تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

أخبار ابن البواب

ديوان ابن البوابفيه ٦١ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

هو عبد اللّه بن محمد بن عتاب بن إسحاق، من أهل بخارى وجّه بجدّه وجماعة معه رهينة إلى الحجاج بن يوسف، فنزلوا عنده بواسط، فأقطعهم سكّة بها، فاختطّوها ونزلوها طول أيام بني أمية، ثم انقطعوا من الدولة العباسية إلى الربيع، فخدموه.

وكان عبد اللّه بن محمد هذا يخلف الفضل بن الربيع على حجبة الخلفاء، وكان أبوه محمد بن عتاب يخلف الربيع في أيام أبي جعفر، وكان معه فرآه أبو جعفر مع أبيه، فسأله عنه فأخبره، فكساه قباء خزّ، وكساه تحته قباء كتّان مرقوع القبّ، وقال له: هذا يخفى تحت ذاك.

ذكر لي ذلك أحمد بن القاسم بن يوسف عن محمد بن عبد اللّه بن محمد البواب عن أبيه.

وكان عبد اللّه صالح الشعر قليله، ورواية لأخبار الخلفاء عالما بأمورهم، روى عنه أبو زيد عمر بن شبّة ونظراؤه، وقد مضت في هذا الكتاب وتأتي أخبار من روايته.

قال أحمد بن القاسم اليوسفيّ: حدّثني محمد بن عبد اللّه البواب قال: حدّثني أبي قال: حجبت موسى وهارون خليفة للفضل بن الربيع.

وخدم محمدا الأمين فأغناه وأعطاه، ومدحه، ونال من المأمون وعرّض به، فأخبرني إسماعيل بن يوسف قال: حدّثني عبد اللّه بن أحمد الباهليّ قال: حدّثني الحسين بن الضحّاك قال: لما أتي المأمون بشعر ابن البواب الذي يقول فيه:

صوت

أيبخل فرد الحسن فرد صفاتهعليّ وقد أفردته بهوى فرد!
للشاعر الحسين بن الضحّاك، اقرأ القصيدة
رأى اللّه عبد اللّه خير عبادهفملّكه واللّه أعليم بالعبد
للشاعر الحسين بن الضحّاك، اقرأ القصيدة
ألا إنما المأمون للناس عصمةمميّزة بين الضّلالة والرّشد
للشاعر الحسين بن الضحّاك، اقرأ القصيدة

- لعلويه في هذه الأبيات رمل بالوسطى -:

قال: فقال المأمون: أليس هو القائل:

أعينيّ جودا وابكيا لي محمّداولا تدخرا دمعا عليه وأسعدا
فلا فرح المأمون بالملك بعدهولا زال في الدّنيا طريدا مشرّدا!

هيهات، وواحدة بواحدة! ولم يصله بشيء.

هكذا روى عن الحسين بن الضحاك. وقد روى أن هذين الشعرين جميعا للحسين، وأن قول المأمون هذا بعينه فيه.

وقال أحمد بن القاسم حدّثني جزء بن قطن. وأخبرني بهذا الخبر الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق، قالا جميعا: وقع بين إسحاق وبين ابن البواب شرّ فقال ابن البواب شعرا ذميما رديئا، ونسبه إلى إسحاق وأشاعه ليعيّره به وهو:

إنما أنت يا عنان سراجزيته الظّرف والفتيلة عقل
قاده للشقاء مني فؤاديرجل حبّ لكم وللحبّ رجل
هضم اليوم حبّكم كلّ حبّفي فؤادي فصار حبّك فجل
أنت ريحانة وراح ولكنكلّ أنثى سواك خلّ وبقل

وقال حماد في خبره وبلغ ذلك أبي فقال له:

الشعر قد أعيا عليك فخلّهوحذ العصا واقعد على الأبواب
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة

فجاء ابن البواب إلى إبراهيم جدّي فشكا أبي إليه فقال له: ما لك وله يا بنيّ؟ فقال له أبي: تعرّض لي فأجبته، وإن كفّ لم أرجع إلى مساءته. فتتاركا.

قال أحمد بن القاسم: أخبرني محمد بن الحسن بن الفضل قال: أخبرني: إبراهيم بن أحمد بن عبد الرحيم قال: كان بالكرخ نخّاس يكنى أبا عمير، وكان له جوار قيان لهنّ ظرف وأدب، وكان عبد اللّه بن محمد البواب يألف جارية منهنّ يقال لها: عبّادة، ويكثر غشيان منزل أبي عمير من أجلها، فضاق ضيقة شديدة، فانقطع عن ذلك، وكره أن يقصّر عما كان يستعمله من برّهم فتعلم بضيقته، ثم نازعته نفسه إلى لقائها وزيارتها، وصعب عليه الصبر عنها، فأتاه فأصاب في منزله جماعة ممن كان يألف جواريه، فرحّب به أبو عمير والجارية والقوم جميعا، واستبطئوا زيارته، وعاتبوه على تأخره عنهم، فجعل يجمجم في عذره، ولا يصرّح، فأقام عندهم، فلما أخذ فيه النبيذ أنشأ يقول:

لو تشكّى أبو عمير قليلالأتيناه من طريق العياده
فقضينا من العيادة حقّاونظرنا في مقلتي عبّاده

فقال له أبو عمير: مالي ولك يا أخي؟ انظر في مقلتي عبّادة متى شئت غير ممنوع، ودعني أنا في عافية، لا تتمنّ لي المرض لتعودني.

وقال أحمد بن القاسم: كان عبد اللّه بن إسماعيل بن عليّ بن ريطة يألف ابن البواب ويعاشره، فشرب عنده يوما حتى سكر ونام، فلما أفاق في السّحر أراد الانصراف، فحلف عليه واحتبسه، وكان عبد اللّه يهوى جارية له من جواري عمرو بن بانة، فبعث إلى عمرو بن بانة فدعاه وسأله إحضار الجارية، فأحضرها، وانتبه عبد اللّه بن إسماعيل من نومه، وهو يتململ خمارا. فلما رآها نشط، وجلس فشرب، وتمّموا يومهم، فقال عبد اللّه بن محمد بن البواب في ذلك:

وكريم المجد محض أبوهفهو الصفو اللّباب النّضار
هاشميّ لقروم إذا ماأظلمت أوجه قوم أناروا
رمت القهوة بالنوم وهناعينه فالجفن فيه انكسار
فهو من طرف يفدّيك طوراويعاطيك اللواتي أداروا
ساعة ثم انثنى حين دبّتومشت فيه السّلاف العقار
وأبت عيني اغتماضا فلمّاحان من أخرى النجوم انحدار
قلت: عبد اللّه حاذرت أمراليس يغني خائفيه الحذار
فاستوى كالهندوائيّ لمّاأن رأى أن ليس يغني الفرار
قلت: خذها مثل مصباح ليلطيّرت في حافيته الشّرار
أقبلت قطرا نطافا ولمايتعب العاصر منها اعتصار
هي كالياقوت حمراء شيبتوعلا الحمرة منها اصفرار
كالدنانير جرى في ذراهافضة فالحسن منها قصار
تنطق الخرس وبالصمت ترميمعشرا نطقا إذا ما أحاروا

قال أحمد: وحدّثني يعقوب بن العباس الهاشميّ أبو إسماعيل النقيب قال: لما طال سخط المأمون على ابن البواب قال قصيدة يمدحه بها، ودسّ من غنّاه في بعضها، لما وجد منه نشاطا. فسأل من قائلها؟ فأخبر به فرضي عنه، وردّه إلى رسمه من الخدمة، وأنشدني أبو إسماعيل القصيدة، وهي قوله:

هل للمحبّ معينإذ شطّ عنه القرين!
فليس يبكي لشجو الحزين إلّا الحزين
يا ظاعنا غاب عنّاغداة بان القطين
أبكى العيون وكانتبه تقرّ العيون
يأيها المأمون المبارك الميمون
لقد صفت بك دنياللمسلمين ودين
عليك نور جلالونور ملك مبين
القول منك فعالوالظنّ منك يقين
ما من يديك شمالكلتا يديك يمين
كأنما أنت في الجود والتّقى هارون
من نال من كل فضلما ناله المأمون!
تألّف الناس منهفضل وجود ولين
كالبدر يبدو عليهسكينة وسكون
فالرزق من راحتيهمقسّم مضمون
وكل خصلة فضلكانت، فمنه تكون

والأبيات التي فيها الغناء المذكور آنفا أربعة أبيات، أنشدنيها الأخفش وهي قوله:

أفق أيها القلب المعذّب كم تصبوفلا النأي عن سلماك يسلي ولا القرب
أقول غداة استخبرت ممّ علتيمن الحبّ كرب ليس يشبهه كرب
إذا أبصرتك العين من بعد غايةفأدخلت شكا فيك أثبتك القلب
ولو أن ركبا يمموك لقادهمنسيمك حتى يستدلّ بك الركب

فقال الأخفش مثل هذا البيت الأخير قول الشاعر:

واستودعت نشرها الديار فماتزداد طيبا إلا على القدم

أخبرني الحسن بن يحيى عن حماد بن إسحاق: قال: رأيت محمد بن عبد اللّه البواب وقد جاء إلى أبي مسلّما فاحتبسه، ورأيته وهو شيخ كبير، وكان ضخما طويلا عظيم الساقين كأنهما دنّان، وكان يشدّ في ساقيه خرزا أسود لئلا تصيبهما العين.

وقال محمد بن القاسم: أملق عبد اللّه بن محمد البواب حين جفاه الخليفة، وعلت سنّه عن الخدمة، فرحل إلى أبي دلف القاسم بن عيسى، ومدحه بقصيدة، فوهب له ثلاثين ألف درهم، وعاد بها إلى بغداد، فما نفدت حتى مات وهي قوله:

طرقتك صائدة القلوب ربابونأت فليس لها إليك مآب
وتصرّمت منها العهود وغلّقتمن دون نيل طلابها الأبواب
فلأصدفنّ عن الهوى وطلابهفالحبّ فيه بليّة وعذاب
وأخصّ بالمدح المهذّب سيّدانفحاته للمجتدين رغاب
وإلى أبي دلف رحلت مطيّتيقد شفّها الإرقال والإتعاب
تعلو بنا قلل الجبال ودونهامما هوت أهويّة وشعاب
فإذا حللت لدى الأمير بأرضهنلت المنى وتقضّت الآراب
ملك تأثّل عن أبيه وجدّهمجدا يقصّر دونه الطّلاب
وإذا وزنت قديم ذي حسب بهخضعت لفضل قديمه الأحساب
قوم علوا أملاك كلّ قبيلةفالناس كلّهم لهم أذناب
ضربت عليه المكرمات قبابهافعلا العمود وطالت الأطناب
عقم النساء بمثله وتعطّلتمن أن تضمّن مثله الأصلاب

صوت

صغير هواك عذّبنيفكيف به إذا احتنكا
للشاعر ذو النون المصري، اقرأ القصيدة
وأنت جمعت من قلبيهوى قد كان مشتركا
للشاعر ذو النون المصري، اقرأ القصيدة
وحبس هواك يقتلنيوقتلي لا يحلّ لكا
أما ترثي لمكتئبإذا ضحك الخليّ بكى
للشاعر ذو النون المصري، اقرأ القصيدة

الشعر لمحمّد بن عبد الملك الزيات والغناء لأبي حشيشة رمل بالوسطى عن الهشاميّ.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»