من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار أبي شراعة ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو - فيما كتب به إلينا ابنه أبو الفيّاض سوّار بن أبي شراعة من أخباره ونسبه - أحمد بن محمد بن شراعة بن ثعلبة بن محمد بن عمير بن أبي نعيم بن خالد بن عبدة بن مالك بن مرة بن عبّاد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن عليّ بن بكر بن وائل: شاعر بصريّ من شعراء الدولة العباسية جيّد الشعر جزله، ليس برقيق الطبع، ولا سهل اللّفظ، وهو كالبدويّ الشعر في مذهبه، وكان فصيحا يتعاطى الرسائل والخطب مع شعره، وكانت به لوثة وهوج.
وأمه من بني تميم من بني العنبر، وابنه أبو الفيّاض سوّار بن أبي شراعة أحد الشعراء الرواة، قدم علينا بمدينة السّلام بعد سنة ثلاثمائة، فكتب عنه أصحابنا قطعا من الأخبار واللّغة، وفاتني فلم ألقه، وكتب إليّ وإلى أبي - رحمه اللّه - بإجازة أخباره على يدي بعض إخواننا، فكانت أخبار أبيه من ذلك.
فمنها ما حكاه عنه أنه كان جوادا لا يليق شيئا، ولا يسأل ما يقدر عليه إلا سمح به، وأنه وقف عليه سائل يوما فرمى إليه بنعله وانصرف حافيا، فعثر فدميت إصبعه فقال في ذلك:
ألا لا أبالى في العلا ما أصابنيوإن نقبت نعلاي أو حفيت رجلي
فلم تر عيني قطّ أحسن منظرامن النكب يدمى في المواساة والبذل
ولست أبالي من تأوّب منزليإذا بقيت عندي السراويل أو نعلي
قال: وبلغه أن أخاه يقول: إن أخي مجنون، قد أفقرنا ونفسه، فقال:
أأنبز مجنونا إذا جدت بالذيملكت وإن دافعت عنه فعاقل
فداموا على الزّور الذي قرفوا بهودمت على الإعطاء ما جاء سائل
أبيت وتأبى لي رجال أشحّةعلى المجد تنميهم تميم ووائل
قال: وقال أيضا في ذلك:
أئن كنت في الفتيان آلوت سيداكثير شحوب اللون مختلف العصب
فما لك من مولاك إلا حفاظهوما المرء إلا باللسان وبالقلب
هما الأصغران الذائدان عن الفتىمكارهه والصاحبان على الخطب
فإلّا أطق سعي الكرام فأننيأفكّ عن العاني وأصبر في الحرب
أخبرني عمي قال: أخبرني ميمون بن هارون قال: حدّثني إبراهيم بن المدبّر قال: كان عندي أبو شراعة بالبصرة، وأنا أتولّاها، وكان عندي عمير المغني المدني، وكان عمير بن مرة غطفانيا، وكان يغنّي صوتا يجيده، واختاره عليه وهو:
أتحسب ذات الخال راجية ربّاوقد صدعت قلبا يجنّ بها حبّا
فاقترحه أبو شراعة على عمير، فقال: أعطني دراهم، حتى أقبل اقتراحك، فقال له أبو شراعة: أخذ المغني من الشاعر يدلّ على ضعف الشاعر، ولكني أعرضك لأبي إسحاق، فغنّاه إياه ثلاث مرات وقد شرب عليه ثلاثة أرطال، وقال:
عدوت إلى المريّ عدوة فاتكمعنّ خليع للعواذل والعذر
فقال لشيء ما أرى قلت: حاجةمغلغلة بين المخنّق والنّحر
فلما لواني يستثيب زجرتهوقلت: اغترف إنّا كلانا على بحر
أليس أبو إسحاق فيه غنى لنافيجدي على قيس وأجدي على بكر
فغنّى بذات الخال حتى استخفّنيوكاد أديم الأرض من تحتنا يجري
حدّثني عليّ بن سليمان الأخفش قال: حدّثني محمد بن يزيد المبرد قال: كان أبو شراعة صديقا لابن المدبّر أيام تقلّده البصرة، وكان لا يفارقه في سائر أحواله، ولا يمنعه حاجة يسأله إياها، ولا يشفع لأحد إلا شفّعه، فلما عزل إبراهيم بن المدبر شيّعه الناس، وشيّعه أبو شراعة، فجعل يردّ الناس، حتى لم يبق غيره، فقال له: يا أبا شراعة غاية كل مودّع الفراق، فانصرف راشدا مكلوءا من غير قلى واللّه ولا ملل، وأمر له بعشرة آلاف درهم، فعانقه أبو شراعة، وبكى؛ فأطال، ثم أنشأ يقول:
يا أبا إسحاق سر في دعةوامض مصحوبا فما منك خلف
ليت شعري أيّ أرض أجدبتفأغيثت بك من جهد العجف!
نزل الرّحم من اللّه بهموحرمناك لذنب قد سلف
إنما أنت ربيع باكرحيثما صرّفه اللّه انصرف
قال أبو الفياض سوّار بن أبي شراعة: دخل أبي على إبراهيم بن المدبر وعنده منجّم، فماراه إبراهيم بن المدبّر في رؤية الهلال لشهر رمضان؛ فحكم المنجّم بأنه يرى، وحلف إبراهيم بعتق غلمانه أنّه لا يرى، فرئي في تلك الليلة. فأعتق غلمانه، فلما أصبح دخل الناس يهنئونه بالشهر، فأنشده أبو شراعة يقول:
أيها المكثر التّجنّي على المال إذا ما خلا من السّؤّال
أفتنا في الذين أعتقت بالأمس مواليك أم موالي الهلال؟
لم يكن وكدك الهلال ولكنتنألّى لصالح الأعمال
إنما لذتاك في المال شتّىصونك العرض وابتذال المال
ما نبالي إذا بقيت سليمامن تولّت به صروف اللّيالي
قال أبو الفيّاض: وكان أبو شراعة صديق السّدري، فدعا يوما إخوانه، وأغفل أبا شراعة. فمرّ به الرياشيّ.
فقال: يا أبا شراعة، ألست عند السّدري معنا؟ فقال: لم يدعنا. ومرّ به جماعة من إخوانه، فسألوه عن مثل ذلك، ومرّ به عيسى بن أبي حرب الصّفار - وكان ممن دعي - فجلس وحلف ألا يبرح حتى يأتيه السّدري، فيعتذر إليه، ويدعوه، فقال أبو شراعة:
أير حمار في حرام شعريوخصيناه في حرامّ قدري
إن أنا لم أشفعهما بوفرلو كنت ذا وفر دعاني السّدري
أو كان من همّ هشام أمريأو راح إبراهيم يطري ذكري
وابن الرياشي الضعيف الأسريخاف إن أردف ألّا يجري
وأنت يا عيسى سقاك المسرىنعم صديق عسرة ويسر
قال أبو الفيّاض: سقطت دارنا بالبصرة، فعوتب أبي على بنائها، وقيل له: استعن بإخوانك إن عجزت عنه فقال:
تلوم ابنة البكريّ حين أءوبهاهزيلا وبعض الآئبين سمين
وقالت: لحاك اللّه تستحسن العراعن الدار إنّ النائبات فنون
وحولك إخوان كرام لهم غنىفقلت لإخواني: الكرام عيون
ذريني أمت قبل احتلال محلّةلها في وجوه السائلين غضون
سأفدي بمالي ماء وجهي إننيبما فيه من ماء الحياء ضنين
قال سوّار بن أبي شراعة: كان إخوان أبي يجتمعون عند الحسين بن أيوب بن جعفر بن سليمان في ليالي شهر رمضان، فيهم الرياشي والجمّاز، فقال أبي في ذلك:
لو كنت من شيعة الجمّاز أقعدنيمقاعدا قربهنّ الريف والشرّف
لكنّني كنت للعباس متّبعاوليس في مركب العباس مرتدف
قد بقيت من ليالي الشهر واحدةفعاودوا مالح البقّال وانصرفوا
قال: وتزوّج نديم لأبي شراعة يقال له بيّان امرأة، فاتفق عرسه في ليلة طلّق فيها أبو شراعة امرأته، فعوتب في ذلك، وقيل: بات بيّان عروسا، وبتّ عزبا، فقال في ذلك:
رأت عرس بيّان فهبّت تلومنيرويدك لوما فالمطلّق أحوط
رويدك حتى يرجع البرّ أهلهويرحم ربّ العرس من حيث يغبط
إذا قال للطحّان عند حسابهأعد نظرا إني أظنك تغلط
فما راعه إلا دعاء وليدةهلمّ إلى السّواق إن كنت تنشط
هنالك يدعو أمّه فيسبّهاويلتبس الأجر العقوق فيحبط
فياذا العلا إني لفضلك شاكرأبيت وحيدا كلما شئت أضرط
قال: ثم بلغه عن بيّان هذا أنه عجز عن امرأته، ولم يصل إليها، ولقي منها شرّا، فقال في ذلك:
رمى الدهر في صحبي وفرّق جلّاسيوباعدهم عني بظعن وإعراس
فكلّهم يبغي غلافا لأيرهوأقعدني عن ذاك فقري وإفلاسي
فشكرا لربّي خان بيّان أيرهوأسعى بأيري في الظّلام على الناس
يمسحه بالكف حتى يقيمهوهل ينفع الكفّان من ثقل الراس
وقال أبو الفياض سوّار: نظر إليّ أبي يوما وقد سألت عمّي حاجة فردّني، فبكى، ثم قال:
حبّي لإغناء سوّار يجشّمنيخوض الدّجى واعتساف المهمة البيد
كي لا تهون على الأعمام حاجتهولا يعلّل عنها بالمواعيد
ولا يوليهم إن جاء يسألهاأكتاف معرضة في العيس مردود
إذا بكى قال منهم ذو الحفاظ لهلقد بليت بخلق غير محمود
قال: وتمارى أبو شراعة ورجل من أهل بغداد في النبيذ، فجعل البغداديّ يذمّ نبيذ التمر والدّبس، فقال أبو شراعة:
إذا انتخبت حبّه ودبهثم أجدت ضربه ومرسه
ثم أطلت في الإناء حبسهشربت منه البابليّ نفسه
قال: وأعوز أبا شراعة يومئذ النبيذ، فطلب من نديمين كانا له، فاعتلّ أحدهما بحلاوة نبيذه، والآخر بحموضته، فاشترى من نباذ يقال له: أبو مظلومة دستيجة بدرهمين، وكتب إليهما:
سيغني عن حلاوة دبس يحيىويغني عن حموض أبي أميّه
أبو مظلومة الشيخ المولّيإذا اتّزنت يداه درهميّه
أخبرني عليّ بن سليمان قال: حدّثنا محمد بن يزيد قال: كان أبو شراعة قبيح الوجه جدّا، فنظر يوما في المرآة، فأطال، ثم قال: الحمد للّه الذي لا يحمد على الشرّ غيره.
قال سوّار بن أبي شراعة: حلف أبي ألا يشرب نبيذا بطلاق امرأة كانت عنده، فهجره حولين، ثم حنث، فشرب، وطلّق امرأته وأنشأ يقول:
فمن كان لم يسمع عجيبا فإننيعجيب الحديث يا أميم وصادقه
وقد كان لي أنسان يا أمّ مالكوكلّ إذا فتّشتني أنا عاشقه
عزيزة والكأس التي من يحلّهاتخادعه عن عقله فتصادقه
تحاربتا عندي فعطّلت دنّهاوأكوابها والدهر جمّ بوائقه
ومرّمتها حولين ثم أزلّنيحديث النّدامى والنشيد أوافقه
فلمّا شربت الكأس بانت بأختهافبان الغزال المستحبّ خلائقه
فما أطيب الكأس التي اعتضت منكمولكنّها ليست بريم أعانقه
قال أبو الفيّاض: قال أبي: قصدت الحسن بن رجاء بالأهواز، فصادفت ببابه دعبل بن عليّ الخزاعيّ وجماعة من الشعراء، وقد اعتلّ عليهم بدين لزمه ومصادرة فكتب إليه:
المال والعقل شيء يستعان بهعلى المقام بأبواب السلاطين
وأنت تعلم أني منهما عطلإذا تأملتني يا بن الدّهاقين
هل تعلم اليوم بالأهواز من رجلسواك يصلح للدّنيا وللدّين
قال: فوعدنا وعدا قرّبه، ثم تدافع، فكتب إليه:
آذنت جبّتي بأمر قبيحمن فراق للطيلسان الفسيح
فكأني بمن يزيد على الجبّة في ظلّ دار سهل بن نوح
أنت روح الأهواز يا بن رجاءأيّ شيء يعيش إلّا بروح
فأذن لي وللجماعة، وقضى حوائجنا.
قال أبو الفيّاض وحدّثني أبي قال: حججت، فأتيت دار سعيد بن سلم، فنحرت فيها ناقة، وقلت:
وردت دار سعيد وهي خاليةوكان أبيض مطعاما ذرى الإبل
فارتحت فيها أصيلا عند ذكرتهوصحبتي بمنى لا هون في شغل
فابتعت من إبل الجمّال دهشرةموسومة لم تكن بالحقّة العطل
نحرتها عن سعيد ثم قلت لهم:زوروا الحطيم فإني غير مرتحل
قال: وبلغت الأبيات وفعلي ولده، فأحسنوا المكافأة، وأجزلوا الصّلة؛ قال: فقال له صديق له: وأنت أيضا قد استجدت لهم النّحيرة! فضحك، ثم قال: أغرّك وصفي لها؟ أشهد اللّه أني ما بلغت بها دار سعيد إلا بين عمودين.
وقال أبو الفياض: كان أبو أمامة محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن سعيد بن سلم - وأمه سعدى بنت عمرو بن سعيد بن سلم - صديقا لأبي شراعة، وكانت أمّه سعدى تعوله، فكان أبو شراعة لا يزال يعبث به، وبلغه أن أبا أمامة يقول: إنّما معاش أبي شراعة من السلطان ورفده، ولو لا ذاك لكان فقيرا؛ فقال فيه:
عيّرتني نائل السلطان أطلبهيا ضلّ رأيك بين الخرق والنّزق
لو لا امتنان من السلطان تجهلهأصبحت بالسّود في مقعوعس خلق
- السّود: موضع تنزله باهلة بالبادية -:
رثّ الرّدا بين أهدام مرقّعةيبيت فيها بليل الجائع الفرق
لا شيء أثبت بالإنسان معرفةمن التي حزمت جنبيه بالخرق
فأين دارك منها وهي مؤمنةباللّه معروفة الإسلام والشّفق!
وأين رزقك إلا من يدي مرةما بتّ من مالها إلا على سرق!
تبيت والهرّ ممدودا عيونكماإلى تطعّمها مخضرّة الحدق
ما بين رزقيكما إن قاس ذو فطنفرق سوى أنه يأتيك في طبق
شاركه في صيده للفأر تأكلهكما تشاركه في الوجه والخلق
قال أبو الفيّاض: وزارة أبو أمامة يوما فوجد عنده طفشيلا فأكله كلّه، فقال أبو شراعة يمازحه:
عين جودي لبرمة الطفشيلواستهلّي فالصبر غير جميل
فجعتني بها يد لم تدع للذّرّ في صحن قدرها من مقيل
كان واللّه لحمها من فصيلراتع يرتعي كريم البقول
فخلطنا بلحمه عدس الشّام إلى حمّص لنا مبلول
فأتتنا كأنها روضة بالحزن تدعو الجيران للتّطفيل
ثم أكفأت فوقها جفنة الحيّوعلّقت صحفتي في زبيل
فمنى اللّه لي بفظّ غليظما أراه يقرّ بالتّنزيل
فانتحى دائبا يدبّل منهاقلت: إن الثريد للتّدبيل
فتغنّى صوتا ليوضح عنديحيّ أمّ العلاء قبل الرّحيل
أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال: حدّثني سوّار بن أبي شراعة قال: كتب أبي إلى سعيد بن موسى بن سعيد بن مسلم بن قتيبة يستهديه نبيذا، فكتب إليه سعيد: إذا سألتني - جعلني اللّه فداءك - حاجة فاشطط، واحتكم فيها حكم الصّبيّ على أهله، فإن ذلك يسرني، وأسارع إلى إجابتك فيه. وأمر له بما التمس من النبيذ، فمزجه صاحب شرابه، وبعث به إليه. فكتب إليه أبو شراعة: أستنسىء اللّه أجلك، وأستعيذه من الآفات لك، وأستعينه على شكر ما وهب من النّعمة فيك، إنه لذلك وليّ، وبه مليّ. أتلقى غلامك المليح قدّه، السعيد بملكك جدّه بكتاب قرأته غير مستكره اللفظ، ولا مزورّ عن القصد، ينطق بحكمتك، ويبين عن فضلك، فو اللّه ما أوضح لي خفيّا، ولا رادني بك علما، وإذا أنت تسأل فيه أن تهب، وتحبّ أن تحمد، ولا غرو أن تفعل ذلك، ومن كثب أخذته، لا عن كلالة وغير كلالة ورثته، موسى أبوك، وسعيد جدّك، وعمرو عمك، ولك دار الصّلة، ودار الضيافة، وصاحب البغلة الشّهباء وحصين بن الحمام وعروة بن الورد، ففي أيّ غلوات المجد يطمع قرينك أن يستولى على المدى، والأمد دونك. وكتابك إليّ أن أتحكّم عليك تحكّم الصبي على أهله، فلشدّ ما جررت إليّ معروفك، ودللت على الأنس بك، وحاشى للمحكوم له والمحكوم عليه في ذات الحسب العتيق، والمنظر الأنيق الذي يسرّ القلب، ويلائم الرّوح، ويطرد الهمّ:
تدبّ خلال شؤون الفتىدبيب دبى النّملة المنتعش
إذا فتحت فقمت ريحهاوإن سيل خمّارها قال: خش
- خش: كلمة فارسية تفسيرها: طيّب -.
فإن كنت رعيت لها عهدا، وحفظت لها عندك يدا، فانظر ربّ الحانوت فامطله دينه، واقطع السبب بينك وبينه، فقد أساء صحبتها، وأفسد بالماء حسّها، وسلّط عليها عدوّها، واعلم بأن أباك المتمثّل بقوله:
يرى درجات المجد لا يستطيعهافيقعد وسط القوم لا يتكلم
وقد بسطت قدرتك لسانك، وأكثرت لك الحمد، فدونك نهزة البديهة منه:
وبادر بمعروف إذا كنت قادرازوال افتقار أو غنى عنك يعقب
وقد بعثت إليك بقرابة مع الرسول، وأنشأت في أثرها أقول:
إليك ابن موسى الجود أعملت ناقتيمجلّلة يضفو عليها جلالها
كتوم الوحي لا تشتكي ألم السّرىسواء عليها موتها واعتلالها
إذا شربت أبصرت ما جوف بطنهاوإن ظمئت لم يبد منها هزالها
وإن حملت حملا تكلّفت حملهاوإن حطّ عنها لم أقل كيف حالها؟
بعثنا بها تسمو العيون وراءهاإليك وما يخشى عليها كلالها
وغنّى مغنّينا بصوت فشافنيمتى راجع من أم عمرو خيالها
أحبّ لكم قيس بن عيلان كلّهاويعجبني فرسانها ورجالها
ومالي لا أهوى بقاء قبيلةأبوك لها بدر وأنت هلالها
قال: فبعث إليه برسوله الذي حمل إليه النبيذ، واستملحه في شعره، وبصاحب شرابه، وكل ما كان في خزانته من الشرّاب وبثلاثمائة دينار.
أخبرني الأخفش عن المبرّد وسوّار بن أبي شراعة جميعا: أن أبا الفيّاض سوار بن أبي شراعة كان يهوى قينة بالبصرة يقال لها: مليحة، فدعيت ذات يوم إلى مجلس لم يكن حاضره، وحضر أبو عليّ البصير ذلك المجلس، فجمّشها بعض من حضر، فلم تلتفت إليه، وعرف أبو عليّ ذلك فكتب إلى أبي الفيّاض:
لك عندي بشارة فاستمعهاوأجبني عنها أبا الفيّاض
كنت في مجلس مليحة فيهوهي سقم الصّحاح برء المراض
وقديما عهدتني لست في حقّك والذبّ عنك ذا إغماض
فتغفّلتها تغفّل خصموتأملتها تأمّل قاض
ورمتها العيون من كلّ أفقوتشاكوا بالوحي والإيماض
من كهول وسادة سمحاءباللّها باخلين بالأعراض
وصفات القيان أولها الغدر عليه في وصلهنّ التّراضي
فتشوّفت ذاك منها وأعددت نكيري وسورتي وامتعاضي
فحمت جانب المزاح وعمّتهم جميعا بالصّدّ والإعراض
وكفاني وفاؤها لك حتّىآذن الليل جمعهم بار فضاض
ليت شعري ماذا دعاك إلى أنهجت شوقي وزدت في إمراضي؟
ذكرّتني بشراك داء قديمامن سقام عليّ لا شك قاضي
إن تكن أحسنت مليحة في وصلي وعاصت رياضة الرّوّاض
وأقامت على الوفاء ولم ترع لوحي منهم ولا إيماض
فعلى صحّة الوفاء تعاقدنا وصون النّفوس والأعراض
وعلينا من العفاف ثيابهنّ أبهى من حاليات الرياض
ليس حظّي منها سوى النظر الختل وإني به لجذلان راض
لحظات يقعن في ساحة القلب وقوع السهام في الأغراض
وابتسام كالبرق أو هو أخفىبين ستري تحرّز وانقباض
لا أخاف انتقاضها آخر الدهر بغدر ولا تخاف انتقاضي
فأبن لي ألست تحمد ذا الودّ وقاك الردى أبو الفياض؟
قال أبو الفيّاض: اتصل بأبي شراعة أن أبا ناظرة السّدوسي يغتابه، وكان مع آل أبي سفيان بن ثور فقال يهجوهم:
لعن الإله بني سدوس كلّهمورمى بمنجوف وريّة قاف
قد سبّني عضروطهم فسببتهمذنب الدّنيء يناط بالأشراف
قال أبو الفيّاض: وكان بين بعض بني عمنا وبين أبي شراعة وحشة، ثم صالحوه، ودعوه إلى طعامهم، فأبى، وقال: أمثلي يخرج من صوم إلى طعم، ومن شتيمة إلى وليمة: ومالي ولكم مثل إلا قول المتلمّس:
فإن تقبلوا بالودّ نقبل بمثلهوإلا فإنا نحن آبى وأشمس
وقال فيهم:
بني سوّار إن رثّت ثيابيوكلّ عن العشيرة فضل مالي
فمطّرح ومتروك كلاميوتجفوني الأقارب والموالي
ألم أك من سراة بني نعيمأحلّ البيت ذا العمد الطّوال
وحولي كلّ أصيد تغلبيّأبيّ الضيم مشترك النوال
إذا حضر الغداء فغير مغنويغني حين تشتجر العوالي
وأبقوني فلست بمستكينلصاحب ثروة أخرى الليالي
ولا بممسّح المثرين كيماأمسّح من طعامهم سبالي
أنا ابن العنبرية أزّرتنيإزار المكرمات إزار خالي
فإن يكن الغنى مجدا فإنيسأدعو اللّه بالرزق الحلال
صوت
إذا أبصرتك العين من بعد غايةوأوقعت شكّا فيك أثبتك القلب
ولو أن ركبا يمّموك لقادهمنسيمك حتى يستدلّ بك الركب
الشعر لعبد اللّه بن محمد بن البوّاب، والغناء لأحمد بن صدقة الطّنبوري، رمل مطلق في مجرى البنصر رواية الهشامي.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع