرق، وعدل عن الجواب.
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان، قال: حدّثني حمّاد بن إسحاق قال: حدّثني ميمون بن هارون بن خلف قال: كنت أسير بالقرب من محمد بن عبد الملك الزيات، وهو يريد يومئذ منزله، حتى مرّ بدار إبراهيم بن رباح، فرأى فيها قبة مشيدة، فقال:
أما القباب فقد أراها شيّدتوعسى أمور بعد ذاك تكون
عبد عرت منه خلائق جهلهإذ راح وهو من الثّراء سمين
فما كان إلا أيّام حتى أوقع به.
أخبرني عمي قال: حدّثني الحسن بن عليّ بن عبد الأعلى عن أبيه، قال: كان الواثق قد أصلح بين محمد بن عبد الملك الزيات وبين أحمد بن أبي دواد، فكفّ محمد عن ذكره، وجعل ابن أبي دواد يخلو بالواثق، ويغريه به، حتى قبض عليه، وكان فيما بلغه عنه أنه قد عزم على الفتك به والتدبير عليه. فقبض الواثق عليه، ثم أطلقه بعد مدة، ثم وزر للمتوكل، وكان محمد بن عبد الملك أشار بابن الواثق، وأشار ابن أبي دواد بالمتوكل، وقام وقعد في أمره حتى ولّى، وعمّمه بيده، وألبسه البردة، وقبّل بين عينيه، وكان المتوكّل قبل ذلك يدخل على محمد بن عبد الملك في حياة الواثق يشكو إليه جفاءه له فيتجهّمه محمد، ويغلظ له الردّ، إلى أن قال يوما بحضرته: ألا تعجبون إلى هذا العاصي، يعادي أمير المؤمنين، ثم يسألني أن أصلح له قلبه! اذهب، ويلك فأصلح نفسك له، حتى يصلح لك قلبه. فكان موقع ذلك يحسن عند الواثق، فدخل إليه يوما، وقد كان قال للواثق: إن جعفرا يدخل إليّ وله شعر قفا وطرّة مثل النساء، فقد فضحك فأمره بأن يحلقهما، ويضرب بشعرهما وجهه، فلما دخل إليه المتوكل فعل ذلك به، وتجهّمه بالقبيح، فلما ولي الخلافة خشي إن نكبه عاجلا أن يستتر أسبابه فتفوته بغيته فيه، فاستوزره وخلع عليه، وجعل ابن أبي دواد يغريه به ويجد عنده لذلك موقعا واستماعا، حتى قبض عليه وقتله، فلم يجد له من أملاكه كلّها من عين وورق وأثاث وضيعة إلّا ما كانت قيمته مائة ألف دينار، فندم على ذلك، ولم يجد منه عوضا، وكان أمره مما يعتدّ على أحمد بن أبي دواد، ويقول: أطمعتني في باطل، وحملتني على أمر لم أجد منه عوضا.
أخبرني محمد بن يحيى الصوليّ، قال: زعم محمد بن عيسى الفساطيطيّ، أن محمد بن عبد الملك اجتاز بدندن الكاتب، وعليه خلع الوزارة للمتوكل لما وزر له، فقال دندن:
راح الشقيّ بخلعة النّكرمثل الهديّ لليلة النّحر
لا تمّ شهر بعد خلعتهحتى تراه طافي الجمر
ويرى يطاين من إساءتهيهوي له بقواصم الظهر
فكان الأمر كما قال.
قال عليّ بن الحسين بن عبد الأعلى: فلما قبض عليه المتوكل استعمل له تنّور حديد، وجعل فيه مسامير لا يقدر معها أن يتحرّك إلا دخلت في جسده، ثم أحماه له وجعله فيه، فكان يصيح: ارحموني! فيقال له: اسكت، أنت كنت تقول: ما رحمت أحدا قطّ، والرحمة ضعف في الطبيعة، وخور في المنّة، فاصبر على حكمك! وخرج عليه عبادة، فقال: أردت أن تشويني، فشووك.
أخبرني طاهر بن عبد اللّه بن طاهر الهاشميّ: قال: قال العباس بن طومار: أمر المتوكل عبادة أن يدخل إلى محمد بن عبد الملك الزيات - وقد أحمى تنور حديد، وجعله فيه - فيكايده، فدخل إليه فوقف بإزائه، ثم قال: اسمع يا محمد، كان في جيراننا حفّار يحفر القبور، فمرضت مخنّثة من جيراني، وكانت صاحبة لي، فبادر فحفر لها قبرا من الطمع في الدراهم، فبرأت هي ومرض هو بعد أيام، فدخلت إليه صاحبتي وهو بالنزع، فقالت: وي يا فلان؟ حفرت لي قبرا وأنا في عافية، أو ما علمت أنه من حفر بئر سوء وقع فيها، وحياتك يا محمد، لقد دفناه في ذلك القبر، والعقبى لك. قال: فو اللّه ما برح من إزاء محمد، عبد الملك يؤذيه، ويكايده إلى أن مات.
قال الصوليّ: وقال الحسن بن وهب يرثي محمد بن عبد الملك، وكان في حياته ينتفي منها، ويجحدها، ثم شاعت بعد ذلك، ووجدت بخطه:
يكاد القلب من جزع يطيرإذا ما قيل قد قتل الوزير
أمير المؤمنين هدمت ركناعليه رحاكم كانت تدور
سيبلى الملك من جزع عليهويخرب حين تضطرب الأمور
فمهلا يا بني العباس مهلافقد كويت بفعلكم الصدور
إلى كم تنكبون الناس ظلمالكم في كل ملحمة عقير
جزيتم ناصرا لكم المناياوليس كذلكم يجزى النّصير
فكنتم سائقا أرسا إليكموذلك من فعالكم شهير
وكأنّ صلاحه لو شئتموهقريبا لا يحاوله البصير
كأنّ اللّه صيّركم ملوكالئلّا تعدلوا ولأن تجوروا
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع