من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
خبر لقيط ونسبه والسبب في قوله الشعر
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو لقيط بن يعمر. شاعر جاهليّ قديم مقلّ، ليس يعرف له شعر غير هذه القصيدة وقطع من الشعر لطاف متفرقة.
أخبرني بخبر هذا الشعر عمي قال: حدثني القاسم بن محمد الأنباريّ قال: حدثني أحمد بن عبيد قال: حدثني الكليبيّ عن الشّرق بن القطامي قال: كان سبب غزو كسرى إيادا أن بلادهم أجدبت، فارتحلوا حتى نزلوا بسنداد ونواحيها، فأقاموا بها دهرا حتى أخصبوا وكثروا، وكانوا يعبدون صنما يقال له: ذو الكعبين، وعبدته بكر بن وائل من بعدهم، فانتشروا ما بين سنداد إلى كاظمة وإلى بارق والخورنق، واستطالوا على الفرات، حتى خالطوا أرض الجزيرة، ولم يزالوا يغيرون على ما يليهم. من أرض السواد، ويغزون ملوك آل صر، حتى أصابوا امرأة من أشراف العجم كانت عروسا قد هديت إلى زوجها، فولي ذلك منها سفهاؤهم وأحداثهم، فسار إليهم من كان يليهم من الأعاجم، فانحازت إياد إلى العراق وجعلوا يعبرون إبلهم في القراقير ويقطعون بها الفرات وجعل راجزهم يقول:
بئس مناخ الحلقات الدّهمفي ساحة القرقور وسط اليمّ
وعبروا الفرات، وتبعهم الأعاجم، فقالت كاهنة من إياد تسجع لهم:
إن يقتلوا منكم غلاما سلماأو يأخذوا ذاك شيخا همّا
تخضّبوا نحورهم دمّاوترووا منهم سيوفا ظمّا
فخرج غلام منهم يقال له ثواب بن محجن بإبل لأبيه فلقيته الأعاجم، فقتلوه، وأخذوا الإبل ولقيتهم إياد في آخر النهار، فهزمت الأعاجم.
قال: وحدثني بعض أهل العلم أن إيادا بيّنت ذلك الجمع حين عبروا شطّ الفرات الغربيّ، فلم يفلت منهم إلا القليل، وجمعوا به جماجمهم وأجسادهم، فكانت كالتل العظيم، وكان إلى جانبهم دير، فسمّي دير الجماجم، وبلغ كسرى الخبر، فبعث مالك بن حارثة: أحد بني كعب بن زهير بن جشم في آثارهم، ووجّه معه أربعة آلاف من الأساورة. فكتب إليهم لقيط.
يا دار عمرة من محتلّها الجرعاهاجت لي الهمّ والأحزان والوجعا
وفيها يقول - قال الشّرقي بن القطامي أنشدنيها أبو حمزة الثماليّ -:
يا قوم لا تأمنوا إن كنتم غيراعلى نسائكم كسرى وما جمعا
هو الجلاء الذي تبقى مذلّتهإن طار طائركم يوما وإن وقعا
هو الفناء الذي يجتثّ أصلكمفمن رأى مثل ذا رأيا ومن سمعا
فقلّدوا أمركم للّه درّكمرحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا
لا مترفا إن رخاء العيش ساعدهولا إذا حلّ مكروه به خشعا
لا يطعم النوم إلا ريث يبعثههمّ يكاد حشاه يقطع الضّلعا
مسهّد النوم تعنيه ثغوركميروم منها إلى الأعداء مطّلعا
ما انفكّ يحلب هذا الدهر أشطرهيكون متّبعا طورا ومتّبعا
فليس يشغله مال يثمّرهعنكم ولا ولد يبغى له الرّفعا
حتى استمرّت على شزر مريرتهمستحكم السنّ لاقحما ولا ضرعا
كمالك بن قنان أو كصاحبهزيد القناحين لاقى الحارثين معا
إذ عابه عائب يوما فقال له:دمّث لجنبك قبل الليل مضطجعا
فساوره فألفوه أخا عللفي الحرب يختتل الرئبال والسّبعا
عبل الذراع أبيّا ذا مزابنةفي الحرب لا عاجزا نكسا ولا ورعا
مستنجدا يتحدّى الناس كلّهملو صارعوه جميعا في الورى صرعا
هذا كتابي إليكم والنذير لكملمن رأى الرأي بالإبرام قد نصعا
وقد بذلت لكم نصحي بلا دخلفاستيقظوا إنّ خير العلم ما نفعا
وجعل عنوان الكتاب:
سلام في الصّحيفة من لقيطإلى من بالجزيرة من إياد
بأن الليث كسرى قد أتاكمفلا يحبسكم سوق النّقاد
قال: وسار مالك بن حارثة التغلبيّ بالأعاجم حتى لقي إيادا، وهم غارّون لم يلتفتوا إلى قول لقيط وتحذيره إياهم ثقة بأن كسرى لا يقدم عليهم. فلقيهم بالجزيرة في موضع يقال له مرج الأكم، فاقتتلوا قتالا شديدا، فظفر بهم، وهزمهم، وأنقذ ما كانوا أصابوا من الأعاجم يوم الفرات، ولحقت إياد بأطراف الشأم ولم تتوسّطها خوفا من غسّان يوم الحارثين، ولاجتماع قضاعة وغسّان في بلد خوفا من أن يصيروا يدا واحدة عليهم، فأقاموا، حتى أمنوا.
ثم إنهم تطرّفوهم إلى أن لحقوا بقومهم ببلد الروم بناحية أنقرة، ففي ذلك يقول الشاعر:
حلّوا بأنقرة يسيل عليهمماء الفرات يجيء من أطواد
صوت
اللبين يا ليلى جمالك ترحلليقطع منا البين ما كان يوصل؟
تعلّلنا بالوعد ثمّت تلتويبموعودها حتى يموت المعلّل
ألم تر أنّ الحبل أصبح واهناوأخلف من ليلى الذي كنت آمل
فلا الحبل من ليلى يؤاتيك وصلهولا أنت تنهى القلب عنها فيذهل
عروضه من الطويل، الشعر لنصيب الأصغر مولى المهدي، والغناء ليحيى المكيّ خفيف رمل بالبنصر، وكذا نسبته تدلّ عليه.
وذكر عمرو بن بانة في نسخته أن خفيف الرّمل لمالك وأنه بالوسطى، والصحيح أنه لابن المكي.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع