من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار نصيب الأصغر
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
نصيب مولى المهديّ؛ عبد نشأ باليمامة، واشترى للمهديّ في حياة المنصور، فلما سمع شعره قال: واللّه ما هو بدون نصيب مولى بني مروان، فأعتقه، وزوّجه أمة له يقال لها: جعفرة. وكناه أبا الحجناء، وأقطعه ضيعة بالسواد، وعمّر بعده.
وهذه القصيدة يمدح بها هارون الرشيد، وهي من جيّد شعره وفيها يقول:
خليليّ إني ما يزال يشوقنيقطين الحمى والظاعن المتحمّل
فأقسمت لا أنسى ليالي منعحولا مأسل إذ منزل الحي مأسل
أمن أجل آيات ورسم كأنهبقية وحي أو رداء مسلسل
جرى الدمع من عينيك حتى كأنهتحدّر درّ أو جمان مفصّل
فيأيّها الزنجيّ مالك والصّباأفق عن طلاب البيض إن كنت تعقل
فمثلك من أحبوشة الزّنج قطّعتوسائل أسباب بها يتوسّل
قصدنا أمير المؤمنين ودونهمهامه موماة من الأرض مجهل
على أرحبيّات طوى السير فانطوتشمائلها مما تحلّ وترحل
إلى ملك صلت الجبين كأنهصفيحة مسنون جلا عنه صيقل
إذا انبلج البابان والستر دونهبدا مثل ما يبدو الأغرّ المحجّل
شريكان فينا منه عين بصيرةكلوء وقلب حافظ ليس يغفل
فما فات عينيه وعاه بقلبهفآخر ما يرعى سواء وأوّل
وما نازعت فينا أمورك هفوةولا خطلة في الرأي والرأي يخطل
إذا اشتبهت أعناقه بيّنت لهمعارف في أعجازه وهو مقبل
لئن نال عبد اللّه قبل خلافةلأنت من العهد الذي نلت أفضل
وما زادك العهد الذي نلت بسطةولكن بتقوى اللّه أنت مسربل
ورثت رسول اللّه عضوا ومفصلاوذا من رسول اللّه عضو ومفصل
إذا ما دهتنا من زمان ملمّةفليس لنا إلا عليك المعوّل
على ثقة منا تحنّ قلوبناإليك كما كنّا أباك نؤمّل
وهي قصيدة طويلة، هذا مختار من جميعها.
أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد. قال: حدّثني محمد بن عبد اللّه بن مالك، قال: حدّثني أبي، قال: وجّه المهديّ نصيبا الشاعر مولاه إلى اليمن في شراء إبل مهريّة، ووجّه معه رجلا من الشيعة، وكتب معه إلى عامله على اليمن بعشرين ألف دينار، قال: فمدّ أبو الحجناء يده في الدنانير ينفقها في الأكل والشرب، وشراء الجواري والتزويج، فكتب الشيعيّ بخبره إلى المهديّ، فكتب المهديّ في حمله موثقا في الحديد.
فلمّا دخل على المهديّ أنشده شعره، وقال:
تأوّبني ثقل من الهمّ موجعفأرّق عيني والخليّون هجّع
هموم توالت لو أطاف يسيرهابسلمى لظلّت شمّها تتصدّع
ولكنّها نيطت فناء بحملهاجهير المنايا حائن النفس مجزع
وعادت بلاد اللّه ظلماء حندسافخلت دجى ظلمائها لا تقشّع
وهي قصيدة طويلة يقول فيها:
إليك أمير المؤمنين ولم أجدسواك مجيرا منك يدنى ويمنع
تلمّست هل من شافع لي فلم أجدسوى رحمة أعطاكها اللّه تشفع
لئن جلّت الأجرام مني وأفظعتلعفوك عن جرمي أجلّ وأوسع
لئن لم تسعني يابن عمّ محمدلما عجزت عني وسائل أربع
طبعت عليها صبغة ثم لم تزلعلى صالح الأخلاق والدين تطبع
تغابيك عن ذي الذنب ترجو صلاحهوأنت ترى ما كان يأتي ويصنع
وعفوك عمّن لو تكون جريمةلطارت به في الجوّ نكباء زعزع
وأنّك لا تنفكّ تنعش عاثراولم تعترضه حين يكبو ويخمع
وحلمك عن ذي الجهل من بعدما جرىبه عنق من طائش الجهل أشنع
ففيهنّ لي إمّا شفعن منافعوفي الأربع الأولى إليهنّ أفزع
مناصحتي بالفعل إن كنت نائياإذا كان دان منك بالقول يخدع
وثانية ظنّي بك الخير غائباوإن قلت عبد ظاهر الغشّ مسبع
وثالثة أني على ما هويتهوإن كثّر الأعداء فيّ وشنّعوا
ورابعة أنّي إليك يسوقنيولائي فمولاك الذي لا يضيّع
وإني لمولاك الذي إن جفوتهأتى مستكينا راهبا يتضرّع
وإني لمولاك الضعيف فأعفنيفإني لعفو منك أهل وموضع
فقطع المهديّ عليه الإنشاد، ثم قال له: ومن أعتقك يابن السوداء! فأومأ بيده إلى الهادي، وقال: الأمير موسى يا أمير المؤمنين، فقال المهديّ لموسى: أعتقته يا بنيّ؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. فأمضى المهديّ ذلك وأمر بحديده، ففكّ عنه، وخلع عليه عدّة من الخلع الوشي والخزّ والسواد والبياض، ووصله بألفي دينار، وأمر له بجارية يقال لها: جعفرة جميلة فائقة من روقة الرقيق.
فقال له سالم قيّم الرقيق: لا أدفعها إليك أو تعطيني ألف درهم، فقال قصيدته:
أأذن الحيّ فانصاعوا بترحالفهاج بينهم شوقي وبلبالي
وقام بها بين يدي المهديّ فلما قال:
ما زلت تبذل لي الأموال مجتهداحتى لأصبحت ذا أهل وذا مال
زوّجتني يابن خير الناس جاريةما كان أمثالها يهدى لأمثالي
زوّجتني بضّة بيضاء ناعمةكأنّها درّة في كفّ لآل
حتى توهّمت أن اللّه عجّلهايابن الخلائف لي من خير أعمالي
فسألني سالم ألفا فقلت لهأنّى لي الألف يا قبّحت من سال!
هيهات ألفك إلا أن أجيء بهامن فضل مولى لطيف المنّ مفضال
فأمر له المهديّ بألف دينار ولسالم بألف درهم.
قال ابن أبي سعد وحدّثني غير محمد بن عبد اللّه: أنه حبس باليمن مدة طويلة، ثم أشخص إلى المهديّ، فقال وهو في الحبس، ودخلت إليه ابنته حجناء، فلما رأت قيوده بكت، فقال:
لقد أصبحت حجناء تبكي لوالدبدرّة عين قلّ عنه غناؤها
أحجناء صبرا، كلّ نفس رهينةبموت ومكتوب عليها بلاؤها
أحجناء أسباب المنايا بمرصدفإلّا يعاجل غدوها فمساؤها
أحجناء إن أفلت من السجن تلقنيحتوف منايا لا يردّ قضاؤها
أحجناء إن أضحى أبوك ودلوهتعرّت عرا منها ورثّ رشاؤها
لقد كان يدلى في رجال كثيرةفيمتح ملأى وهي صفر دلاؤها
أحجناء إن يصبح أبوك ونفسهقليل تمنّيها قصير عزاؤها
لقد كان في دنيا تفيّا ظلّهاعليه ومجلوب إليه بهاؤها
قال ابن أبي سعد: ولما دخل نصيب على المهديّ مقيّدا رفده ثمامة بن الوليد العبسيّ عنده واستعطفه له، وسوّغ عذره عنده، ولم يزل يرقق به، حتى أمر بإطلاقه، وكان نصيب في متقدّم الأيام منقطعا إلى أخيه شيبة فقال فيه:
أثمام إنك قد فككت ثماماحلقا برين من النّصيب عظاما
حلقا توسّطها العمود فلزّهالو لا ثمامة والإله لداما
اللّه أنقذني به من هوّةتيهاء مهلكة تكون رجاما
فلأشكرنّك يا ثمامة ما جرتفرق السحاب كنهورا وركاما
ولأشكرنّك يا ثمامة ما دعتورق الحمام على الغصون حماما
وخلفت شيبة في المقام ولا أرىكمقام شيبة في الرجال مقاما
أغنى إذا التمس الرجال غناءهفي كلّ نازلة تكون غراما
وأعمّ منفعة وأكرم حائطاتهدي إليه تحيّة وسلاما
لا يبعدنّ ابن الوليد فإنهقد نال من كل الأمور جساما
لو من سوى رهط النبيّ خليفةيدعى لكان خليفة وإماما
قال ابن أبي سعد: ودخل نصيب على ثمامة بعد وفاة أخيه شيبة، وهو يفرّق خيله على الناس، فأمر له بفرس منها؛ فأبى أن يقبله؛ وبكى، ثم قال:
يا شيبة الخير إمّا كنت لي شجناآليت بعدك لا أبكى على شجن
أضحت جياد أبي القعقاع مقسمةفي الأقربين بلا منّ ولا ثمن
ورّثتهم فتعزّوا عنك إذ ورثواوما ورثتك غير الهم والحزن
فجعل ثمامة ومن عنده حاضر من أهله وإخوانه يبكون.
وشيبة بن الوليد هذا وأخوه من وجوه قواد المهديّ.
وفي شيبة يقول أبو محمد اليزيديّ يهجوه، وكان عارضه في شيء من النحو بحضرة المهديّ:
عش بجدّ فلن يضرّك نوكإنما عيش من ترى بالجدود
عش بجدّ وكن هبنّقة القيسيّ جهلا أو شيبة بن الوليد
أخبرنا بذلك محمد بن العباس اليزيديّ عن عمه عن أبيه.
أخبرني عمي قال: حدّثنا القاسم بن محمد الأنباريّ، قال: حدّثنا عبد اللّه بن بشر البجليّ عن النضر بن طاهر قال: أتى نصيب مولى المهديّ عبد اللّه بن محمد بن الأشعث، وهو يتقلّد صنعاء للمهديّ، فمدحه، فلم يثبه، واستكساه بردا فلم يكسه، فقال يهجوه:
سأكسوك من صنعاء ما قد كسوتنيمقطّعة تبقى على قدم الدهر
إذا طويت كانت فضوحك طيّهاوإن نشرت زادتك خزيا على النّشر
أغرّك أن بيّضت بيت حمامةوقلت: أنا شبعان منتفج الخصر
لقد كنت في سلح سلحت مخافة الحروريّة الشّارين داع إلى الضرّ
ولكنه يأبى بك البهر كلّماجريت مع الجاري وضيق من الصدر
قال النضر: وكان النّصيب ملعونا، هجّاء، فأهدى للربيع بن عبد اللّه بن الربيع الحارثي فرسا فقبله، ثم ندم خوفا من ثقل الثواب، فجعل يعيب الفرس، ويذكر بطأه وعجزه، فبلغ ذلك النّصيب، فقال:
أعبت جوادنا ورغبت عنهوما فيه لعمرك من معاب
وما بجوادنا عجز ولكنأظنّك قد عجزت عن الثواب
فأجابه الربيع فقال:
رويدك لا تكن عجلا إليناأتاك بما يسوءك من جواب
وجدت جوادكم فدما بطيئافما لكم لدينا من ثواب
فلما كان بعد أيام رأى النّصيب الفرس تحت الربيع فقال له:
أخذت مشهّرا في كل أرضفعجّل يا ربيع مشهرّات
يمانية تخيّرها يمانمنمنمة البيوت مقطّعات
وجارية أضلّت والديهامولّدة وبيضا وافيات
فعجّلها وأنفذها إليناودعنا من بنات التّرّهات
فأجابه الربيع فقال:
بعثت بمقرف حطم إلينابطيء الحضر ثم تقول: هات
فقال النّصيب:
في سبيل اللّه أودى فرسيثم علّلت بأبيات هزج
كنت أرجو من ربيع فرجافإذا ما عنده لي من فرج
قال: ثم خرج الرّبيع إلى مكة، وقد كان وعد النّصيب جارية، فلم يعطه، وأمر ابنه أن يدفع إليه ألفي درهم ففعل، فقال النّصيب:
ألا أبلغا عنّي الربيع رسالةربيع بني عبد المدان الأكارم
أعزّت عليك البيض لما أرغتهافرغت إلى إعداد بيض الدراهم
ألم تر أني غير مستطرف الغنىحديث وأنّي من ذؤابة هاشم؟
وأنك لم تهبط من الأرض تلعةولا نجوة إلا بعهدي وخاتمي
قال: ثم قدم الربيع فأهدى إلى دفافة بن عبد العزيز العبسيّ طبق تمر، فقال فيه دفافة:
بعثت بتمر في طبيق كأنمابعثت بياقوت توقّد كالجمر
فلو أن ما تهدي سنيّا قبلتهولكنما أهديت مثلك في القدر
كأنّ الذي أهديت من بعد شقّةإلينا من الملقى على ضفّة الجسر
فأجابه الربيع فقال:
سل الناس إما كنت لا بدّ طالباإليهم بألا يحملوك على القدر
فإنك إن تحمل على القدر لا تنليد الدهر من برّ فتيلا ولا بحر
لقد كنت منّي في غدير وروضةوفي عسل جمّ وما شئت من خمر
وما كنت منّانا ولكن كفرتنيوأظهرت لي ذمّا فأظهرت من عذري
لعمري لقد أعطيت ما لست أهلهولا أهل ما يلقى على ضفّة الجسر
فبلغت أبياتهما نصيبا، فشمت بالربيع، وقال فيه هذه القصيدة:
رضيتكما حرصا ومنعا ولم يكنيهيجكما إلا الحقير من الأمر
متى يجتمع يوما حريص ومانعفليس إلى حمد سبيل ولا أجر
أحار بن كعب إنّ عبسا تغلغلتإلى السير من نجران في طلب التّمر
فكيف ترى عبسا وعبس حريصةإذا طمعت في التّمر من ذلك العبر
لقد كنتما في التّمر للّه أنتماشبيهين بالملقى على ضفّة الجسر
أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش، قال: حدّثنا محمد بن يزيد النحويّ، قال: حدّثت من غير وجه: أنّ النّصيب دخل على الفصل بن يحيى بن خالد مسلّما، فوجد عنده جماعة من الشعراء قد امتدحوه، فهم ينشدونه، ويأمر لهم بالجوائز، ولم يكن امتدحه، ولا أعدّ له شيئا. فلما فرغوا - وكان يروى قولا في نفسه - استأذن في الإنشاد، ثم أنشد قصيدته التي أولها قوله:
طرقتك ميّة والمزار شطيبوتثيبك الهجران وهي قريب
للّه مية خلّة لو أنّهاتجزي الوداد بؤدّها وتثيب
وكأنّ ميّة حين أتلع جيدهارشا أغنّ من الظباء ربيب
نصفان ما تحت المؤزّر عاتكدعص أغرّ وفوق ذاك قضيب
ما للمنازل لا تكاد تجيبأني يجيبك جندل وجبوب
جادتك من سبل الثريا ديمةريّا ومن نوء السّماك ذنوب
فلقد عهدت بك الحلال بغبطةوالدهر غضّ والجناب خصيب
إذ للشباب عليّ من ورق الصّباظلّ وإذ غصن الشباب رطيب
طرب الفؤاد ولات حين تطرّبإن الموكّل بالصّبا لطروب
وتقول ميّة ما لمثلك والصّباواللون أسود حالك غربيب؟
شاب الغراب وما أراك تشيبوطلابك البيض الحسان عجيب
أعلاقة أسبابهنّ وإنّماأفنان رأسك فلفل وزبيب
لا تهزئي مني فربّت عائبما لا يعيب الناس وهو معيب
ولقد يصاحبني الكرام وطالمايسمو إليّ السيّد المحجوب
وأجرّ من حلل الملوك طرائفامنها عليّ عصائب وسبيب
وأسالب الحسناء فضل إزارهافأصورها وإزارها مسلوب
وأقول منقوح البديّ كأنّهبرد تنافسه التّجار قشيب
يقول فيها في مدح الفضل:
والبرمكيّ إذا تقارب سنّهأو باعدته السنّ فهو نجيب
خرق العطاء إذا استهلّ عطاؤهلا متبع منّا ولا محسوب
يا آل برمك ما رأينا مثلكمما منكم إلا أغرّ وهوب
وإذا بدا الفضل بن يحيى هبتهلجلاله إنّ الجليل مهيب
قاد الجياد إلى العدا وكأنهارجل الجراد تسوقهنّ جنوب
قبّا تبارى في الأعنّة شزّباتدع الحزون كأنهنّ سهوب
من كل مضطرب العنان كأنهذئب يبادره الفريسة ذيب
تهوي بكلّ مغاور عاداتهصدق اللقاء فما له تكذيب
حتى صبحن الطالبيّ بعارضفيه المنايا تغتدي وتئوب
خاف ابن عبد اللّه ما خوّفتهفجفاك ثم أتاك وهو منيب
ولقد رآك الموت إلا أنّهبالظنّ يخطىء مرة ويصيب
فرمى إليك بنفسه فنجا بهاأجل إليه ينتهى مكتوب
فكسوته ثوب الأمان وإنّهلا حبله واه ولا مقضوب
شمنا إليك مخيلة لا خلّبافي الشّيم إذ بعض البروق خلوب
إنّا على ثقة وظنّ صادقممّا نؤمّله فليس نخيب
قال: فاستحسنها الفضل، وأمر له بثلاثين ألف درهم، فقبضها، ووثب قائما، وهو يقول:
إني سأمتدح الفضل الذي حنيتمنّا عليه قلوب البرّ والضّلع
جاد الربيع الذي كنا نؤمّلهفكلنا بربيع الفضل مرتبع
كانت تطول بنا في الأرض نجعتنافاليوم عند أبي العباس ننتجع
إن ضاق مذهبنا أو حلّ ساحتناضنك وأزم فعند الفضل متّسع
ما سلّم اللّه نفس الفضل من تلففما أبالي أقام الناس أم رجعوا
إن يمنعوا ما حوت منا أكفّهمفلن يضرّ أبا الحجناء ما منعوا
أو حلّئونا وذادوا عن حياضهميوم الشروع ففي غدرانك الشّرع
يا ممسكا بعرا الدنيا إذا خشيتمنها الزلازل والأمر الذي يقع
قد ضرّستك الليالي وهي خاليةوأحكمتك النهى والأزلم الجذع
فغادرا منك حزنا عن معاسرةسهل الجناب يسيرا حين يتّبع
لم يفتلتك نقيرا عن مخادعةدهي الرجال وللسؤّال تنخدع
فأنت مصطلح بالملك تحملهكما أبوك بثقل الملك مضطلع
قال ابن أبي سعد: لما حجّت أم جعفر زبيدة لقيها النّصيب، فترجّل عن فرسه وأنشأ يقول:
سيستبشر البيت الحرام وزمزمبأمّ وليّ العهد زين المواسم
ويعلم من وافى المحصّب أنهاستحمل ثقل الغرم عن كل غارم
بنو هاشم زين البرية كلّهاوأمّ وليّ العهد زين لهاشم
سليلة أملاك تفرّعت الذّرىكرام لأبناء الملوك الأكارم
فو اللّه ما ندري: أفضل حديثهاعليهم به تسمو أم المتقادم
يظنّ الذي أعطته منها رغيبةيقصّ عليه الناس أحلام نائم
فأمرت له بعشرة آلاف درهم وفرس، فأعطيه بلا سرج؛ فتلقّاها لما رحلت وقال:
لقد سادت زبيدة كلّ حيّوميت ما خلا الملك الهماما
تقى وسماحة وخلوص مجدإذا الأنساب أخلصت الكراما
إذا نزلت منازلها قريشنزلت الأنف منها والسّناما
بلغت من المفاخر كلّ فخروجاوزت الكلام فلا كلاما
وأعطيت اللّهى لكنّ طرفييريد السّرج منكم واللّجاما
فأمرت له بسرج ولجام.
قال ابن أبي سعد: خرج المهدي يتنزه بعيسى باذ، وقدم النّصيب، ومعه ابنته حجناء، فدخل على المهديّ، وهي معه، فأنشدته قولها فيه:
ربّ عيش ولذة ونعيموبهاء بمشرق الميدان
بسط اللّه فيه أبهى بساطمن بهار وزاهر الحوذان
ثم من ناضر من العشب الأخضر يزهو شقائق النّعمان
مدّه اللّه بالتّحاسين حتىقصرت دون طوله العينان
حقّقت حافتاه حيث تناهىبخيام في العين كالظّلمان
زيّنوا وسطها بطارمة مثل الثريّا يحفّها النّسران
ثم حشو الخيام بيض كأمثال المها في صرائم الكثبان
يتجاوبن في غناء شجيّأسعداني يا نخلتي حلوان
فبقصر السلام من سلّم اللّه وأبقى خليفة الرحمن
ولديه الغزلان بل هنّ أبهىعنده من شوادن الغزلان
يا له منظرا ويوم سرورشهدت لذّتيه كلّ حصان
فأمر لها المهديّ بعشرة آلاف درهم، وله بمثلها؛
قال: ثم دخلت الحجناء على العبّاسة بنت المهدي، فأنشدتها تقول:
أتيناك يا عباسة الخير والحياوقد عجفت أدم المهاري وكلّت
وما تركت منا السّنون بقيةسوى رمّة منا من الجهد رمّت
فقال لنا من ينصح الرأي نفسهوقد ولّت الأموال عنا فقلّت
عليك ابنة المهديّ عوذي ببابهافإن محلّ الخير في حيث حلّت
فأمرت لها بثلاثة آلاف درهم وكسوة وطيب، فقالت:
أغنيتني يا بنة المهديّ أيّ غنىبأعجرين كثير فيهما الورق
- أي: اغنيتني على عقب ما أغناني أخوك. بأعجرين: بكيسين -:
من ضرب تسع وتسعين محكّكةمثل المصابيح في الظّلماء تأتلق
أما الحسود فقد أمسى تغيّظهغمّا وكاد برجع الرّيق يختنق
وذو الصداقة مسرور بنا فرحبادي البشارة ضاح وجهه شرق
وقال ابن أبي سعد: كان إسحاق بن الصباح الأشعثي صديقا للنصيب، وقدم قدمة من الحجاز، فدخل على إسحاق؛ وهو يهب لجماعة وردوا عليه برّا وتمرا، فيحملونه على إبلهم ويمضون، فوهب لنصيب جارية حسناء يقال لها: مسرورة، فأردفها خلفه، ومضى وهو يقول:
إذا احتقبوا برّا فأنت حقيبتيمن البشريّات الثقال الحقائب
ظفرت بها من أشعثيّ مهذّبأغرّ طويل الباع جمّ المواهب
فدى لك يا إسحاق كلّ مبخّلضجور إذا عضّت شداد النوائب
إذا ما بخيل القوم غيّب مالهفمالك عدّ حاضر غير غائب
إذا اكتسب القوم الثّراء فإنّماترى الحمد غنما من كريم المكاسب
وقال فيه أيضا:
فتى من بني الصّبّاح يهتزّ للنّدىكما اهتزّ مسنون الغرار عتيق
فتى لا يذمّ الضيف والجار رفدهولا يجتويه صاحب ورفيق
أغر لأبناء السبيل مواردإلى بيته تهديهم وطريق
وإن عدّ أنساب الملوك وجدتهإلى نسب يعلوهم ويفوق
فما في بني الصّبّاح إن بعد المدىعلى الناس إلا سابق وعريق
وإني لمن شاحنتم لمشاحنوإني لمن صادقتم لصديق
قال: وكان النّصيب إذا قدم على المهديّ استهداه القوّاد منه، وسألوه أن يأمره بزيارتهم، فكان فيمن استزاره خزيمة بن خازم، فوصله وحمله، وقال فيه:
وجدتك يا خزيمة أريحيّابما تحوي وذا حسب صميم
تميم كان خير بني معدّوأنت اليوم خير بني تميم
سوى رهط النبيّ وهم أديموأنت قددت من ذاك الأديم
وقال فيه أيضا:
يا أفضل الناس عودا عند معجمهإذا تفاضل يوما معجم العود
إني لواحد شعر قد عرفت بهوذا خزيمة أضحى واحد الجود
إن يعطك اليوم معروفا يعدك غدافأنت في نائل منه وموعود
وقد رأينا تميما غير مكرهةألقت إليك جميعا بالمقاليد
فأنت أكرمها نفسا وأفضلهاإنّ الصناديد أبناء الصناديد
قال: وكان في غزاة سمالو مع المهديّ. فوقف به فرسه، ومرّ به جعد مولى عبد اللّه بن هشام بن عمرو، وبين يديه فرس يجنب فقال له: قد ترى قيام فرسي تحتي، فاردد إليّ جنيبك حتى يتروّح فرسي ساعة، فسكت، ولم يجبه فقال فيه:
أنادي بأعلى الصوت جعدا وقد يرىمكاني ولكن لا يجيب ويسمع
ولم يرني أهلا لحسن إجابةولا سوئها إني إلى اللّه أرجع
فلو أنّني جازيت جعدا بفعلهلقد لاح لي فيه من الشعر موضع
ولكنّني جافيت عنه لغيرهبحسن الذي يأتي إليّ ويصنع
رأيتك لم تحفظ قرابة بينناوما زالت القربى لدى الناس تنفع
قال: وسأل عبيد اللّه بن يحيى بن سليمان مركبا، فأعطاه إياه، وجعل معه شريكا له فيه، فقال:
لقد مدحت عبيدا إذ طمعت بهوقد تملّقته لو ينفع الملق
فعاد يسأل ما أصبحت سائلهفكلّنا سائل في الحرص متّفق
أحين سار مديحي فيكم طرقاوحيث غنّت به الركبان والرّفق
قطعت حبل رجاء كنت آملهفيما لديك فأضحى وهو منحذق
قد كان أورق عودي من أبيك فقدلحيت عودي فجفّ العود والورق
من نازع الكلب عرقا يرتجى شبعاكمصطل بحريق وهو يحترق
أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال: حدّثنا الزبير بن بكّار قال: كتب إليّ أبو محمد إسحاق بن أبي إبراهيم يقول: أنشدت الفضل بن يحيى قول أبي الحجناء نصيب:
عند الملوك مضرّة ومنافعوأرى البرامك لا تضرّ وتنفع
إن العروق إذا استسرّ بها الثّرىأشر النبات بها وطاب المزرع
فإذا نكرت من امرىء أعراقهوقديمه فانظر إلى ما يصنع
قال: فأعجبه الشعر، فقال: يا أبا محمد، كأني واللّه لم أسمع هذا القول إلا الساعة، وما له عندي عيب إلا أنّي لم أكافئه عليه. قال: قلت: وكيف ذلك أصلحك اللّه، وقد وهبت له ثلاثين ألف درهم! فقال: لا واللّه ما ثلاثون ألف دينار بمكافئة له، فكيف ثلاثون ألف درهم!
أخبرني أحمد بن عبد اللّه بن عمار قال: أخبرني أحمد بن سليمان بن أبي شيخ قال: كان أبي يستملح قول نصيب وقد رأى كثرة الشعراء على باب الفضل بن يحيى. فلما دخل الناس إليه قال له:
ما لقينا من جود فضل بن يحيىترك الناس كلهم شعراء
ويقول: ما في الدنيا أحسن من هذا المعنى، وعلى أنه قد أخذ منهم مالا جليلا ولكن قلما سمعت بطبقته مثله.
صوت
طاف الخيال ولات حين تطرّبأن زار طيف موهنا من زينب
طرقت فنفّرت الكرى عن نائمكانت وسادته ذراع الأرحبي
فبكى الشباب وعهده وزمانهبعد المشيب وما بكاء الأشيب!
عروضه من الكامل، الشعر لأبي شراعة القيسي، والغناء لدعامة البصريّ خفيف رمل بالبنصر من كتاب الهشاميّ.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع